مسلمو غرب أفريقيا على طريق الحج عبر مصر فى زمن السيادة الإسلامية – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في مارس 5, 2015 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم مصر
0 Flares 0 Flares ×

كانت مملكة مالى ، التى نشأت فى القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي فى غرب أفريقيا ، أعظم الممالك الإسلامية التى قامت فى غرب أفريقيا زمن السيادة الإسلامية ، ووصلت أراضيها إلى سواحل المحيط الأطلسي غربا ، واتصلت بتخوم المغرب الإسلامي شمالا ؛ أما حدودها الجنوبية فكانت تسكنها جماعات وثنية تسمى ” اليسج ” . ( تمثل جمهورية مالى الحديثة جزءا صغيرا فقط من مملكة مالى القديمة ) .

وكانت مملكة مالى فى الأصل خمسة أقاليم قامت فى كل منها مملكة مستقلة ؛ وتمكن حاكم مالى من السيطرة عليها جميعا وضمها فىى مملكة واحدة تحت حكمه ، كان الإقليم الأول من هذه الأقاليم إقليم مالى الذى أعطى اسمه للمملكة الموحدة وكانت عاصمته ؛ وعاصمة المملكة عامة تسمى بنبى ؛ والإقليم الثاني إقليم صوصو فى غرب مالى ؛ ثم يليه الإقليم الثالث الذى عرف باسم بلاد غانة على ساحل المحيط الأطلسي ؛ أما الإقليم الرابع فكان فى شرق مالى باسم بلاد كوكو ؛ وإلى الشرق من هذا الإقليم بلاد التكرور التى تشكل الإقليم الخامس . وفى تلك العصور كانت بلاد التكرور الأكثر شهرة لدى الجغرافيين والمؤرخين فى مشرق العالم الإسلامي .

ويتوه التاريخ الباكر لمملكة مالى الإسلامية فى ضباب الغموض بسبب ندرة المصادر التاريخية ، ولعدم قدرة الحفريات الأثرية على كشف غموض الفترة الباكرة من تاريخ هذه البلاد . ومن هنا فإننا نبدأ بدخول الإسلام إلى هذه المناطق ، وحرص حكامها الأوائل على أداء فريضة الحج عبر الطريق البري والمرور بمصر التى كانت تحت حكم سلاطين المماليك فى ذلك الحين .

تشير الروايات الشفوية المتداولة بين الأهالى فى تلك الأنحاء إلى أن أول حاكم كبير لهذه البلاد كان هو “جورماندانا ” الذى يرى بعض الباحثين أنه هو نفسه “برمندان ” أول من اعتنق الإسلام فى هذه البلاد . ويذكره المؤرخ تقي الدين المقريزي باسم ” سرمندانة أو برمندانة ” فى كتابه ” الذهب المسبوك فى ذكر من حج من الخلفاء والملوك ” . وقد أورد المؤرخ البكري قصة اعتناق ذلك الرجل الإسلام فى كتابه الذى يحمل عنوان “المغرب فى ذكر بلاد إفريقية والمغرب ” . وتقول هذه القصة إن المملكة تعرضت للجفاف عدة سنوات ؛ وقد الملك عددا هائلا من الماشية أضاحى تقربا للآلهة حتى تسقط الأمطار دونما فائدة . وكان يعيش فى البلاد رجل مسلم قال للملك إنه إذا اعتنق الإسلام ، فإن الله سبحانه وتعالى سوف يرحمه ويرسل الخير إلى بلاده واستجاب الملك لنصيحة الرجل المسلم ؛ كما استجاب الله لصواته ودعائه ؛ وجادت السماء بالمطر. ثم أمر الملك بتحطيم الأصنام كلها فى كافة أنحاء المملكة ، وصار هو وخلفاؤه من المسلميت الصالحين . ولكن الأهالي بقوا على وثنيتهم لفترة من الزمن . وقد ذكر المقريزي أن أحد خلفاء هذا الملك ، وهو ” موسى الأكوبي ” ، أدى فريضة الحج فى عهد السلطان الظاهر بيبرس .

ولا تذكر الأساطير المحلية سوى الملك الأشهر ” منسَا موسى ” الذى يذكره ابن خلدون باسم “” مارى جاطة ” ؛ ومعناها ( الأمير الأسد ) . وربما كان هذا اللقب هو اللقب الذى حمله مؤسس مملكة مالى . وعلى أية حال ، فإن المصادر التاريخية تؤكد أن ملك مالى السلطان منسا موسى ” كان من أعظم ملوكهم …” على حد تعبير القلقشندى . وقد أدى هذا الملك فريضة الحج ومر بالأراضى المصرية فى رحلته البرية إلى بلاد الحجاز فى عهد السلطان العظيم ركن الدين بيبرس البندقداري .

والملك الذى تتحدث المصادر التاريخية عن رحلته الأسطورية ( من ملوك التكرور ) كما يسميهم المقريزي ، هو الملك ” منسَا موسى بن أبى بكر ” – وهو غير منسَا موسى المؤسس الذى زار مصر أيام السلطان الظاهر بيبرس – ويصفه المؤرخون بأنه كان شابا أسمر البشرة ، وسيما طويل القامة ، ممتلئ الجسم  وكان متبحرا فى الفقه المالكي ؛ شديد التمسك بدينه . وقد اشتهر هذا الملك الشاب فى الشرق العربي الإسلامي كله بسبب رحلة الحج الكبيرة التى قام بها إلى الأراضى الحجازية سنة 724 هـ / 1324 م . وقد بدأ منسَا موسى رحلته من تمبكت ( تمبكتو ) ومعه حاشية كبيرة العدد ؛ ودارت حول تلك الرحلة حكايات غلفها الخيال ؛ وأحاطت بها المبالغة : فقد ذكر المؤرخون المعاصرون ، ومن نقلوا عنهم من اللاحقين ، أرقاما تفاوتت بين ستين ألفا فى تقدير المكثر وخمسة عشر ألفا فى تقدير المقل ؛ كما ذكر المقريزي أن خمسة عشر ألف جارية صحبن الملك الشاب فى رحلته الحجازية !!! كذلك ذكر ابن خلدون أن عدد من حملوا أمتعة الملك وحاشيته كانوا اثنى عشر ألف حمَال يلبسون أقبية الديباج والحرير اليماني .

ومن بين الروايات المثقلة فى الخيال حول تلك الرحلة الحجازية الفريدة ، ما ذكره أحد المؤرخين من أن إمرأة الملك أرادت أن تستحم فى أثناء الرحلة ، فى منطقة تقع ما بين “تفازة” “وتوات ” ؛ فأمر الملك بحفر بحيرة صناعية إرضاء لها ، وتقول الرواية إن الزوجة التى كانت تسمى ” إنار كنت ” ظلت ساهرة مع الملك فى خيمته ، ثم نام هو ، وعندما استيقظ وجدها مازالت ساهرة فسألها عما بها ؛ فقالت إنها تريد البحر لكيى تستحم وتعوم …. فأمر بعمل حفرة ورمى فيها الأحجار والرمال ، ثم ملِست الحفرة حتى صارت ملساء مثل الفخار . وبعد ذلك أمر بتفريغ المياه التى يحملها أعضاء القافلة في قربهم فى البحيرة الصناعية “.. حتى امتلأت، وأعلت وسمت ، بحيث تضطرب فيها الأمواج مثل البحر العظيم…” . ومهما كانت رائحة المبالغة والخيال التى تفوح من مثل هذه الروايات ، فإنها تدل على مدى ثراء ذلك الملك .

كانت مصر آنذاك المحطة التى يتوقف عندها الحجاج القادمون من غرب أفريقيا من غرب أفريقية ، وشمال أفريقيا فى طريقهم إلى الحجاز لأداء مناسك الحج . وقد وصلت قافلة منسَا موسى إلى مدينة القاهرة فى اليوم السادس عشر من من شهر رجب سنة 724 هـ / العاشر من مايو سنة 1324 م . وقد أورد المقريزي فى كتابه ” السلوك لمعرفة دول الملوك ” نصا مختصرا عن تلك الرحلة على الرغم من رواياته المفصَلة عن تلك الرحتة فى كتبه الأخرى ؛ إذ قال : ” وفيه (شهر رجب ) قدم منسَا موسى ، ملك التكرور ، يريد الحج وأقام تحت الأهرام ثلاثة أيام فى الضيافة . وعدى منسا إلى برِ مصر فى يوم الخميس سادس عشر رجب ، وطلع القلعة ليسلم على السلطان ، وامتنع عن تقبيل الأرض ، فلم يجبر على ذلك ؛ غير أنه لم يمكن من الحضور فى الحضرة السلطانية . وأمر السلطان بتجهيزه للحج ؛ فنزل وأخرج ذهبا كثيرا فى شراء ما يريد من الجوارى والثياب وغير ذلك حتى انحط سعر الدينار ستة دراهم …”

هذه الرواية المختصرة التى أوردها المقريزى عن زيارة منسا موسى بن أبى بكر للقاهرة شغلت الناس زمنا . ولكن الواضح أن السلطان محمد بن قلاون، الذى كان يحكم آنذاك ، قد عامل الملك منسا موسى باعتباره تابعا له ولم يعامله معاملة الند .، ومع ذلك فإنه أكرم وفادته وبعث إليه بالهدايا فى محل إقامته بمنطقة الأهرام .

ومن ناحية أخرى ، فإن كمية الذهب التى دخل بها الملك الأفريفي المسلم مصر كانت كبيرة بالقدر الذى جعل سعر الدينار الذهبي ينخفض ستة دراهم فى أسواق الصيرفة وفقا لرواية المقريزي . كما أن ابن خلدون ، فى كتابه المعنون ” العبر وديوان المبتدأ والخبر ” يقول إن منسا موسى أحضر معه ثمانين حملا من تبر الذهب زنة كل حمل ثلاثمائة رطل . وعلى الرغم من رائحة المبالغة التى تفوح من هذه الروايات ، فإن العمري صاحب كتاب “مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار ” قد رفع الرقم إلى مائة حمل ذهب جاء بها منسَا إلى مصر . ومن الواضح على أية حال أن الرجل قد جلب معه كمية هائلة من الذهب بالفعل .

وعندما حان وقت الرحيل ، أمر السلطان ” الناصر محمد بن قلاون ” بعمل الترتيبات اللازمة لسفر منسَا موسى من القاهرة إلى الحجاز مع حاشيته ضمن ركب الحاج المصري بقيادة الأمير “سيف الدين أيتمش ” أمير الحج فى تلك السنة . وكانت تعليمات السلطان للأمير تقضى بالعمل على راحة الملك منسا موسى حتى ينتهى من أداء مناسك الحج ويعود سالما . كما أرسل السلطان الناصر محمد إلى المسئولين عن الحجاج فى أثناء الطريق يأمرهم بالسهر على راحة الملك الأسمر . وفى منتصف شهر ذى القعدة غادرت قافلة الحج المصرية القاهرة فى طريقها إلى بلاد الحجاز . وقد عامل الملك الأفريقي المسلم رفاقه من الحجاج الآخرين فى القافلة بسخاء بالغ وكرم فاق الحدود المألوفة فى ذلك الزمان : فقد حصل منه الدليل الذى كان بصحبته ، مثلا ، على ما يزيد عن مائة مثقال ذهبا . وعندما وصلت القافلة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة أنفق منسا موسى الكثير من الأموال ، كما تصدق بمال كثير على الأهالى والحجاج والمجاورين فى المدينتين المقدستين . وعندما عاد الملك الأفريقي إلى القاهرة ، فى طريق عودته إلى بلاده ، كان أكثر كرما وسخاء .

كانت الأشياء التى انطبعت فى ذهن إمبراطور مالى الشاب ، فى أثناء زيارته للشرق العربي كثيرة . لقد أراد الملك أن يؤدى فريضة الحج شأن كل مسلم ، وكان فى ذهنه الامتيازات السياسية التى ترفع من مكانته فى عيون رعاياه بسبب هذه الرحلة ؛ فضلا عن تدعيم صلاته وروابطه السياسية بسلطنة المماليك التى كانت آنذاك أهم قوة إقليمية فى العالم العربي والعالم كله ؛ وربما كان هناك سبب آخر شخصي تحدثت عنه المصادر التاريخية التى قالت إنه تسبب فى قتل أمه عن طريق الخظأ “… وندم وخاف ، وتصدق بمال جسيم ، وعزم على صوم الدهر . وسأل بعض علماء زمانه عما يفعل فى الاستغفار لهذا الذنب العظيم ؛ فقال له : أرى أن تفزع ‘لى رسول الله صلى الله عليه وسلم … وتستشفع به ، وسيشفع الله فيك … وعقد العزم على ذلك فى يومه …”

***

كانت رحلة منسَا موسى بن أبى بكر الأسطورية تجسيدا لشوق ملوك مالى (التكرور) الإسلامية القديمة إلى الشرق المسلم حيث الحجاز منبت الدين الإسلامي ؛ وحيث المدينتين المقدستين : مكة المكرمة والمدينة المنورة ؛ وحيث يمكنهم أداء مناسك الحج لاستكمال أركان دينهم . ومن ناحية أخرى ، كان الشرق العربي الإسلامي فى تلك الفترة مركز الثقل فى العالم المسلم ومستودع ميراث الحضارة العربية الإسلامية ومجدها الرائع ، بعد الهجمات التى تعرض لها المغرب والأندلس الإسلامي من جانب الكاثوليك ؛ واجتياح المغول للشرق الإسلامي وإسقاط الخلافة العباسية فى بغداد ، حتى أوقفهم سلاطين المماليك بعدما هزموا جيوشهم فى عين جالوت بفلسطين . لقد كانت القاهرة فى تلك الفترة العاصمة الجاذبة للهجرة من كل أنحاء العالم المسلم بسبب ما كانت توفره من أمان ، وما تنعم به من ازدهار اقتصادي ، واستقرار سياسي ، وقوة ومهابة على الصعيد الإقليمي والعالمي .

ولم يكن شوق السفر إلى الشرق العربي ، وبلاد الحجاز خاصة ، قاصرا على الحكام وإنما امتد إلى رعاياهم الذين تكبدوا تكاليف الرحلة ، وتجشموا مشقة السفر ، وخاطروا بعبور الصحراء بما تحويه من مخاوف ورهبة ، لتتويج حياتهم بهذه الرحلة العظيمة . ومثلما يفعل مسلمون كثر فى جميع أنحاء العالم المسلم فى مشارق الأرض ومغاربها اليوم ، كان مسلمو غرب أفريقيا (مالى ، والتكطرور ، وغانة … وغيرهم ) يفضلون قضاء ما بقي لهم من العمر فى رحاب البلاد الحجازية وفى المدينتين المقدستين : زوارا ، وحجاجا ومجاورين ، ودارسين ومدرسين . وقد آثر بعضهم البقاء فى مصر لأسباب متنوعة : تجارا وطلابا وعلماء حرفيين .

وعلى الرغم من أن إمبراطورية مال لم تلبث أن تعرضت للتفكك والانهيار لأسباب لا يتسع هذا المقام لذكرها ، فإن زيارة منسا موسى تركت أثرها واضحا فى اهتمام التجار المصريين بتجارة غرب أفريقيا من ناحية ،كما جعلت المصريين يصدقون ما تناولته الحكايات الخرافيةعن الأشجار التى تثمر ذهبا فى تلك البلاد العيدة من ناحية أخرى . وعلى الجانب الآخر تأثر البلاط فى بلاد غرب أفريقيا بالمراسيم والنظم التى كان يعمل بها فى بلاط سلاطين المماليك فى مصر .

وربما كان الأمر ذو الأثر البالغ فى هذه الصلات التى قامت بين مملكة مالى الإسلامية ودول الشرق العربي يتمثل فى التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية الصحيحة التى أدخلها علماؤهم فى بلادهم بعد أن تعلموا فى القاهرة أو فى الحجاز . ومنذ تلك الفترة صارت دول غرب أفريقيا مسلمة فى بنيتها حيث تبنت ما تم نقله من الشرق العربي المسلم من عقائد وممارسات  ومظاهر مادية ولامادية ، وتعتبر الآن ، مع دول المغرب العربي فى شمال أفريقيا، الجناح الغربي للعالم الإسلامي كله.

التعليقات