مفهـــوم السلطـــة فــى مصـــر” عصر سلاطين المماليك ” – بقلم الدكتور علاء طه

نشرت في أبريل 10, 2015 عن طريق - قسم تاريخ دكتور علاء طه مصر
0 Flares 0 Flares ×

يتزامن تاريخ “السلطة”  (Authority ) (1) المطلقة فى مصر مع تاريخ الحضارة المصرية القديمة أى منذ بـداية عصـر الأسـرات ( 3200 ق.م ) مروراً بالعصر البطلمى ( 334 -30 ق.م ) وانتهاءًَ بالعصر الرومانى / البيزنطى ( 30 ق.م – 641م ) ، حيث كانت سلطة الحاكم خلال هذه الحقبة التاريخية الطويلة تقوم على فكرة السيادة المطلقة التى تجعل من مصر – أرضاً وشعباً – ملكاً لهذا الحاكم الذى يجمع بين يديه كافة أشكال السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وفى مصر بعد الفتح العربى / الإسلامى ( 20 هـ / 641م ) صارت ” السلطة ” تقوم على مبدأ ” الشورى ” التى ترى أن الحاكم المسلم ” خليفة عن رسول الله فى حراسة الدين وسياسة الدنيا ” على قول الماوردى ( ت 450هـ/1057م ) صاحب الأحكام السلطانية ، وهى السلطة التى تلزم هذا ” الخليفة ” بأن يأتمر بتعاليم الدين الإسلامى الحنيف فى إطار الكتاب والسنة ، لتحقيق ما ينفع الناس فى كل زمان ومكان أى ” حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى فى مصالحهم الأخروية والدنيوية ” (2) ، وهو ما يطلق عليه ” السلطة الشرعية ” أو ” الحكم الشرعى ” أو ” السياسة الشرعية “(3).

وفى عصر الفترات الإستقلالية لحكم مصر تحت شعار الخلافة السنية فى بغداد جرت العادة على إطلاق لقب ” السلطان ” أو ” الملك ” على رأس السلطة فى فترات الحكم المتتابعة ( عصر الدولة الطولونية 254 – 292هـ / 868 – 905م) – عصر الدولة الأخشيديـة  ( 322 – 358 هـ/935 – 969م ) والدولة الأيوبية : ( ( 567 – 648هـ /1171 – 1250م ) وأخيراً عصر دولة سلاطين المماليك : ( 648 – 922 هـ/1250 – 1517م) ، حيث كانت السلطة العليا بيد “السلطان” أو ” الملك” الجالس على عرش البلاد فى ظل التبعية الاسمية للخلافة العباسية باعتبارها واجهة شرعية جميلة لحكم إستبدادى مطلق غير جميل.

لقد شرع السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس (658 – 676 هـ/1260 – 1277م) فى إحياء الخلافة العباسية فى القاهرة المملوكية يوم الاثنين الرابع من شعبان سنة 659هـ/1261م ليضفى على حكمة صفة الشرعية ” Legitimacy ” ويصبح مفوضاً رسمياً من قبل الخليفة العباسى فى حكم البلاد الإسلامية والتى شملت ” الديار المصرية ” بجانب سائر البلاد الآخرى فى الشام والعراق والحجاز واليمن وما أضيف إليها غوراً ونجداً على حسب رواية المقريزى (4).

وهكذا تحددت السلطة السياسية لسلاطين المماليك على ضوء الظروف العسكرية التى سبقت قيام الدولة ( موقعة المنصورة 1250م ، وموقعة عين جالوت 1260م ) ، من ناحية ، وإحياء الخلافة العباسية فى القاهرة بعد سقوطها فى بغداد ( 656هـ / 1258م ) كواجهة شرعية لتوكيد سلطة وسيادة المماليك فى حكم الشرق الإسلامى من ناحية أخرى ، مما يعنى أن السلطة كانت تطير بحناحى القوة المسلحة والشرعية الدينية.

وجدير بالذكر أن نظام الخلافة فى هذا العصر كان مصطنعاً إلى حد كبير إذا كان الخليفة العباسى يفوض السلطان المملوكى فى كافة أمور الحكم كالولاية والعزل ، وتجهيز الجيش ، وإعلان الحرب ، واقطاع الاقطاعيات وغيرها من الأمور التى تتصل بالسلطة التنفيذية بحيث كان الخليفة العباسى نفسُهً يقع فى دائرة هذه السلطة ” فلا أمر له ولا نهى ولا نفوذ ” – على قول المؤرخين المعاصرين (5).

ومن ثم فإن السلطة فى معناها السياسـى ” الـدولة ” ( Polity ) اعتمدت على مبدأ ” الاختيار الطبيعى ” أو مبدأ ” الحكم لمن غلب ” (6) ، بل إن استمرارية هذه السلطة اقترنت بقوة شخصية الحاكم وقوة اتباعه الموالين له من الأمراء والجند.

وهكذا يبدو التضارب واضحاً بين شرعية الحكم فى المنظور السياسى الإسلامى ، وشرعية الحكم فى المنظور السياسى لحكام مصر فى عصر سلاطين المماليك.

إذ أنه من المعروف أن سلطة ” الخلافة ” أو ” الإمامة ” تتمثل فى صيغة تعاقدية بين الحاكم والمحكومين أى ” عقد بين الأمة والخليفة ” وهذا العقد ينعقد بالاختيار والتراضى باحدى طريقتين هما :

- اختيار الخليفة عن طريق أهل الحَلّ والعقَد ومبايعة الأمة.

- عهد من الخليفة بعد مشاورة أهل الحَل أو العقَد والمبايعة (7).

… وفى عصر سلاطين المماليك ، كان “السلطان ” أو ” الملك “الجالس على العرش يحكم البلاد بمنطق ” القوة ” أو ” الغلبة ” التى تستند إلى واجهة دينية تفرغ المفهوم الصحيح للخلافة وشروطها من مضمونها الشرعى القائم على مبدأ ” الشورى ” فى اختيار الحاكم الذى يمارس خصائص السلطة المركزية للدولة فى إطار ” العدل ” الذى هو أساس ” الملك ” وبالتالى تظل ” العصبية ” والصراع  على السلطة بسبب التنافس والتجاحد وعدم اقامة الدين فى جوهره الصحيح وقد أشار المؤرخ ابن خلدون فى مقدمته إلى ذلك بقوله :

” ذلك أن الدول العامة فى أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب للغرابة ، وأن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه ، فإذا استقرت الرئاسة فى أهل النصاب المخصوص بالملك فى الدولة وتوارثوه واحداً بعد آخر فى أعقاب كثيرين ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية ، واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة ، ورسخ فى العقائد دين الانقياد لهم والتسليم.

… وذلك أن الملك انما يحصل بالتغلب ، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله فى اقامة دينه ، وأن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل تنافس والسبب فى ذلك أن الصيغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذى فى أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق …،

وابن خلدون – هنا – يرى أن سلطة الدولة لا تتحقق بداية إلا ” بالغلبة ” وأن إقامة الدين من غير ” عصبية ” لا تتم !(8). وهو ما تحقق على أرض الواقع فى مصر عصر سلاطين المماليك فى إطار المفهوم السائد آنذاك وهو ” الحكم لمن غلب”.

النظرية السياسية لحكم سلاطين المماليك

إذن كان مبدأ ” الحكم لمن غلب ” هو الذى جاء بالسلطان ركن الدين الظاهر بيبرس إلى كرسى الحكم ، وهو نفس المبدأ الذى اعتنقه كل السلاطين الطامعين فى السلطة لأكثر من قرنين ونصف القرن استأثروا خلالها بالسلطة الفعلية ” المركزية ” فى حكم البلاد وملكية كل وسائل الانتاج دون أن يكون للخليفة صاحب السلطة الدينية ” الاسمية ” نصيب سوى الدعاء له على المنابر ، وأن يحمل لقب ” أمير المؤمنين “.

تلك المفاهيم السياسية هى التى أدت إلى اعتماد سلاطين المماليك على مدار العصر على نظرية ثابتة تقوم على شقين أحدهما الشق العسكرى المتمثل فى الإكثار من أعداد المماليك ” العسكر ” وإعدادهم إعداداً جيداً ليكونوا عوناً للسلطان فى الحرب على أعدائه خارج البلاد وفى السلم على أعدائه من الأمراء المنافسين له على ” السلطة ” ، والشق ألآخر المتمثل فى الواجهة الدينية التى تؤكد شرعية هذه ” السلطة ” وتبرر كافة ممارسات السلطان فى مواجهة تحديات وجوده السياسى ، ولهذا كان سلاطين المماليك أشد حرصاً على أن يضموا أرباب الوظائف الدينية إلى قمة النظام الاجتماعى للشرائح الإجتماعية من المصريين ليكونوا لهم أزراً فى مواجهة عواصف المعارضين للسلطة على إعتبار أن هذه السلطة تستمد قوتها وديمومتها من شريعة هذا الدين الحنيف (9).

هكذا تحددت النظرية السياسية لحكم سلاطين المماليك فى ضوء الظروف العسكرية المصاحبة لقيام الدولة والقائمة إلى نهاية الدولة من ناحية ، وإحياء الخلافة العباسية فى القاهرة كواجهة دينية شرعية لتأكيد سيادة السلطة المملوكية من ناحية أخرى.بل إن استمرارية هذه السلطة الحاكمة اقترنت على مدار العصر بهذه النظرية السلطوية الفذة التى جعلت لفظ ” السلطان ” قاصراً على ملك مصر لأنه أعلى الملوك وأشرفهم رتبة.

بحيث ” كان الخليفة العباسى يقع فى دائرة هذه السلطة وليس له من الخلافة  أمر ولا نهى ولا نفوذ ” ، وحسب الخليفة أن يقال له “أمير المؤمنين” على قول أحد المعاصرين (10).

بمعنى أن خليفة المسلمين فى القاهرة قد تحول إلى ” أمير المساخر” على مسرح الأحداث هو ما وصورته لنا أدبيات هذا العصر(11).

السلطة المضادة لحكم سلاطين المماليك

والواقع أن السلطة المملوكية تعرضت فى بداية نشأتها إلى بعض محاولات الإطاحة بها والوثوب عليهـا فـى إطـار ما يمكـن أن نطلـق عليه مجـازاً ” السلطـة المضادة ” ( Anti-Authority) والتى تمثلت فى محاولات قام بها بعض الأمراء المنافسين مثل المحاولة التى قادها ألأمير سنجر الحلبى فى سنة 658هـ/1260م والأخرى التى قادها أحد رجال الشيعة فى القاهرة ويدعى ” الكورانى ” الذى تظاهر أمام المصريين بالورع والتقوى ، وسكن قبة جبل المقطم ، وجمع فلول الجنود السودان الموالين للشيعة وبقايا الشيعة للتحريض على تغيير نظام الحكم بالقوة وإقامة دولة جديدة شيعية(12).

وفى تصورنا أن هذه المحاولات وغيرها لم يكن السلطان ركن الدين ، بيبرس يستطيع وئدها فى مهدها عن طريق القوة المسلحة أو الإعلان عن قيام الخلافة العباسية فى القاهرة فحسب ، بل كان فى حاجة إلى ما هو أكثر من ذلك والذى تمثل فى التأييد الشعبى المصرى غير المسبوق الذى عبّر عنه المقريزى بقوله فى نهاية نص التقليد السلطانى الذى قرأه محى الدين ابن لقمان صاحـب ديـوان الإنشاء يـوم الاثنيـن فـى شعبـان 659هـ: ” ولما فرغ من قراءته ركب السلطان بالخلعة الذهب والقيد الذهب وكان الطالع برج السنبلة ، ودخل السلطان من باب النصر وشق القاهرة ، وقد زينت وبسط أكثر الطريق بثياب فاخرة مشى عليها فرس السلطان ، وضج الخلق بالدعاء بخلود أيامه وإعزاز نصره وأن يخلعها خلع الرضى إلى أن خرج من باب زويلة وسار إلى القلعة ، فكان يوماً مشهوداً تقصر الألسنة عن وصفه” (13).

ومن المعروف تاريخياً أن السلطان ركن الدين الظاهر بيبرس – المؤسس الفعلى  لدولة سلاطين المماليك – كان من أقوى الحكام الملهمين فى تاريخ المصريين على مر العصور حتى أنه ارتبط فى الذاكرة الشعبية بسيرة البطل والزعيم الذى تسلح بكل القيم الروحية والقومية لكى يحقق أهداف الأمة الإسلامية فى الحرية والعدالة ، والوحدة (14).

كذلك فإن السلطة المملوكية لم تسلم من أطماع ” السلطة المضادة ” المتمثلة فى قبائل ” العربان ” فى إطار العداء التقليدى المتبادل بين ” العرب والأتراك ” والشعور المختمر فى أذهان هؤلاء العربان بأنهم ” أصحاب البلد ” وأحق بالسلطة من هؤلاء المماليك ” العجم ” وهو الشعور الذى استمر حتى نهاية العصر المملوكى و تسبب فى إرهـاق كاهل السلطة المملوكية (15).

أرباب السلطة المعاونة لحكم سلاطين المماليك

والباحث فى مفهوم ” السلطة ” فى مصر عصر سلاطين المماليك يستطيع أن يميز بين نوعين عن السلطة تكاملا فى منظومة سياسية واحدة هى الدولة بجناحيها العسكرى والدينى أو سلطة أرباب السيف ” العسكر ” وسلطة ” أرباب القلم ” ، ” المعممون ” ، وهما طرفا المعادلة فى النظرية السياسية لحكم سلاطين المماليك.

ولأن السلطة السياسية للطبقة العسكرية تمثل نوعاً من ” الحكم المنقوص ” عند فقهاء الشرع لأنها تراعى المصالح الدنيوية دون النظر للمصالح الشرعية ، فإن السلطة الدينية جاءت ” لحمل الناس على مقتضى النظر الشرعى ” لكى يكون الحكم محموداً ” وليس مزعوماً ” وهو ما عبر عنه ابن خلدون فى توصيفه لأنواع الحكم بقوله : ” فما كان بمقتضى القهر والتغلب – مذموم ، وما كان بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضاً … لأن الشرع أعلم بمصالح الكافة ” (16) ، فالحكم بمقتضى الشرع هو الحكم المحمود عند الفقهاء.

ومن المعروف أن ” السلطة السياسية ” فى مصر فى هذا العصر كانت تشمل كافة أرباب الوظائف الديوانية الذين انقسموا بدورهم إلى قسمين :

  • الأمراء ” داخل الحضرة السلطانية ” ومنهم نائب السلطان والأتابك ، والوزير ، وحاجب الحجاب ، والوالى ومن يعاونهم من الحجاب والولاة وقد بلغ عددهم 25 موظفاً زمن القلقشندى ( ت821هـ ).

الأمراء ” خارج الحضرة السلطانية ” ومنهم نواب السلطان فى أقاليم مصر ، والكشاف ، والولاة فى الوجهين القبلى والبحرى.

وكانوا – كما ذكر القلقشندى على ثلاث طبقات من الرتب المختلفة : ( أمراء مائة و أمراء طبلخاناة و أمراء عشرة ) (17) ، وقد توزعت عليهم الاقطاعات حسب رتبهم العسكرى.أما السلطة الشرعية فكانت تشمل أرباب الوظائف الدينية ، وكانوا على قسمين :

القسم الأول : أرباب الوظائف الدينية ممن لهم مجلس بالحضرة السلطانية وهم خمسة :قضاة القضاه ، وقضاة العسكر ، والمحتسب ، ومفتو دار العدل ووكيل بيت المال.

القسم الثانى : أرباب الوظائف السياسية ممن ليس لهم مجلس بالحضرة السلطانية وهم كثير ” لا حصر لهم ” على قول القلقشندى ومنهم نقيب الأشراف ، وناظر الأوقاف ، وشيخ المشايخ وغيرهم (18).

وقد اعتمدنا فى هذا التقييم لأرباب السلطة الدينية على أقوال بعض المؤرخين المعاصرين وفى مقدمتهم ابن خلدون ( ت 808هـ / 1406م ) والمقريزى ( 845هـ / 1442م ) بوصفهما من الذين تولوا أهم الوظائف الدينية فى مصر عصر سلاطين المماليك ، ومن بينها وظيفة الحسبة ووظيفة قاضى القضاه (19).

يقول صاحب المقدمة: ” واما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة ، لأنه منصب الفصل بين الناس فى الخصومات حسماً للتداعى ، وقطعاً للتنازع ، إلا أنه بالأحكام الشرعية المتلقاه من الكتاب والسنة فكان ذلك من وظائف الخلافة ومندرجة فى عمومها”.

ويشير إلى أن الخلفاء من قبل كانوا يجعلون للقاضى سلطة ” النظر فى المظالم ” ولكن بعد أن صارت الخلافة ” اسمية ” صار أمر المظالم راجعاً للسلطان “(20). أما ” صاحب الخطط ” فقد أشار إلى حقيقة الخلط بيم ” حكم السياسة ” و ” حكم الشرع ” فى هذا العصر بقوله : ” إعلم أن الناس فى زماننا بل ومنذ عهد الدولة التركية بديار مصر والشام يرون الأحكام على قسمين حكم الشرع ،وحكم السياسة “.

ويستطرد قائلاً عن ” حكم السياسة ” : ” وهى لفظة شيطانية لا يعرف أكثر أهل اليوم اصلها ويتساهلون فى التلفظ بها ويقولون هذا الأمر لا يمشى فى الأحكام الشرعية ، وإنما هو من حكم السياسة ” (21).

وبالرغم من أن أرباب الوظائف الدينية كانوا يتمتعون بقدر ما من السلطة فانهم ظلوا يعيشون على هامش السلطة السياسية الحاكمة ” أرباب السيف ” ويرجع ذلك – فى تصورى إلى عدة أمور :

1-  العلاقة النفعية بين أرباب الوظائف الدينية من المصرين وأرباب السلطة السياسية الحاكمة من المماليك والتى تمثلت فى إصدار الفتاوى ، وتكييف النصوص المقدسة لحكام هذا العصر للحصول على الأموال بما فيها ضرائب الأملاك والأوقاف بحجة تجهيز الجيش والانفاق العسكرى على الجند ، وذلك مقابل تمتع هذه الطائفة من ” المعممين ” بامتيازات مادية وأدبية على مدار العصر (22).

2-  تولى أكثر الوظائف الدينة بالبذل و البرطلة والسعى ” الرشوة ” وهو ما اشارت إليه المصادر المملوكية صراحة وضمنا خاصة فى ” عصر سلاطين المماليك  الجراكسة ” حيث ” تجاهر الناس بالبراطيل “… وتخطى لأجل ذلك كل جاهل وفاسد وظالم وباغ ” (23).

3-  أن سلاطين المماليك أرادوا بهذه العلاقة تثبيت فكرة الشرعية الدينية للحكم فى أذهان المصريين بوصفهم خلفاء السلف الصالح فى ” حراسة الدين وسياسة الدنيا “. بحيث تصبح طاعة هؤلاء الحكام واجباً دينياً  حتى وإن جاروا على الرعية .

ومؤرخنا المقريزى ” الذى تقلد عدداً من الوظائف الدينية فى الدولة كان أخرها وظيفة المحتسب ” فى زمن السلطان فرج برقوق ( 801 – 815هـ /1398 – 1412م ) ، أدرك فى غصون هذه الفترة حقيقة هذه العلاقة النفعية بين أرباب السلطة السياسية “الحاكمة” ، وأرباب السلطة الدينية ” الخادمة ” واعتبرها مجرد تزيين لصورة ” الدولة ” فى خيال الرعية وكأن أحكام وتعاليم الدين أنُزلت ليؤمن بها الفقراء ويستمتع بها الأمراء ، بمعنى ارجاع الفساد إلى الرعية وليس إلى الراعى ، وتكوين النظرة الدونية للمحكومين فى علاقتهم بالحاكم وهى من آفاق الاستبداد السياسى وانفراد الحاكم بالسلطة ، والذى عبرت عند كتب السيرة الشعبية (24) فى إطار الفكاهة والسخرية على اعتبار أن جميع أرباب الوظائف كانوا أداة فى يد السلطان لاستنزاف ثروات وطاقات المجتمع المصرى بأكمله.

التزاوج بين السلطة والثروة فى حكم سلاطين المماليك

ويبدو أن التقسيم الطبقى للمجتمع المصرى فى عصر سلاطين المماليك كان يقوم على عنصرين أساسيين هما :السلطة – الثروة .ولأن المجتمع المصرى ” المدنى ” كان كان محروماً من ممارسة أى نوع من الحقوق السياسية وبالتالى لم يكن من حق المصريين أن يتولى فرد منهم – مهما كانت مكانته العلمية أو المادية أو الأدبية حكم البلاد فإن شيخ مؤرخى العصور الوسطى – المقريزى – قسم المجتمع المصرى إلى شرائح اجتماعية تنازلية – بدءاً من مياسير التجار ومروراً بالفلاحين ” أهل الفلح ” والعمال ” ارباب الحرف والمصانع ” ، وانتهاءً بأهل الحاجة والمسكنة – على أساس العنصر الأحادى وهو ” الثروة ” دون العنصر الآخر وهو ” السلطة ” وذلك من خلال استيعابه لعصر اعتبر أرباب الوظائف الدينية والديوانية من المصريين طائفة تابعة لطبقة أهل الحكم وموظفة سياسياً لخدمة السلطان ولا تخضع فى تكوينها الطبقى لمعايير ثابتة منصوص عليها فى النظام الاقطاعى العسكرى المملوكى الحاكم.

وفى تصورنا أن العلاقة بين الطبقة المملوكية الحاكمة ، والطبقة المصرية المحكومة كانت تتحرك فى اتجاه واحد أياً كانت درجة ثراء بعض الشرائح الاجتماعية المدنية ، إذا اعتبرها السلطان جزءاً من كل هؤلاء الرعية ، وعليها حفظ كل ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ” الغرم ” دون أن يكون لها حقوق سياسية أو اجتماعية متفق عليها سلفاً ويلتزم بها كما هو الحال فى العلاقة بين هذا السلطان والمماليك ” العسكر ” فكل الشرائح الإجتماعية من المصريين يقعون فى دائرة اجتماعية واحدة هى دائرة ” الرعية ” يقابلها دائرة  سياسية  كبرى هى ” السلطان ” أو الدولة المملوكية الحاكمة ، وهو ما أشار إليه المعاصرون أمثال ابن خلدون (25)، والمقريزى ، واتفق معهما فى ذلك المؤرخ الانجليزى لين بول (26).

ومما لاشك فيه أن عنصر ” الثروة ” كان يشكل ركن الزاوية فى دعم عنصر ” السلطة ” بالنسبة للنظام السياسى المملوكى الحاكم فى مصر والذى قام على مـبدأ الاختـيار الطبيعى ” الغلبة ” كما أشرنا سلفاً ، بل إن استمرارية السلطان فى الحكم والتى اقترنت بقوة شخصيته وقوة الأمراء الموالين ، وقدرة السلطان على استقطاب القوى المنافسة والمتطلعة إلى حكم البلاد – كانت فى حاجة إلى عنصر ” الثروة ” لضمان هذه الاستمرارية والمحافظة على توازن السلطة السياسية فى ظل أحوال الصراع عليها بين أمراء المماليك على مدار هذا العصر.

ربما اقتضى ذلك نوعاً من الحراك الإجتماعى فى صفوف الرعية أو بعض الأفراد من أرباب الثروة المتطلعين إلى أن يشتموا رائحة السلطة عن كثب وإن كلفهم ذلك التضحية بهذه الثروة من أجل ولاية وظيفة كبرى فى الدولة ، وهو ما شكل ظاهرة واضحة فى عصر المماليك الجراكسة ” عصر التدهور ” أثرت سلباً على مختلف مناحى الحياة السياسية والاقتصادية ، والاجتماعية فى مصر فى  النصف الثانى من عصر سلاطين المماليك ، حتى صارت الوظائف الكبرى تمنح لكل ” جاهل ” أو “مفسد” أو”ظالم” على قول احد المعاصرين (27).

وتذكر لنا المصادر المملوكية المتأخرة العديد من الأمثلة التى تؤكـد هذه العلاقة التبادلية بين ” السلطة” و”الثروة ” وهى الظاهرة التى أدت فى النهاية إلى إفساد السلطة ، وإهدار الثروة لتزداد أحوال  المصريين المعيشية نكداً و سوءاً ، ويؤول نجم الدولة العظمى إلى الأفول والزوال بما كسبت ايدى هؤلاء الحكام.

ومن أمثلة ( 28) ذلك ما روته لنا المصادر فى أحداث سنة 808 – 809 هـ عندما تولى أحد الباعة – شرف الدين الجيزى – وظيفة المحتسب ، وتولى أحد السوقة – على ابن أبى الجواد – وظيفة ناظر الأوقاف ” وكان حلوانياً ” ، وفى سنة 852 هـ تولى أحد الطباخين وكان أمياً – وظيفة ” الوزارة ” وكان يمارس أبشع أنواع الاستغلال والتربح لتعويض ما بذله من الأموال للسلطان لولاية هذه الوظيفة ، وربما يكون هذا الحراك الاجتماعى بسبب الثروة هو الذى دفع الباحثين الأجانب (29)إلى القول بوجود طبقة اجتماعية وسطى بين طبقة المماليك وطبقة سائر الشرائح الاجتماعية الأخرى من المصريين.

وابن خلدون (ت808هـ/1406م ) والذى كان واحداً من أرباب السلطة فى عصر المماليك الجراكسة يمنحنا رؤية شمولية فى مقدمته عن مفهوم ” السلطة ” التى يتعين بها السلطان فى إدارة شئون الدولة وسياسية الرعية ، وإقامة حدود الدين ، وحماية الكافة من الأعداء ، وحمل العباد على مقتضى الشرع بما يحقق مصالحهم الدينية والدنيوية ، وأن السلطان ” ضعيف ” فى ذاته إن لم يتقو بأرباب السيف وأرباب القلم للسيطرة على كل ولايات حكمه” ، ولندع ابن خلدون – يسطر لنا بقلمه ما أورده فى مقدمته عن ” السلطة” باعتبارها ” أمراً ثقيلاً “.

يقول ابن خلدون فى المقدمة: ” اعلم أن السلطان فى نفسه ضعيف يحمل أمراً ثقيلاً ، فلا بد له من الاستعانة بأبناء جنسه ، وإذا كان يستعين بهم فى ضرورة معاشه وسائر مهنه ، فما ظنك بسياسة نوعه ومن استرعاه الله من خلقة وعباده ، وهو يحتاج إلى حماية الكافة من عدوهم بالموافقة عنهم وإلى كف عدوان بعضهم على بعض فى أنفسهم بإمضاء الأحكام الوازعة فيهم ، وكف العدوان عليهم فى أموالهم بإصلاح سابلتهم ( أبناء السبيل ) وإلى حملهم على مصالحهم وما تعمهم به البلوى فى معاشهم ومعاملاتهم من تفقد المعايش والمكاييل والموازين حذراً من التطفيف ( فى الميزان ) وإلى النظر فى السكة بحفظ النقود التى يتعاملون بها من الغش وإلى سياستهم بما يريده منهم من الانقياد له والرضا بمقاصده منهم وانفراده بالمجد دونهم ، فيتحمل من ذلك فوق الغاية من معاناة القلوب ( الكراهية ) ، وهو لما يستعين فى ذلك بسيفه أو قلمه ، ………. “(30).

وعن طبيعة التزاوج بين ” السلطة” و”الثروة ” نستقرئ من بين السطور فى المقدمة حقيقة العلاقة بين استبداد الحاكم وكثرة الجبايات  والتى ينفرد بها هذا الحاكم فى ” وسط الدولة ” ثم تؤول تدريجياً ” لظهرانه وأعوانه ” وذلك عندما تأخذ الدولة فى الهَرم ” ويحتاج الحاكم إلى ” الأعوان والأنصار ” لكى يعينوه على مهمات الدولة ، فلابد منهم أحداً بعينه على سلطاته الزمنية والروحية التى تشمل كل شئ فى الدولة.

” فإذا استفحلت المُلك وحصل لصاحب الدولة الاستبداد على قومه قبض أيديهم عن الجبايات … ، ثم إذا أخذت الدولة فى الهرم بتلاشى العصبية وفناء القبيل الماهدين للدولة احتاج صاحب الأمر حينئذ إلى الأعوان والأنصار “(31).

وتبدو العلاقة الطردية بين عنصرى ” السلطة” و ” الثروة ” فى ميزان قوة الدولة المملوكية فى مصر فى زمن السلاطين البحرية من خلال كتابات المؤرخين المعاصرين والباحثين المتخصصين ، والرحالة الذين زاروا مصر فى هذه الفترة التاريخية الممتدة لأكثر من قرن وربع القرن ( 648 – 784 هـ / 1250 – 1382م)  بلغ فيه الاقتصاد المصرى أوج عظمته بفضل النظام الاقطاعى العسكرى الذى كان مصدراً رئيساً لثروة السلطان والأمراء والجند فضلاً عن الأموال المتحصلة من أوجه ” الجباية ” و ” المغارم ” ” والمكوس ” والتى ساعد عليها كثرة الوظائف والوزائع “، وتدرج عوائد الترف” على قول ابن خلدون (32).

بل إن ” السلطان ” احتكر لنفسة عملية سك النقود باعتبارها أحد مظاهر ” السلطة ” و” السيادة ” التى لا يمكن التنازل عنها كوظيفة عليا وضرورية لخدمة النظام السياسى للدولة (33)خاصة إذا علمنا أن الازدهار الاقتصادى فى العصر المملوكى الأول ” البحرية ” ارتبط إلى حد كبير بثبات واستقرار النظام النقدى إذ أنه خلال 130 سنة لم تحدث أزمة نقدية فى مصر ، بفضل دورسك النقود التى كان لديها مخزون من المعادن النقية ( الذهب والفضة ) وكان باستطاعتها سك كميات وفيرة من الدنانير والدراهم ” المسكوكات ” (  ( Specieباستعمال سبائك (  ( Bullionذات نوعية ممتازة على قول أحد الباحثين الأوربيين (34).

وعلى العكس فإن العصر المملوكى الثانى ” الجراكسة” ( 784 – 922هـ / 1382 – 1517م ) شهد حراكا اجتماعياً عكسياً وتدهوراً ملحوظاً فى مصادر الثروة والنظام النقدى مما أثر سلباً على قوة النظام السياسى المملوكى بسبب سوء توجيه الدولة لوسائل الانتاج الذى أضعف هيبة السلطة فى عيون الرعية وعيون المماليك أنفسهم مما يؤذن باختلال العمران ، ويعود على الدولة ، إلى أن تضمحل ” ، وقد ترتب عليه فى نهاية الأمر تخلى هؤلاء المماليك عن مظاهر السلطة والنزول من الطباق العليا والسكنى بأحياء القاهرة والانخراط فى صفوف الشرائح الاجتماعية للمصريين ، ومصاهرة أرباب الثروة من مياسير التجار بعد أن ” تزايد شر الجلبان ” (35) بحثاً عن حياة اجتماعية رغدة اعتادوا عليها وألفوها بسبب ارتباطهم بالسلطة وانغماسهم فى عوائد الترف.

رؤية المصريين للسلطة المملوكية

ولكن ما رؤية المصريين ” للسلطة ” فى مصر عصر سلاطين المماليك ؟

يتفق المعاصرون على أن سلاطين المماليك الأوائل من أمثال السلطان الظاهر بيبرس ، والسلطان المنصور قلاوون ، والسلطان الناصر محمد بن قلاوون ، قد حظوا بتأييد شعبى وجدانى من جانب كثير من المصريين حتى أن هؤلاء المعاصرين يسطرون بأقلامهم عبارات بليغة تعكس هذه الرؤية الوجدانية المصرية تجاه هؤلاء السلاطين الذين أضحوا ملئ العين والقلب فى الذاكرة الشعبية التاريخية.

فيذكر لنا المقريزى ضمن أحداث 658هـ / 1260م أن المصريين خرجوا من كل حدب وصواب ليعبروا عن فرحتهم بتولى الظاهر بيبرس حكم البلاد وبعد أن فرغ صاحب ديوان الإنشاء محى الدين بن لقمان من قراءة تقليد المبايعة للسلطان الجديد ” ضج الخلق الدعاء بخلود أيامه ، اعزاز نصره ، و يخلعها خلع الرضا إلى أن خرج من باب زويلة وسار إلى القلعة ، فكان يوماً مشهوداً تقصر الألسنة عن وصفه (36).

وما يقال عن السلطان الظاهر بيبرس فى علاقته الوجدانية بالمصريين يقال عن حكام أسرة قلاون الذين كانوا فى المنظور الشعبى رمزاً للأمن الاجتماعى والاستقرار السياسى إلى حد أنهم لم يقبلوا أن يتولى غيرهم السلطة فى حكم مصر ، يؤكد ذلك الرواية المشتركة لعدد من المؤرخين ضمن أحداث سنة 709هـ/1310م عندما تجمع المصريون تحت القلعة مطالبين بعزل السلطان بيبرس إلى الجاشنكير ( 708-709هـ / 1308-1309م ) وعودة الناصر محمد بن قلاون معلنين عن ولائهم له بالصياح والهتاف بأصوات اهتزت لها أرجاء العاصمة المصرية إذ صرخوا بلسان واحد :” ما لنا سلطان إلا الناصر محمد بن المنصور لا سواه (37)

والرواية التى ذكرها بعض المؤرخين عن فرحة المصريين بعودة هذا السلطان سالما من المنفى ( الكرك ) وخروج المصريين لاستقباله ” بالمغانى وأرباب الملاهى ” (38)تؤكد لنا طبيعة هذه العلاقة الوجدانية بين جموع المصريين وهؤلاء الرعيل الأول من سلاطين المماليك الذين كانوا مقربين من نفوس الرعية.

وإذا كان السلطان الظاهر بيبرس ، ومن بعده سلاطين أسرة قلاوون قد نجحوا فى كسب تأييد المصريين وتأليف قلوبهم حولهم ، فإن هذا لم يمنع جموع المصريين من التعبير عن رفضهم لكافة أشكال الظلم التى تأثروا بها فى حياتهم الاجتماعية والمعيشية بسبب سوء توجيه الدولة لوسائل الانتاج [ الزراعى – الصناعى – التجارى ] ، والإسراف فى فرض الضرائب والمغارم على كافة الشرائح الاجتماعية ناهيك عن سياسة ” السخرة ” التى انتهجها أهل الدولة فى الريف والحضر لتسيير حركة الانتاج والاعمار التى درت أموالا طائلة على الخزانة المملوكية فى النصف الأول من هذا العصر إلا أن هذه الأموال كانت من نصيب السلطان وحاشيته دون أن يكون للمصريين منها إلا الحد الذى يكفى قوت يومهم وهو ما يأباه مفهوم ” العدل الاجتماعى ” بين الحكام والمحكومين.

والواقع أن المصريين لم يكن يملكون من وسائل المقاومة للسلطة سوى الشجب والتنديد بسياسة البعض من الولاة والمحتسبة والنظار الذين أرهقوا كاهلهم بأصناف الجباية فى ظل مظاهر الغلاء ورفع الأسعار لكثير من السلع الأساسية كالقمح والشعير والفول وغيرها ، وهو ما تشير إليه عشرات الأمثلة (39)فى المصادر التاريخية المعاصرة ويبدو أن النظام السياسي الحاكم كان يبادر بتهدئة نفوس المصريين ومحاولة التخفيف عنهم ببعض الإجراءات السلطوية المتمثلة فى عزل بعض أرباب الوظائف وتعيين آخرين ، وغض الطرف عن بعض أعمال السلب والنهب ، والفوضى من جانب المصريين الثائرين على أرباب السلطة فى الدولة ، وهو ما شكل ظاهرة شبه مستديمة فى النصف الثانى من هذا العصر(40).

وربما استغل سلاطين المماليك هذه الأحداث فى تحقيق منافع خاصة عن طريق عزل بعض أرباب الوظائف المغضوب عليهم من جموع المصريين وتعيين بدائل لهم ” بالبذل ” والرشوة ناهيك عن مصادرة أموال وممتلكات من تم عزلهم لمصلحة السلطان وحاشيته(41).

هكذا تعامل المصريون مع أدوات السلطة من أرباب الوظائف الدينية والديوانية باعتبارهم ” السلطة ” ذاتها ، ولكن هذا التعامل على طول العصر لم يرق إلى مستوى الثورات الشعبية المعارضة السياسية المتعارف عليها فى وقتنا الحاضر ، بل لا يعول عليه كحالة من حالات المشاركة السياسية فى أى مرحلة من المراحل الزمنية لهذا العصر ، بل على العكس فإن مقاومة السلطة من جانب المصريين وقفت قاصرة – فى هذا العصر – عن إحداث تغييرات فى الأوضاع السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية بل إنها اتخذت من شخص السلطان الجالس على العرش وعلى صدورهم أيضاً – موقفاً ازدواجياً فلا هى قادرة على استبعاده من ممارسة السلطة ، ولا هى راغبة فى استبعاده فى كل الأحوال ؟! ، مما يجعلنا نسّلم بأن مقاومة المصريين للسلطة هى فى حقيقة الأمر مقاومة لعوامل الفقر والعوز والخوف من المجهول بسبب جهلهم بأدوات إدارة الصراع السياسى فى تلك الفترة التاريخية ومن ثم فإن ارتباطهم بسلطة هولاء الحكام كان أمراً لا يملكون فيه حرية الاختيار لأن السلطة المطلقة كانت خطراً داهماً على تلك الحرية بحيث صارت هذه السلطة المطلقة أمراً لا يبغون عنه تحويلاً.

 الهوامش:

========================

(1)   السلطة : من سلّط : أى أطلق له السلطان والقدرة ومكّنه وحكّمه ( المعجم الوجيز ، مجمع اللغة العربية ، القاهرة ، طـ1، 1400هـ /1980م ، ص 317 – 318 ) ، وهو نفس المعنى باللغة الإنجليزية ” Authority ” من ” Authorize ” أى ” سلط ” أو مكنة ” أو ” فوضة ” ( منبر اليعلبكى : المورد ، دار العلم للملايين ، بيروت ، طـ18، 1984م ، ص 75 ) ، M.Ashafey : legal terminology,Ain shams university,2010.    وجدير بالذكر أن مفهوم السلطة بمعناها القانونى والسياسى لم يكتمل إلا فى القرن العشرين ” سلطة الدولة العليا من خلال ارتباطها بمجموعة من المؤسسات ” [ الباحث ] وللمزيد ، زين بدر فراج : النظرية العامة للنظرية السياسية ( دار النهضة العربية ، القاهرة د.ت، ص50 – 85 ).

(2) الماوردى : الأحكام السلطانية ( دار الفكر العربى ، القاهرة ، د.ت )ص31 ، ابن خلدون : المقدمة ، تحقيق على عبد الواحدوافى ( دار النهضة مصر ، القاهرة ،  د.ت ) جـ2، ص 576 .

(3)عن الموضوع : ابن تيمية : السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية ، ( دار الشعب ، القاهرة ، 1974م).

(4)المقريزى : السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق محمد مصطفى زيادة ، وسعيد عبد الفتاح عاشور ( القاهرة 1934 – 1973م ) جـ1ق2، ص 452 – 457 ” نص التقليد”.

(5)المقريزى : السلوك ، جـ1ق 2صـ22،القتقشندى : صبح الأعشى فى صناعة الانشا ( القاهرة ، الطبعة الأميرية ، د.ت ، جـ3، صـ275، صـ401.

(6) ابن خلدون : المقدمة ، جـ2، صـ 576، وللمزيد ، أشتور : التاريخ الاقتصادى والاجتماعى للشرق الأوسط فى العصور الوسطى ( ترجمة عبد الهادى عبلة ، دار قتيبة ، دمشق عام 1985م ، صـ 369 – 373 .

(7)المبايعة البيعة : مشتقة من ” البيع ” لأنها علاقة تعاقدية . ( طه عوض غازى ، المرجع السابق ، صـ147، وللمزيد ، نفسه : صـ(147-151).

(8)ابن خلدون : المقدمة ، جـ2 ، صـ 575-576 ، طبعة بيروت عام 2004م تحقيق دوربن الحديدى – الباب الثالث ، الكتاب الأول – فى الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية ( قاضى القضاة ) صـ 143 ، صـ 148 ، ومن المعروف أن ابن خلدون كان يشغل وظيفة مرموقة فى زمن أسوأ سلاطين دولة المماليك وهو ” فرج بن برقوق” ( 801 -815هـ / 1398 – 1412م)! ( الباحث)

(9)المقريزى : السلوك ، جـ 1ق 1، صـ 22، القلقشندى : صبح الأعشى ، جـ 3، صـ 275، صـ 401 – وللمزيد سعيد عبد الفتاح عاشور : المجتمع المصرى  Ayalon studies on the structure of the mamlouk army bulletin 1953 ، فــى عصر ســلاطين المماليـك ( النهضة العربية ، القاهرة 1962م صـ 11 – 28، قاسم عبده قاسم : فى تاريخ الأيوبين والمماليك ( دار عين ، القاهرة – صـ(153 – 156 )

(10)القلقشندى : المصدر السابق،  جـ3صـ401،سعيد عبد الفتاح عاشور : المرجع السابق صـ155 .

(11)ابن دانيال : خيال الظل ( مخطوط – ميكروفيلم ، دار الكتب المصرية) صـ19 .

(12)المقريزى : السلوك جـ1ق2، ص 438 – 440، صـ 444 – 445، ابن أبيك الدودارى: كنز الدرر وجامع الغرر ، جـ 8، صـ 63 – 64، صـ69 – 70.

(13)المقريزى: المصدر السابق، جـ2 ق 2، صـ453 – 457،سيرة الظاهر بيبرس:(بدون مؤلف)طبعة عبد الحميد حنفى،القاهرة د.ت 50 جزء فى 5 مجلدات.

(14) عن السيرة التاريخية ، سعيد عبد الفتاح عاشور : الظاهر بيبرس ( هـ.م.ع . للكتاب ، القاهرة ، 2001م ) وعن السيرة الشعبية ، قاسم عبده قاسم : الشخصيات التاريخية فى سيرة الظاهر ( مجلة الفنون الشعبية ، ع 18، – 41987 صـ 21-35، ابن اياس – بدائع الزهور ، ( هـ.م.ع للكتاب القاهرة 82-84 ) جـ3 صـ253 ، وللمزيد – علاء طه : عامة القاهرة ( دار عين – القاهرة ، 2003 ) صـ 178-184

(15)المقريزى : البين والاعراب عما بأرض مصر من الاعراب ، صـ9.

(Dopp.L.Egypt,P.1X.(16)ابن تيمية : السياسة الشرعية ، صـ14-16 ” حكم الشرع هو ما قضى به الله ورسوله ، وروعيت فيه المصالح الدينية والدنيوية ( نفسه صـ 15 ) ، ابن خلدون : المقدمة ( طبعة نهضة مصر ، جـ 2، صـ 576 – 578 ).

(17) القلقشندى : صبح الأعشى ( الطبعة الأميرية ) جـ4 ، صـ 16-27، وجدير بالذكر أن وظيفة ” النيابة ” كان ترتيبها سنة 767 ( فى عصر المماليك البحرية ) وكان مقرها مدينة الاسكندرية ، أما نيابة الوجه القبلى فكان ترتيبها فى عهد السلطان الظاهر برقوق ( ت 801 هـ ) ( فى عصر المماليك الجراكسة ) وكان مقرها أسيوط بينما كانت نيابة الوجه البحرى فى عهده مقرها – دمنهور بالبحيرة [ القلقشندى : المصدر السابق جـ4، صـ 16-17 ).وللمزيد ، Poliak:some notes on the feudal system P.P,99-104.

(18) القلقشندى : المصدر السابق ، جـ4، صـ 34-39(2) للمزيد ، محمد مصطفى زيادة : المؤرخون فى مصر فى القرن 15 ( القاهرة ، 1954 ) ص 5 ، 9 .

(19) ابن خلدون : المصدر السابق ، جـ 2 ، ص 627 – 635 .

(20) المقريزى : الخطط ( طبعة بولاق ، 127م ) جـ 2 ، ص 229.

(21) المقريزى : السلوك ، جـ 1ق 1، صـ 227 – 229، جـ 1ق 3، صـ 898-900، ابن تغرى بردى : النجوم الزاهرة ( الطبعة الأميرية ) جـ7، ص 70-73، ابن حجر، أبناء الغمر ، جـ2، صـ 134، السيوطى : حسن المحاضرة ، جـ2، صـ 36، ابن اياس : بدائع الزهور ( طبعة هـ.م.ع للكتاب ، 82 – 1984 ) ، جـ3، صـ 278 – 279، جـ4، صـ 44-45

.(22)المقريزى : السلوك ، جـ3، ق2، صـ 618 ، إغائه الأمة بكشف الغمة ( القاهرة 1940 ) صـ 43، وعن الموضوع : أحمد عبد الرازق : البذل والبرطلة فى زمن سلاطين المماليك ( هـ.م.ع.للكتاب ، القاهرة 1979)

(23) سيرة الظاهر بيبرس : جـ4 ، ص274 -275 ، جـ7 ، ص394 ، جـ8 ، صـ 455 .

(24) ابن خلدون المقدمة ( طبعة بيروت ) ، صـ ( طبعة نهضة مصر ) جـ2 ، صـ 674 ، وقد ذكرها ابن خلدون تحت مسمى ” سلطان ورعية ” على أساس أن لفظ “سلطان ” مرادف للفظ ” دولة ” [ الباحث].

(25) المقريزى : إغاثة الأمة صـ 72-73 ، وقد ذكر ” مياسير التجار “على رأس التقسيم الطبقى للرعية مما يعنى أنه أقام تقسيمه على أساس اقتصادى Lane Poole : History of Egypt in the middle Ages,pp.252-253.

(29) ابن خلدون : المصدر السابق ، ص 255-256 ، وللمزيد القلقشندى : صبح الأعثى ، ج3 ، ص459 جـ13 – ص 170 ، المقريزى : السلوك ، ج2 ق ص 130-104، عاشور : المجتمع المصرى ، ص19-21، أشتور : التاريخ الاقتصادى ، ص 376-379 ، فولكف : القاهرة ص 96.

(30) ) ابن خلدون : المصدر السابق –  ص 240.

(31) شتور : التاريخ الاقتصادى ، ص 380 ، وعن الموضوع : Ashtor, Histoire de prix et salaries, paris,1969.

(32) بن اياس : بدائع الزهور ، ج3 – ص 465 – 464 ، جـ 4 – ص 178 ، جـ 5 ص 28

(33)المقريزى: السلوك ، ج1 – ق 2 ، ص 440 – 441.

(34) المقزيزى : المصدر السابق ، ج1 – ق2 ، ص 580 – 581 ، ابن أبيك : كنز الدرر وجـامع الغـرر ، جـ8 ، ص 123 ، العينـى : عقد الجمان ( هـ.م.ع للكتاب 1988 ) جـ2 ، ص 46 – 47.

(35)المقريزى: المصدر السابق ، ج2 ق 1 – ص 77 ، ابن تغرى بردى : النجوم الزاهرة ، ج9 ، ص 140 ، ابن اياس : بدائع الزهور جـ1 ق1 – ص 431.

(36) المقريزى: المصدر السابق جـ3 ، ص 394 – 395 – 875 – 965 ، ابن تغرى بردى : المصدر السابق ، جـ8 ، ص 154 ، جـ10 ، ص 51 ، ابن بطوطة ، الرحلة ( طبعة بيروت ، 1968 ) ص 36 ، وعن الأسباب الاقتصادية لثورات العامة فى هذا العصر ،Poliak : Les Revoltes Populaires En Egypt de Mamelouke et leur causes Economiques.

(37) مثلاً ابن اياس : بدائع الزهور ، جـ 3 ، ص205 -264 – 265 – 466 ، جـ 4 -94 ، ص 178 – 179، السخـاوى : التبـو المســبوك ( القاهرة 1896 ) ص 261 ، وعن الموضوع : حسين نصار : الثورات الشعبية فى مصر الإسلامية ( بيروت ، 1980م ).

(38)المقريزى : المصدر السابق ، ج3 ق1 ، ص 394 -396 ، جـ3 ق 2 ، ص 875 – 876 ، 965 ، الخطط جـ2 ، ص 61.

التعليقات