الطرق البحرية لحجاج شبه القارة الهندية إلى الحجاز – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في مارس 15, 2015 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ تاريخ الشرق الأقصى دكتور قاسم عبده قاسم
0 Flares 0 Flares ×

تحمل فترة الحج السنوية إلى بلاد الحجاز والحرمين الشريفين ، والرحلات التى تحمل الحجاج من كل فج عميق لأداء الفريضة الإسلامية الأكثر رغبة عند كافة المسلمين ، ما يذكرنا دائما ان أداء هذه الفريضة كان يمثل أمنية وأملا يحلم بتحقيقه كل مسلم . فقد كان المسلمون على امتداد تاريخهم يسعون إلى تتويج حياتهم برحلة الحج وأداء مناسك هذه الفريضة ؛ قبل ظهور الاختراعات الحديثة التى سهلت السفر والنقل ويسَرت الرحلة . ولم يكن المسلمون فى شبه القارة الهندية استثناء فى ذلك بطبيعة الحال .

كانت الرحلات القادمة من مشرق العالم الإسلامى تختلف فى طبيعتها وظروفها عن الرحلة القادمة من مناطق الشرق الإسلامي . فقد كانت قوافل الحج البرية القادمة من بلاد المغرب الإسلامي ومصر وبلاد الشام ، مثلا ، فى زمندولة سلاطين المماليك وفى زمن الدولة العثمانية ، تضم التجار والحجاج الذين كانوا يلتمسون الأمان فى ظل حماية القوات العسكرية التى كانت تصاحب مواكب الحج عادة فى هذه المناطق . ومن ناحية أخرى ، كانت أعداد التجار والحجاج القادمين من شبه القارة الهندية ينضمون إلى القوافل البرية الآسيوية الذاهبة إلى الحجاز عبر الأراضى الواقعة جنوب غرب آسيا للغرض نفسه . ولكن معظم حجاج شبه القارة الهندية كانوا يفضلون الطرق البحرية القادمة من الموانئ الإسلامية عبر المحيط الهندى والبحر الأحمر وصولا إلى الموانئ الحجازية المعروفة آنذاك حين تكون الرياح الموسمية متوافقة مع موعد الحج. ومن ثم فإن هذه الطرق البحرية ، والسفن المبحرة فوق مياهها ، كانت تحمل التجار والحجاج سويا : كل إلى غايته .

ولم يكن ارتباط التجار القادمين من الهند بقوافل الحج البرية يمثل مشكلة ؛ لأن الرحيل قبل موعد الحج بوقت مناسب كان يمكن الإعداد له بشكل جيد . بيد أن الأمر كان يختلف بالنسبة لطرق الملاحة البحرية ؛ فمن المعروف أن شعائر الحج تؤدى فى شهر ذى الحجة من كل سنة ، وهو من الشهور العربية القمرية . ومن المعلوم أن هذه الشهور تتغير مواعيدها قياسا إلى التقويم الشمسي ؛ ولهذا كانت ، ولا تزال ، تأتى فى أوقات متغيرة فى فصول السنة الأربعة : الصيف ، والربيع ، والشتاء ، والخريف . وهذه الفصول الأربعة تجلب تغييرات مناخية يمكن أن تجعل موعد الرحلة البحرية من الموانئ الهندية يناسب موسم الحج أحيانا ، أو غير مناسب فى أحيان أخرى . ذلك أن الرحلات التجارية البحرية فى المحيط الهندي كانت تعتمد بشكل أساسي على الرياح الموسمية التى كانت مواعيدها ثابتة حسب التقويم الشمسي ، على حين كان موعد الحج يعتمد على التقويم القمري المتغير . وهكذا كان ثمة تعارض غير قابل للحل بين موعد الحج وموعد الرحلات البحرية فى زمن كانت فيه الريح والشراع يتحكمان فى الموقف .

وقد حاول بعض الباحثين الأجانب ربط موسم الحج فى شبه القارة الهندية بموسم التجارة ؛ وهي محاولة غير منطقية تقوم على افتراض أن أسواق الهند والشرق الأقصى كانت محكومة بموسم الحج ؛ بحيث أن التجار كانوا يحملون بضائعهم ثم يبحرون صوب البحر الأحمر بحيث يصلون إلى هناك حسب الوقت الذى تمليه الظروف المناخية المناسبة وفقا للتقويم الشمسي ؛ ثم ينتظرون فترة ربما كانت تمتد إلى عشرة أشهر أو أكثر لكي يلحقوا بموسم التجارة أثناء الحج فى مكة المكرمة أو فى ميناء جدة .. ويقتضى هذا الافتراض أن نصدق أن التجار القادمين من الهند كانوا يمكثون فى جدة طوال هذه الفترة بلا عمل ليطرحوا بضائعهم  وتجارتهم على الزوار فى مكة أثناء موسم الحج ؛ وربما تعين عليهم الانتظار مدة أخرى حتى تهب الرياح الموسمية لتدفع سفنهم فى طريق العودة .

ولكن هذا لا يبدو صحيحا من الناحية التاريخية ؛ فقد تركزت معظم تجارة البحر الأحمر ( الذى يرتبط ارتباطا عضويا ببحر العرب والمحيط الهندي ) على ميناء جدة من ناحية ، ، كما كانت محكومة بالرياح الموسمية من ناحية أخرى . وهكذا لم يكن سوق مكة الكبير أثناء موسم الحج هو الذى يحكم رحلات الرحلات البحرية القادمة من الهند ، ولكن تجار المحيط الهندي وبحر العرب كان لهم وكلاء مقيمون فى ميناء جدة ؛ وكانوا يحتفظون بالبضائع لطرحها فى الوقت المناسب ؛ وبذلك كانوا يتجنبون الخسائر الفادحة التى كان يمكن أن يتكبدوها بسبب الرياح الموسمية المتحكمة فى حالة إذا ما كانت الفترة طويلة بين وصول السفن القادمة من الهند وبحر العرب والبحر الأحمروبدء موسم الحج . بيد أن هذه لم تكن الحال دائما بطبيعة الحال فقد كان يحدث أحيانا أن يأتى موسم الحج متطابقا مع موسم الرياح الموسمية أو قريبا منه . وفى مثل تلك الأحوال كانت أعداد الحجاج القادمين إلى الحجاز صحبة سفن التجار الآتية من شبه القارة الهندية تزيد كثيرا ، كما كان التجار ووكلاؤهم يربحون المزيد .

ذلك أن التجار القادمين من تلك الأنحاء عن طريق البحر لم يكن أمامهم خيار آخر غير الامتثال لدكتاتورية الرياح الموسمية .. وكان من يأتى منهم بهذه الطريقة يمضون وقتهم فى السفر والتنقل بين أنحاء الحجاز ، أو يزورون المدينة المنورة أو المزارات المقدسة ؛ وكان بعضهم يمكثون فى مكة لأداء العمرة …. وما إلى ذلك . ومن ناحية أخرى ، كان بعض الحجاج القادمين من شبه القارة الهندية عن طريق البحر يصلون الحجاز بعد العاشر من شهر ذى الحجة بحيث يكون موعد أدائهم شعائر الحج قد فاتهم ؛ ومن ثم يضطرون إلى البقاء فترة سنة تقريبا فى انتظار موسم الحج التالى ؛ ولم يتغير هذا الموقف سوى فى القرن التاسع عشر بعد أن صار السفر بالبواخر لا يخضع لموسم الرياح ؛ فقد سهلت البواخر رحلة الحج أمام مسلمى الهند بعد أن كان كثير منهم يضطرون للإقامة فى مكة أو المدينة مدة طويلة فى انتظار الرياح الموسمية فى الصيف ، إذا فاتهم موعد الحج بأيام قليلة ، لكي يعودوا إلى ديارهم فى زمن السفن الشراعية . أما التجار القادمون على متن هذه السفن الشراعية نفسها ، فكان أمامهم خيار آخر تمثل فى قيامهم بمعظم أعمالهم التجارية فى موانئ البحر الأحمر : مثل جدة ، والمخا ، فى الأوقات التى تفرضها الرياح الموسمية التى تأتى فى الصيف على حين يتغير موعد موسم الحج الذى يتحدد حسب التقويم القمري .

كانت تلك أهم المعوقات التى تعترض الرحلة البحرية للحجاج القادمين من شبه القارة الهندية ، وعلى الرغم من أن ميناء جدة كانت تستقبل أعدادا كبيرة من هؤلاء الحجاج فى كل سنة ، فإن هذه المدينة لم تكن تعتمد على أولئك الحجاج فى نشاطها الاقتصادي بشكل كبير ، لأنهم كانوا فى غالب الأحوال يتعجلون السفر إلى مكة المكرمة لأداء شعائر الحج ، ولا يمكثون فى جدة سوى فترة قصيرة . ومن المعلوم تاريخيا أن ميناء جدة كانت ميناء مهما من موانئ البحر الأحمر منذ زمن بعيد .وكانت سياسة دولة سلاطين المماليك ( الذين قامت دولتهم لتسيطر على المنطقة العربية فى الفترة من 1250 إلى 1517 م ) الاقتصادية والسياسية قد جعلت من ميناء جدة ميناء مهما من موانئ ” بحر الحجاز ” أو البحر الأحمر الذى كان بحرا مغلقا أمام سفن غير المسلمين . وقد لعبت جدة دورا مهما للغاية فى تجارة التوابل ، والتبادل التجاري بين عالم البحر المتوسط وأوربا شمالا ، وعالم المحيط الهندى وجنوب شرق آسيا والبحر الأحمر جنوبا . وكانت جدة تسمى فى ذلك الحين ” عروس البحر الأحمر ” وقد جنى سلاطين المماليك أرباحا كثيرة من هذه التجارة وأسالت لعاب الطمع فى نفوس الأوربيين ؛ وفى طليعتهم كان البرتغاليون . ومنذ القرن الخامس عشر الميلادي بدأت محاولات القوى الأوربية للسيطرة على الطرق البحرية فوق مياه المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأحمر .

بيد أنه من المهم أن نشير إلى أنه إذا كانت التجارة البحرية بين مناطق جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي بصفة عامة قد عجزت عن التوافق مع موسم الحج بحيث تستفيد من وجود تلك الأعداد الغفيرة من الحجاج فى الحجاز ، فإن البضائع التى كانت تحملها القوافل القادمة عن طريق البر ، عبر مناطق أفغانستان وباكستان وإيران اليوم ، افادت من التوافق الذى استطاعت أن تحققه بين مواعيد وصولها إلى بلاد الحجاز وموسم الحج فى شهر ذى الحجة من كل عام . وعندما ننظر إلى النشاط الاقتصادي فى مكة المكرمة فى بواكير العصر الحديث ، لا سيما فى موسم الحج ، سنكتشف بسهولة أنه كانت هناك تجارة راسخة فى المواد الغذائية ، والمؤن والبضائع المرتبطة بالحج وحاجات الحجاج ؛ وسنجد أيضا أن تلك كانت تجارة متعددة الأبعاد . بيد أن مكة لم تكن مركزا تجاريا دائما بأي حال : صحيح أنه كان هناك نوع من التجارة المؤقتة التى ارتبطت بالحجاج وما يحتاجون إليه ، وفيما عدا ذلك لم تكن مكة مدينة تجارية . إذ إن معظم الناس القادمين فى قوافل الحج : البرية منها والبحرية على حد سواء ، لم يكونوا عندما ينزلون الأراضي الحجازية يشترون سوى ما يحتاجونه من المؤن لأنفسهم ، أو الهدايا التى يريدون حملها من الأراضي المقدسة لأقاربهم وذويهم .وما كان يسمى ” سوق الحج “كان مرتبطا بالحجاج وحاجاتهم من ناحية ، ومحدودا بفترة وجودهم هناك من ناحية أخرى حسبما يتضح من تلك التسمية . وهو ما يجعلنا نغامر بالقول إن مكة المكرمة كانت امتدادا اقتصاديا من نوع ما لجدة التى كانت تجارتها مع مكة مجرد حلقة من حلقات نشاطها الاقتصادي متعدد الجوانب .

وقد كانت رحلات الحجاج القادمين من شبه القارة الهندية إلى بلاد الحجاز كثيفة فى أعدادها ؛ ويمكن تفسير ذلك فى ضوء عدد من الأسباب منها ما هو سياسي يتمثل فى أن حكام المغول المسلمين فى شبه القارة الهندية اهتموا بتشجيع الحج مما يجعلهم يظهرون بظهر الورع والتقوى أمام رعاياهم. وكان السلطان ” بابر ” – أول حكام المغول المسلمين فى الهند – قد نسخ القرآن الكريم بيده ( بالخط الذى ابتكره ، ولم يلبث أن طواه النسيان ؛ وقدم المخطوط إلى أمراء مكة . وكان السلطان المغولي المظفر الثانى (1511-1526 م ) ينسخ القرآن الكريم بنفسه سنويا بماء الذهب ؛ ويقدم هبة سنوية لكل من مكة والمدينة ، مع تخصيص مبلغ سنوي للحفاظ على النسخ والإنفاق على أولئك الذين يستخدمونها فى التلاوة ، ويقال إنه كان ينسخ فى كل يوم جزءا من القرآن بخط النسخ ، وإنه بنى نزلا للحجاج فى مكة كان يضم مدرسة ، وسبيلا لتوزيع الماء على الحجاج مجانا ؛ كما أوقف وقفا خصصه للمدرسين والطلاب بهذه المدرسة ؛ وخصص سفينة لنقل الحجاج الفقراءإلى الحجاز مجانا .

وقد سار خلفاؤه من حكام البنغال فى القرن الخامس عشر الميلادي على نهجه السياسي الذى جعل من الحج إلى الأراضي الحجازية مسألة مركزية فى سياسة حكام تلك المناطق . وكان ميناء ” سورات ” ذا أهمية بالغة فى ذلك الزمان لاشتهاره بسفر رحلات الحج الهندية منه إلى بلاد الحجاز ؛ وكان مسلمو شبه القارة الهندية يسمونه “باب المكة ” ( أي : باب مكة ) أو “بندرى مبارك ” (أي : الميناء المبارك ، أوباب بيت الله ) .

وقد شهدت فترة حكم ” السلطان أكبر” قيام عدد كبيرمن النساء المسلمات فى الهند برحلات بحرية للحج ؛ وكانت إحدى الرحلات تضم النساء من بنات الطبقة الحاكمة ، وعلى رأسهن كانت ” بيجا بيجام ” زوجة أحد النبلاء ، وهى التى عرفت فيمل بعد باسم “حاجى بيجام ” ( أي الحاجة بيجام ) ؛ ولكن فاقتها فى الشهرة ” جوليدان بيجام ” ابنة السلطان ” بابر ” وعمة السلطان ” أكبر ” الذى قام بتجهيز رحلتها سنة 1517 م ؛ وأبحرت سفينتان تقلان ” جوليدان “وعشر سيدات أخريات ، وعددا من الموظفين الرسميين ، ووصل الجميع إلى الحجاز بعد رحلةحافلة بالمغامرات ليبقين بالحجاز عدة سنوات حججن فيها أربع مرَات ، وقمن بالعمرة عدة مرات ، ثم عدن إلى بلادهن سنة 1582م ، وقد قام الحكام المسلمون فى المناطق القريبة بالممارسات نفسها فى المناطق القريبة ، وأرسلوا نساءهم فى رحلات بحرية من موانئ بلادهم إلى المناطق الحجازية .

بيد أن معظم الحجاج الهنود فى تلك الفترة كانوا من الرجال بطبيعة الحال ، وكان معظم الحجاج من هذه المناطق يحصلون على مساعدة الحكام ؛ فقد كان مظفر الدين يقدم السفن والأغذية والمؤن للحجاج المتوجهين إلى الحجاز ؛ وحذا حذوه حكام آخرون فى شبه القارة الهندية طوال القرن السادس عشر الميلادي ؛ وكان بعض أولئك الحكام يرسل سنويا سفينة كبيرة تحمل الحجاج إلى البحر الأحمر كانت حمولتها تصل أحيانا إلى ستمائة طن وأكثر . وكانت التعليمات على تأمين مسار الرحلات البحرية التى تحمل الحجاج من الهند إلى البحر الأحمر وميناء جدة …

وكانت الطريقة التى كان السلطان أكبر وخلفاؤه يمولون بها رحلات الفقراء ، طريقة مباشرة وأكثر أهمية من الناحية السياسية ؛ فمنذ سبعينيات القرن السادس عشر قرر السلطان أكبر تعيين “… أحد الماثلين على أعتابه الشريفة مير حجى – أي أمبرا للحج ” . وقد استمر هذا النوع من دعم الدولة فى القرن السابع عشر وظلت السفن تنقل الحجاج المسلمين من شبه القارة الهندية حتى تغيرت وسائل المواصلات من ناحية ، وتغيرت الظروف السياسية بسبب الاستعمار الأوربي من ناحية أخرى …

تتطور وسائل المواصلات ، ويتقدم الإنسان ، ويبقى بيت الله الحرام فى مكة المكرمة قبلة المسلمين ويبقى مقصدهم الذى يحجون إليه ” من كل فج عميق ” .

التعليقات