تغير الجغرافيا السياسية فى عالم البحر المتوسط فى القرن الخامس عشر الميلادي – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في مارس 27, 2015 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم كتابة تاريخية موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

يحتل القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي مكانة مهمة فى تاريخ عالم البحر المتوسط : ولعل هذا القرن كان أهم قرن فى الفترة التى امتدت  منذ القرن الأول للهجرة / السابع الميلادي ( بداية حركة الفتوح الإسلامية ) حتى نهاية القرن الخامس عشر نفسه ( التاسع الهجري ) . فقد شهد هذا القرن تغيرات أساسية فى خطوط المواجهة السياسية والعسكرية والثقافية بين عالم الإسلام وعالم المسيحية قلبت موازين الجغرافيا السياسية فى ذلك الزمان . ففى الشرق اختفت الدولة البيزنطية التى كانت تمثل المسيحية الشرقية منذ القرن الرابع الميلادي ختى سقوطها بعد الفتح العثماني للقسطنطينية سنة 1453م وتحول المدينة إلى عاصمة إسلامية كبرى . وبذلك انتقلت حدود التماس بين عالم الإسلام وعالم المسيحية إلى الغرب حيث كانت القوة الإسلامية تتهاوى تحت وطأة الضربات الكاثوليكية الإسبانية حتى سقطت فى نهاية الأمر سنة 1492م بسقوط غرناطة لتختفى إلى الأبد القوة الإسلامية من على التراب الأوربي بعد ثمانية قرون من الوجود المستمر . وهكذا شهد القرن الخامس عشر سقوط قوة أساسية مسيحية فى الشرق وسقوط قوة إسلامية مهمة فى الغرب فى تبادل تاريخي عجيب ؛ وبذلك تبدلت معالم الجغرافيا السياسية وخطوط المواجهة والتماس بين دار الإسلام وعالم المسيحية الغربية … ولنبدأ القصة من بدايتها

كانت الدولة العثمانية فى الأصل عبارة عن إمارة صغيرة فى موقع مهم يتحكم فى الطرق التجارية البرية المارة بين الدولة البيزنطية وقارة آسيا ؛ وتنسب تلك الإمارة إلى قبيلة تركية الأصل من سكان الهضبة الإيرانية تسمى ” قاي” كانت قد اضطرت تحت وطأة هجمات المغول من خلفاء جنكيزخان إلى الهجرة من وسط آسيا إلى المناطق الأرمينية . وهناك استقروا تحت قيادة ” سليمان شاه ” على نهر الفرات فى القرن الثالث عشر الميلادي . وبعد ذلك بفترة قصيرة انتقلوا إلى منطقة الأناضول . وبعد وفاة سليمان شاه انقسمت قبيلته إلى قسمين : فتوجه قسم منهما إلى خراسان ؛ واتجه القسم الثاني ، تحت قيادة طغرل إلى آسيا الصغرى . وفى هذه المنطقة المتاخمة لحدود الدولة البيزنطية قامت الإمارة العثمانية التى استمرت فى النمو والتوسع حتى صارت دولة مترامية الأطراف .

وبسبب الموفع الفريد لإمارتهم ، بدأ العثمانيون يفكرون فى التوسع على حساب جيرانهم البيزنطيين الضعاف والذين كانوا يعانون الكثير من المشكلات والأزمات من جراء النزاع على العرش البيزنطي ؛ فضلا عن أن العثمانيين تلقوا المساعدة من السكان المحليين فى تلك المناطق لأسباب متعددة . وهكذا واصلت الإمارة العثمانية بفضل مقاتليها الجسورين فى مد حدودها على حساب جيرانها من البيزنطيين وغيرهم . وفى بواكير القرن الرابع عشر كانت الإمارة العثمانية قد توسعت فى آسيا الصغرى على حساب ممتلكات الدولة البيزنطية التى لم يتبق لها فى الأناضول سوى أراض قليلة ؛ وفى سنة 1326 م استولى العثمانيون على مدينة بروسا ذات الأهمية الاستراتيجية مما زاد من ترسيخ وجودهم فى آسيا الصغرى . ولم تلبث هذه المدينة أن تحولت إلى عاصمة للدولة العثمانية البازغة فى عهد أورخان بن عثمان (1326 – 1359 ) . وبعد فترة قصيرة نجح العثمانيون فى الاستيلاء على مدينة ” نيقية ” الشهيرة ؛ ثم مدينة “نيقوميديا ” . ووصل العثمانيون إلى شواطئ مضيق البوسفور ؛ وبقي أمامهم أن يعبروا إلى الأراضي البيزنطية فى قارة أوربا ؛ وهو ما حدث فعلا ولكن بدعوة من البيزنطيين أنفسهم فى غمرة النزاع على كرسي العرش ، ثم لمساعدة بيزنطة فى حربها ضد الصرب بعد ذلك . ولكن جيش الإنقاذ العثماني الذى جاء لنجدة البيزنطيين لم يلبث أن تحول إلى جيش احتلال كما هي الحال فى التاريخ دائما . فقد استولى العثمانيون على مدينة ” جاليبولى ” سنة 1354 م ؛ وبعدها انطلقوا فى توسعاتهم فى البلقان . وهنا أدرك البيزنطيون الخطر الذى يحيق بهم من جراء التوسع العثماني فى البلقان على حسابهم وعلى حساب الصرب أيضا .  ولكن هذا الإدراك جاء بعد فوات الأوان . وكان انتقال العاصمة العثمانية إلى ” أدرنة ” ، واستقرار السلطان العثماني فيها سنة 1365م من أهم المؤشرات الدالة على التوجه الجديد للسياسة التوسعية العثمانية فى أوربا .

ومنذ سبعينيات القرن الرابع عشر الميلادي تحولت العلاقة بين الدولة العثمانية والدولة البيزنطية إلى نوع من علاقة التبعية التى تدين بها الدولة البيزنطية للدولة العثمانية  ؛ فقد تعين على الإمبراطور البيزنطي أن يؤدى بعض الخدمات العسكرية إلى السلطان العثماني فيما يشبه الالتزامات التى يؤديها الفصل الإقطاعي ( التابع الإقطاعي ) لسيده . وشهدت الفترة الباقية من القرن الرابع عشر المزيد من التدخل العثماني فى الشأن البيزنطي ، لاسيما فى عهد السلطان العثماني بايزيد الأول ( 1389 – 1402 م ) الذى فرض الحصارعلى مدينة القسطمطينية نفسها. وكادت المدينة االإمبراطورية أن تسقط فى أيدى العثمانيين … بيد أن ظهور “تيمورلنك” على مسرح الأحداث  فى ذلك الوقت أنقذ المدينة وأطال عمرها البيزنطي حوالي نصف قرن من الزمان . فقد نجح ذلك القائد المغولى فى هزيمة الجيش العثماني وأسر السلطان بايزيد نفسه فى معركة أنقرة سنة 1402 م . وبعد عدة أشهر مات السلطان الأسير فى أسره .

وهكذا تنفست الأسرة البيزنطية الحاكمة فى القسطنطينية الصعداء بسبب ما ظنوه نهاية للخطر العثماني . ولكن الأحداث التاريخية التى جرت فى أثناء نصف القرن التالى لم تلبث أن بينت أن تلك كانت أوهاما راودت القسطنطينية وساكنيها . ذلك أنه منذ عهد السلطان العثماني مراد بن محمد ( 1421 – 1451 م ) عادت القوة العثمانية تطل بوجهها المرعب على القسطنطينية . فقد تعرضت القسطنطينية للحصار سنة 1422 م ؛ وعلى الرغم من اضطرار العثمانيين إلى رفع الحصار عن المدينة ، فإن الاستيلاء عليها ظل حلما يداعب العثمانيين حتى تمكنوا من تحقيقه فى النهاية سنة 1453 م . وقد بدأ العمل على تحقيق هذا الحلم عندما اعتلى العرش العثماني السلطان محمد الثانى ( 1451 – 1481 م ) وتم الاستيلاء على القسطنطينية سنة 1453 م ؛ واستحق هذا السلطان لقب “محمد الفاتح ” بعد المعركة الباهرة التى قادها ونجح فى فتح المدينة التى تحولت إلى عاصمة إسلامية كبيرة منذ ذلك الحين .

كانت تلك النهاية فى الصراع العثماني – البيزنطي بداية لوجود حقائق جديدة فى الجغرافيا السياسية لعالم البحر المتوسط بأسره : فقد نتج عن ذلك الحدث التاريخي الفذ تغيرات فى علاقات القوى السياسية فى المنطقة العربية من ناحية ، وتراجع بعض القوى القديمة وظهور قوى جديدة فى عالم البحر المتوسط من ناحية أخرى . فعلى الرغم من أن المسلمين فى العالم الإسلامي كله – والمنطقة العربية فى قلبه – اعتبروا فتح القسطمطينية نصرا لهم ، فإن نذر الصراع بين الدولة العثمانية الظافرة ودولة سلاطين المماليك التى كانت أكبر قوة إقليمية حتى القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي ، أخذت تلوح فى الأفق .

وفى هذه الجبهة أيضا كانت الظروف فى صالح العثمانيين لأنهم واجهوا – عندما حان وقت الصدام العسكري – دولة منهكة ، اقتصاديا ، فاشلة سياسيا ، وأضعف كثيرا من الناحية العسكرية . إذ إن الفساد الداخلي المتمثل فى مظاهر عديدة أخذ ينخرفى دعائم الدولة من الداخل طوال القرن الخامس عشر ؛ فقد توالى جلوس السلاطين الضعاف على العرش ، وتدهورت أحوال الدولة السياسية فى الداخل ، وانعدم الأمن أو كاد ، وانهار الاقتصاد . وقد انعكس ذلك بالضرورة على مكانة دولة سلاطين المماليك الجراكسة الدولية والإقليمية ، وتآكلت مهابتها بحيث باتت الأخطار تحدق بها فى وقت لم تكن قادرة على التصدى لتلك الأخطار : فقد ظهر خطر جديد تهدد الحدود الشمالية الشرقية للدولة متمثلا فى هجمات تيمورلنك المغولي ، الذى كان ينتمى إلى بيت من بيوت أشراف التتار فى سمرقند مسقط رأسه ، والتى كانت مركز عملياته العسكرية التى خرج منها لكي بفرض سلطانه على بلاد ما وراء النهر، وخراسان ، وطبرستان ومناطق أخرى من إيران الحالية . وفى سنة 1393م استولى تيمورلمك على بغداد ، وبات على وشك الصدام مع سلطنة المماليك فى عهد السلطان الظاهر برقوق عندما اقترب كثيرا من حدود سلطنة المماليك فى الشمال الشرقي . ثم أرسل رسالة تفيض بكلمات التهديد وعبارات الوعيد إلى برقوق الذى رد عليه بقتل الرسل ( وهى تذكرة بما جرى بين هولاكو والسلطان قطز فى بداية عصر سلاطين المماليك فى النصف الثانى من القرن الثالث عشر الميلادي ) واستعد المماليك للقتال على ما ذكره المؤرخ تقي الدين المقريزي فى كتابه ” السلوك لمعرفة دول الملوك” . ولكن القائد المغولي الذى كان مشغولا بالقتال فى الهند آثر أن يؤجل الصدام إلى وقت لاحق . وفى تلك الأثناء ساعدت القوات المملوكية على طرد الحامية  المغولية التى تركها تيمورلنك فى بغداد قبل رحيله إلى الهند بجيشه ؛ وأعلن حاكم بغداد تبعيته لسلطان المماليك فى مصر والشام وأعالى العراق .

وفى سنة 1399 م ، السنة الأخيرة فى القرن الرابع عشر، عاد تيمورلنك لكي يستولى على بغداد مرة ثانية ؛ ويستعد لقتال المماليك ، وتقدم تيمورلنك بقواته التى هزمت جيش السلطان المملوكي الناصر فرج بن برقوق  ( الذى خلف أباه على العرش وهوما زال طفلا فى العاشرة من عمره ) فى معركتين كبيرتين عند حلب ودمشق من بلاد الشام سنة 1400 م . وهكذا بدأ القرن الخامس عشر بتلك الهزيمة الثقيلة التى لحقت بدولة سلاطين المماليك لتزيد من ضعفها المطرد من ناحية ، ولتكشف عن مدى تداعى قوتها  ومكانتها بسبب متاعبها الداخلية من ناحية أخرى .

وكان هناك خطر آخر فى الشرق والجنوب تمثل فى الخطر البرتغالي الذى أخذ يهدد البحر الأحمر ، وبحر العرب والمحيط الهندي ( بعد محاولات سابقة من جانب البرتغاليين للتحالف مع الحبشة المسيحية لضرب دولة سلاطين المماليك فى أثناء القرن الرابع عشر واستمرار محاولات تطويق العالم الإسلامي ) التى كانت أهم خطوط التجارة العالمية ومحطاتها فى ذلك الزمان . وكان ذلك فى نطاق الرغبة الأوربية فى السيطرة على تجارة العالم . وعرف البحارة البرتغاليون الدوران حول قارة أفريقيا عن طريق الممر الملاحي الذى أطلقوا عليه اسم ” رأس الرجاء الصالح ” ، الذى كان طريقا معروفا تماما للملاحين العرب والمسلمين العاملين فى تلك المناطق منذ زمن بعيد . وثمة رواية تتداولها المصادر التاريخية تقول إن الملاح المسلم ” أحمد بن ماجد” قد ساعد البرتغاليين فى معرفة ذلك الطريق البحري الذى كانوا قد أخفقوا فى عبوره عدة مرات قبل ذلك ، وغرقت بعض سفنهم فى تلك المنطقة . ومن المؤكد أن الملاح المسلم لم يكن يعلم بطبيعة المقاصد الاستعمارية للبرتغاليين حين ساعدهم على عبور ذلك الطريق ؛ إذا كانت تلك الرواية صحيحة أساسا . ونتيجة لهذا ، نجح البرتغاليون فى إقامة قاعدة بحرية لهم فى كلكتا بالهند سنة 1500 م : أي فى السنة الأخيرة من القرن الخامس عشر . وعلى الرغم من أن سلطنة المماليك فى أيامها الأخيرة قد حاولت التصدى لهذا الخطر ، ولقي أسطولها هزيمة فى معركة ديو البحرية ، فإن ضعف الدولة بدا جليا ، كما كان من الواضح أنها اقتربت من النهاية . وبغض النظر عن التطورات اللاحقة التى شهدتها بدايات القرن السادس عشر ، فإن القرن الخامس عشر كان قد شهد المزيد من تآكل القوة المملوكية مما مهد السبيل لصدامها القادم ، الذى أنهى وجودها السياسي والعسكري على المسرح الإقليمي والدولي ، مع الدولة العثمانية البازغة .

لقد كانت الظروف التاريخية ، وتوازنات القوى السياسية والعسكرية فى عالم البحر المتوسط مواتية للتوسع العثماني فى البلقان حتى وصلوا إلى تجريد الإمبراطورية البيزنطية المتداعية من من جميع ممتلكاتها الآسيوية والأوربية باستثناء مساحة محدودة حول القسطنطينية الى لم تلبث أن سقطت فى يدي السلطان محمد الثانى سنة 1453 م ، كما ذكرنا فى السطور السابقة . ومن ناحية أخرى ، كانت مشكلات الحدود بين دولة سلاطين المماليك الآفلة والدولة العثمانية الصاعدة ، والأزمات السياسية والدبلوماسية المتفاقمة بينهما ، تنذربصدام حتمي بين القوتين . إذ كانت الدولة العثماتية ، التى تطورت من إمارة صغيرة عاصمتها بورصة فى الأناضول إلى دولة كبيرة عاصمتها استنبول ( القسطنطينية ) بعد نجاح السلطان محمد الثاني فى فتحها فى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي ، خصما مخيفا لم يلبث أن أثبت أنه خطر حقيقي على وجود دولة سلاطين المماليك نفسها . وكانت الأسباب التى أدت إلى نشوب الخلافات ، ثم المواجهة المسلحة بين الدولتين كثيرة ومتنوعة لعل أهمها النموذج السياسي المتكرر فى التاريخ والمتمثل فى ظهور قوة فتية صاعدة إلى جوار قوة قديمة متداعية ؛ وما ينتج عن ذلك بالضرورة من ابتلاع القوة الصاعدة لممتلكات القوة المتداعية  وأراضيها .

ومن ناحية أخرى ، كانت العلاقات بين الدولتين المملوكية والعثمانية تسير فى البداية فى مسارين أساسيين يميزهما التعاون وتكامل الأدوار فى الحفاظ على مصالح العالم الإسلامي : المسار الأول ، التحالف والتنسيق ضد أخطار الغارات الصليبية المتأخرة فى حوض البحر المتوسط ، وضد محاولة القوى الأوربية السيطرة على طرق التجارة العالمية والحلول محل المسلمين فى هذه الطرق وحرمانهم من ثمارها . المسار الثاني ، التصدى لإغارات تيمورلنك وجيوشه المغولية على أراضى الدولتين . وكان نجاح الدولتين فى التصدى للأطماع الأوربية وبقايا الصليبيين محدودا ومحصورا فى بعض الجزر الموجودة فى البحر المتوسط ؛ ولكنهما فشلتا فشلا ذريعا فى التصدى لتيمورلنك . فقد ألحق تيمورلنك هزيمة ثقيلة بالعثمانيين وأسر سلطانهم بايزيد فى معركة أنقرة سنة 1402 م ، كما سبق القول . كما لقي الجيش المملوكى هزيمتين كارثيتين فى حلب ودمشق قبل ذلك بسنتين .

بيد أن تماس الحدود بين الدولتين ، وما نتج عن ذلك بالضرورة من مشكلات ، جعل التوتر يتصاعد ليفسد العلاقة بين الدولتين بشكل مطرد ومتصاعد بسب ما فرضته الجغرافيا السياسية على الدولتين اللتين تناقضت أقدارهما بين صعود الدولة الجديدة القوية ( العثمانية )، واضمحلال الدولة القديمة التى بدأت رحلة أفولها تقترب من نهايتها (المملوكية ) . وقد زاد من تدهور العلاقات بينهما تدخل سلاطين المماليك الأواخر فى المنازعات والصراعات بين أفراد السلالة العثمانية الحاكمة حول العرش العثماني ؛ وتشجيع بعض الأمراء العثمانيين الهاربين ؛ ومنحهم حق اللجوء داخل أراضى سلطنة المماليك . فضلا عن ذلك الموقف الذى وقفه المماليك من الصراع الذى نشب بين الدولة الصفوية الشيعية فى إيران والعراق والدولة العثمانية السنية . ففى الشمال الشرقي كانت الدولة الصفوية فى إيران والعراق تشتبك فى صراع سياسي وعسكري مع الدولة العثمانية ؛ ولكن الدولة المملوكية اتخذت موقفا اتسم بالتردد والتخاذل من الدولة الصفوية الشيعية والدولة العثمانية السنية على السواء . وربما كان ذلك من أسباب الحنق العثماني على الجار المملوكي العجوز ….. وكانت هناك بطبيعة الحال أسباب أخرى كثيرة لم تلبث أن دفعت بالعلاقات بين الدولتين الجارتين إلى مرحلة الأزمة ؛ ثم مرحلة الصدام العسكري بين الدولتين … وهى المرحلة التى انتهت بمعركة ” مرج دابق ” فى بلاد الشام سنة 1516 م ؛ وهي المعركة التى كانت الهزيمة فيها من نصيب المماليك وأدت إلى مقتل السلطان قنصوه الغوري فى ساحة القتال.

كانت معركة ” مرج دابق “، بنتائجها السياسية والعسكرية ، بمثابة المرآة التى عكست مدى تردى الأحوال فى دولة سلاطين المماليك العجوز فى تلك المرحلة النهائية من تاريخها الطويل : إذ كان الخلاف قد دبَ بشدة بين طوائف المماليك التى شكلت جيش السلطان قنصوه الغوري ، ولعبت الخيانة دورها إلى جانب التشرذم والتنازع ، فى هزيمة المماليك وسقوط السلطان قنصوه الغوري نفسه صريعا تحت سنابك الخيل فى ميدان المعركة … واختفت جثة السلطان الصريع لتترك للمؤرخين المجال مفتوحا للتخمين والتكهن بما حدث لجثة السلطان بعد مصرعه ؛ على حين تركت للسلطان الأشرف طومانباي ( آخر سلاطين المماليك ) مهمة الصراع الأخيرضد العثمانيين وكتابة الصفحات الأخيرة من تاريخ تلك دولة المماليك التى قطعت رحلة طويلة نسبيا ، تزينها صفحات مضيئة من إنجازاتها فى رحاب الزمان .

وبعد هذه المعركة توغل العثمانيون جنوبا واستولوا على مدن الشام وفلسطين واحدة تلو الأخرى . ثم دخل السلطان سليم خان العثماني ( سليم الأول ) مدينة دمشق ؛ وأدى بها صلاة الجمعة . وفى تلك الأثناء كان الأمير طومانباي يتولى منصب ” نائب الغيبة ” الذى ينوب عن السلطان الغوري فى الحكم مدة غيابه عن مصر. وأرسل إليه السلطان سليم يطلب منه الدخول فى طاعته وتولى حكم مصر نيابة عنه ؛ ولكن طومانباي الذى كان قد تم اختياره لتولى السلطنة فى دولة المماليك بعد مصرع السلطان الغوري ، رفض عرض السلطان العثماني ، وقرر مقاومة الغزو العثماني على الرغم من التفوق الواضح للعثمانيين فى كافة الجوانب … ومضت القصة مثلما تمضى قصص الأبطال المأساويين فى كل زمان ومكان .

كان طومانباي يحاول لم شعث القوات المملوكية التى تبعثرت هاربة من المواجهة مع الجيش العثماني المتفوق بسلاحه الحديث ، وقواته كثيرة العدد ذات التنظيم الجيد ؛ ولكن الحقيقة البشعة كشفت عن وجهها البشع أمام ناظريه :  دولة متفسخة أنهكها الفساد والظلم وانصراف الناس عنها ( لما استقر فى وجدانهم من أن هذه الدولة باتت وحشا لا يستحق الإنقاذ ) ، وموارد مستهلكة مستنزفة، وخزانة خاوية ، وجيش فاشل استسهل الاعتداء على الناس الذين كان من واجبه أن يحميهم … وعندما تدلى جسد طومانباي من مشنقته على باب زويلة من أبواب القاهرة فى ذلك اليوم من أيام سنة 1517 م ، لم يكن ذلك مجرد مشهد مأساوي يرمز إلى النهاية التعسة لدولة لم يبق لها من مجدها الغابر سوى ذكريات باهتة وظلال شاحبة ؛ إنما كان تعبيرا عن تلك التغيرات الجارية فى موازين القوى فى عالم البحر المتوسط ؛ وتغير خطوط الجغرافيا السياسيةبين دول حوض المتوسط فى ذلك الحين .

لم يكن سقوط دولة سلاطين المماليك حدثا محليا ، أو إقليميا ، يعلن عن نهاية دولة وبداية دولة جديدة مثلما كان الحال فى الدول التى قامت من قبل على أرض المنطقة التى كانت تمثل قلب العالم القديم ؛ فعندما سقطت هذه الدولة تغيرت ملامح الجغرافيا السياسية فى عالم ذلك الزمان . لقد سقطت دولة سلاطين المماليك فى بداية القرن السادس عشر الميلادي (1517 م) نتيجة تغييرات جسيمة فى الجغرافيا السياسية جرت فى القرن الخامس عش تمثلت فى نقل حدود التماس بين عالم الإسلام وعالم المسيحية الكاثوليكية الغربية  من آسيا الصغرى فى الشرق ، ومن الأندلس فى الغرب ، لتصل إلى البلقان برا بفضل التوسع العثماني وفتح القسطنطينية ، والبحر المتوسط ومنطقة المغرب العربي فى شمال أفريقيا . فقد كان سقوط دولة سلاطين المماليك واستيلاء العثمانيين على ممتلكاتهم ، بعد نجاحهم فى القضاء على الدولة البيزنطية سنة 1453م ، قد مدَ حدود دار الإسلام إلى البلقان بدلا من آسيا الصغرى من ناحية ؛ وخرج العثمانيون إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر ليحلوا محل المماليك من ناحية أخرى .

 

ففى الشرق فشل العثمانيون فى التصدى للأوربيين فوق مياه المحيط الهندى وبحر العرب لأسباب عديدة . ومنذ العقود الأخيرة فى القرن الخامس عشر باتت القوى الاستعمارية الأوربية خطرا يهدد المسلمين فى تلك الأنحاء ؛ وفى بطء عنيد وصلت السيطرة الأوربية إلى مناطق جنوب شرق آسيا ولم يلبث الأوربيون أن سيطروا على مناطق الشرق الأقصى فى القرون التالية . ولكن فى حوض البحر المتوسط كان الموقف مختلفا تمام الاختلاف ؛ إذ بات الوجود البحري العثماني القوي فوق مياه هذا البحر أمرا ملموسا يحسب حسابه كثيرا فى مجال الحرب وفى مجال التجارة والرحلة على السواء .

لقد حلَ العثمانيون محل القوة البيزنطية ( المسيحية الشرقية ) فى منتصف القرن الخامس عشر ، ثم قضوا على دولة سلاطين المماليك بعد نهاية هذا القرن بعدة سنوات وحلوا محلها ؛ ومن جهة أخرى ، قضى الإسبان والبرتغاليون على الوجود الإسلامي فى شبه جزيرة إيبيريا العقد الأخير من القرن الخامس عشر . وكان ما حدث فى أثناء ذلك القرن مقدمة لتغيرات مهمة فى موازين القوى فى عالم النحر المتوسط ، مهدت لعصر الاستعمار والهيمنة الإمبريالية فيما بعد .

أما فى الغرب ، فإن الوجود السياسي للمسلمين انتهى بسقوط غرناطة سنة 1492 م ، آخر معاقل المسلمين فى شبه جزيرة إيبيريا . إذ كانت غرناطة آخر موقع غير مسيحي فى شبه جزيرة إيبيريا بعد منتصف القرن الثالث عشر الميلادي . ولكن الموقف السياسي لحكام هذه الإمارة الإسلامية الأخيرة كانت تفتقر إلى الجكمة والاتساق : فقد كانت غرناطة تتحول بسرعة مربكة من التحالف إلى العداء ؛ ثم العكس ، فى علاقاتها مع الممالك المسيحية المعاصرة . وفى غرناطة نفسها كثرت انقلابات القصر داخل السلالة الحاكمة . وعلى الرغم من هذا كله ، شهد القرن الخامس عشر الميلادي نمو القوة العسكرية لغرناطة وازدهارها . وقد ركز الغرناطيون على بناء عدد كبير من المدن الصغيرة المحصنة والأبراج التى كان يمكن استخدامها بكفاءة فى الحروب الحدودية الستمرة مع جيرانها المسيحيين الصغار . وكانت هجماتهم السريعة ذات فعالية كبيرة فى حروب الحدود . ولكن الأمر تغير بشكل جذري بعد ظهور إيزابيلا وفرديناند على مسرح الأحداث وقيادتهما للحرب ضد المسلمين فى الأندلس .

ومن ناحية أخرى ،  كان الإسبان ينظرون إلى فرديناند وإيزابيلا على أنهما مندوبا الرب للقضاء على الوجود الإسلامي فى الأندلس . كان فرديناد وريث عرش أرجونة ، وكانت إيزابيلا وريثة عرش قشتالة . وقد ارتبطت جهودهما فى هذا السبيل ، مع بدء عمل محاكم التفتيش سيئة السمعة فى مملكة قشتالة “….لإعادة آلاف الهراطقة إلى الكنيسة الكاثوليكية ؛ أو تسليمهم إلى الدولة لحرقهم أحياء …” . وهكذا بدأ فرديناند وإيزابيلا الاستعداد لخوض المرحلة النهائية من  ” حرب الاسترداد ”  (حسب التسمية المسيحية اللاحقة ) فى ظروف مواتية تماما .

وبدا واضحا أن الحرب من أجل غرناطة لن يمكن كسبها سوى بالضغط البطيء على حكامها وسكانها دونما رحمة . فقد استولى فرديناند فى سنة 1408 م على واحدة من البلدات التابعة لغرناطة عنوة ؛ وشنق أعيان البلدة وعلَق أجسادهم فى صف طويل مثل القلادة ؛ واستعبد الباقين من أهل البلدة رجالا ونساء وأطفالا . وفى سنة 1485 م استولى المسيحيون على بلدة روندا الحصينة التى فضل أهلها الاسنسلام بشروط مواتية …. وبدأت الخطى تتسارع نحو سقوط غرناطة ؛ وتقدم المسيحيون من الغرب ومن الشمال . وخوفا من قدوم المساعدة من البحر المتوسط من جانب المسلمين فى شمال أفريقيا أو من العثمانيين … أو حتى من المماليك فى مصر والشام – على الرغم من أن أيا من هذه القوى الإسلامية لم تكن فى وضع يسمح لها بالمساعدة – كان هناك ما يزيد على ستين ألفا من الأوربيين القادمين من شتى أنحاء أوربا يعسكرون حول ملقا المدينة / الميناء على حين كان الإسبان يزحفون لحصار المدينة سنة 1488 م . وقد اتسم القتال بالوحشية الشديدة من الجانبين ، وعلت الرغبة فى الانتقام من الآخر وإيذائه على كل ما عداها من مشاعر لدى المحاربين من المسيحيين والمسلمين على حد سواء . ولم يسع أهل ملقا المحاصرون إلى بحث شروط الاستسلام سوى بعد أن نفدت أقواتهم تماما ؛ ولم يعد لديهم شيء يأكلونه .

وبعدها بدأ الاستعداد لحصار غرناطة نفسها ؛ وكان ذلك عملا يشبه الهجوم العثماني على القسطنطينية سنة 1453 م من بعض الوجوه ؛ بيد أن غرناطة كانت مليئة بآلاف الرجال الذين عقدوا العزم على الدفاع عن آخر قطعة أرض إسلامية فى الأندلس … وجلس القشتاليون المسيحيون قبالة مدينة غرناطة فى انتظار استسلامها . ومنذ ربيع سنة 1390 م حتى شتاء سنة 1491 م طال انتظار الجيوش الإسبانية . وفى نهاية الأمر بدأت عصبة من أعيان المدينة المفاوضات السرية لوضع شروط الاستسلام فى شهر أكتوبر سنة 1491 م ، وتم الاتفاق سرا بين الطرفين …واستسلمت غرناطة فى سنة 1492 م .

وكان هذا الحدث الذى جاء بعد أقل من نصف قرن من الزمان من سقوط القسطنطينية تتويجا لتلك التغيرات الهائلة التى شهدها القرن الخامس عشر فى الجغرافيا السياسية لعالم البحر المتوسط ، ورسم خريطة جديدة لتوازن القوى فى هذا العالم آنذاك اتضحت فيها الحدود الجديدة بين عالم الإسلام وعالم المسيحية الغربية . وهكذا انتقلت ميادين الصراع إلى مياه البحر المتوسط ومناطق شرق أوربا ووسطها : وفوق مياه البحر ، وعلى تراب الأرض ، أخذ العثمانيون ( الذين مثلوا عالم الإسلام ) والأوربيون ( الذين يمثلون عالم المسيحية الغربية ) يتبادلون أدوار الدفاع والهجوم . وأخذ عالم البحر المتوسط شكلا جديدا بسبب ما جرى فى القرن الخامس عشر … ذلك القرن الطويل المثير .

 

وفى عالم البحر المتوسط كانت الجمهوريات التجارية الإيطالية ( وأهمها البندقية ، وجنوا) قد باتت قوة اقتصادية لها وزنها فى القرون الثلاثة السابقة على القرن الخامس عشر(منذ القرن الثاني عشر عندما نجح الصليبيون فى إقامة مملكة بيت المقدس اللاتينية وثلاث إمارات أخرى على أرض الشام وفلسطين خصما من القوى السياسية الإسلامية بعد نجاح الحملة الصليبية الأولى ( 1095 – 1099 م ) واستمرتلك الجمهوريات التجارية قوة لها خطورتها وقوتها طوال القرون التالية .) وعلى الرغم من أن دولة سلاطين المماليك تمكنت من إعادة توحيد فلسطين وبلاد الشالم تحت حكمها منذ معركة عين جالوت سنة 1260 م ؛ وعلى الرغم من أن دولة سلاطين المماليك نفسها قضت على آخر معاقل الوجود الصليبي فوق الأرض العربية شرق المتوسط فى أواخر القرن الثالث عشر ( 1291 م ) بعد تحرير عكا التى كانت آخر المعاقل  الصليبية ، فإن الجمهوريات التجارية الإيطالية نجحت فى انتزاع مكان ومكانة لها فى الحوض الشرقي للبحر المتوسط ؛ وكانت البندقية على وجه الخصوص قوة بحرية تجارية وعسكرية يخشى بأسها لاسيما بعد اختفاء الدولة البيزنطية . ويعنى هذا فى التحليل الأخير تغيرا كبيرا فى موازين القوة البحرية من ناحية ، والجغرافيا السياسية على الحدود البحرية من ناحية أخرى . لقد أدت القوة الاقتصادية الإيطالية ، والأوربية بصفة عامة ، إلى تغير مسار الذهب من دول غرب أفريقيا إلى أوربا بدلا من مصر والمنطقة العربية بسبب زيادة النشاط التجاري للجمهوريات التجارية الإيطالية ؛ وقد أدى ذلك بدوره إلى نتائج سلبية خطيرة على دولة سلاطين المماليك اقتصاديا وماليا وسياسيا وعسكريا مما كان من أسباب ضعفها المطرد وأدى فى النهاية إلى سقوطها واختفائها من على المسرح السياسي لعالم البحر المتوسط .

كذلك كانت بقايا الصليبيين من فرسان الاسبتارية (فرسان القديس يوحنا ) الذين طردوا من عكا قد انتهوا أخيرا ، بعد عدة تنقلات إلى جزيرة مالطا التى أقاموا بها دولة لأنفسهم كانت مركزا لنشاط القرصنة المأجور فوق مياه المتوسط حتى غزاها نابليون بونابرت وهو فى الطريق إلى غزو مصر فى أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر . وكان ذلك التطور بشكل خاص ذا تأثير كبير فى بداية حركة الاستعمار التى تخفت تحت الاسم العجيب الذى صكه كتاب الغرب ” الكشوف الجغرافية ” . ( بيد أن من الواجب أن نذكر أن ماحدث من اكتشاف الأمريكتين والعالم الجديد كان كشفا بحق وإن تم بطريق الصدفة ؛ أما آسيا وأفريقيا فلم يكن ما جرى بها كشوفا جغرافية ؛ وإنما كان سعيا وراء السيطرة على طرق التجارة العالمية آنذاك فيما عرف اصطلاحا باسم الاستعمار ) . وقد أغري ذلك النشاط التجاري الدول  الأوربية الأخرى ، ولاسيما البرتغال والإسبان ، بمحاولة غزو الساحل الشمالي الغربي الأفريقي ؛ أي دول المغرب العربي ، وكان لابد للعثمانيين أن يتصدوا لهذه المحاولات بحيث صار عالم البحر المتوسط ميدانا جديدا لتغيير توازن القوى بين دار الإسلام والمسيحية الأوربية ؛ وتبديل حقائق الجغرافيا السياسية فى عالم البحر المتوسط ؛ وكان نصيب القرن الخامس عشرمن هذه التغيرات كبيرا للغاية .

ومن ناحية أخرى ، كان خروج القوى الأوربية البازغة إلى العالم الجديد ، وإلى محاولات السيطرة على الطرق التجارية والملاحية فى العالم القديم ، سببا مباشرا فى التغيرات التى طرأت على الجغرافيا السياسية فى الحوض الغربي للبحر المتوسط . ومرة أخرى ، كان نصيب القرن الخامس عشر الميلادي من هذه التغيرات عظيما .

التعليقات