اَلْيَهُوْدُ فِي مَمْلَكَتَيّ قَشْتَالَةَ وأراجُون – بقلم الدكتور عبد الرحمن بشير

نشرت في فبراير 14, 2015 عن طريق - قسم الأندلس تاريخ تاريخ مدن دكتور عبد الرحمن بشير
0 Flares 0 Flares ×

اَلْيَهُوْدُ فِي مَمْلَكَتَيّ قَشْتَالَةَ وأراجُون – 1391-1492م (الصُّعُودُ والسُّقُـــوطُ)

عاشَ اليهود فِي شِبْهِ الجزيرةِ الإيبيرية مُنْذُ القُرُونِ الأُولَي لِلْمِيلادِ، وعَمِلُوا مَعَ الحُكُومَاتِ المُتعاقبةِ، وانْحَازُوا دائماً للمُنتصرِ وسانَدُوه بِكُلِّ ما مَلَكَتْ أيديهِمُ ؛ فعاشوا فتراتِ ازدهارٍ وانتابتْهُمْ فِي أُخْرَي هِزَّاتٌ؛ بَيْدَ أَنَّهُمْ تَخَطُّوهَا بسرعةٍ، وبلغُوا قِمَّةَ مَجْدِهِمْ فِي القَرْنِ 14م، ولم يَدُرْ بِخَلَدِهِمْ آنذاك أَنَّهُمْ عَنْ شِبْهِ الجزيرةِ راحلُون تَحْتَ أَيَّةِ ظُرُوفٍ، رَغْمَ مَا أَلَمَّْ بِهِمْ مِنْ أحداثٍ سنة 1391م مِنْ جانبِ عَامَّةِ الشَّعبِ، بسببِ مُمارستِهِمْ الاحتكاريَّةِ وانحيازِهِمْ لِلسُّلطَةِ، ولكنْ تَمَّ اِحْتِواؤهم بفضلِ الرِّعَايَةِ المَلكيَّةِ لهم، ولم يَجُلْ بِخَاطِرِهِمْ فكرةُ النَّفي آنذاك، ومَنْ هَاجَرَ في تلك الفترةِ كانتْ هِجْرَتُهُ طَوَاعيَةً، لذلك كانَ قرارُ طَرْدِهِمْ مِنْ شبهِ الجزيرةِ الإيبيرية 1492م مُفَاجِأً لهم وأصابَهُمْ بالشَّللِ، ولم يشفعْ لهم ما قدَّمُوه للبلاطِ مِنْ خِدْمَاتٍ ؛ فقد استجابَ الملكُ فرديناندو والملكةُ إزابيلا للضَّغطِ الشَّعبي المُتتابعِ، وللمُتعصِّبين مِنْ الكنيسةِ فطَرَدُوا اليهود مِنْ مُملكتيهما أراجون وقشتالة .

وما بين أحداثِ 1391م وصُدُورِ قرارِ الطَّردِ في 31 مارس 1492م نُفْرِدُ هذه الدِّراسةِ، حيثُ تُناقشُ تاريخَ اليهود في المَنطقةِ خلالِ قَرْنٍ مِنْ الزَّمانِ؛ فرصدتْ علاقاتِهِمْ بالمُجتمعِ في مملكتي قشتالة وأراجون، وقدرِ الحِمَايَةِ الملكيَّةِ لهم، ومَدَي استجابَتِهِمْ لِلْمُحُاوَلاتِ المُتكرِّرةِ للتَّنصيرِ تحتَ ضغطِ المُتعصِّبين مِنْ رِجَالِ الكنيسةِ والرُّهبانِ ؟ وكذلك مَدَي خُضُوعِهِمْ للقَوَانِيْنِ والتَّشريعاتِ التي أصدرتُهَا الحُكُومَاتُ المُختلفةُ ؟ ولا تغفلُ الدِّراسةُ الإبانةَ عَنْ علاقاتِهِمْ بمحاكمِ التَّفتيشِ وبالكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ؛ لنصلَ إلى قرارِ الطَّردِ وأسبابِهِ ونتائِجِهِ التي أفضتْ إلى اعتناقِ الكثيرِ منهم المسيحيَّةَ؛ وخُرُوجِ ما بقي منهم على دينه إلى المَجْهُولِ، وأَلْحقتُ الدِّراسةَ بترجمةٍ لِلْجُزْءِ الخاصِّ باليهود في مجموعةِ قوانينِ الأجزاءِ السَّبعةِ، وكذلك قرارِ الطَّردِ من مملكتيّ أراجون وقشتالة، ولأنَّ الدِّراساتِ العربيَّةَ لم تُوَفِّ هذا الموضوعَ حَقَّهَ مِنْ الدِّراسةِ، وَخَلَتْ المَكتبةُ العربيَّةُ مِنْ دِرَاسةِ مُتكاملةٍ عن هذا الموضُوعِ ارتكنتْ على مَرَاجِعِ تلكَ الفترةِ باللُّغاتِ الأجنبيَّةِ والمُترجَمِ مِنْها إلى اللُّغةِ العربيَّةِ، وبذلتْ الجُهدَ قَدْرَ الاستطاعةِ لِمُناقشةِ آراءِ أصحابِهَا

مُستندين إلى الأسلوب التَّحليلي والأسلوب المُقارنِ، بِرُؤيةِ المُؤرِّخِ المُحايدِ والنَّاقدِ المُتحرِّرِ وبالله التوفيق.

تَمْهِيْدٌ :

اِسْتَوْطَنْ اليهود إسبانيا فترةً تَزيدُ كثيراً على سنواتِ استيطَانِهِمْ فلسطينَ، ومعلومٌ أنَّه لا يُمكنُ تحديدُ موعدٍ مُحدَّدٍ لِسُكنَى اليهود في شبهِ الجزيرةِ الإيبيرية، وإِنْ وُجِدَتْ إِشَارَاتٌ إلى وُصُولِ اليهود واليهوديَّةِ إلى المَنْطقةِ مع رحلاتِ الفينيقيين، وزادتْ أعدادُهُمْ بِمَنْ هَاجَرَ إليهم عَقِبَ هَدْمِ الهيكلِ لأَوَّلِ مَرَّةٍ 586ق.م، عَلاوةً على الذين أُبْعِدُوا مِنْ شمالي أفريقيا على إِثْرِ ثورةِ اليهود في برقةَ 115م. شَكَّلَ اليهود جالياتٍ حَظِيَتْ باحترامِ المَسِيحيين، الَّذين تَبَرَّكُوا بهم فِي زِرَاعَاتِهِمْ ومَحَاصِيْلِهِمْ([1])، وَإِنْ كانتْ هذه إشاراتٌ لا تَرْقَى إلى مَصَافِّ الحَقيقةِ ؛ فإنَّه مِنْ الثَّابتِ وُجُودُهُمْ فِي القَرْنِ الرَّابعِ المِيْلادي (300م)، حيثُ استقرُّوا في المُدُنِ، خاصَّةً في عواصِمِ مُقَاطعاتِ شِبْهِ الجزيرةِ الإيبيرية، كَدَأْبِهِمْ دائماً لِيكُونُوا فِي دائرةِ صُنْعِ القَرَارِ، وَوِفْقاً للرِّوايةِ اليهوديَّةِ فَإِنَّ أقدمَ تواجُدٍ لليهودِ فِي شبهِ الجزيرةِ كان في مدينةِ طُليطلةَ Toledo عاصمةِ القُوْطِ الغَرْبيين ( القُوْطِ الحُكَمَاءِ Visigoths )، وتَزعُمُ الرُّوايةُ أَنَّ اسمَ العَاصِمَةِ مُستمدّ مِنْ الكلمةِ العِبْريَّةِ ‘Toledoth’ التي تَعْنِي الأجيالَ أو مَدينةَ الأَجْيَالِ([2]).

تَسَامَحَتْ الكنيسةُ مع اليهود أَوَّلَ الأَمْرِ، وكانَ المَحَكُّ الأَوَّلُ لاختبارِ العَلاقةِ بين المِسيحيين واليهود هناك على أيدي القُوْطِ الَّذين حَكَمُوا شِبْهَ الجزيرةِ واعتنقُوا المسيحيَّةَ الكاثوليكيَّةَ؛ إِذْ فَرَضُوا قيوداً على اليهود أملاً في تحويلِهِمْ إلى المِسيحيَّةِ ([3])، ويرَى أحدُ الدَّارسين ([4]) أنَّ الفَتْحَ العربيَّ لِشِبْهِ الجزيرةِ سنة 93هـ / 711م مَنَعَ نِهَايَةً كانتْ مُحْتملَةً للوُجُودِ اليهوديِّ فيها، أو على الأَقَلِّ أَجَّلَها حتَّى سنة 1492م، فقد فتحَ العربُ المُسلمون شِبْهَ الجَزيرةِ بِمُساعَدَةِ اليهود المُضْطهدين بها، كما عَبَرَ مَعَ المسلمين عددٌ منهم كانوا قَدْ فرُّوا بأنْفُسِهِمْ ناجين مِن الاضطهادِ إلى المَغْرِبِ . اعتمدَ المُسلِمُون على اليهود في التَّعرُّفِ على البلادِ ؛ وتركُوا أَعْداداً منهم في المُدُنِ لِمُسَاعَدَةِ الحُكَّامِ المسلمين ([5])، ورغمَ ذلك حَاوَلَ أحدُ اليهود مِنْ الَّذين اجَتازُوا المَضِيْقَ بِصُحبةِ المُسلمين إِشْعَالَ ثورةٍ ضدَّ المسلمين في بَلَنْسِيَةَ Valencia بعدَ أَنْ أَتَمَّ المُسلمون فَتْحَهَا مُباشرةً، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَكُنْ مُساعدتُهُمْ للمُسلِمين إلا لِلْمَنفعةِ السِّياسيَّةِ فقطْ ([6])، وظلَّ وَضْعُ اليهود في إسبانيا الإسلاميَّةِ أفضلَ كثيراً منه في أيِّ بلدٍ أُوربيٍّ آخر؛ مِنْ عِدَّةِ وُجُوْهٍ على عِدَّةِ أَصْعِدَةٍ حتَّى نهايةِ القَرْنِ 11م([7])، وخلالَ النِّصْفِ الثَّانِي لِلْقَرْنِ 12م زَادَتْ هِجْرَةُ اليهود مِنْ الجَانِبِ الإِسْلاميِّ إلى قَشتالةَ المَسيحيَّةِ بسببِ ضَغْطِ المُوحِّدين، ولم يُضيِّعُوا وقتاً ؛ فتَعلَّمُوا اللُّغةَ القَشتاليةَ وأَجَادُوهَا مِثْلَمَا تعلَّمُوا العربيَّةَ في قُرْطُبَةَ؛ مِمَّا مَهَّدَ لَهُمْ الطَّريقَ إلى كواليسِ الحُكْمِ.([8])

تَغيَّرتْ الخريطةُ السِّياسيَّةُ فِي شِبْهِ الجزيرةِ الإيبيرية لِصَالِحِ القُوى المَسيحيَّةِ إِثْرَ مَعْرَكَةِ العقَابِ سنة 610هـ/ 1212م التي خَاضَتْهَا الممالِكُ المَسيحيَّةُ ضِدَّ المُوحِّدين، وانتهتْ لصالِحِ القُوى المسيحيَّةِ، وتَهَاوَتْ أراضِي المُسلمين في الأندلُسِ تَحْتَ إِغَارَتِهِمْ حتَّى سقطتْ في أيديهِمْ سنة 898هـ-1492م ؛ ففي الشَّمالِ الشَّرقيِّ تُرُابِطُ مملكةُ أراجون التي امتلكتْ الجُزْءَ الأكبرَ مِنْ شاطئ المتوسِّطِ الذي يُمثِّلُ حُدُوْدَهَا الشَّرقيَّةَ، وفي الغَرْبِ لامَسَتْ حُدُوْدَهَا مملكةَ نافارا في الشَّمالِ، أمَّا حُدُوْدُهَا الغربيَّةُ فاشتركتْ مَعَ مملكةِ قشتالة التي اتَّحدتْ مع مملكةِ لِيُون لِتُكَوِّنَ مَنْطِقَةَ اَلْوَسَطِ مِنْ شبهِ الجزيرةِ، وتقعُ في غربِ الجزيرةِ مملكةُ البُرتُغَالِ، وفي الجَنُوبِ مملكةُ غرناطةَ الإسلاميَّةِ.

اعتمدَ اليهود اعتماداً كبيراً على الاحتفاظِ برَوَابِطَ قويَّةٍ مع الحكُومَةِ المَركزيَّةِ؛ سواءً كانَ المَلِكُ أو النُّبلاءُ أو القَسَاوِسَةُ أو السَّادةُ المحلِّيون([9])، وخدَمُوا على الجانبين الإسلاميِّ والمسيحيّ، مع بدايةِ حركةِ الاستردادِ المسيحيَّةِ، ليسَ فَقَطْ في الإدارةِ والدُّبلوماسيَّةِ، وإنَّما كانَ لهم عددٌ من الجُنْدِ في الجانبين؛ فقد لَعِبَ اليهود نَفْسَ الدَّورِ الذي لعبُوهُ مع العَرَبِ المُسلمين مِن قَبْلِ عندما فتحُوا شِبْهَ الجزيرةِ الإيبيرية([10])،فعلى سبيلِ المِثَالِ تُشِيرُ بعضُ النُّصُوصِ القَشتاليةِ التي تعودُ إلى عصرِ المَلِكِ القَشْتالي ألفونْسُو الثَّامنِ (1158-1214م) إلى اشتراكِ يهوديٍّ في التَّخطيطِ لمعركةِ الأركِ ( Alarcos )أمامَ المُوحِّدين في 9شعبان(591هـ) 18يوليو(1195م)([11])، وعندمَا دخَلَ المَلِكُ فرديناندُو الثَالثُ (1217-1252م) ملكُ قَشتالة مدينة إشبيليَّةَ في نوفمبر 1248م استقبلَهُ يهودُ المدينةِ ورحَّبُوا به ترحيباً حارّاً وسلَّمُوهُ مفتاحَ المدينةِ ([12])، وكانَ هديَّةَ فردينانْدُو لهُمْ هو عددٌ من مساجِدِ المُسلمين لِيُحوِّلَهَا إلى معابدَ ([13]).

وفي 16 سبتمبر 1410 غزا الأميرُ فرديناندو ابن خُوان (1379-1390م) ملكُ قَشتالة مدينةَ أنتقيرة Antequera التي تقع شمال مالقا التابعة للملكة غرناطة الإسلامية ([14])، وَحَسْبَ المُؤرِّخِ القشتالي المُعاصِرِ للأحداثِ ألفارو جراسيا سانت ماريا ؛ فإنَّ أحدَ السُّكَانِ اليهود في المدينةِ الإسلاميَّةِ أَرْشَدَ فرديناندو عن إمداداتِ المياهِ فيها ([15])، وهو الأمرُ الذي يُعيدُ للأَذْهَانِ مَوْقِفَ اليهود فِي مدينةِ بغدادَ عندمَا تعرَّضَتْ لإعصارِ المَغُوْلِ سنة 1258م، وكانتْ مُكافَأَتُهُم مِنْ الجانبِ المسيحيِّ على قدرِ المُقَامَرَةِ، حيثُ حَصَلُوا على إقطاعيَّاتٍ كبيرةٍ مِنْ الأراضي في إشبيلية seville وخيريس jerez وفي أماكنَ أُخري، وخلالَ هذه الفترةِ هاجَرَ الكثيرُ منهُمْ مِنْ المَنَاطِقِ التي يُسيطرُ عليها المُوحِّدون إلى الأراضي الخاضِعَةِ للممالِكِ المسيحيَّةِ، وانصهرُوا في المُجتمعِ ليس فقطْ كتجارٍ، ولكنْ أيضاً كمُزارعينَ، وتقلَّدُوا المَناصِبَ الهامَّةَ في الممالِكِ المسيحيَّةِ([16]).

استقرَّ في مملكةِ قشتالةَ أكبرُ المَجموعاتِ اليهوديَّةِ، وكانَ عصرُهُمْ الذَّهبيُّ في عهدِ ألفونسو العاشر (الحكيم)(1252-1284م)وظلَّ كذلك في عهدِ خلفه ألفونسو الحادي عشر (1312-1350م) الذي بنى لهم بِيَعاً وزِكَّاهُمْ عند البَابَا بأنَّهُمْ يضعُون أرَوْاحَهُمْ على أَكُفِّهِمْ دفاعاً عن إسبانيا المسيحيَّةِ([17]). استقرَّتْ الغالبيَّةُ منهم في المدنِ الكُبرى خلالَ القرنِ ال14م ؛ خاصَّةً العاصمةَ طليطلة تَلِيْهَا إشبيلية seville وخيريس Jerez ومرسية Murcia، وانتشرتْ جماعَاتٌ صغيرةٌ منهم في أنحَاءِ المملكةِ، ويُقدِّرُ بعضُ المؤرخين عددَهُمْ بحوالي 175000نسمة بنسبة 3-5% من عددِ سُكَّانِ المملكةِ في تلك الفترةِ، وكان لهم ممثِّلُون في البرلمانِ القشتالي (الكورتيس) ([18])، أمَّا في مملكةِ أراجون فقد رعى خيمي الثاني (1291-1327م) اليهود، وعندما طَرَدَ ملكُ فرنسا فيليبُ الرَّابع كُلَّ اليهود من بِلادِهِ سَمَحَ لهم خيمي بالاستيطانِ في مملكتِهِ([19])، وخلالَ القَرْنِ 14م قُدِّرَتْ أعدادُهُمْ بحوالي بـ 60000 نسمة؛ أي: بنسبة 6-7% من عددِ السُّكانِ، كانوا مُوزَّعين على أنحاءِ المملكةِ، ولم يكنْ لهم تجَمُّعاتٌ كبيرةٌ سِوَى في مدينةِ برشلونة ([20])، وزادتْ نسبةُ اليهود في مملكةِ البُرتغالِ عن إخوانِهِمْ في قشتالة وأراجون([21]).

اليهود فِي المُجتمعِ الأسبانيِّ:

جلبَ اليهود معهم إلى المُدُنِ الإسبانية كُلَّ المَهَارَاتِ التي تُمَكِّنُهُمْ من الحياةِ داخلَ المُجتمعِ، وتجعلُ منهم عُنصراً مُؤثِّراً في مفاصِلِ الحياةِ الإسبانية، لذلك أسهمتْ مُشاركةُ اليهود في ازدهارِ إسبانيا ؛ خاصَّةً في مجالِ الحِرَفِ ؛ فالعملُ اليدويُّ عادَةٌ قديمةٌ عندَ اليهود مُتَّخذةً من الدِّينِ أساساً؛ لذلك غَلَبُوا على الوظائِفِ المُتواضِعَةِ التي يأنفُ منها المُجتمعُ الأسبانيُّ([22])، إِذْ مَالَ المسيحيُونَ الأسبانُ إلى الحياةِ المُطْلَقَةِ

بعيداً عن قيدِ العملِ اليدويِّ الرُّوتينيِّ، ولم يَشْغلُوا أنْفُسَهُمْ كثيراً بإعمالِ الذِّهنِ في المسائلِ الفكريَّةِ([23]).

تكشفُ الوثائقُ عن كثيرٍ من الحِرَفِ التي امْتَهَنَهَا اليهود ؛ فعملَ اليهوديُّ صانعَ نِعَالٍ ( إِذْ شَكَّلَ صانِعُو الأحذيةِ اليهود في سرقسطة طائفةً ) وصانِعَ بَرَادِعِ وحَدَّادَ وصَانِعَ للقُبَّعاتِ ونَجَّارَ وجواهرجيَّ وصبَّاغَ وفِي الصَّيرفَةِ([24])، وعملُوا في دِبَاغَةِ الجُلُودِ، وفي الخِيَاطَةِ، فقدْ كانَ منهم في مرسية سنة 1407م ثلاثين خيَّاطًا وسبعة نسَّاجين وثلاثةَ صبَّاغين([25])، ومن خلالِ الوثائقِ يكشفُ كاسترو([26]) عن مِهَنٍ أُخْري عَمِلَ بها اليهود؛ مِثْلَ: السَّمسرَةِ وصناعةِ الفِضَّةِ والعُمْلاتِ الذَّهبيَّةِ والأزرارِ وتغليفِ الكُتُبِ واللَّمْبَاتِ وترويضِ الأُسُودِ، ويرجعُ الفضلُ في ازدهارِ مدينةٍ مثلِ سَرَقُسْطَةَ خلالِ القرنين الثالث عشر والرابع عشر لمَّا كان يقومُ به اليهود من حِرَفٍ وأعمالٍ([27]) .

اعتلى اليهودُ كذلك المِهَنَ الرَّفيعةَ في المُجتمعِ الأسباني، ومثَّلَ أصحابُ هذه المِهَنِ النُّخبةَ المُثقَّفةَ في المُجتمعِ اليهوديِّ([28])، فكانَ منهم الأطبَّاءُ([29])، ومملكةُ أراجون وَحْدَهَا كانَ بها سبعةٌ وسبعون طبيباً خلالَ القرنِ الرَّابعِ عشَرَ الميلاديِّ ([30])، وتخصّصَ بعضُهُمْ في عِلاجِ الدَّماملِ([31])، ولم يقتصرْ دورُ الأطبَّاءِ اليهود في تلك الفترةِ على خدمةِ المُلُوكِ وأفرادِ الطَّبقةِ العليا من المُجتمعِ، لكنَّهم باشرُوا عِلاجَ العامَّةِ في المُدُنِ ([32])، واشتغلَ بعضُهم بِالبَيْطَرَةِ([33])، وعملُوا مُحامِين وكَتَبَةَ ومُوظفي خِدمةٍ مدنيَّةٍ، وخدمُوا أيضاً كَكَتَبَةٍ لعددٍ من العائِلاتِ المَلكيَّةِ([34])، كما أنَّ المُستندَاتِ الحكوميَّةَ تُشيرُ إلى الدَّورِ المُهِمِّ الذي كان يلعبُهُ اليهود في الإدارةِ الحُكُومِيَّةِ، وكذلك دَوْرُهُمْ الرَّئيسُ في جمعِ الضَّرائِبِ المَفَرُوضَةِ على الأرضِ الزِّراعيَّةِ([35])،وما لَبِثَ أَنْ احتكرَ اليهود الأعمالَ المَاليةَ وجَمْعَ الضَّرائبِ المَدنيَّةِ والإقراضَ بفائدةٍ، فضلاً عن امتلاكِهِمْ أغلبَ مَصَانِعِ النَّسيجِ في طُليطلةَ وإشبيليَّةَ وقُرطبةَ، لذلك نجدُ اليهوديَّ مُتغلغلاً داخلَ مَجَالاتِ العملِ المُختلفةِ ([36]).

تَبَوَّأَ اليهود أيضاً مَنَاصِبَ مُهمَّةً داخلَ البلاطِ الملكيِّ بقشتالةَ وأراجون([37])، واعتمدَ عليهم البلاطُ ووثقُوا فيهم ارتياباً من الحُكَّامِ في أبناءِ وَطَنِهِمْ([38])؛ وتحْمِلَ بعضُ النُّصُوصِ القَشتاليةِ إشاراتٍ إلى أنَّ يهوديًّا كان يعملُ مُستشاراً للملكِ ألفونسو الثامن ( 1158-1214م)، وكان سبباً في هزيمةِ الجيشِ القشتالي أمامَ المُوحِّدين في معركةِ الأركِ سنة 1195م عندما أشارَ بتخفيضِ عددِ الفُرْسَانِ في المعركةِ، ممَّا جعلَ المصادِرَ التَّاريخيَّةَ والأدبيَّةَ القَشتاليةَ تنعتُ اليهود بمُستشاري الشَّرِّ ([39])، وفي سنة 1275م رافقَ الطبيبُ اليهوديُّ تَادْرُسُ الملكةَ فُولانتي زَوجةَ الملكِ ألفونسو العاشر في زيارتِهَا مع زوجِهَا للبابا جوريجري العاشر ([40])، وفي نهاية القرن 13ومع بداية القرن 14م كان موسي بن ناحوم وتلميذه سلمون بن ادرت يعملان في بلاطِ اراجون، وشغلَ مير هليفي أبو عافية وأشير بن يحيل وابنه يهودا وظائفَ داخلَ بلاطِ قَشتالةَ([41])، واستغلَّ اليهود شغَفَ الحُكَّامِ بالتَّنجيمِ فارتادُوا هذا المَجَالَ، حيثُ كانَ في كُلِّ بلاطٍ مُنَجِّمٌ يهوديٌّ في الغالبِ الأعمِّ ؛ ففي أثناءِ السَّفرةِ التي قامَ بها ابن خلدون لمملكة قشتالة سنة 1365م التقي مع المُنَجِّمِ والطَّبيبِ إبراهيم بن زرور في بلاطِ الملكِ بيدرو (1350-1369م) ([42])، كما استخدمَ الملكُ بيدرو صمويل ليفي مُستشاراً له، حيثُ حَاوَلَ الأخيرُ التَّقليلَ مِنْ قَدْرِ النُّبلاءِ في بلاطِ الملكِ ([43])، كما كان زعيمُ اليهود في سرقسطة حسداي كريسكيس Hasdai cresques مُنَجِّماً في البلاطِ الأراجوني وعاصَرَ أحداثَ سنةِ 1391م([44]).

أدار يوسف بيشون yussaf pichon الأعمالَ الماليةَ للملكِ هِنَرِي الثاني (أنريكي) (1369-1379م) ملك قشتالة بين سنتي 1369-1375م، كما اعتلى بعضُهُمْ أعلى المناصِبِ ؛ مثلُ الدكتور يوسف بن وكار yussof ibn wakar الطبيبِ الخاصِّ بملكِ قَشتالةَ صاحِبِ التَّكليفاتِ الدُّبلوماسيَّةِ بجانبِ عَمَلِهِ([45])، وكذلك الرَّابي دون إبراهام سينور Rabbi Abraham Seneor وإسحق ابرافانيل Don Isaac Abravanel والرابي ميار Meir ؛ الذين احتلُّوا منزلةً مُتساويةً في البلاطِ الملكيِّ القشتالي([46])، واستمرَّ كِبَارُ المُوظَّفين اليهود في شَغْلِ المَنَاصِبِ العليا في قشتالة حتَّى 1492م ([47])، وكانتْ علاقةُ يهودُ البلاطِ بإخوانِهِمْ مِثْلَ علاقةِ السَّادَةِ الإقطاعيين بعامَّةِ الشَّعبِ، ممَّا أثارَ كثيراً مِنْ الأحقادِ والمُنازَعَاتِ والانقساماتِ الدَّاخليَّةِ في الأحياءِ اليهوديَّةِ، خاصَّةً في قَشتالةَ التي كانتْ تضمُّ الكثيرَ مِنْ اليهود المُتواضعين الفُقراءِ([48]).

اعتمدَ البلاطُ الأراجوني على اليهود في إدارةِ المَطَاحِنِ المَلكيَّةِ، ومعاصِرِ الزَّيتُونِ فِي مدينةِ بلنسيَةَ، وفي مَايُوركا mallorca([49])، وأعطى البلاطُ لِتُجَّارِ النَّبيذِ اليهود في أراجون الحقَّ في بيعِ كُلِّ ما يُنتجُونَ مِنْ كُرُومِهِمْ من نبيذٍ مَهْمَا بلغتْ كِمِّياتُهُ في أسواقِ بلنسيَةَ([50]) . اقتفتْ الكنيسةُ أثرَ البلاطِ في الاعتمادِ على المُوظفين اليهود، حيثُ استخدَمَهُم قادَةُ الكنيسةِ، فعملَ الرَّابي حاييم ليفي Haym le leviسنة 1389م طبيباً لرئيسِ أساقفةِ طُليطلةَ بدرو تينوريو (1376-1399م) ([51])، وَأَوْكَلَ إليهم دِيْرُ سانتِ ماريَّا santa maria la real إدارةَ مَعَاصِرِ الزَّيتونِ الخاصَّةِ به([52])، كما عملَ اليهود في جمعِ الضَّرائبِ الكَنَسِيَّةِ (أعشارِ الكنيسةِ)([53]).

تُشيرُسجِلاتُ الأراضي في أراجون وقشتالة إلى الاستقرارِ اليهوديِّ في ضواحي المُدُنِ مُنْذُ القَرْنِ 13م؛ أي في اللَّحظاتِ الأُولَي من تَحَوُّلِ السُّلطةِ مِنْ المسلمين للمسيحيين؛ إِذْ امتلكوا بعضاً من قِطَعِ الأراضي الزِّراعيَّةِ التي حَازُوهَا عن طريقِ المِنَحِ المَلكيَّةِ، فَضْلاً عن الحدائقِ والمَطَاحِنِ والأَسْوَاقِ([54])، وفي سنة 1348م سَمَحَ ملكُ قشتالة الفونسو الحادي عشر (1312-1350م) لليهودِ بامتلاكِ الأرضِ “نحنُ نأمرُ بامتلاكِ اليهود وشرائهم الأرضَ لأنفسهم ولورثتهم في كُلِّ المُدُنِ والبلادِ في مملكتنا”([55])، وهذا ما لم يكنْ مسموحاً به في مناطقَ أُخْرَى في أُوروبا مثلُ بريطانيا([56]).

أَقْرَضَ اليهود المُلوكَ وَرِجَالَ البَلاطِ والنُّبلاءَ والسَّادةَ في مملكتي قشتالة وأراجون بالرِّبا، وكذلك العامَّةُ مِنْ سُكَّانِ المملكتين، حتَّى باتَ المُلوكُ وكِبَارُ النُّبلاءِ مِنْ أَصْحابِ الأراضي مِنْ أكبرِ عُملاءِ اليهود، وهُمْ أعظمُ مديونيَّةً، وعندما يعجزُ المُلُوكُ عن تسديدِ دِيُونِهِمْ يمنحُوا المُرابين اليهود حقوقاً في الإيراداتِ الملكيَّةِ، وهناك العديدُ من سِجِلاَّتِ الهدايا الملكيَّةِ رَصَدَتْ هدايا للدَّائنين اليهود بدلاً مِنْ القُرُوضِ المُستحقَّةِ لهم ؛ ففي بلنسية آلتْ للمُقرضِين اليهود بيوتٌ وأراضٍ مُتنوِّعةٌ، وكذلك مَلاحاتُ وفاءً للقُرُوضِ الملكيَّةِ([57])، وكان المُرابُون اليهود يفرضُون فوائدَ عاليةً تصلُ إلى 33% ([58])، وقد تزيدُ أحياناً إلى 50% من أصلِ المبلغِ([59])، وفي مرسيةَ اكتسبَ المُقرضُون من اليهود أهميَّةً كبيرةً في اقتصادِ المدينةِ، لذلك أمرَ الملكُ الأراجوني خامي 2 Jaime 11 ( 1291-1327م) أولاده بتوفيرِ الحمايةِ لليهودِ ومنحهم نفسَ الحُقوقِ التي يتمتَّعُ بها جيرانُهُمْ المسيحيون في مدينتهم، عِلاوَةً على مُسَانَدَتِهِمْ في تحصيلِ قُرُوضِهِمْ المُسْتَحِقَّةِ ([60]).

جعلَ المسيحيون أراضيَهُمْ الزِّراعيَّةَ ضماناً لِسَدَادِ القُرُوضِ؛ مِمَّا أَسْهَمَ أيضاً في أيلولةِ الكثيرِ مِنْ الأراضي الزَّراعيَّةِ لليهودِ، أدَّى ذلك الأمرُ إلى صِدَامٍ بينَ البلاطِ والكنيسةِ حَوْلَ أعشارِ الكنيسةِ (diezmo) التي تُجبى عَنْ الأرضِ الزِّراعيَّةِ المَملوكةِ للمسيحيين، فمَا أَنْ آَلَتْ مِلْكِيَّتُهَا لليهودِ، أصبحُوا غيرَ مُطالَبين بدفعِ هذه الضَّريبةِ، لذلك زَاد قلقُ البَابواتِ والكنيسةِ من خسارةِ الإيرادَاتِ التي كانتْ تُفْرَضُ على هذه الأرضِ سابقاً، وخرجتْ الشَّكاوَى مِنْ البّابواتِ والقَسَاوِسَةِ لِمَلِكِ قَشتالةَ وملكِ أراجون تطلبُ أَنْ يدفعَ اليهود ضريبةَ الأعشارِ للكَنَائِسِ المَحَلِيَّةِ بالقُوَّةِ على أيَّةِ أرضٍ حَصَلُوا عليها من المسيحيين، لذلك أصبحتْ قضيةُ أعشارِ الكنيسةِ في بُؤَرِ التَّوتُّراتِ بينَ اليهود والتَّاجِ والكَنِيْسَةِ([61]).

انحازَ البلاطُ إلى مَصْلَحَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ فَتَرَ حَمَاسُهُ لإجبارِ اليهود على دفعِ ضريبةِ الأعشارِ الكنسيَّةِ؛ بسببِ الاعتمادِ على رأسِ المالِ اليهوديِّ كمَصْدَرٍ استثنائيٍّ لتمويلِ الحَمَلاتِ العَسْكَرِيَّةِ، والنَّفقاتِ الملكيَّةِ الأُخْرَى، لأنَّهُمْ خَشَوا أَنْ تَقلِّلَ الضَّرائبُ التي تُدْفَعُ إلى الكنيسةِ من قُدْرَةِ اليهود على دفعِ أموالٍ إضافيَّةِ للتَّاجِ، وظلَّتْ هذِهِ القَضيَّةُ بينَ شَدٍّ وجَذْبٍ فتصدُرُ التَّشريعاتُ بين الحينِ والآخرِ بضرورَةِ دفعِ اليهود الضَّريبةَ الكنسيَّةَ([62]) دُوْنَ تفعيلٍ لها؛ لذلك أصبحتْ القضيَّةُ مَثَارَ نِزَاعٍ طويلٍ بينَ الكنيسةِ ومُلُوكِ شِبْهِ الجزيرةِ الأيبرية، فحاولتْ الكنيسةُ الحدَّ مِنْ امتلاكِ اليهود للأرضِ في أنحاءِ شِبْهِ الجزيرةِ الإيبيرية، مع إجبارِ المُلاكِ منهم على دفعِ العُشُورِ، وسوَّفَ البلاطُ حتَّى لا يخسر خدماتِ اليهود([63]).

مكَّنْ امتلاكُ اليهود للأموالِ أَنْ لعِبُوا دوراً مُهمّاً في تنميةِ القُرَى والمُدُنِ اقتصادياً مِنْ خِلالِ خدماتهم الائتمانيةِ، رغم أنَّهُمْ كانوا صارمين وقُسَاةً في استردادِ ديونِهِمْ، واعتبرَهُمْ البعضُ الخزانةَ الحقيقيَّةَ للدَّولةِ خلالَ أواخرِ القرنِ 13 وبدايةِ القرنِ 14م ([64])، وأمسى لفظُ مُرَابِي يُرَادِفُ يهودياً ([65]) ، لذلك استمرَّتْ مُعُادُاةُ الشَّعْبُ لليهودِ في مملكةِ قشتالة وغيرِهَا مِنْ المَمَالِكِ الإسبانية. وأمسى الصِّراعُ حادًّا والمشاعرُ مُلتهبةً عند العامَّةِ كما لو كانتْ بفعلٍ غريزيٍّ، وانصبَّتْ مَطَالِبُ الشَّعبِ في أَنْ يُوْقِفَ اليهود – في المَقَامِ الأَوَّلِ- الرَّهْنَ على الدُّيونِ، وذهبَ آخرون إلى عَدَمِ شرعيَّةِ فوائِدِ القُرُوْضِ ويجبُ أَنْ تتوقَّفَ تماماً([66])، وعندما أرادَ الكونت دي آرو في إشبيلية أَنْ يضعَ حدًّا للرِّبَا اليهوديِّ الذي يستغلُ الفُقراءَ والسَّادَةَ معاً، أَسَّسَ أَوَّلَ بنكٍ للتَّسليفِ، فأصابته لعنةُ اليهود وَفَشَلَ المشروعُ، و تمَّ عزلُ الكونت([67]) .

نالَ اليهود حُظوةً الحُكَّامِ وتمتَّعُوا بها حتَّى قُبيلَ خُرُوجِهمْ من شِبْهِ الجزيرةِ بسببِ حَاجَةِ المُلُوكِ والنُّبلاءِ إلى أَمْوالهِمْ ؛ فقدْ استدانَتْ المَلكةُ إزابيلا مَبالِغَ ماليةً كبيرةً مِنْ أَفْرَادٍ وهيئاتٍ يهوديَّةٍ لتمويلِ الحَرْبِ مَعَ المُسلمين فِي غرناطةَ، ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ يهوديّاً واحداً أَقْرَضَهَا مَبْلَغاً يُقدَّرُ بمليونٍ ونصفِ دينارٍ مرابطي Maravedis لنفقاتِ الحَرْبِ وتمَّ سَدَادُهُ بعدَ انتهاءِ الحَرْبِ([68])، وكثيراً ما صدَرَتْ قَوَانينُ وتشريعاتٌ كَنَسِيَّةٌ تُصادِرُ حَقَّ اليهود فِي العَمَلِ بالرِّبَا والطِّبِّ وغيرِهِ من المُحَرَّماتِ ؛ فإنَّ الكنيسةَ والشَّعْبَ لَمْ يملكْ القُوَّةَ لتنفيذِ مَا تُشَرِّعُهُ الكنيسةُ مِنْ قوانينَ ؛ لِتَعَارُضِ ذلك مَعَ مَصَالِحِ المُلُوكِ والنُّبلاءِ([69]).

عَمِلَ اليهود كذلك فِي جِبَايَةِ الضَّرائِبِ ( الضَّرَائِبِ الشَّخصيَّةِ وضَرَائِبِ التِّجَارَةِ والأَرْضِ )، كَمَا كانُوا وُكَلاءَ المَلِكِ فِي جمعِ إيرادَاتِ المَنَاطِقِ الحَضَريَّةِ([70])، وكانُوا يَشْترُونَ حَقَّ جَمْعِ الضَّرَائِبِ فِي المَنَاطِقِ المُختلفةِ فِي مَزَادَاتٍ شَعْبِيَّةٍ([71])، فَأَعْطَتْهُمْ الوَظيفَةَ قُوَّةً فِي مُواجَهَةِالمَسيحيينَ ([72]) ؛ بَيْدَ أَنَّها جَلَبَتْ عليهم غَضَبَ السُّكَّانِ([73])، وتُشِيرُ النُّصُوصُ إلى تَبَرُّمِ المَسِيحيين مِنْ عَمَلِ اليهود بجمعِ الضَّرائِبِ ؛ فَقَدْ وُجَّهَ نُوَّابُ البَرْلَمَانِ القَشتالي (الكُورتيسِ) للمَلِكِ هنري الثاني سنة 1367م احتجاجاً بِشَأْنِ ذلك فكانَ رَدُّ المَلِكِ ” لَقَدْ أَجَّرْنَا ذلك لليهودِ (مَنَاطِقَ الجِبَايةِ) لأنَّنا لَمْ نَجِدْ أحداً … فإذَا مَا أرادَ أحَدُ المَسيحيين، فَإِنَّ العائدَ سَوْفَ يكونُ أقلَّ بكثيرٍ مِمَّا لَوْ أجَّرنَا لليهودِ “([74])، وفي سنة 1328م ألفونسو الثالثُ (1327-1336م) ملكُ أراجون يأمرُ قُضَاةُ الاقطاعيَّاتِ التَّابعين لَهُ بأنْ يتصرَّفُوا مع اليهود بحكمة ٍ” اليهود هُمْ خَدَمُ المُلُوكِ وجُبَاةُ الضَّرائبِ لدَيْهِمْ، وإذَا مَا تَرَكَ اليهود الأرضَ وَصُوْدِرَتْ أمْوَالُهُمْ فَيُؤَدِّي ذلك إلى الكثيرِ مِنْ المَتَاعِبِ”([75])، لذلك ظلَّتْ هذه الوظيفةُ إلى – فِي الغَالِبِ الأعمِّ- فِي أيدِي اليهود حتَّى خُرُوجُهُمْ مِنْ إسبانيا([76])، وفي كثيرٍ مِنْ الأحيانِ تَعَرَّضَ عُمَّالُ الجِبَايَةِ مِنْهُمْ لاعتداءَاتِ المُموِّلين مِنْ السُّكَّانِ([77]).

تَسَامَحَ البَلاطُ معَ اليهود فِي مُخالفةِ التَّشريعاتِ الخاصَّةِ ببناءِ المَعَابِدِ، وفي بعضِ الأحيانِ تدخَّلُوا لِصَالِحِهِمْ عندَ البَابَواتِ بخُصُوصِ توسعةِ القائِمِ منها وبناءِ مَعَابِدَ جَديدةٍ، وحَسْبَ القانونِ ذي الأجزاءِ السَّبعةِ” لا يُمكنُ بناءُ أيِّ معابدَ في بلادِنَا إلا بأوامِرِنَا، أمَّا بالنِّسبةِ لِمَا كانَ موجوداً مِنْ قبلِ في المُدُنِ وأُزِيْلَ، فيُمكِنُ بناؤُهُ في نفسِ المَكَانِ ولكنْ دُوْنَ أيةِ تَوَسُّعاتٍ أُفقيَّةٍ أو رأسيَّةٍ أو زَخْرَفَةٍ إضافيَّةٍ … وحيثُ إنَّ المعبدَ مكانٌ يتردَّدُ فيه اِسْمُ اللهِ بالشُّكْرِ والمديحِ، فإنَّنا نُحَذِّرُ أيَّ مسيحيٍّ مِنْ تشويهِهِ” ([78])،” يجبُ أنْ نتركَهُم يعيشُون بيننا فِي هدوءٍ ونظامٍ، يُمارسُونَ طُقُوسَهُمْ، ولا يُسيئون الحديثَ عَنْ الإيمانِ بسيدِنَا يسوعَ المسيحِ”([79]).

لم يلتزمْ اليهود بهذا القانونِ لِحَظوتِهِمْ عندَ المُلُوكِ، ففِي سنة 1342م ضَاقَتْ المَعَابِدُ اليهوديَّةُ على اليهود في مدينةِ إشبيليةَ ؛ فأقامَ أحدُ جُبَاةِ الضَّرائبِ ويُدْعَى عسَّافُ الإستجي معبداً جديداً بوساطةِ الملكِ ألفونسو الحادي عشر (1312-1350م) لدَى البابا كِلمنت السَّادسِ الذي صرَّحَ بتدشينِ المعبدِ الجديدِ ([80])، وفي بلدةِ اريفالو Arevaloالتي تقعُ شَمَالَ افيلا Avila بقشتالة والَّتي كانَ بِهَا مُجتمعٌ يهوديٌّ مُهِمٌّ ماتَتْ امرأةٌ يهوديَّةٌ وتركَتْ كُلَّ مَنَازِلِهَا للمُجتمعِ اليهوديِّ بشرطِ استخدامِ ثُمْنِهَا في بناءِ معبدٍ يهوديٍّ، وذلك بإذنٍ مِنْ الأُسْقُفِ والحُكومةِ كَمَا تَرَكَتْ 2000 دينارٍ لتلبيةِ احتياجاتِ المملكةِ والأُسقفِ، ويبدُو أنَّ هدايا اليهود طالَتْ الكنيسةَ بجانبِ البلاطِ ؛ ففضلاً عَنْ هذا المثالِ، قَبِلَ رئيسُ أَساقِفَةِ طُليطلةَ بيدور تينوريو (1376 – 1399م)الهدايا من إبراهيم سوزان أحدِ أفرادِ عائلةٍ شهيرةٍ مِنْ عائلاتِ اليهود في طُليطلةَ، وفي مَملكةِ أراجون التي كان أساقِفُتُهَا أقلَّ إيجابيَّةً مع اليهود إلى حدِّ مِمَّا كان عليه أساقِفَةُ قَشتالة ؛ تهاونَ الأسقفُ فيك Vic رأسُ الكنيسةِ فِي مدينةِ Tarrega عاصمةِ إقليمِ أورجيل مع اليهود فِي نقلِ مَعْبَدِهِمْ إلى مكانٍ جديدٍ في المدينةِ ([81]) .

وحصلَ فِي سنة 1360م صمويل هاليفي مُستشارُ الملكِ بيدرو على تصريحٍ ببناءِ معبدٍ جديدٍ، وأنْفَقَ على زَخْرَفَتِهِ بِسَخَاءٍ ([82])، وفي سنة 1379م حصلَ رئيسُ الرُّباةِ اليهود في مملكةِ أراجون على تصريحٍ من الملكةِ بهدمِ المعبدِ اليهوديِّ في كُلٍّ مِنْ قُرطبةَ وبَلنسيَةَ وإعادةِ بناءِهِمَا وتوسيعِهِمَا وزَخْرفتِهِمَا ([83])، وفي عامِ 1382م حصلتْ عائلةُ نخاري (Najari) اليهوديَّةُ التي كانتْ مَسئولةً عن جَمْعِ الضَّرَائِبِ للتَّاجِ الأراجوني في مدينةِ تيرويل (Teruel) القريبةِ مِنْ بَلنسيةَ على تصريحٍ ببناءِ معبدٍ فِي المدينةِ([84]).

لَعِبَتْ الحِمَايَةُ المَلكيَّةُ دوراً مُتزايِداً فِي تشكيلِ حُكْمٍ ذاتيٍّ مُنظَّمٍ للطَّائفةِ اليهوديَّةِ([85]) ومِنْ أشكالِ الحِمَايَةِ الملكيَّةِ تبعيةُ مَجْلِسِ الطَّائفةِ (حُكُومَةِ الجَمَاعَةِ اليهوديَّةِ) للتَّاجِ مُباشرةً وليسَ للمَجَالسِ المحليَّةِ([86])، واستمرَّ دعمُ مُلُوكِ شبهِ الجزيرةِ للمُجتمعاتِ اليهوديَّةِ مِنْ خِلالِ الجَمْعِ بينَ الحوافِزِ الملكيَّةِ، وجِبَايَةِ الضَّرائِبِ ومنحِ الأراضي والإعفاءِ مِنْ الضَّرائِبِ والسَّفرِ بِحُرِّيةٍ، وشَجَّعَ البَلاطُ الهِجْرَةَ الفَرْدِيَّةَ لليَهُودِ وخَصَّصُوا مَنَاطِقَ تَوْسِعَةٍ وتنميةٍ لِمُستقبلِ المُجتمعاتِ اليهوديَّةِ، ولم يَسَعَ البَلاطُ للحدِّ مِنْ الاسْتيطَانِ اليهوديِّ فِي أَيِّ مكانٍ مِنْ إسبانيا المسيحيَّةِ ([87]).

اِزْدَهَرَ المُجتمعُ اليهوديُّ فِي مملكتيّ أراجون وقشتالة في القَرْنِ 14م، وزادَتْ هيمنةُ اليهود الاقتصاديَّةِ والسياسيَّةِ فِي المُجتمعِ المسيحيّ، ومَكَّنتْهُمْ مِنْ التَّدخُّلِ فِي الصِّراعِ عَلَى السُّلطةِ فِي مَمْلَكَةِ قَشتالةَ، فَقَدْ راهَنَ يهودُ طُليطلةَ سنة 1369م على طَرَفٍ ضِدَّ الآخرِ في الحربِ بين الأخوين غيرِ الأشقَّاءِ بيدرو الرَّهيبِ (1350-1369م) وهنري الثاني إلى خسارتهم الرَّهانَ، حيثُ وقَفُوا إلى جانبِ بيدرو صاحبِ السُّلطةِ، ودَافعُوا معه عن المدينةِ. اِنْجَلَتْ الحربُ على غيرِ ما توقَّعَ اليهود، حيثُ لقى بيدرو حَتْفَهُ على يدِ أخيهِ غيرِ الشَّقيقِ هنري الَّذي استَعَانَ بملكِ فرنسا. نَكَّلَ المُنتصرُ باليهود، وفَرَضَ عليهم غرامَةً مإلىةً كبيرةً جعلتْهُمْ يبيعُونَ مَمْتلكاتِهِمْ العَقَّاريَّةَ والسَّائِلَةَ للوفاءِ بهذِهِ الغَرَامَةِ، واستمرَّ اِضْطهَادُهُمْ مالياً حتَّى 1391م، حيثُ أَمَرَ نائبُ رئيسِ الكنيسةِ بأَنْ يدفعَ اليهود ضريبةً للسُّلطاتِ البلديَّةِ عن ذبائحِ اليهود ؛ وإنْ كانتْ في المنزلِ، لكنْ سُرْعَانَ ما طَوَّعَ اليهود البلاطَ مَرَّةً أُخْرَى حتَّى أحداثِ 1391م، التي كانتْ كُلُّ المُؤشِّراتِ السَّابقةِ تُؤَكِّدُ عَلَى حُدُوثِهَا([88]).

مَوْقِفُ اليهود مِنْ التَّشْرِيْعَاتِ المَدَنِيَّةِ والكَنَسِيَّةِ:

سَاهَمَ الدَّعْمُ الملكيُّ والنُّفُوذُ الاقتصاديُّ لليهودِ وتوغُّلُ علاقاتِهِمْ دَاخِلَ المُجتمعِ الأسبانيّ فِي اِلْتِفَافِهِمْ علَى التَّشريعاتِ والقَرَارَاتِ التي تُصُرُّ علَى تمييزِهِمْ دَاخِلَ المُجتمعِ الأسبانيّ بعَلاماتٍ أو قُبَّعاتٍ أو مَلابِسَ مُعيَّنةٍ ؛ ففي سنة 1215م أصدرَ المَجْمَعُ الكَنَسِيُّ الرَّابِعُ قراراً بأنْ يحملَ اليهود علامةً مُميِّزةً، وعندما تَمَّتْ مُحاولةَ تطبيقِ القَرَارِ فِي إسبانيا هَاجَتْ حَارَاتُ اليهود وهَدَّدَ بعضُ أصحابِ النُّفُوذِ فِي المُجتمعِ اليهوديِّ بمغُادَرَةِ المَمَالِكِ المَسيحيَّةِ إلى مَمْلكةِ غرناطةَ الإسلاميَّةِ، ولذلك وَجَّهَ الملكُ فرناندو الثالث “القديس” (1217-1252م) وأسقفُ طليطلة ضراعةً إلى البابا بإلغاءِ القرارِ فيما يتعلَّقُ بقشتالة؛ لأنَّ وارِدَاتِ الخَزَانَةِ تأتِي مُعظَمُهَا مِنْ الإسهامَاتِ اليهوديَّةِ([89]).

لم تَأْلُو الكنيسةُ جُهداً للحدِّ مِنْ نُفُوذِ اليهود، فاستخدمتْ قانونَ الحِرْمَانِ الكَنَسِيِّexcommunication ضِدَّ المسيحيين المُتعاونين والمُختلطين مَعَ اليهود فِي المُجتمعِ، ففي مَجمعٍ كنسيٍّ عُقِدَ عام 1324م في لاريوخا Calahorra التي تقعُ بالقُرْبِ مِنْ الحُدُودِ مَعَ نافارا أصدرَ أسقفُ المدينةِ don Miguel السيد ميجيل مرسوم الحرمانِ والطَّردِ مِنْ رحمةِ الكنيسةِ علَى كُلِّ مسيحيٍّ يُخْفِي اليهود أو المَسلمين فِي الكنائِسِ، أو أيِّ مسيحيٍّ يحترمُ اليهود أو المُسلمين من خلالِ حُضُورِ أعراسِهِمْ وجنازاتِهِمْ، أو شعائرِهِمْ الدِّينيَّةِ، وكذلك كُلٍّ من المسيحيين يعيشُ منهم في منازلِ اليهود، ويتناولُ الطَّعامِ معهم، والسَّماحِ لهم بالدَّفنِ في المَقَابرِ المُخصَّصةِ لهم، ويبدو أنَّ هذا التَّفاعُلَ استفحلَ في المُجتمعِ قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مَرْسُومُ الحِرْمَانِ([90])، وتنامَى هذا التَّفاعُلُ خاصَّةً ؛ لأنَّ السُّلطاتِ العَلْمَانِيَّةَ قليلاً مَا كانتْ تتقيَّدُ

بقراراتِ الكنيسةِ([91]).

وعندما يصدرُ القَانونُ مِنْ السُّلطاتِ العَلمانيَّةِ يتمُّ تجاهُلُهُ مِنْ جَانِبِ اليهود، خاصَّةً فيما يمسُّ التَّمييزَ فِي العَلاقَاتِ الاجتماعيَّةِ، مِمَّا يُؤكِّدُ علَى الاختلاطِ المُجتمعيّ، ففِي كتابِ قوانينِ قشتالة الذي يعودُ للقرنِ 13م كرَّسَتْ قوانينُ للعزلِ اليهوديّ عن المُجتمعِ المسيحيّ، مثلُ التَّمييزِ فِي المَلابسِ، وتجريمِ اختلاطِهِمْ بالمسيحيين في المُدُنِ، ومُضاجعةِ النِّساءِ المَسيحياتِ، وتحريمِ تصنيعِهِمْ للدَّواءِ وغيرِهِ منْ المُحرَّماتِ التي لم يعبأْ بها اليهود([92]) فقد نصَّ القانونُ رقم 11 على أنَّ ” كثيراً مِنْ الجَرَائِمِ وأعمالِ العُنْفِ تنشَبُ بينَ المسيحيين واليهود نظراً لِمَعيشتِهِمْ فِي مكانٍ واحدٍ داخلَ المُدُنِ، وتَشَابُهِهِمْ في المَلابِسِ والمَظْهَرِ العامِّ، وحتَّى يُمكنَ تفادي الشُّرورِ والأضْرَارِ النَّاتجةِ عَنْ ذلك الوَضْعِ ؛ فإنَّنا نأمرُ بأنْ يُجبرَ كُلُّ يهوديٍّ ويهوديَّةٍ بوضعِ علامةٍ فوقَ رُؤُوسِهِمْ حتَّى يتعرَّفَ النَّاسُ عليهم”([93]) وبنهايةِ القرنِ 13م بَدَأَتْ سياسةُ البَلاطِ فِي التَّحَوُّلِ ناحيةَ تقييدِ الاختلاطِ والسَّكَنِ والمُمتلكاتِ التِّجاريَّةِ لليهودِ([94])، بَيْدَ أَنَّ مُحَاولاتِ عزلِ اليهود لَمْ تُثْمِرْ كثيراً فِي مُجتمعٍ تَشَابَكَتْ فيه العَلاقَاتُ الاجتماعيَّةُ والاقتصاديَّةُ بشكلٍ كبيرٍ، وأمسى مِنْ الصَّعبِ الانصياعُ للقَرَارَاتِ الملكيَّةِ أو التَّشريعاتِ البرلمانيَّةِ أو لِلْحِرْمَانِ الكَنَسِيِّ بخُصُوصِ ذلك.

لَمْ تكنْ القَوَانينُ والتَّشريعاتُ التي تصدرُ تُعبِّرُ عنْ وُجهةِ النَّظرِ الرَّسميَّةِ لكنَّها تصدرُ تَحْتَ الضَّغطِ الشَّعبيّ؛ لذلك كانَ أَوَّلَ مَنْ يَخْترِقُهَا هَمْ مَنْ أَصْدَرُوْهَا ؛ فالقَانُونُ ( siete partidas) ذو الأجزاءِ السَّبعةِ تَمَّ إعْدَادُهُ سنة 1265م تحتَ إشرافِ ألفونسو العاشرِ (1252-1284م)([95]) ملكِ قَشتالةَ الَّذي كانَ يُطْلِقُ علىه العالمُ أو الحكيمُ، بَيْدَ أنَّهُ ظلَّ بُدونِ تفعيلٍ حتَّى 1348م، ومنذُ ذلك التَّاريخِ فَقَطْ انتشرَتْ هذه المَوَادُ القانونيَّةُ مِنْ قشتالةَ مَعَ بعضِ التَّحفُّظاتِ إلى كُلِّ ممالكِ إسبانيا، ثُمَّ إلى المُستعمرَاتِ الإسبانية، والبابُ رقمُ 24مِنْ القانونِ هي التي تَخُصُّ اليهود ([96])، والقانونُ الثَّالِثُ والثَّامِنُ من البابِ تنصُّ على أنَّه ” لا يجوزُ لأيِّ يهوديٍّ أنْ يحتلَّ مركزاً مرموقاً أو وظيفةً عامَّةً يستطيعُ من خلالِهَا إيقاعُ الظُّلمِ على أيِّ شخصٍ مسيحيٍّ . وألَّا يَتعاطى المسيحيُّ أَيَّ دواءٍ مَصنوعٍ بأيدي يهوديَّةٍ “، ورغمَ ذلك فَقَدْ استعانَ ألفونسو نفْسَهُ بطبيبٍ يهوديٍّ وَقْتَ إصدارِ هذا القَانُونِ، فقدْ كانَ المُشَرِّعُ واضعَ القانونِ والشَّعبُ الحَانِقُ على اليهود لا يمكنهما الاستغناءُ عن الأطباءِ ([97])،  وتعاملَ ألفونسو أيضاً معَ رجالِ المَالِ اليهود فِي أعمالٍ ماليةٍ خاصَّةً به وظلَّ المُلُوكُ يتعاملُون مع اليهود ويُنَصِّبُوهُمْ في البلاطِ حتَّى 1492م([98]).

صاحبَ هذه التَّشريعاتِ نُظُمٌ مَحَليَّةٌ خاصَّةً ببعضِ المُدُنِ صَدَرَتْ لِتَحَجِّمَ دَوْرَ اليهود فيها، مثلُ النُّظُمِ التي صدرتْ في بلدِ الوليدِ 1405م، والنُّظُمُ التي صدرتْ في مرسية 1411م، هذه النُّظُمُ كانتْ كما يبدُو انعكاساً للمصالِحِ التَّجاريَّةِ والإداريَّةِ للقيادَاتِ البلديَّةِ فِي هذه المُدُنِ، وفي المُقابِلِ كانَ اليهود في المُدُنِ الأُخْرَى مثلِ إشبيليةَ يتوسَّلُون حتَّى لا تنسحبُ عليهم هذه النُّظُمُ التي وصفَتْ اليهود بالخُبْثِ والخيانةِ، لكنَّ المُهِمَّ في هذِه النّظمِ المحليَّةِ هو أنَّها غَدَتْ الأساسَ الذي اعتمدَ عليه قانونُ 1412م([99])، الذي صَدَرَ فِي قشتالة وقامَ على سِنِّهِ سانت ماريا رابي اليهود في مدينةِ برغش المُتحوِّلُ إلى المسيحيَّةِ 1391م([100]).

طاردَ سانت ماريا إخوانه في الدِّينِ سابقاً بلا هوادةَ، فقدْ كَشَفَ القانونُ تفاصيلَ أسرارِ الطَّائفةِ اليهوديَّةِ الَّتي لا يُمكنُ لأحدٍ خارجِ الطَّائفةِ أنْ يعلمَهَا، وأهمُّ ما جاءَ في هذا القانونِ هو تجريمُ استخدامِ اليهود لخدمٍ من المسيحيين، ومنعُ اليهود مِنْ حُضُورِ المُناسباتِ الاجتماعيَّةِ للمَسيحيين، ومنْعُهُمْ مِنْ مُمَارَسَةِ جَمْعِ الضَّرَائِبِ والأعمالِ الماليةِ، وَوَقْفُ العملِ بالمَحَاكِمِ اليهوديَّةِ التي تبتُّ في الجَرَائِمِ أو فِي الشُّئونِ المدنيَّةِ لأبناءِ الطَّائفةِ، وعدمِ الاختلاطِ في الحَمَّامَاتِ العامَّةِ، وعدمِ مُمارسَةِ بعضِ المِهَنِ ؛ مِثْلُ البَيْطَرَةِ والحِدَادَةِ والخِيَاطَةِ وصِنَاعَةِ الجَوَارِبِ والجِزَارَةِ والنَّسيجِ، وأنْ لا يَجلبُوا البَضَائِعَ بِمَا فيها الزَّيْتُ والعَسَلُ والأَرْزُ، ولا يجوزُ لأيِّ مسيحيَّةٍ أنْ تدخلَ الأماكنَ الَّتي يَقطُنُها اليهود أو المسلمون، سواءً كَانَ ذلك ليلاً أو نهاراً([101])، وساندت الملكة الأم كاثرين في قشتالة هذا القانون وأمرت بتطبيقه في كل أقاليم المملكة، خاصة بما يتصل بعزل اليهود داخل أحيائهم ([102]).

حاولَ ماريا مِنْ خلالِ هذا القانُونِ تفعيلَ عملياتِ العزلِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ لليهودِ دَاخِلَ المُجتمعِ، ولأنَّهُ كانَ يهوديّاً قبلَ تَحَوُّلِهِ فإنَّهُ يعرفُ أسبابَ هذا الاختلاطِ، وهي نفسُ الأسبابِ التي جعلتْ الحُكُومَاتِ تتغَاضَى عَنْ تفعيلِ القانُونِ ضِدَّهُمْ، حيثُ يلوحُ مِنْ موادِ القانونِ الثِّقَلُ الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ لليهودِ، فَلَمْ يكنْ بمقدُورِ هذا القانونِ أو ما سبقَهُ مِنْ قوانينَ فَضَّ الاشتباكِ بينَ المسيحيين واليهود على أرضِ الواقِعِ ؛ فكُلُّ القَوانينِ السَّابقةِ تَمَّ الالتفافُ حولَهَا ولَمْ تَحَجِّمْ دَوْرَ اليهود في المُجتمعِ، حيثُ كانتْ دائماً تتهشَّمُ على صَخْرَةِ المالِ والثَّروةِ([103])، وَيُنْكِرُ أحدُ الدَّارسين اليهود([104]) على كتّاب قشتالة فِي القرنِ 15م إغفَالَهُمْ للتَّشريعاتِ التي تعكسُ النَّوايَا الاحْتكارِيَّةَ للكاثوليكِ، وإبرازَهُمْ التَّشريعاتِ التي يبدُو فيها الحِفَاظُ على نَقَاءِ المسيحيَّةِ، ويرَى أَنَّ الهَدَفَ الأساسيَّ مِنْ القَانُونِ هُو إِقْصَاءُ اليهود من المُنافَسَةِ التِّجاريَّةِ والإداريَّةِ، ويُبَالِغُ مِنْ حَجْمِ الخَسَائِرِ الَّتي لَحِقَتْ باليهود جرَّاءَ هذه القانونِ، بينما يُكَذِّبُ ألفارو جراسيا سانت ماريا الكتاب القشتالي المُعَاصِرُ للأحداثِ التَّقاريرِ التي تحدثتْ عَنْ الدَّمَارِ الَّذي لَحِقَ باليهود بسببِ صُدُورِ هَذَا القَانُونِ .

تَنُمُّ جَرَائِمُ الاتِّصَالِ الجنسيّ بينَ اليهود والمَسيحيين الَّتي كانتْ كثيرةً قبلَ 1391م([105])عن عُمْقِ الانْدِمَاجِ المُجتمعيِّ والاخْتِلاطِ الَّذي كانَ سائداً علَى الأقلِّ قبلَ أحداثِ هذَا العَامِ فِي المُجتمعِ الأسبانيِّ، رَغْمَ أَنَّ هَذِه المُمَارسةَ بينَ اليهود والمَسيحيين كانَتْ مُجرَّمَةً مَنْذُ القِدَمِ، وتَمَّ وَضْعُ التَّشريعاتِ والقَوَانِيْنِ الَّتي تَضَعُ العُقُوبةَ مَوْضِعَ التَّنفيذِ ” نُقَرِّرُ مِنْ الآن فصاعداً إذَا تَمَّ ضَبْطُ يهودٍ يرتكبُونَ هَذَا السُّلُوكِ مَعَ نِسَاءٍ مسيحيَّاتٍ فإنَّ عُقُوبتهم الإعدامُ … كَمَا أَنَّ السَّيدةَ المَسيحيَّةَ التي تُشارِكُ في هذِه الجريمةِ لَنْ تَنْجُوَ هِي الأخْرَى من العِقَابِ “([106]) ومع أَنَّ العُقُوبةَ كَانَتْ الإعْدَامُ لكنَّها لَمْ تَرْدَعْ اليهود ؛ لأنَّهُ مَنْ أَمِنَ العُقُوبَةَ أَسَاءَ الأَدَبَ .

تَشدَّدَ القَانُونُ فِي عُقُوبةِ اليهوديِّ المُتَّهَمِ بالزِّنَا مَعَ مسيحيَّةٍ، أمَّا عُقُوبَةُ المَرْأَةِ المَسيحيَّةِ فَتَسَاهَلَ فيها، وكذلك تَسَاهَلَ مَعَ الرِّجالِ المَسيحيين الَّذين يقترفُونَ الجَرِيْمَةَ نَفْسَهَا مَعَ يهوديَّاتٍ ؛ ففِي بَلنسيَةَ اُتُّهِمَ يهوديٌّ يُدْعَى jahuda aladef بمجموعةٍ مِنْ الجَرَائِمِ المُختلفةِ تَضَمَّنَتْ القَوَادَةَ للعَاهِرَاتِ اليهوديَّاتِ للمَسيحيين، فبرَّأَهُ المَلِكُ خيمي الثاني، أمَّا عُقوبةُ الرَّجُلِ المسيحيِّ الذي يُقيمُ علاقةً جنسيَّةً مَعْ المَرْأَةِ اليهوديَّةِ أو المُسلِمَةِ فكانَتْ الجَلْدُ وليسَ الإِعْدَامُ([107])، وتُشيرُ الدِّراسَاتُ إلى نُدْرَةِ هذه العَلاقَةِ في الفَتْرَةِ من 1391-1416م مُقَارَنَةً بِمَا كَانَتْ عَلَيه خِلاَلَ عَقْدَيْنِ مِنْ العُقُودِ السَّابقةِ عَلَى أحداثِ سنة 1391م، بَيْدَ أنَّها اِسْتَمَرَّتْ تَحْتَ غِطَاءِ اليهود المُتحولِيْنَ للمَسيحيَّةِ، حيثُ تَشِي بعضُ الوَثَائِقِ إلى ضبطِ مُتحوِّلٍ في سَرقسطةَ ارتضَى عَمَلَ زوجتِهِ كعاهرةٍ في بيتِ دعارَةٍ يهوديٍّ([108]).

تركتْ السُّلطاتُ المسيحيَّةُ أيضاً الحُريَّةُ لليهودِ في إقامَةِ مَحَاكِمَ يهوديَّةٍ تَفْصِلُ فِي الخُصُومَاتِ والنِّزاعَاتِ بينَ أفرادِ الطَّائِفَةِ([109])، إلَّا أنَّهُ كَانَتْ هَنَاكَ بعضَ المُحَاوَلاتِ مِنْ كنيسةِ إشبيليَّةَ لِسَلْبِهِمْ هَذِهِ المِيْزَةِ؛ عندَمَا اِنْتَحَلَ رئيسُ أساقِفَةِ بارسو Barroso الحقَّ فِي الوِلايَةِ القَضَائِيَّةِ على اليهود في أبروشيته مِمَّا سَبَّبَ لَهُمْ الكثيرَ مِنْ الأذَى، واِضَّطرَهُمْ إلى اللُّجوءِ إلى المَلِكِ هنري الثاني ؛الَّذي أرسَلَ لَهُ رِسَالَةً مُؤَرَّخةً فِي 25 أغسطس 1378م بعدمِ التَّدخُّلِ فِي شُئونِ رعاياه اليهودِ وسَحَبَ منه ولايته القضائية([110])، وفي سنةِ 1388م وفِي حُضُورِ رئيسِ الكنيسةِ فِي المَحْكَمَةِ الملكيَّةِ فِي قشتالة أكَّدَ نُوَّابٌ عَنْ اليهودِ استثناءَهُمْ مِنْ الوُلايةِ القَضَائيَّةِ الكَنَسِيَّةِ، وأكَّدُوا عَلَى تبعيتِهم للتَّاجِ، وبيَّنُوا الامتيازَاتِ الملكيَّةِ السَّابقةِ الَّتي مُنِحَتْ لهُمْ، وأشارُوا إلى ثلاثِ قرارَاتٍ ملكيَّةٍ صَدَرَتْ بهذا الشَّأنِ في سنواتِ 1378، 1382، 1383م([111]).

وفي القَضَايَا المُختلطةِ التي يكونُ أحدُ طرفَيْهَا يهوديًّا والأخرُ مسيحيٌّ يفصلُ فيها اثنان من القُضَاةِ أحداهُمَا مسيحيٌّ والآخرُ يهوديٌّ، وإذا أبدى أحدُ المُتقاضين امتعاضَهُ مِنْ الحُكْمِ ؛ فعليه أَنْ يستأنِفَهُ أمامَ أربعةٍ مِنْ القُضَاةِ اثنين مسيحيين واثنين يهود على أن يكون حكمهم نهائيًّا([112]).وسُلِبَ مِنْ اليَهُودِ هذا الحقُّ في القانونِ ذُو الأجزاءِ السَّبعةِ ؛ حيثُ أصبحتْ كُلُّ الخُصومَاتِ بينَ اليهودِ والمَسيحيين يَفصِلُ فيها قُضَاةٌ مسيحيون في محلِّ وقُوْعِ الدَّعْوَى([113]).

الثَّوْرَةُ الشَّعبيَّةُ ضِدَّ اليَهُوْدِ 1391م:

كَثَّفَ رُهْبَانُ الدُّومنيكَانِ والفِرِنْسيسكانِ الوَعْظَ الدِّينيِّ ضِدَّ اليَهُودِ فِي نهَايَةِ القَرْنِ 14م بِشَكْلٍ كبيرٍ مِمَّا مَهَّدَ للثَّوْرَةِ، فقدْ قَامَالرَّاهِبُ الفِرْنسيسكانيِّ الشَّهيرِ فينستي فيرير Vincent Ferrer (1350-1419م) أُسْقُفُ شقوبيةَ Segoviaبحملاتِ وَعْظٍ لِفَضْحِ مَثَالِبِ اليَهُودِ لِحَشْدِ وتَحريضِ المسيحيين ضِدَّهُمْ في مملكتي أراجون وقشتالة([114])، وكذلك قامَ الرَّاهِبُ الدُّومنيكانيُّ فيران مارتنيز Ferran Mrrtniez رئيسُ شَمَّاسَةِ إستجَّةَ بَحَمَلاتِ وعظٍ وتحريضٍ علَى كراهيةِ اليهودِ ولَمْ يَعْبَأْ الرَّاهبَانِ بتحذيرِ السُّلُطاتِ([115])، مِمَّا أفضى إلَى حالةٍ مِنْ الغَضَبِ العَارِمِ ألهبتْ مَشَاعِرَ النَّاسِ، وخَلْقِ حالةٍ من الإرهابِ بين اليهودِ كَمُقدِّمةٍ للقَضَاءِ عَلَى المُجتمعاتِ اليهوديَّةِ في المملكتين([116]).

استمرَّ صُعُودُ اليهودِ إلى قِمَّةِ ازدهارِهِمْ فِي إسبانيا لِمُدَّةِ ألفِ سنةٍ (300م-1391م) ثُمَّ سقطُوا فِي الهاويةِ خِلالِ قرنٍ واحدٍ فقطْ ؛ فالحِمَايَةُ الملكيَّةُ كَرَّسَتْ الفَوَاصِلَ بينهم وبينَ الجَمَاهِيْرِ([117]) وخلالَ القرنِ 14م فاقَ المُجتمعُ اليهوديُّ فِي إشبيليةَ بقيَّةَ مُجتمعاتِهِمْ فِي الأقاليم الأُخْرَى فِي مملكتي قشتالة وأراجون في ثَرْوَتِهِ وكيانه الاقتصادي فضلاً عن الحمايةِ الملكيَّةِ([118])، وصاحَبَ ذلك كراهيةٌ وغضبٌ مدفونٌ مِنْ سُكَّانِ المَدِينةِ خَاصَّةً الفَقَرَاءَ منهم، وعندمَا شَنَّ فيران مارتنيز Ferran Mrrtniez حملاته الدِّعائيَّةَ فِي المدينةِ ضِدَّ اليهودِ كانتْ الاستجابةُ مُدوِّيةً، وتحوَّلَ الأمرُ مِنْ صِرَاعٍ دينيٍّ إلَى اعتداءٍ علَى مُمتلكاتِ اليهودِ وَسُخْطٍ عَلَى التَّفَاوُتِ الطَّبقي، ساعدَ على ذلك المظالمُ الاجتماعيَّةُ المكبوتةُ لَدَى السُّكَّانِ([119])، وغضبهم من الرَّشَاوِىَ والهِبَاتِ المَاليَّةِ التي يقدِّمُها اليهودُ للحُكَّامِ والأساقِفَةِ([120])، وبَدَأَتْ إرهاصاتُ الثَّورةِ بقتلِ يوسف بيشون المَسئُولِ عَنْ الضَّرائِبِ الملكيَّةِ في قَشتالةَ ([121]).

اندلعتْ مِنْ إشبيليةَ شرارةُ الثَّورةِ ضِدَّ اليهودِ فِي شهرِ مايو سنة 1391م([122]) بَعْدَ مَوْجَاتِ الحَشْدِ الَّتِي قادَهَا الرُّهبانُ المُتعصِّبين للعَامَّةِ، حيثُ هَبَّ فُقَراءُ المِزَارعين للهُجُومِ علَى اليهودِ، ونَهَبُوا مُمْتلكاتِهِمْ وقتلُوا عدداً قليلاً منهم ([123]) لَمْ يكنْ الهدفُ مِنْ الثَّورةِ القتلَ بقدرِ التَّعبيرِ عَنْ التَّفاوُتِ الطَّبقيِّ والتَّعصُّبِ الدِّينيِّ، وامتدَّتْ الثَّورةُ مِنْ إشبيليَّةَ لتشتعلَ فِي أنحاءِ إسبانيا المسيحيَّةِ ضِدَّ اليهودِ، حيثُ وَصَلَتْ قُرطبةَ واندوخار وابيدا وبايزا وجيان وبرغش وطليطلة في مملكةِ قَشتالةَ، وفي أراجون ثارَ العامَّةُ علَى اليهودِ فِي بَلنسيَةَ وبرشلونة واريدا وتيرويل ومايوركا وغيرهم([124])، وواصَلَ الرُّهبانُ الثَّائرون شَحْنَ العامَّةِ، وقادُوهم في بعضِ المُدُنِ ؛ مثلِفينستي فيرير Vincent Ferrer الذي قَادَ أَعْمَالَ الشَّغَبِ فِي الحيّ اليهوديِّ ببلنسيةَ([125]).

يصفُ المُؤرِّخُ الفرنسيُّ فيليبُ ولف Philippe Walff([126]) الثَّورةَ الشَّعبيَّةَ ضِدَّ اليهودِ 1391م بالمَذْبَحَةِ العظيمةِ ثُمَّ يتساءَلُ في مُقدِّمَةِ مَقَالِهِ: هَلْ هِيَ جريمةٌ اجتماعيَّةٌ أَمْ لا ؟ اعتمدَ الكاتبُ علَى وثيقةٍ أَقَرَّتْ بصدقِهَا المَصَادِرُ التي عاصرتْ الحَدَثَ، وهي عبارةٌ عن خِطَابٍ وَجَّههُ مُنجِّمُ ملكةِ اراجون اليهوديُّ حسداي كريسكوس المُعَاصِرُ للأحْدَاثِ، المُقيمُ في برشلونة إلى المُجتمعِ اليهوديِّ فِي مدينةِ أفينيون الفرنسيَّةِ، فيقولُ :” إنَّ الأحداثَ بدأتْ في 6 مايو بتشجيعٍ مِنْ فيران مارتنيز Ferran Mrrtniez، بسلسلةٍ من القَتْلِ والسَّرقةِ وتحويلِ معبدين إلى كنائسَ، وانتشرتْ الأحداثُ إلى المُدُنِ الأُخْرَى، وفِي قُرطبةَ كانَتْ المَشَاهِدُ مُخيفةً، ومنها انتقلتْ إلى أَمَاكِنَ أُخرى، وفي 18 مايو وَصَلَتْ إلى طُليطلةَ ثُمَّ أريلولةَ وبلنسيةَ، وفي بَرشلونةَ بدأَ القَمْعُ في 11 يوليو عندما أصدَرَ مجلسُ البلديَّةِ أمراً بنهبِ الحيّ اليهوديِّ، ولَجَأَ بعضُ اليهودِ إلى الكنائسِ للتَّعميدِ، شَارَكَ فِي أحداثِ الشَّغبِ عناصرُ مِنْ كُلِّ الطَّبقاتِ الاجتماعيَّةِ؛ فعندَمَا اعتقلَتْ السُّلطاتُ ما يقرُبُ مِنْ ثمانين شخصاً كان منهم على الأقلِّ عشرةٌ مِنْ طبقةِ الفُرسانِ والباقي من عامَّةِ الشَّعبِ “.

هذه شهادةٌ مِنْ بَرشلونةَ تَصِفُ أعمالَ العُنْفِ لكنَّها لا تُسرفُ كثيراً فِي الحديثِ عَنْ القتلِ بقدرِ إِسْرَافِهَا في وَصْفِ عمليَّاتِ السَّلْبِ والنَّهْبِ والتَّحامُلِ الدِّينيِّ، وإِنْ كَانَ فِي ذلك مُبالغةٌ ؛ فلأنَّ صَاحِبَهَا لا يتَّسِمُ بالحِيَادِ، لكنَّ الحديثَ عَنْ المَذَابِحِ المُنظَّمةِ التي لَحِقَتْ باليهودِ والَّتي يُحَاوُلُ الكاتبُ([127]) وغيرُهُ مِنْ كِتَابِ المَرَاثِي طَبَعَهَا بَطَابِعِ الحقيقَةِ المُسلَّمِ بها، فإِنَّ ذلك لتضخيمِ مُعَانَاتِهِمْ، والظُّلمُ الذي لحقَ بهم يأتي هذا في إطارِ الدِّعايةِ اليهوديَّةِ، فعلَى ما يبدُو أَنَّ سُكَّانَ برشلونة من اليهودِ كانوا جاليةً صغيرةً، فقد رَحَلَ أكثرُهُمْ عندَ حُدُوثِ الشَّغَبِ ولَمْ تأتِ سنة 1393م إلا وقد خلَتْ المدينةُ منهم ([128]) لكنَّ الأمْرَ الجَدِيرَ بالمُلاحَظَةِ هُو اشتراكُ نسبةٍ مِنْ الطَّبقةِ العليا فِي الثَّورةِ، وهُو علَى ما يبدُو خَصَّ برشلونةَ بالذَّاتِ.

دَبَّجَ اليهودُ كثيراً من المَرَاثِي والبُكائيَّاتِ اليهوديَّةِ (قينوت) على أحداثِ 1391م – وهي فرعٌ مِنْ فُرُوعِ الأدبِ الدِّينيِّ اليهوديِّ – سَجَّلَ النَّوازِلَ والكَوَارِثَ التي حَاقَتْ باليهودِ عَبْرَ العُصُورِ، ويُطْلِقُ عليه أدبَ الشَّكوى([129])، وتَصوَّرَ في إحدىَ هذه المراثِي الأحداثَ التَّراجيديَّةَ التي نزلَتْ باليَهُوْدِ فِي طُليطلةَ فِي صيفِ 1391م، وتبدأُ المَرْثِيَةُ باندلاعِ شرارةِ (المَجْزَرَةِ) في إشبيليَّةَ، وتَصِفُ الأحداثَ فِي طُليطلةَ، ثُمَّ تُلَمِّحُ لِمَا حَدَثَ فِي بَلَنسيَّةَ وبَرشلونةَ وغيرهما، ثُمَّ تروي المرثيَّةُ تفاصِيْلَ مَا حَدَثَ فِي مدينةِ طلُيطلةَ، ويبدُو أَنَّ المَذْبَحَةَ بَدَأَتْ برجالِ الدِّينِ أصحابَ الدَّعمِ الرُّوحِيِّ لليهُودِ، تقولُ المَرْثِيَةُ ” أَوَّلُ الضَّحَايَا البَارزين الرَّابِي اسحقُ والرَّابي يهودا ونساؤُهم وأطفالُهُمْ معاً، والشَّهيدُ الآخرُ كانَ الرَّابي إسرائيلَ المُنْشِدَ الَّذي انتحرَ كما فَعَلَ ابنُهُ سَلَمُون، وكثيرٌ من القِدِّيسين والنِّساءِ الأتقياءِ، وتَبِعَهُمْ مُوْسَي بن اشير الَّذي رُجِمَ بِالحِجَارَةِ وَوُجِدَتْ جُثَّتُهُ في النَّهرِ، وهُدِمَتْ المَعَابِدُ واحداً بعدَ الآخر، وتوقَّفتْ الجمعيَّاتُ المُقدَّسَةُ التي كانتْ تقومُ بأعَمَالِ البِرِّ وحَلَّتْ بها نكبةٌ، وكانَتْ أعدادُ النَّاجِيْنَ قليلةٌ، ومُعْظَمُهُمْ مِمَّنْ تَظَاهَرُوا بالتَّحَوُّلِ وتغييرِ دينِهِمْ، ومَنْ أَبَى – وَهُمْ كثيرٌ – مُزِّقَتْ جُثَثُهُمْ بالطَّعناتِ وأُلْقِيَتْ في النَّهْرِ([130])” .

يبدُو مِنْ خِلالِ المَرْثِيَةِ أَنَّ الثَّورةَ عَمَدَتْ إِلَى القَضَاءِ عَلَى الزُّعماءِ الدِّينيين، وإِنْ بَالَغَ كَاتِبُ المَرْثِيَةِ عندما صَوَّرَ القَضَاءَ المُبرَمَ على كَافَّةِ اليهودِ بالمَوْتِ أو التَّحَوُّلِ إلى المسيحيَّةِ. يُؤكِّدُ عَدَمَ صِحَّةِ ما دَبَّجَهُ أنَّهُ ظَلَّتْ بمدينةِ طُليطلةَ جاليةٌ يهوديَّةٌ كبيرةٌ حتَّى خُرُوجِهِمْ 1492م، صحيحٌ أنَّ هذه الثَّورةَ كَسَرَتْ كبرياءَ المُجتمعِ اليهوديّ، وترتَّبَ عليها تحويلُ أعدادٍ إلى المسيحيَّةِ ([131]) إلا أنَّها لَمْ تَقْضِ عَلَى المُجتمعِ اليهوديّ في إسبانيا المسيحيَّةِ التي دَافَعَتْ فيها السُّلطةُ المَلكيَّةُ عن اليَهُودِ حتَّى ما قبلَ قرارِ الطَّرْدِ 1492م([132]) .

بَالَغَ الكُتَّابُ اليهودُ في تقديرِ أعدادِ القتلَى والمُتحوِّلين مِنْ بنِي جِلْدَتِهِمْ فِي مَملكتيّ أراجون وقشتالة عَقِبَ الثَّورةِ فِي ظِلِّ غيابِ أَيَّةِ بياناتٍ حقيقيَّةٍ عن عددِ السُّكَّانِ اليهودِ، فَقَدْ رَصَدَتْ الكتابَاتُ عَشَرَاتِ الآلافِ مِنْ القَتْلَى ومِثْلَهُمْ مِنْ المُتحوِّلين؛ ففِي إشبيليَّةَ علَى سبيلِ المِثَالِ- وهِيَ المدينةُ الَّتي بدأَتْ مِنْهَا الأحداثُ – لا تُوجدُ مَعلوماتٌ تَقُودُ إلى معرفةِ العَدَدِ الكُلِّيِّ لِسُكَّانِ المَدِيْنَةِ سنة 1391م، فَمَا بَالُكَ بَعَدَدِ سُكَّانِهَا من اليهودِ بالأَصْلِ، مِمَّا يُؤكِّدُ عَدَمَ اِتِّسَاقِ التَّقديراتٍ مَعَ الوَاقِعِ؛ فَفِي طُليطلةَ تقولُ الرُّوايةُ اليَهوديَّةُ أَنَّ أعدَادَ النَّاجِينَ قليلةٌ، ومُعظمُهُمْ تَظَاهَرُوا باعتناقِ المَسيحيَّةِ ([133])، وذَكَرَ أَحَدُهُمْ([134]) أَنَّ أَعْدَادَ المُتحوِّلين كانتْ كبيرةٌ لدرجةٍ كادَتْ أَنْ تَقْضِيَ عَلَى الوُجُودِ اليهوديِّ في المملكتين، وأنَّ أكثرَ مِنْ 100 ألفِ يهوديٍّ من إسبانيا عَمَدُوا للنَّجَاة بأنْفُسِهِمْ أو إِرْغَامًا بالقُوَّةِ ([135])، وقدَّرَ آخرُ([136])عَدَدَ المُتحوِّلين فِي المَدينةِ بخمسَةِ آلافٍ فِي ذلك الوقتِ، مِمَّا يدلُّ على التَّبايُنِ الكبيرِ حتَّى بينَ أصحَابِ الاتِّجاهِ الواحَدِ .

بَسَطَ المَسيحيُّونَ حِمَايَتَهُمْ عَلَى جِيْرَانِهِمْ مِنْ اليَهُوْدِ فِي كثيرٍ مِنْ المُجتمعاتِ فِي خِضَمِ أَعْمَالِ العُنْفِ([137])، وَخَاضَتْ الطَّبقةُ العُليا والمُتوسِّطَةُ خَاصَّةً فِي أراجون التي سادَتْ فيها مبادِئُ الحُرِّيَّةِ([138]) مَعركةً مع العامَّةِ ضِدَّ تَجَاوَزَاتِهِمْ بحقِّ اليهودِ ([139])، كَمَا اِتَّخَذَتْ السُّلُطَاتُ الحُكوميَّةُ جانبَ اليهودِ فِي الأحدَاثِ ضِدَّ عُنْفِ الغَوْغَاءِ بِسَبَبِ دَوْرِهِمْ فِي النُّهوضِ بالكيانِ الاقتصاديِّ للدَّولةِ، وخدمةِ النُّخبةِ من الفُرسَانِ والنُّبلاءِ، فقدْ كانَ الهُجُومُ عَلَى اليهودِ يُسَبِّبُ خطراً على كيانِ الحُكُومَةِ([140])، ولكنْ فَاقَ غَضَبُ جماهيرِ العامَّةِ قُوَّةَ المُلُوكِ([141]) وفَرَضَ المَلِكُ القشتالي عُقُوباتٍ صارمةً على كُلِّ المُتشدِّدين([142]) بعدَ تحقيقاتٍ استغرقَتْ خَمْسَ سَنَوَاتٍ([143])،أَمَّا العناصِرُ الإسبانية شِبْهُ الدِّينيَّةِ فَلَمْ تُمَارِسُ العُنْفَ المُبَاشِرَ ضِدَّ اليهودِ([144]).

وعدَ المَلِكُ القشتالي هنري الثالثُ ( 1390-1406م) اليهودَ بحمايةٍ ملكيَّةٍ في سنةِ 1395م، وأمرَ بإجراءِ تحقيقٍ قضائيٍّ في الجرائِمِ الَّتي ارتكبَهَا مارتنيز ضِدَّ اليهودِ، وَمَنَع هدمه المعابدَ([145])، لكنَّهُ أَمَرَهُمْ بارتداءِ الشَّارةِ الحَمْرَاءِ الَّتي تُميُّزهُمْ ([146])، وفي أراجون أدانَ المَلِكُ خُوان الأول (1387-1396م) مَذْبَحَةَ اليهودِ فِي مدينةِ وشقة Huesca سنة 1391م إِدَانَةً صَارمةً ؛ ذلك لأنَّ اليهودَ ( لهم امتيازاتٌ لَدَيْنَا )، كَمَا أَمَرَ ببناءِ معبدٍ جديدٍ لهم في مدينةِ بَرشلونةَ ([147])، وفي سنة 1417م رأي ألفونسو الخامس ملك أراجون (1416-1458م) ضَرُوْرَةَ بناءِ المَعْبَدِ اليهوديِّ فِي سَرقسطةَ الَّذي دَمَّرتْهُ أحداثُ العُنْفِ([148]).

اِنْسَحَبَ أكثرُ اليهودِ في أوائلِ القَرْنِ 15م مِنْ المُدُنِ الكبيرةِ إلى المُدُنِ الأصغرِ بسببِ حالةِ تذمُّرِ العامَّةِ التي أدَّتْ إلى الفَوْضَى وإحداقِ الخَطَرِ، وسعُوا في مُدُنِهِمْ الجديدةِ إلى الحُصُولِ علَى حمايَةِ النُّبلاءِ والسَّادَةِ الملحيين؛ فحققَّ لهم هذا الانزواءُ والبُعْدُ عن الأنظارِ حَدّاً مِنْ الأَمَانِ، ومَعَ ذلك ظَلَّ تأثيرُ اليهودِ ونُفُوذُهُمْ المالي في البَلاطِ الملكيِّ، إِذْ ظَلُّوا يعملون كعملاءٍ للبَلاطِ وشَغَلُوا مناصِبَ جُبَاةِ الضَّرَائِبِ، ومع نقصِ أعدادِهِمْ شَارَكَ المُحولون منهم في هذه الوَظَائِفِ([149])، وبعدَ سنة 1391م كان نادراً ما يحدثُ لهم اضطهادٌ في مُدُنٍ بعينها مثلِ مدينة أفيلا Avial وبلنسية([150])، وظلَّ المُجتمعُ اليهوديُّ بهما كذلك حتَّى 1480م، وعندمَا هاجَمَ بعضُ الفُرسانِ اليهودَ وممتلكاتِهِمْ بذَلَ المُلوكُ والكنيسةُ جُهوداً لاحتوائِهَا؛ فكانَتْ تُقلِّلُ من أثارِهَا([151]).

هَاجَرَ بعضٌ مِنْ الأثرياءِ اليهودِ، وآخرون مِنْ رجالِ الدِّينِ اليهودُ إلى البُرتغالِ وغرناطة([152]) وإلى الشَّمالِ الأفريقي على أَثَرِ أحداثِ 1391م، وترصدُ إحدى الوثائِقِ وُصُولَ خمسةٍ وأربعين مِمَّنْ أُجْبِرُوا على اعتناقِ المَسيحيَّةِ قسراً إلى إفريقيَّةَ قادمين من مايُوركا وبلنسيةَ وبرشلونةَ، بعدَ أَنْ سَمَحَ لَهُمْ حُكَّامُ الدَّولةِ الحَفْصِيَّةِ بدُخُولِ البِلادِ نظيرَ مبلغٍ عَنْ كُلِّ رأسٍ، ويبدُو أَنَّ هذه المَجموعةَ من اليهودِ كانوا مِنْ الأثرياءِ؛ لأنَّهم عملُوا بالتِّجارةِ واحتكرُوا بعضَ السِّلَعِ ورَفَعُوا أسعارَهَا مِمَّا جَعَلَ العَرَبَ مِنْ سُكَّانِ إفريقية يطلبون من القاضِي طَرْدَهُمْ مِنْ المدينةِ إلا أنَّه رَفَضَ([153])، كَمَا وَصَلَ تلمسان أحدُ الربيين اليَهُودِ الإسبانِ ويُدْعَى الرَّابِي إفرام واستقبله حاكم ُالمدينةِ الزَّياني ومَنَحَهُ حقَّ الإقامَةِ([154])، كَمَا استقبلتْ باقي المُدُنِ الحَفصيَّةِ في إفريقيَّةَ، وكذلك المُدُنُ الزَّيانيَّةُ في الجزائِرِ أعداداً قليلةً، وحقَّقَ المُهاجرُون خاصَّةً في الجَزائرِ وضعاً مُؤثِّراً في حُكُومَةِ الزَّيانيين([155]).

عَقِبَ كُلِّ أحداثٍ خاصَّةٍ باليهودِ تخرجُ التّشريعاتُ من الحُكومةِ والكنيسَةِ تُنَادِي بعزلِهِمْ عن المُجتمعِ المسيحيّ، وإلى تمييزهم بعلاماتٍ مُعيَّنةٍ فِي المَلابِسِ لامتصاصِ غَضَبِ الجَمَاهيرِ، وبعدمَا تهدأُ الأوضَاعُ يغيبُ مَعَهَا التَّشديدُ عليهم، لكنَّ هذه المَرَّةَ كانَ تفعيلُ التَّشريعاتِ قويّاً عَقِبَ أَحْدَاثِ سنةِ 1391م، حيثُ نادَى البابا وملكَا قشتالة وأراجون بضرورةِ عزلِهِمْ، وتَعَاونَ معهم عددٌ كبيرٌ مِنْ مَجَالِسِ المُدُنِ والبَلديَّاتِ فِي مُحاولةٍ واسعةِ النِّطَاقِ للعزلِ في العُصُورِ الوُسْطَى خَاصَّةً بعَد عملياتِ التَّنصيرِ([156]) وهذا التَّصميمُ على تنفيذِ هذه التَّدابيرِ يُؤكِّدُ عَلَى زِيَادَةِ الأنشطةِ اليَهوديَّةِ فِي الحَيَاةِ العَامَّةِ([157])، ومَعَ ذلك يتَّضِحُ من قَرَار الطَّرْدِ 1492م ما يدلُّ على أنَّ العَزْلَ والفَصْلَ بينَ اليهودِ والمسيحيين لم يُطبَّقْ حتَّى وقتِ الطَّرْدِ ” أَمَرْنَا بفصلِ اليهودِ وعَزْلِهِمْ فِي جميعِ المُدُنِ والقُرَى فِي مَمَالِكِنَا وأَرَاضِيْنَا، ومَنْحِهِمْ أحياءَ سكنيَّةً يعيشُونَ فيها بمعزلٍ عن الآخرين … وأعقبَ ذلك إبلاغنا مِنْ المَصَادِرِ الرَّسميَّةِ الكَنَسِيَّةِ والعَلْمَانِيَّةِ أَنَّ المسيحيين وَاصَلُوا الاحتكاكَ باليهودِ والتَّعامُلَ معهم على كُلِّ المُستوياتِ”([158]).

عَمَلِيَّاتُ التَّحْوِيْلِ Conversion([159]) (التَّنْصِيْرِ):

بَدَأَتْ عملياتُ تحويلِ اليهودِ إلى المَسيحيَّةِ فِي شِبْهِ الجزيرةِ عَلَى أيدِي القُوْطِ عندما أصدرَ المَلِكُ فلافيوس سيزاوبوت Flavius Sisebut سنة 613م قراراً إلزاميّاً بتحويلِ كُلِّ اليهودِ فِي المملكةِ إلى المسيحيَّةِ بالقُوَّةِ وليسَ بالإقناعِ([160])، ثُمَّ تفاقَمَ الوَضْعُ بعدَ ذلك عندما اتَّفَقَ خُلفاءُ المَلِكِ القُوطيِّ ريكارد الأول (586-601م) مع الأَساقِفَةِ وَوَضَعُوا قَوَانينَ صَارِمَةً ضِدَّ اليهودِ بَلَغَتْ ذُرْوَتَهَا سنة 700م، منها مرسومٌ ينصُّ عَلَى أَنَّ العُبُوديَّةَ هِي مصيرُ كُلِّ مَنْ يُمَارِسُ الشَّعائِرَ اليَهوديَّةَ، وأَنَّ الأطفالَ الَّذين يُشكُّ في أنَّهُمْ على اليهوديَّةِ يُؤخذُونَ قسراً مِنْ عائلاتِهِمْ ويتمُّ تربيتهم بمعرفةِ الأكليروس المسيحيِّ([161]) .

أَوْقَفَ وُصُولُ المُسلمين إلى شبهِ الجزيرةِ الإيبيرية عملياتِ التَّنصيرِ إلى حينٍ، وبلغَ اليَهودُ فِي عهدِهِمْ شأواً كبيراً ؛ ممَّا أدَّي إلى انتقالِ مقرِّ الزَّعامةِ الرُّوحيَّةِ لليهودِ مِنْ العِرَاقِ إلى قُرطبةَ([162])، ولم تظهرْ حالاتُ التَّحوُّلِ عن اليهوديةِ قسراً إلا في المَمَالِكِ المسيحيَّةِ الَّتي بدأتْ تنمُو وتقودُ حركةَ الاستردَادِ ضِدَّ المُسلمين خلالِ القرنين 12 و13م، وعندمَا بَاتَ خُرُوجُ المُسلمين مِنْ شِبْهِ الجزيرةِ مسألةَ وقتٍ شَهِدَ النِّصْفُ الأَوَّلُ مِنْ القَرْنِ 14م عملياتُ تَحَوُّلِ اليهودِ إلى المَسيحيَّةِ عندمَا زَادَ الضَّغْطُ عليهم للانضمامِ إلى الأغلبيَّةِ المَسيحيَّةِ مِنْ خِلالِ تَعرُّضِهِمْ للمُعُوِّقَاتِ السياسيَّةِ والاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ، وكذلك بِمُمَارَسَةِ قَدْرٍ مِنْ القَسْرِ دُوْنَ استعمَالِ القُوَّةِ الغَاشِمَةِ([163]).

  بَدَأَ التَّنصيرُ بجُهُودٍ غيرِ حُكُوميَّةٍ، فَلَمْ تَكُنْ الحُكُومَاتُ المَلكيَّةُ عابئةً بهذا المَوضُوعِ، إِذْ تَصَدَّتْ لها حركاتُ الرَّهبنةِ المَسيحيَّةِ (الدُّومنيكان والفرنسيسكان) التي انطلقَتْ في بدايةِ القرنِ 13م تدعُو اليهودَ إلى التَّعميدِ، على الرُّغمِ مِنْ أنَّ القانونَ الكنسيَّ يرفضُ استعمالَ القُوَّةِ بأشكالِهَا المُختلفَةِ فِي التَّنصيرِ مُنْذُ البابا جريجوري الأول (540-604م) ؛ الذي أرسلَ برسالةٍ إلى أساقفةِ بلادِ الغالِ (فرنسا وألمانيا) سنة 828م يُحذِّرُهُمْ فيها مِنْ تعميدِ اليهودِ بالقُوَّةِ([164])، لذلك أخذَتْ كُلُّ القُوانين التي صَدَرَتْ بعدَ ذلك تحذيرَ البابا في الاعتبارِ ” لَيْسَتْ ثَمَّةَ قوةٌ أو إجبارٌ يُمارَسُ على اليهودي لإقناعِهِ بالتَّحَوُّلِ للمسيحية”([165])، لذا كانت حالاتُ التَّنصيرِ بينَ اليهودِ قليلةً حتَّى ذلك الوَقْتِ، وحَجَّمَ مِنْ أعدادِ اليهودِ المُتنصِّرين رَفْعُ الغِطَاءِ عَنْ المُتنصرِ مِنْ جانِبِ الطَّائِفَةِ، وعَدَاء العلمانيين للمُتنصِّرين بسببِ المُنافسةِ الاقتصاديَّةِ ([166]).

بَدَأَ سيلُ تنصيرِ اليهودِ في العِقْدِ الأخيرِ مِنْ القَرْنِ 14م عَقِبَ ثورةِ 1391م([167])، وزادَتْ حَمَلاتُ الوَعْظِ ضِدَّهُمْ، واتَّسمَتْ بحماسٍ كبيرٍ، وبدأَ الوُعَّاظُ مثلُ الرَّاهِبِ الفرنسيسكاني فينست فيرير الذي بدأَ في أواخِرِ القَرْنِ 14م يزيدُ مِنْ كثافةِ الوَعْظِ الدِّينيِّ ضِدَّ اليهودِ فِي شرقي مملكةِ أراجون، وزارَ مُدُنَ مملكةِ قشتالة سنة 1411-1412م لنفسِ السَّببِ، وعلى الرُّغْمِ مِنْ أعمالِ العُنْفِ المُعاديةِ لليهودِ الَّتي كانَتْ تترتبُ على خُطُبِهِ([168])، وتجريمُ الكنيسةِ التَّحويلَ بالقُوَّةِ ؛ إلا أنَّه كان على استعدادٍ أَنْ يُجْبِرَ اليهودَ علَى الاستماعِ إليه([169])، وتحوَّلَ على يديه الكثيرُ مِنْ اليهودِ؛ خَاصَّةً أَصْحَابَ الوَظَائِفِ الرَّفيعَةِ فِي المُجْتَمَعِ الأسبانيِّ، مثلُ جُبَاةِ الضَّرَائِبِ المَلَكِيَّةِ ؛ فعلَى سبيلِ المِثَالِ فإِنَّهُ كَانَ سبباً في تَحَوُّلِ عائلةِ نخاري اليهوديَّةِ التي كانَتْ مَسئولةً عن جَمْعِ الضَّرائِبِ للتَّاجِ الأراجوني في مدينةِ تيرويل. ([170])

كَمَا دَعَا الرَّاهِبُ الدُّومنيكانيُّورئيسُ أساقفةِ إستجةَ فيران مارتينيز في عِظَاتِهِ إلى استعمالِ العُنْفِ في سبيلِ الدَّعوةِ إلى التَّنصيرِ، وعمل جاهداً بُغيةَ إنهاءِ الوُجُودِ اليهوديِّ داخلَ المُجتمعِ المسيحي، مِمَّا جَعَلَ اليهودَ في إشبيلية يَبُثُّونَ شَكْوَاهُمْ لِلْمَلِكِ حتَّى يَضَعَ نهايةً لهذا الوَعْظِ، خَاصَّةً أَنَّ المَلِكَ كَانَ يرفضُ التَّعميدَ القسريَّ([171])، وبالرُّغمِ من ذلك استمرَّ مارتنيز في حملتِهِ للتَّنصيرِ بشكلٍ استفزازيٍّ في بعضِ المُدُنِ خاصَّةً إشبيلية التي كانت تسكُنُهَا جاليةٌ يهوديَّةٌ كبيرةٌ، وواتته الظُّرُوفُ من خِلالِ الاضطراباتِ والعُنْفِ التي اجتاحَ إسبانيا خلال سنتين 1389-1391م([172]).

حاولَ المُجتمعُ اليهوديُّ الصُّمودَ في مُواجهةِ الضَّغطِ الطَّاغِي مِنْ المُجتمعِ المسيحيِّ ؛ وزادوا بأنْ حاولُوا جِدِّيّاً لإقناعِ المُتنصرين حديثاً بالعودةِ مَرَّة أُخْري إلى اليهوديَةِ([173])، وبدأَتْ المَعَابدُ اليهوديَّةُ في تكوينِ لِجَانٍ لِمُعَاقبةِ مَنْ يُخالِفُونَ التَّعاليم الدِّينية ([174])، لكنْ في ظِلِّ تَحَوُّلِ بعضِ رجالِ الدِّينِ اليهوديِّ، ومُغادَرَةِ البعضِ الآخرِ إسبانيا إلى شمالي أفريقيا بعد أحداث سنة 1391م أرغمَ اليهودَ على الاستسلامِ للأمرِ الواقِعِ([175]).

تَحَوَّلَ بعضُ الرُّباةُ مِثْلُ الرَّابي سالمون هاليفي رابي مدينة برغش التي تقع في شمالي وسط إسبانيا في مملكة قشتالة وهي عاصمةٌ لِمُقاطعَةٍ تحملُ نفسَ الاسمِ، واتَّخذَ هاليفي اسماً مسيحيّاً وأصبحَ يُدْعَى بابلو دي سانت ماريا Pablo de Santa Mariaفي 1391م، وبعد تحوُّلِهِ أمضى بعضَ الوقْتِ فِي جامعةِ باريس لدراسةِ اللَّاهُوتِ، ثُمَّ عادَ إلى مدينَتِهِ برغش واُنْتُخِبَ رئيساً للكنيسةِ في المدينةِ، وأصبحَ قِسّاً خاصّاً للملكِ هنري (إنريكي) الثالث (1390-1406م) والقاصدُ الرَّسُوليِّ للبابا بندكت الثالث في بلاط قشتالة، ووزير الملك خوان الثاني ( 1406-1454م)([176]). تحوَّلَ مع هاليفي ابنه ألفونسو وانتخب رئيسا لكنيسة قرطاجنة، ثم ورث منصب أبيه في برغش بعد وفاته([177])، كما تحول العديد من أقاربه ؛ والتحق بعضهم بالكنيسة وتقلَّدُوا فيها مكانةً كبيرةً، أصبحَ آخرون مُستشارين للبلاطِ القشتالي.

أصابَ تحوُّلُ هاليفي المُجتمعَ اليهوديَّ بصدمةٍ، حيثُ كان له دورٌ كبيرٌ في تسهيلِ عملياتِ التَّحويلِ سنة 1391م ؛ واستمرَّ يُتابعُ التَّحويلَ لعُقُودٍ([178])، وتحوَّلَ واحدٌ مِنْ أشهرِ تلاميذِهِ يُدعَى جُوزيه اللُّوركي Yoshua Halorqui طَوْعاً وتَسَمَّى بـ خيروينمو دي سانتا في Jeronimo de Santa Fe([179]) وكان طبيباً وكاتباً وأصبحَ عدوّاً لدوداً لليهودِ بعدَ تحوُّلِهِ 1412م، إِذْ أَلَّفَ كتاباً بعنوانِ (سَوْطِ اليهودِ) يدعُو فيه إلى استئصالِ شأفةِ اليهودِ، وفي العامِ التالي لتحولِهِ اقترحَ علَى البابا بندكت الثالث عشر عَقْدَ مُناظرةِ عقدية في طرطوشة بين رجال الدين اليهودي ونظرائهم من المسيحيين وحضرَ المُؤتمرَ أربعةُ عشرَ حاخاماً يهودياً، وتزعَّمَ رجالُ الكنيسةِ في المُناظرةِ خيروينمو دي سانتا في، واستمرَّتْ من فبراير 1413م حتَّى نوفمبر 1414م، وأسفرتْ المُناظرةُ عن تنصُّرِ اثنا عَشَرَ حاخاماً([180]).

وفي مدينةِ بورخاborja التَّابعةِ للتَّاجِ الأراجوني تحوَّلَ رابي اليهودِ في المدينةِ واتَّخذَ اسماً مسيحيّاً بولو جراسياPaulo Garciaواتبع دعوته الكثير([181])، وتحوَّلَ كذلكالرَّاهِبُ الفرنسيسكانيُّ ألونسو دي إسبينا Fray Alonso de Espina الذي كان حاخاماً ثُمَّ أصبحَ أباً راهباً ثُمَّ بلغَ رئاسةَ جامعةِ سلمنقةَ، وفي ختامِ حياتِهِ عُيِّنَ في المَجْلِسِ الأعلَى لِمَحَاكِمِ التَّفتيشِ([182])، وكذلك تحوَّلَ ألفونسو دي كابالاريراAlfonso de la Caballeria الذي أصبحَ نائبَ مُستشارِ المَلِكَةِ إزابيلا فيما بعدُ([183])، ولا ريبَ في أنَّ هؤلاءِ المُتحولين الأوائلَ مِنْ اليهود البارزين ساعدُوا رجال الدين المسيحي في جهودهم لتنصير اليهود حتى سنة 1492م .

في الغالب الأعم لم يكن التحول لأسباب دينية، بل كان بسبب رغبة اليهود الفرار من عسف المسيحيين وتحسين أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، والخوف من المستقبل ؛ فتعمَّدَ كثيرٌ منهم في برشلونة وبالما palma وبلنسية وطليطلة، وأصبحوا ومؤهلين لأيِّ موقع في الدولة أو الكنيسة، وهناك أدلة كثيرة على خداع المتحولين الجدد ؛ إذ مارسوا الطقوس اليهودية سراً بما في ذلك الختان والدفن والاحتفال بالسبت، ولا أدلَّ على ذلك من أنَّهم مارسوا طقوس الديانة اليهودية علناً بمجرد مغادرتهم شبه الجزيرة الإيبيرية ([184]).

بلغَ عددُ المتحوِّلين بعد أحداثِ 1391م حسبَ بعضِ التَّقديراتِ في قشتالة وأراجون 200 ألفٍ حسبَ بعضِ التَّقديراتِ([185])، كان مُعظمُهُمْ من الطَّبقتين العُليا والوُسْطَى([186])، وهو عددٌ مُبالغٌ فيه كثيراً، خاصَّةً أنَّ مُؤرِّخاً يهوديّاً آخرَ([187]) يُقدِّرُ أعدادَهُمْ بعشراتِ الآلافِ، وبصرفِ النَّظرِ عن الأعدادِ، فقد أصبحَ التَّحوُّلُ إلى المسيحية ضرورةً أو على الأقلِّ مِيزةً للمُتسلِّقين من اليهودِ، لكنْ ليسَ مِنْ السُّهولةِ بمكانٍ التَّخلِّيَ عن المُمارساتِ اليهوديَّةِ للفرد ِالمُتحوِّلِ تماماً، فقد كانت البدايةُ صعبةً جداً؛ فالمُتحوُّلُ الجديدُ للمسيحيَّةِ تتنازَعُهُ جذُوره وهويته، وفي المُقابلِ مَصالحه وحياته ومستقبله، وبالتالي أحدث التحويلُ أزمةَ هُويَّةٍ في شبهِ الجزيرةِ([188]).

حاول المتحولون التوفيق ببين النقيضين بالعيش خارج التحول دون مخالفة السلطات ؛ أي التحول الشكلي في ظلِّ رفض المجتمع اليهودي لهم، والذي بدأت قياداته في الضغط من أجل عودة هؤلاء المتحولين مرة أخري لليهودية([189])، وبالتالي ظل المتحول دائما منشغلا بأمور اعتادها قبل التحويل بأن يكون منزله قريب من الحي اليهودي أو داخله، كما تشابكت العلاقات بين اليهود وبين إخوانهم الذين سبقوهم إلى المسيحية لمدة أعوام كثيرة ([190])؛ ففي مدينة كوماركا Morvedreالتابعة لبلنسية على سبيل المثال دخل مسئول ملكي الحي اليهودي خلال عيد الفصح عام 1393 وغرم قليلا من المتحولين الذين شاركوا أقاربهم اليهود احتفالات عيد الفصح([191]).

أطلق اليهود على إخوانهم المتحولين لفظ (أنوسيم) التي تعني بالعبرية المضطرون أو المكرهون أو المغلوبون على أمرهم([192])، ومع أحداث 1391مأطلق المسيحيون الأسبان على المتحولين من الرجال لقب المارانوس Marranos؛ التي تعني الخنازير باللهجة العامية الإسبانية([193])، كما أطلقوا على المرأة اليهودية التي تنصرت مارانا Marrana، والتي تعني عاهرةً أو امرأةً قذرةً([194])،ومع أن كلمة المارانوس Marranos أطلقت على كل المتحولين ؛ إلا أنها كانت تطلق في البداية على اليهودي الذي تنصر، ومع ذلك استمرَّ في ولائه والتزامه بالممارسات والطقوس اليهودية في السر، منتظرا سنوح الفرصة للعودة إلى اليهودية([195])، ويبدو أنَّ اختيار هذه الصفة من جانب المسيحيين باعتبارها صفة محتقرة عند اليهود لأنهم يحرمون أكل لحم الخنزير ([196])، وقد اعتبر بعض مؤرخي القرن 15م في قشتالة أنَّ كل المتحولين كانوا يهودا، وقد نال الشعر القشتالي من المتحولين ووصفهم بأن أصحاب رائحة كريهة مثل رائحة اليهود؛ بسبب عدم تعميدهم، وفي أحيان كثيرة ظلت رائحة بعض المتعمدين منهم مثل رائحة اليهودي، بسبب أن اليهودية أبطلت تأثير التعميد([197]).

أوصي رجالُ الدين المسيحيِّ باتِّباع خطوة للتشجيع على التحول وذلك بزواج المسيحيين من المتحولين كوسيلة لضمان الحفاظ على نقاء إيمانهم، وانتهز المحولون الفرصة لكسر الحواجز الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي باتت تضييق حلقاتها حولهم، خاصة أنهم من النخبة الانتهازية الذين أهلتهم قدراتهم الفكرية مع طموحاتهم لتقلد المناصب العليا في المحاكم وفي الجامعات وفي الكنيسة وفي والحكومة ([198])، وتزوَّجُوا من الأُسرِ الكبيرة ؛ ففي منتصف القرن الـ15م أصبح مألوفاً أن يتزوج المتحولون من الطبقة العليا من المسيحيين القدامى، وكذلك تمَّ الزواج بينهم وبين النبلاء، وفي المقابل تباهي البعض من الطبقة العليا بزواجه من المحولين([199])، ويري البعض([200]) أنَّ الملك الأراجوني فرديناندو (1452-1516م) كان من نسل يهودي مباشر (جدته كانت يهودية)، وعندما تولَّى فرديناندوا الحكم كانت كل إدارة مملكته في أيدي المُتحوِّلين .

وفي محاولة من زعماء اليهود لتقليص تحويل أتباعهم شدد المؤتمر اليهودي الذي عقد في بلد الوليد سنة 1434م على الاهتمام بالتعليم الديني، والاهتمام بمدرسي المدارس الابتدائية والدقة في اختيارهم لتعليم النشء الكتاب المقدس وتعميق الديانة اليهودية في وجدانهم. قرَّر المجمع أن يكون لكُلِّ مجتمعٍ به 15 أسرة أنَّ معلم مناسب يقوم بمهمة تعليم الأطفال، وإذا كان المبلغ المدفوع من قبل الآباء غير كاف تلتزم الطائفة بدفع ما تبقي من أجر للمعلم، ودعا المؤتمر إلى الترابط بين اليهود([201])، كما أجاز رجال الدين اليهود من خلال الفتاوى ( الرسبونسا) قبول التحويل لمن يتعرض لاضطهاد لا قبل له به، مع بقاءهم على الولاء لليهودية دين الأمة سراً، وفي الوقت نفسه عليه احترام الأعراف الاجتماعية والقيم الدينية السائدة في المجتمع الاسباني. يحشدالمؤرخون اليهود المحدثون الأدلة على أن المتحولين الجدد كانوا صادقين في تحولهم، على عكس تعصب القدامى ضدهم، فاتهموهم بأنهم خانوا اليهودية، ولم يصمدوا كما صمد يهود ألمانيا الذين قدموا أرواحهم فداء لليهودية([202]).

أصبح المتحولون بين مطرقة المسيحية وسندان اليهودية، واتَّجهت إليهم سهامُ التَّشكيكِ والخيانة من الجانبين، فقد بدأ العداء للمتحولين في طليطة 1449م، باعتبارهم يهودا لا يحملون من المسيحية شيئاً من الولاء أو الإيمان crypto-Jews([203])، وأنَّ الغرض من تحوُّلهم هو تحرُّرهم من كُلِّ القيود القانونية التي كانت تُكبِّلُهم كيهودٍ، ورغبتهم العيش في سلام مع المجتمع المسيحي الأسباني، وبلوغ أعلى المناصب فيه، ممَّا مثَّلَ تهديداً للمسيحيين القدماء([204])، الذين اعتبروا المتحولين مثل السرطان داخل البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الأسباني([205])، وفي المقابل نظر اليهود إلى إخوانهم المتحولين ليس فقط كأشخاص غيروا عقيدتهم، ولكنهم غيروا ذواتهم أو هوياتهم، وتعبر السلطات الربانية عن ذلك بأنهم” خرجوا من هوية بني إسرائيل وصاروا شعبا أخر “([206])، وأصبح المتحولون أعنف المعارضين لإخوانهم الأوائل (اليهود) فالمنشق عن دينه هو أقدر الأشخاص على الوقوف ضد أخيه الذي ظل على دينه([207]).

أصابت اليهود لعنة النقاء العرقي التي ابتدعوها وكانت من أهم أدبياتهم منذ القدم ؛ فقد كان كثير منهم في إسبانيا خاصة طبقة العامة يعتقدون أن وصمة الميلاد اليهودي لا يمكن محوها أبدا بالتعميد، بينما اعتقد المتعلمون واللاهوتيون أن التعميد طبقا للعقيدة المسيحية يمحو كل الخطايا([208])،وأخذت بذلك الحكومات أي أن كل متنصر يمكن أن يكون مسيحيا نقيا وفقا لقانون الأجزاء السبعة الذي ينصّ ” نأمر بأنه بعد أن يتحول اليهود إلى مسيحيين يكون لهم التقدير والاحترام والتوقير حيثما وجدوا وأن أحدا لا يجرؤ على إهانتهم أو إهانة نسلهم .. وتكون لهم كل الحقوق المكتسبة، وكذلك حقوق الوراثة من الآباء والأمهات والأقارب كما لو كانوا يهودا “([209]) ويؤيد أحد المؤرخين اليهود رأي العامة بقوله : ” إن الذين تحولوا بالقوة بعد سنة 1391م لم يدركوا ممارسات دينهم الجديد وجهلوا تعاليم المسيحية “([210]) .

ومنذ ذلك الحين بدا في الظهور حركات مناهضة للمتحولين باعتبارهم أصحابَ دمٍ مُلوَّثٍ، لا ينقي إلا بعد مرور أربعة أجيال بعد التحول، باعتبار أن المتحولين واليهود يشكِّلون جنساً واحداً، والدم اليهودي يفسد صاحبه حتى الجيل الرابع وفق نظرية نقاء الدم، وينطبق ذلك على من كانوا نتاج زواج المسيحيين القدامى بالمتحولين الجدد، وصدر من كلية سان بارتلوم في سلامنكا San Bartolome of Salamancaقانون بهذا المعنى سنة 1414م، يوصي بتجريد هؤلاء المتحولين الذين لم يصلوا إلى الجيل الرابع من الاعتبار العام والانتماء الكنسي والدراسة بالجامعات([211]).

قاد بيدرو سارمينتو Pedro Sarmiento، وهو أحدُ المُقرَّبين من خوان الثاني الملك القشتالي حركة تمرد ضد اليهود والمتحولين في طليطلة سنة 1449م ([212])، وقام هو وأتباعه بعمليات سلب ونهب وحرق في منطقة مجدالينا La Magdalena التي يقطن بها اليهود والمتحولون، فقد ساءه الدعم الملكي لليهود المتنصرين في طليطلة . أصدر سارمينتو إعلاناً يؤكِّد على أن المسيحيين القدماء فقط هم من يحملون في عروقهم دماء غير ملوثة، وأطلق عليهم لقب الأطهار Limpios، أو الأنقياء ([213])، وهاجم مثيرو الشغب في طليطلة والمدن الإسبانية الأخرى المتحولين، وجرت اضطرابات اجتماعية حتى أوائل سنة 1450م ([214]) بسبب استياء العامة من ثروات وقوة المتحولين([215]).

وبالرغم من إخماد تمرد سارمينتو سنة 1451م؛ إلا أنَّه استمر العمل بهذا الإعلان على مدي الأربعين سنة التالية، حيث زاد عدد المؤسسات التي تبنت متطلبات نقاء الدم للالتحاق بعضويتها([216])، واستمر كذلك العنف ضد المتحولين بشكل بمتقطع بين سنتي 1470-1474م، خاصة في سنة 1473م، حيث اندلعت أعمال عنف ضد المتحولين في طليطلة وقرطبة وامتدت إلى أماكن أخري في إسبانيا([217])، واعتبر المعارضون أن المتحولين خرقوا العهد الذي أبرم معهم مما مثل تهديدا خطيرا للمجتمع المسيحي، وشعر قادة الكنيسة أنهم في حاجة إلى تأكيد أن هؤلاء المتحولين أمسوا مسحيين حقيقيين ؛ أي تحولوا عن إيمان وقناعة لاسيما في النصف الأخير من القرن 15م، حيث تدخل البابا نيكولاس الخامس لحمايتهم ([218]).

فقدت المجتمعات اليهودية في كل من إشبيلية وطليطلة وبرغش تأثيرها السابق نتيجة تحول الكثير من قياداتهم، وتحول ثقل اليهود من الآن فصاعدا في المملكة القشتالية إلى المجتمعات الريفية الصغيرة التي نادرا ما تجاوزت 50 أسرة ؛ منهم التجار وأصحاب المحلات التجارية والحرفيين؛ كما تمكن بعض رجال الحاشية من استرجاع مراكزهم في البلاط ([219]). بدأت حياة المجتمعات اليهودية تمضي كما كانت من قبل، وإن تقلص نشاطهم في مجالات الزراعة والطب وخدمة الحكومة، بيد أنهم لعبوا دورا هاما في قطاع الأعمال والتجارة، واستمرَّت الأديرة والكنائس في الاعتماد عليهم وكذلك النبلاء، واستمرُّوا في جباية الضرائب المختلفة، وإقراض المال على نفس القواعد السابقة، ومن الملك إلى رجل الشارع ظلت الصداقات الشخصية سائدة بين العائلات اليهودية والمسيحية، وانتظم أولاد المسيحيين على مدي عشر سنوات في الوكالات التجارية اليهودية يتعلمون أصول التجارة مما رسخ الحياة المشتركة بين الجانبين([220]).

مَوقفُ العَرْشِ والكَنِيْسَةِ مِنْ اليَهُودِ بَعْدَ المُتغيِّراتِ الجديدةِ :

قامت العلاقة بين البلاط واليهود في إسبانيا المسيحية على أساس المنفعة، إذ حرص اليهود على التقرب من السلطة، وتحقيق مآربهم الاقتصادية والجاه الذي يدعم الحماية والمال، ووجد البلاط فيهم بغيته؛ فولاهم الأعمال المالية وخاصة تحصيل الضرائب من العامة، مما خلق جوا من العلاقات العدائية بين اليهود وغيرهم من أفراد المجتمع الاسباني، أدَّت إلى مذابح لليهود في حالة ضعف الحكومة خاصة في القرن السابق لمحاكم التفتيش؛ حتى مع قيام محاكم التفتيش لم تحظ الهجمات الشعبية على اليهود برضاء الحكومات، وفي أراجون كان الوضع أحسن حالا من قشتالة، وتجنب المجتمع اليهودي في سرقسطة العنف بسبب وجود الملك مارتن(1396-1410م) في المدينة حيث أعطي وجوده نوعا من الاستقرار للجماعات اليهودية، كما حصل زعيم اليهود في المدينة الحاخام حسداي كرسيكس Hasdai Crescasسنة 1399م على لائحة جديدة لليهود من البلاط الأراجوني تحدد قوة الجماعة وتنظيماتها([221]).

عقب عمليات التحويل المكثفة التي طالت الكثير من اليهود في مملكتي أراجون وقشتالة صعدت البابوية خاصة في عهد البابا بنديكت الثالث عشر من جهودها لإنهاء الوجود اليهودي في إسبانيا المسيحية، مما أدي إلى أن أمر الملك فرديناندو ملك أراجون ([222]) (1412-1416م) 1415م بأن يقدم اليهود جميع نسخهم من التلمود بحيث تحظر جميع الفقرات المعادية للمسيحية، ويحظر الهجوم على الكنيسة، وعدم توسيع اليهود لمعابدهم، وعلى المسيحيين أن لا يستكثروا من الوكلاء اليهود، وان يلتزم اليهود بأحيائهم الخاصة، وباتت اليهودية في أراجوان على شفا الهاوية بسبب الضغط البابوي واستجابة الملك الأراجوني، ولم يشفع لهم اشتراكهم في احتفال تتويج الملك فردينانو في سرقسطة 1412م([223])، حيث أمر بعزل اليهود في أحياء خاصة([224]).

وفي قشتالة قام الراهب فيسنت فيرير الفرنسيسكانيsan Vicente Ferrerسنة 1411م بالحضِّ على المزيد من القوانين القمعيَّةِ ضدَّ اليهود على أمل أن تنضم هذه القوة إلى حُضْنِ الكنيسة، حيثُ حرمت هذه القوانين اليهود من التجارة ومن الوظائف الهامة ؛ طالما كان المتحولين منهم قادرين على القيام بها([225])، وأخذتالملكة كاثرين والدة الملك الطفل خوان الثاني ( 1406-1454م) والوصية على عرش قشتالة على عاتقها إصدار إعلان في أنحاء مملكتها أنه حيثما كان اليهود أو المسلمين فعليهم أن يبتعدوا بمساكنهم([226])، ومن أهم ما جاء في الإعلان وجوب عزل المسلمين واليهود عن المسحيين، وعدم التعامل مع الطبيب الكافر وشراء الطعام منهم، ولابد أن يسور عليهم وتكون الأسوار مغلقة ليس لها شبابيك على الخارج ؛ لأنهم بالنسبة إلينا أكبر الأعداء، والمرأة المسيحية لا يجب أن تعمل ممرضه معهم، ولا يجب أن تأكل معهم، وإذا أرسلوا لكم خبزا أرموه للكلاب وإذا أرسلوا لكم لحم حي دون طبيخ فلكم أن تقبلوه على شرط ألا يكون ميتا، لأن كل ذلك خطايا وفقا للكتاب المقدس ([227])، ويدلَّ هذا الإعلان بالمنع على وجود كُلِّ هذه الممارسات داخل المجتمع حتى ذلك الوقت من بدايات القرن 15م، ومن ثَمَّ فإنَّ المؤرخين اليهود المتأخرين يصفون التمييز الذي حدث فيما بين سنة 1412-1416م بالاضطهاد العظيم الذي وقع باليهود([228]).

تنفَّس اليهود الصّعداء بطرد بنديكت الثالث عشر من البابوية([229])، وبوفاة الملك فرديناندو الأول في عام واحد سنة 1416م([230])، فقد سادت فترة من التسامح والانتعاش وإعادة الروح مرة أخري داخل المجتمع اليهودي خلال 1420-1440م ([231])، وتحسَّن وضع اليهود في أراجون بتولي الملك الفونسو الخامس (1416-1458م) الذي بسط يديه لليهود، حيث تمتعوا في عصره بالحماية الملكية ؛ فما أن مر عام على توليه العرش حتى أعلن حمايته لليهود ولومه الرهبان الدومنيكان في بلنسية على المبالغة في إجبار اليهود على التنصير بقوله : ” بلغني أن هناك بعض رجال الدين في ديركم يقومون بالعظات في تلك المدينة لتحريض بعض الناس فيها ويقولون أشياء ضد اليهود تؤدي إلى إثارة الشعب ضدهم ” وهذا لا يروقنا ولا يرضينا أن يحدث مثل هذا وأنتم تعرفون أننا قررنا الدفاع عن الكنيس اليهودي”([232])، واستطاع اليهود في سنة 1419م بمساندة موقف الملك الأراجوني لهم أن يلقي الرهبان الخطب والمواعظ في معابدهم بدلاً من الكنائس والأماكن المفتوحة ممَّا وقى اليهود من سُخريةِ المسيحيين ([233])، بيد أن ذلك لم يجد نفعاً كثيراً، لأنَّ المجتمعات اليهودية في أراجون انخفضت كثيراً، وفي بلنسية وبرشلونة كادت أن تختفي، ونزح الكثير منهم إلى الريف([234]).

أمَّا في قشتالة فقد عاصر خوان الثاني John II ( 1406-1454م) ابن عمه ألفونسو الخامس صاحب العلاقة الطيبة باليهود في أراجون؛ وكان كليهما أقلَّ حماساً للدِّين من أسلافهم، وكذلك البابا الجديد لم يكن بحماس سابقه وآثر أن لا يستأنف المعركة مع اليهود، لذا ألغيت جميع التدابير المعادية لليهود 1419-1422م، وتم استعادة نسخة من التلمود كاملة دون حذف، وتم بناء المعابد التي هدمت لليهود([235])، وأمر الملك أن توكل كل الشئون الداخلية للبلاط لليهود بدلا من تركها في أيدي النبلاء، وحسب الكاتب اليهودي إلىعازر جوتورث([236]) فإن الملك القشتالي خوان الثاني كان في أمس الحاجة لخدمات التمويل اليهودي لدفع تكاليف ونفقات القوات العسكرية في حرب الاسترداد ؛ ففي سنة 1429م اقترض الملك خوان الثاني من زعيم اليهود الرابي إبراهام بنفنست Abraham Benvenistرابي اليهود في المملكة والزعيم الديني ومستشار البلاط لتدعيم قواته على جبهة أراجون .

وعلى الجانب الآخر عقدت الجماعة اليهودية في مملكة قشتالة مؤتمرا في مدينة بلد الوليد 1434م بدعوة من الرابي إبراهام بنفنست Abraham Benvenist نفسه، واتخذت في المؤتمر عدة قرارات اختص بعضها بالشأن الداخلي اليهودي، وعالج الآخر الشأن العام في محاولة لتحسين صورة اليهودي داخل المجتمع القشتالي؛ فقد قرر المؤتمر التوقير الشديد للملك خوان الثاني الذي تعاون معهم، واستثنوا اليهود الذين يعملون لمصلحته من العقاب حتى لو أضرَّ ذلك أخيه اليهودي، كما اتَّخذ المؤتمر قرارات من شأنها تهدئة الرأي العام المسيحي في المملكة تجاه اليهود بعدم استفزاز المجتمع بالتغلغل في الجانب الاقتصادي، الذي قد ينعكس على حياتهم داخل المملكة، وقرر إنه لا يجوز لأي امرأة متزوجة ارتداء فساتين مستفزة مصنوعة من الأقمشة الغالية الثمن مثل الحرير والكتان أو الصوف الناعم أو الأقمشة التي يدخل فيها خيوط من الذهب؛ بينما يجوز ذلك فقط للعروس في السنة الأولي من زواجها، كما فرضت قيود على ألوان الملابس المزركشة والمخملية والألوان الضاربة للحمرة القرمزية واللون الزيتوني، كذلك فرضت قيود على ارتداء المعاطف ذات الياقات العالية، وعلى الإسراف في ارتداء الحلي الذهبية، وأجاز بارتداء حلي فضية لا تزيد عن أربع أوقيات، وشدد على أنَّ كُلَّ مَنْ تجاوز هذه القرارات فهو مطرودٌ من رحمة الربِّ([237]).

ساهمت الإجراءات التي أتخذها المؤتمر اليهودي في تهدئة الأوضاع بالنسبة لهم – على الأقل- بالنسبة للبلاط، وعادوا بقوة إلى الواجهة السياسية، وترصد أحداث سنة 1440م حضور اليهود حفل زفاف الأمير هنري بن خوان الثاني ملك قشتالة في مدينة بريفسكا Briviesca التابعة لمقاطعة برغش، وكانت عادتهم أن يرفعوا التوراة تحية وتقديراً للمدعوين من القادة الأجانب([238]) . أصاب التحول في سياسة البلاط نحو اليهود بعض المتحولين بخيبة أمل ؛ إذ سلقهم الرهبان بألسنة حداد ونددوا بهم، مثل الراهب الفرنسيسكاني ألونسو دي إسبينا Fray Alonso de Espina الذي اعتبرهم خانوا شعبهم حيث قال “” كرهت جشع الحكام المسيحيين والمكاسب الدنيوية التي يحصلون عليها من اليهود، لأنَّ ذلك يجعلهم يسمحون للجرائم اليهودية أن تمرَّ دون عقاب، ويسمحون لهم بالقُرب منهم، ويقبلون منهم الهدايا حتَّى جعلوهم مثل الذئاب المفترسة الذين هجموا على قطيع الرب، وواصلوا الخراب دون معارضة “([239])، وكان هذا الراهب حاخاما قبل أن يتحول إلى المسيحية، وأصبح أبا راهبا، وساءه عودة العلاقات الطيبة بين اليهود والبلاط، حيثُ كان طبيب الملك هنري الرابع (1454-1474م) في الفترة من 1456-1465م هو اليهودي ساماي لوبيل ([240])، الأمر الذي زاد من حنقه عليهم وعلى حتى إخوانه المتحولين ووشي مع غيره من الحانقين إلى الملك هنري الرابع بهم، ويري كاسترو([241]) أن إسبينا هذا كان يشعر بالحاجة إلى تبرير ما يفعله بالقضاء على أي أثر وذكري لليهودية التي يحملها في صدره، وكان يؤلمه ألا يخضع يهود قشتالة للعبودية مثل يهود فرنسا وانجلترا .

عضد اليهود زواج الأمير فرديناندو ولي عهد أراجون من الأميرة إزابيلا شقيقة الملك هنري ملك قشتالة، تم الزواج في بلد الوليد في أكتوبر سنة 1469م بترتيب من اليهود في حفل خاص لم يشهده إلا عدد قليل من الأصدقاء، بسبب معارضة أخيها الملك هنري، وكذلك رئيس أساقفة طليطلة ([242])، لذلك دانت إزابيلا بزواجها ثم بعرشها بعد ذلك إلى حد كبير لدعم ومشورة اليهود والمتحولين من المملكتين، خاصة الرابي إبراهام سينور Rabbi Abraham Seneor،([243]) الذي كان يعمل في البلاط القشتالي رئيسا لجامعي الضرائب الزراعية في المملكة، وقد تم تعيينه لاحقاً ممثلاً لكُلِّ يهود إسبانيا، وكذلك السيد إسحاق أبرافانيل Don Isaac Abravanel، الذي عين في سنة 1484م مسئولا عن جمع الضرائب الزراعية عن وسط قشتالة وجنوبها([244])، واستقبل اليهود زواج الملكين بالكثير من السعادة، فقد كان بمثابة انفراجة جديدة لهم على أرض إسبانيا([245]) .

تولَّت إزابيلا الحكم سنة 1474م بعد موت شقيقها هنري، وحقَّقت الأمل التي كانت تصبو إليه بالوُثُوب على عرش قشتالة بعد حرب أهلية مع أخيها هنري ؛ ساندها فيها المتحولون واليهود . بدأت إزابيلا حكمها محاطة بفريق من الأصدقاء ورجال الدولة والأطباء من اليهود ([246]) الذين مجدوها وكأنَّها مريم العذراء([247])، وتولي فرديناندو حكم أراجون سنة 1479م على اثر وفاة أبيه خوان الثاني 1458-1479م، واتحدت المملكتان في نفس العام ([248])،واستخدم كذلك فرديناندو المتحولين في إدارته([249])، ووقف إلى جانب اليهود ضد ممارسات الكنيسة في مدينة سرقسطة سنة 1481م التي هددت بإغلاق الأبواب والنوافذ الخاصة بالمنازل التي تطل على الجزء المسيحي للمدينة، ومنعهم من ممارسة بعض المهن، وإكراههم على ارتداء زي خاص، وهدد الملك أساقفة سرقسطة بقطع العطايا الملكية الدورية لهم (هؤلاء هم كنزنا وميراثنا ومن واجبنا الدفاع عنهم)([250])، وشارك اليهود في الاحتفالات الملكية في المدينة في نفس العام ([251])، وتمتَّع اليهود في ظل الوضع الجديد بالحماية الملكية، وظلوا كذلك حتى بدأت إرهاصات قرار الطَّردِ .

أصدر برلمان طليطلة تشريعاً في سنة 1480م يفرض على اليهود والمسلمين الانتقال إلى مناطق محددة في المدن الرئيسية، وعلى المقيمين خارج هذه المناطق بيع منازلهم والخروج إلى المناطق الجديدة، وكان وراء هذا القانون القسُّ توماس دي توريكريمادا([252]) وليس فرديناندو وإزابيلا،ولم يكنْ في مقدور الملكين منع تطبيق التشريعات ؛ لأنَّ البرلمان الإسباني اتسم بالديمقراطية، فما أن يقترح القوانين ويشرعها حتى يطبقها الحكام([253])، ومنذ ثمانينات القرن 15م بدأت السياسة الرسمية تجاه اليهود تصير أكثر حزما، وتمَّ تفعيلُ المراسيم القديمة المتعلقة بالملابس وقيود التجارة والعيش بعيدا عن المسيحيين في جيتو منعزل خارج المدنِ وسُدَّت الأبواب والنوافذ المُطلَّة على المدينة المسيحية([254]).

مَحَاكِمُ التَّفتيشِ:

يُعتبرُ تحول اليهود إلى المسيحية هو السَّبب الحقيقي لدخول محاكم التفتيش إلى إسبانيا المسيحية([255])، وبدأت الإرهاصات الأولي لها منذ أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، حيثُ أُنشئت محاكم للتحقيق مع المُتحوِّلين الذين ارتدُّوا إلى اليهودية في مملكة أراجون، وبدأت في مهامها سنة 1242م،([256]) أمَّا في قشتالة فقد أصدر هنري الرابع أمراً ملكيّاً سنة 1465م من إلى الأساقفة بتتبُّع المارقين ومعاقبتهم، وتلى ذلك موجةٌ من المحاكمات الدينية لليهود المتحولين أُحْرِقَ على أثرها عددٌ منهم([257])، والعقاب بالحرق للمُهرطق هو عقوبة قديمة صدرت في عهد قنسطنين الأكبر سنة 315م، كما نصَّ القانون ذو الأجزاء السبعة على عقوبة اليهودي الذي يحاول ردة أخيه المتحول ” ونحن نقرر أنه في حالة رغبة أي يهودي أو يهودية في التَّحول للمسيحية، فإنَّ أحداً من اليهود الآخرين لا يمكن أن يعارض ذلك، وإذا قاموا برجمه أو قتله بعد تعميده، وتمَّ إثبات ذلك، فإنَّنا نأمر بحرقِ كُلِّ مَنْ شارك في الجريمة وكُلِّ المسئولين عنها من رجال الدين اليهودي “([258]).

حارب المجتمعُ اليهودي عمليات التحويل إلى المسيحية بكُلِّ قوة في ذلك الوقت، وكانت شعائر التطهر من المسيحية لليهودي ؛ الذي ارتدَّ إلى دينه مرة أخري قاسية جداً من جانب المجتمع اليهودي وزعمائه المدنيين، أمَّا الزعماء الدينيون فكانوا أقلَّ تشددُّاً في ذلك، ورأوا أنَّ العائد إلى اليهودية عليه التوبة فقط لأنَّه في الأصل يهودي، والتنصير لا يمحو هذه الصفة وفقاً للتشريع اليهودي([259]).أمَّا شعائر التَّطهُّرِ من المسيحية عند الزعماء المدنيين والمجتمع اليهودي؛ فكانت تتضمَّن إزالة آثار التعميد من على جسد المتحول، ومن على جلده وجبينه، وفي أيِ مكانٍ آخر وضع عليه زيت التعميد، أو حتَّى لمسه، وكذلك من على الركبتين التي جثا عليهما أثناء التعميد، وقطع أطراف الأصابع التي رسمت الصليب أو تقشير الأظافر، مع حمام طقسي قبل أن يقدم نفسه للحرق قرباناً لحماية روحه([260]).

وتُشير سجلات التَّحقيق في مدينة برشلونة بمملكة أراجون التي تعود إلى سنة 1341م، أي بعد مرور قرن من إنشاء المحاكم إلى اتهام ثلاثة يهود بتهمة قيامهم بالعمل على ردة أحد اليهود المتنصرين إلى اليهودية مرة أخري، ويحفظ أرشيف كاتدرائية برشلونة نص التحقيق وشهادة الشهود وقرار الاتهام والعقوبة، عقدت المحاكمة في 11 أغسطس 1342م في مقبرة كنيسة Santa Maria del Mar سانت ماريا دل مار، وأدين اليهودي خانتو المولي Janto Amuli وزوجته جميلة وشخص آخر يدعي يوسف، وينتسب الثلاثة إلى مدينة ألموينا la Almunia القريبة من سرقسطة، وأدينوا بتهمة التحريض على ردة أحد المتنصرين حديثا من اليهود يدعي بيتر Peter ( إليعازر سابقا ) الذي تعمد في كنيسة Sant Pere de Riucdebittles في بلدية كوماركا القريبة من برشلونة منذ شهور، وتم استجوابهم عن طريق المحقق البابوي للبلاط الأراجوني الراهب الدومنيكاني Bernat de Puigcercos، واعترف خانتو بضلوعه في الجريمة بمساعدة زوجته ويوسف، كما كشفت التحقيقات أنَّهم منذ أعوامٍ سابقةٍ حرَّضوا آخر يُدعى عباديا Abadiaللرُّجوع إلى اليهودية، لكنَّ الزوجة رفضت الإدعاء باشتراكها في التَّحريضِ على الرِّدَّةِ، ومن ثَمَّ قرَّرت المحكمة أنَّها أقلُّ ضُلوعاً من الآخرين، أمَّا يوسف فكان دفاعه أنَّ أعداءه الذين وشوا به غير مُؤهَّلين للشهادَةِ عليه، وهو الوحيدُ الذي عُذِّبَ لفترةٍ وجيزةٍ خلال إجراءات المحاكمة لرفضه الاعتراف باشتراكه في جريمة الرِّدَّةِ([261]).

جاء في قرار الاتهام أنَّ خانتو ورفاقه مُتهمون بِرِدَّةِ بيتر وعباديا، وأنَّ خانتو تلى على بيتر وعبادياً نموذجَ شعيرة الانتحار لنبذ المسيحية التي تقول (أيُّها الفقيرُ البائسُ كيف تستطيعُ أنْ تخطيء هذا الخطأ الفادح وتهجر قانون موسي هذا القانون هو والربُّ واحدٌ، وتقبّل قانون المسيحية العبثي الميت الذي لا يحميك … وإذا ضحَّيت بنفسك أصبحت شهيدَ رُؤيةِ الربِّ وكسبت الخلاص)، ووجهت المحكمة تسع عشرة تهمة لخانتو تحمله المسئولية عن ردة بيتر وعباديا كلية ([262]).

سلم بيتر نفسه مباشرة إلى المحكمة المدنية في ألومينا la Almunia بعد تردد؛ لحرقه خلاصاً لروحه دون المرور بشعائر التطهر القاسية التي يفرضها المجتمع اليهودي، وحكم عليه بالإعدام حرقاً، وعند تنفيذ الحكم ووضعه على المحرقة أنقذه أحدُ الرهبان الدومنيكان([263])، فقد كان حظه أفضل كثيراً من عباديا الذي لجأ قبل ذلك أيضاً إلى المحكمة المدنية بقلعة أيوب Calatayud التابعة لسرقسطة، وتمَّ حرقه، أمَّا المحرض خانتو فحكم عليه بالسجن المؤبد مدي الحياة على الخبز والماء فقط، وتحت شروط قاسية حتى يكون الموت هو عزاءه الوحيد، أمَّا زوجته جميلة فحكم عليها أيضاً بالمؤبد بدون الشروط القاسية التي حكم بها على زوجها، أمَّا يوسف فحكم عليه بتسليمه للسلطات المدنية لحرقه؛ لأنَّه فضلاً عن اشتراكه في رِدَّةِ الاثنين فإنَّه أُدِيَن بالهَرْطَقَةِ في وقتٍ سابقٍ بسببِ ضُلوعِهِ في خِتانِ طفلٍ مسيحيٍّ([264]).

يبدو أنَّ محاكم التَّحقيق كانت لا تزال قليلة جداً في أراجون حتَّى النصف الأول من القرن 14م، والسَّببُ هو التجريم العظيم من جانب المجتمع اليهودي الذي يصل إلى أن يقدم المتحول نفسه قُرباناً لتطهير روحه، والرفض المجتمعي له هو الذي حد إلى حين من عمليات التنصير بين اليهود، لكن مع زيادة عمليات التحويل خلال القرن 15م زاد ضغط الكنيسة لإدخال نظام محاكم التفتيش، حيث أرسل البابا سيكستوس الرابع مبعوثاً بابويّاً مزَّوداً بكُلِّ السُّلطاتِ للتحقيق والقبض على المارقين ومعاقبتهم، لكن فرديناندو وإزابيلا وقفا ضدَّ هذه المحاولة ؛حرصاً على سلطانهما وحماية لأعوانهما اليهود، وحداً من سلطة الكنيسة. انضم رجال الكنيسة من المتحولين المتعصبين إلى البابا ضد إخوانهم السابقين وحرَّضوا الملكين على مطاردة الكُبراء ذوي الأصل اليهودي من خلال نظام محاكم التفتيش([265]).

لم تلقَ إزابيلا بالا لتحريض البابا ورجال الكنيسة إلى حين؛ إذ أنَّها كانت تثقُ بهم وبصدق نياتهم وغِيْرَتِهِمْ على الدولة والعرش، على أنَّ هذه المقاومة لم تلبث طويلاً بسبب إلحاح معترف الملكة(*) توماس دي تروكمادا Torquemada رئيس دير الآباء الدومنيكان في سانت كورز بشقوبية([266])؛ الذي أقنع الملكة بإقامة محاكم التفتيش في المملكة، وفي عام 1478م أرسل العاهل فرديناندو وزوجته سفيرهما إلى البابا للحصول على المرسوم البابوي، وصدر المرسوم بإنشاء الديوان في قشتالة وتعيين المفتشين، واتخذت الخطوة الحاسمة لتنفيذه 1480م، وأنشئت محكمة التفتيش الأولي في إشبيلية في الدير الدومنيكاني في إشبيلية سنة 1481م، وكان للمحكمة حق توقيف الهراطقة خاصة المسيحيين الجُدُدَ، كما كان لها حق مصادرة أملاكهم وأموالهم لصالح التاج الأسباني والحبر الأعظم وقضاة التفتيش([267]).

نظر رجال الكنيسة بعين الشك والريبة إلى اليهود المحدثين في المسيحية، الذين ارتقوا المناصب الكنسية الكبيرة، ووصلوا إلى مجلس الملك، وتبوَّأوا بأموالهم ونفوذهم مكانة قوية في الدولة والمجتمع، واعتبروهم أشرَّ من اليهود الخُلَّصِ أنفسهم، واتَّهموهم بالإلحاد ومزاولة شعائرهم سرّاً([268])، ويرجع الدافع الحقيقي وراء محاكم التفتيش إلى إزاحة المتحولين المكروهين من الوظائف ذات القوة والتأثير([269]).يظنُّ كاسترو([270]) – وليس كُلُّ الظَّنِّ إثماً – أنَّ الإجراءات التي طبَّقتها محاكم التفتيش الإسبانية هي صورة من تلك التي استخدمتها المعابد اليهودية، وأن نقل تلك التركيبة إلى المسيحيين كان عن طريق العديد من اليهود، الذين شغل عدد منهم درجة الأسقفية والرهبنة أثناء القرن 15م، ووصل البعض منهم إلى عضوية المجلس الأعلى للتفتيش، وكتب بعضهم كتبا غير إنسانية ضد بني جلدتهم، وأخذوا يتَّسمون بالشراسة، وخرج من صفوفهم أشدَّ الناس عداوة لليهود .

مارس العرش الأسباني على البابا سيكستوس الرابع ضغوطا لجعل المحاكم تحت سلطته دون تدخل الكرسي الرسولي مقابل أنْ يُخصِّصَ له جُزءًا من الأملاك المصادرة من الهراطقة ([271])، وقرر فرديناندو وإزابيلا إسباغ الصفة القومية على محاكم التفتيش ؛ بأن يكون سلطانها مُستمدَّا من العرش أكثر مما هو مستمد من البابوية، لذلك تم تنظيم المحاكم على أسس جديدة، وصدر بهذا التنظيم مرسوم بابوي في 2 أغسطس عام 1483م، وتمَّ إنشاء مجلس أعلى لمحاكم التفتيش ( supremala ) يتألَّف من أربعة أعضاء بينهم الرئيس الذي أطلق عليه المفتش العام ( inquisitor general )، ومنح المفتش العام حقَّ تعيين قضاة محاكم التفتيش بعد تصديقها من العرش الأسباني، وأسند هذا المنصب إلى القسِّ توماس دي توريكريمادا معترف الملكين الذي ترأَّسه لمدة 18 سنة([272]).

أصبح الملكُ هو الرئيس الأعلى لمحكمة التفتيش التي كان ولاؤها للملك فقط، وهو الذي يستمع إلى شكاوي الخاضعين للتفتيش، ولذلك تبرَّأت البابوية والكنيسة من ُممارسات وأساليب محاكم التفتيش([273])، وهذا ما حدا بأحد الدارسين([274]) إلى القول بأنَّ محاكم التفتيش بدأت كمحاكم كنسيَّةٍ ثُمَّ تطوَّرت إلى محاكم مدنية في تشكيلها وإداراتها؛ لذلك لم يكترث توماس دي تروكيمادا بالقواعد والإجراءات الصَّارمة التي سنَّتها البابوية وتخلَّص توماس من أيِّ سيطرة كنسية([275])، واعتبره البعضُ أعظمَ سُلطةٍ بعد العرشِ في إسبانيا([276]).

يري أحدُ الدَّارسين([277]) أنَّ الملك فرديناندو لم يكن حريصاً على المسيحية ونقائها بقدر حرصه على النفع الذي يعود عليه شخصيّاً من جرَّاء توقيع العقوبة ؛ لأنَّ كُلَّ مُمتلكات المُهرطق تؤُول إليه، بل كانت ممتلكات المتهم تُصادَرُ قبل إدانته ([278])، وكان يلقي بالمتهمين في السُّجون انتظاراً للمُحاكمة ولم يكنْ مُنتظراً منهم الاعتراف بجرائمهم فقط ؛ وإنَّما توريط آخرين عن طريقهم، وكانت الاتهامات تتضمَّنُ أشياءَ واضحةَ السّخفِ، مثل عدمِ إشعال نار في المنزل يوم السبت في ظلِّ طقس دافئ ؛ بمعني تقديس السبت من جانب المُتحوِّلين([279]).

رفضت محاكم التفتيش الكشفَ عن الشُّهود المجهولين؛ أي الواشي (malsin ) الذي يبلغ عن أهل دينه للسلطات المسيحية([280])، ووصل الأمر في عام 1485 م أنْ أمرت محكمة التفتيش في إشبيلية حاخام المدينة بالوشاية بأسماء اليهود المتحولين الذين يتردَّدون على المعبد اليهودي سرّاً، وتهديده بالعقاب الصَّارم إذ امتنع عن ذلك([281])، ويكاد يكون من المستحيل على المتهم أن يثبت براءته، علاوة على ذلك فإنَّ عقوبات محاكم التفتيش تُعتبرُ حكماً قضائياً باتّاً يتضمَّنُ مصادرة الممتلكات، وإقصاء المتهم وعائلته عن عملهم ([282])، ومن يصر على عدم الاعتراف يحرم من الكنيسة ويرسل للمحرقة والمعترف بذنبه يسجن وتصادر أملاكه ويحرم من حقوقه([283])، وجرت العادة على أن تؤول المصادرات إلى الكنيسة إذا كان المهرطق كاهناً أو خادماً في الكنيسة، أمَّا إذا كان المهرطق من خارج الكنيسة فإنَّ عائد المُصادرات تصبح من حقِّ الحاكم([284]).

خضعَ كبارُ رجال البلاط من اليهود المُتنصِّرين لمحاكم التفتيشِ، حيثُ كانت احدي أهم القضايا في سراقسطة عاصمة مملكة أراجون تتضمَّن اتَّهاماتٍ ضدَّ ألفونسو دي كابالاريراAlfonso de la Caballeria نائب مستشار الملكة وأبيه، واستمرت حتى 1492م([285])، لذلكسعى اليهودُ المتحولون في قشتالة لوقف نشاط محكمة التفتيش بشراء الضمائر، أوقف اليهودي المتحول دييجو دي سوزان 10 ملايين دينار مرابطي لهذا العمل لكن ابنته وشت به لعشيقها المسيحي، وتمَّ نقله هو ومن معه من المتآمرين إلى الدير في 6 فبراير 1481م، واجبروا على ارتداء ثوب العار الأصفر وأحرقوا أحياء، ونتيجة لذلك فر كثير من المتحولين الجدد إلى السادة الإقطاعيين في الريف في سبتمبر سنة 1480م؛ الذين كانوا لديهم رغبة في حمايتهم، لكن قضاة التفتيش هددوهم بالحرمان من غفران الكنيسة ومصادرة الأموال؛ فما كان منهم أن سلموا اللاجئين([286]).

أحرق توماس دي توريكريمادا أعداد كبيرة من هراطقة المتحولين اليهود وأعداد كبيرة من كتبهم في سنة 1490م، وأخذ يحث إيزابيلا على طرد جميع اليهود من قشتالة ما لم يتنصَّروا، ولكنها لم تستجبْ إلا بعد استسلام غرناطة لأنَّها كانت بحاجة إلى أموال اليهود في حربها مع المسلمين([287])، ويقدر البعض عدد المتحولين الذين أدينوا فيما بين 1481-1492م بـ 13000 تقريبا، واستمرت محاكم التفتيش حتَّي القرن 19م ؛ إِذْ أُلغيت سنة 1834م وهلك آخر ضحية لها سنة 1826م([288]).

لم تكن محاكم التفتيش مَعنيَّةً كثيراً باليهود الذين مازالوا على دينهم، وإنَّما انصبَّ اهتمامها بشهادتهم الزائفة ضد المتحولين من بني جلدتهم باعتبارهم أصبحوا أعداء لهم، وبالتالي لم تهتم الرواية التاريخية اليهودية كثيراً بمحاكم التفتيش ولم تُوجِّه لها نقداً حقيقيّاً([289]) ؛ فيما عدا حالة وحيدة التي كان أحد المتهمين فيها من اليهود هي قضية اغتيال الطفل المقدس جوارديا سنة 1490م إذا اتَّهم بشهادة الزور([290])، والتمس يهود أفيلا التي جرت فيها المحاكمة من الملكيين فردناندو وإزابيلا حمايتهم، فوافقا رُبَّمَا لشكِّهما في عدم صدق الاتهامات([291])، في حين أنَّ قانون البنود السبعة أعطى مصداقية للقصص الشعبي لطقوس القتل اليهودي على أنْ يكون الملك هو صاحبُ الحقِّ الوحيد في تنفيذ عقوبة القتل “وحيث نسمع عن بعض اليهود في بعض المناطق مازالوا يحتفلون بيوم الجمعة، والذي يجسد معاناة سيدنا يسوع المسيح، ويسرقون الأطفال ويصلبونهم، ويأخذون صورهم على الشمع ويصلبونهم حين لا يستطيعون الحصول على أطفال، فإننا نأمر بأنه في حالة حدوث شيء من هذا في أيِّ مكانٍ تابع لنا، وإثبات ذلك، يكون كل الحاضرين أثناء ارتكاب هذا العمل عرضة للاعتقال والمثول أمام الملك، وحين يتأكد الملك من إدانتهم يأمر بإعدامهم بطريقة مهنية، مهما كان عددهم “. ([292])

الطَّرْدُ 1492م :

ظهرت محاولات طرد اليهود من إسبانيا المسيحية مبكراً، وتوالت القرارات والتشريعات التي تُندِّدُ باليهود وتُطالبُ بطردهم أو تنصيرهم ؛ مثل القرارات التي سبق الحديث عنها من جانب الملوك القوط([293])، كما دخلت البلديات أيضاً في سباق التشريعات والقوانين التي تندد بسكانها اليهود وتطالب بطردهم، مثلما صدر عن مجلس بلدية طليطلة الذي يقطنها أكبر جالية يهودية في ذلك الوقت الفرمان رقم 17، 18 في 9نوفمبر 694م وبِمُقتضاه وافق برلمان المدينة على طردهم خارج البلاد([294]).

لم تُفلحْ ترسانةُ القوانين والتَّشريعات التي صدرت للحدِّ من نُفُوذ اليهود وسلطانهم الاقتصادي حتَّى قُبيل الطَّردِ بعُقُود، وكُلَّما شكَت العامة منهم كان العلاجُ هو المزيد من القوانين، على عكس ما فعلت انجلترا وفرنسا ؛ ففي انجلترا وقبل مائة عام من الثورة الشعبية ضد اليهود في إسبانيا طرد الملك إدوارد الأول اليهود من بلاده سنة 1290م، وأمر حُكَّام المُقاطعات بتأمينِ مُغادرةِ اليهود للمملكة في غُضون مُدَّةٍ لا تزيد عن أشهر؛ بدأت في الأول من نوفمبر، والسماح لهم بأخذ ممتلكاتهم المنقولة وإعلان جميع المسيحيين لاسترداد رهوناتهم قبل موعد رحيلهم، وما لا يتم تحصيله يُصبح من ممتلكات الملك وكذلك بيوت اليهود ؛ فغادر المملكة 16000 يهودي تقريباً([295])، ثم طالهم الطرد من فرنسا على يد الملك فلييب سنة 1306م، وفي كُلِّ الأحوالِ كان الغضبُ الشَّعبيُّ هو مُحرِّكُ الأحداثِ ضدَّ اليهود([296]).

استمرَّت الحياة كالمعتاد بالنسبة لليهود في إسبانيا المسيحية بغضِّ النَّظرِ عمَّا يحدثُ لإخوانهم في الدُّول المُجاورةِ، وخلال العقدين الأخيرين من القرن 15م، ظلُّوا يعملون كموظَّفين في جِبايةِ الضَّرائبِ بالمُدُنِ والقُرَى، ؛ فعلى سبيل المثال كان هناك يهودٌ يعملون في جمعِ الضَّرائبِ الكنسية في طليطلة فيما بين سنة 1480-1490م، واستمرُّوا في رفع الدَّعاوي بالمحاكم، وكسب القضايا ضدَّ المسيحيين، وكانت لهم أملاك وأعمال تجارية كالعادة بالمشاركة مع المسيحيين حتى ما قبل النهاية بقليل، وفي الوقت نفسه كانت هناك علامات تنذر بالخطر؛ ففي مدن مثل بلنسية وأفيلا كان بعض الفرسان وغيرهم قد هاجموا اليهود وممتلكاتهم لكن جهود الملوك والكنيسة في احتوائها كانت تقلل من أثارها([297]).

تقاعست الحكومات في تنفيذ القوانين الصَّادرة بحقِّ اليهود خاصة في إسبانيا المسيحية، ولمَّا كانت الحكومات هي السُّلطة المُنفِّذة لهذه القوانين ؛ فإنَّ تقاعسها طُوال هذه المدة الطويلة جعل الشعب ينتفضُّ لطردهم من الممالك المسيحية؛ ممَّا مثَّل قوةَ ضغطٍ هائلةٍ على الملكين فرديناندو وإزابيلا؛ فاستجابا للضَّغطِ الشَّعبي، وأصدرا القرار الذي تم توقيعه منهما في مدينة غرناطة في 31 مارس 1492م في قاعة السفراء بقصر الفردوس الذي يمثل قمة الفن والبذخ المغربي، وهي نفس القاعة التي اتَّفقَ فيها بالسَّماحِ لكولومبس بالبدء في رحلته إلى أمريكا أخريات سني القرن الخامس عشر الميلادي، ووقع أيضا سكرتير الملك والملكة جوان دي كولون على القرار الذي منحهم مهلة حتى أخر يوليو للرحيل([298]).

ينصُّ البندُ الرابع من قرار الطَّردِ على ” أنَّنا بعد استشارة كبار رجال الدين والنبلاء والمشهود لهم بالحكمة والثقافة في المجلس ؛ قرَّرنا توجيه أوامرنا لليهود من الرجال والنساء في مملكتنا بمغادرة البلاد وعدم العودة مرة أخري إلى أيَّةِ منطقة تابعة لنا … على أن يكونوا بنهاية شهر يوليو القادم من العام الحالي قد غادروا ممالكنا وأراضينا بأكملها”([299])، ووضع الملكين اليهود تحت الحماية الملكية في الفترة المُقرَّرة، مع منحهم الفرصة في تصدير بضائعهم ومتاعهم بالبحر أو بالبر، فيما عدا العملة والذهب والفضة أو أيَّ أشياءٍ ممنوعةٍ([300]).

حاول اليهود بشتى الطرق الحيلولة دون تنفيذ القرار، وفي غرناطة، وفي نفس القاعة التي وقع الملكان فيها قرار الطرد حاول كل من السيد اسحاق ابرافانيل Don Isaac Abravanel وابراهام سينور SeneorAbrahamإقناع الملكين بالعدول عن قرار الطرد مقابل تقديم مبلغ مالي كبير، تُخبرُ الأسطورةُ أنَّه أثناء المفاوضات اندفع توماس دي تروكمادا Torquemadaإلى القاعة حاملاً الصليب وسأل الملكين عمَّا إذا كانوا مثل يهوذا Judas الذي خان ربَّه من أجل المال([301]). لم تجد الإغراءات المالية هذه المرة سبيلها إلى البلاط في ظل الظروف المشتعلة من جانب الشعب والمُتعصِّبين من رجال الكنيسة، لذلك لم يجد ابراهام سينور أمامه إلا التحول([302])، أما ابرافانيل فارتضى الرحيل إلى المنفي بدينه([303]).

باع اليهودُ منازلهم وأراضيهم ومواشيهم ولم يسمحْ الملك لهم بحمل الذهب والفضة والأحجار الكريمة والخيول والأسلحة خارج إسبانيا، ويبدو أنَّ فرديناندو وإزابيلا أرادا إلا تتكرر فعلة خروجهم من مصر بما نهبوه من ذهب البلاد لحظة خروجهم، لذلك بدَّلوا الذهب والفضة بالملابس والجلود وأشياء أُخري([304])، وعلى الرغم من أنَّ القرار منح اليهود حقَّ ببيع ممتلكاتهم واصطحاب بضائعهم فإنْ ضيق الوقت اضطر الكثير منهم إلى التَّعثُّرِ في بيع أصولهم العقارية وغيرها من الممتلكات الثابتة([305]).

مثَّلَ قرارُ الطَّردِ من جانب الملكين نُزولاً على الإرادة الشعبية التي تبغضُ اليهودَ، ممَّا يعني أنَّ فكرة طردهم لم تكن تدور بِخَلَدِ المَلِكَيْنِ([306])، لذلك أمر الملكان القساوسة بالتَّبشير بين اليهود في إسبانيا والإلحاح عليهم بالتحوُّلِ عن دينهم مقابل البقاء في أماكنهم لم يمسسهم ضُرٌّ، ودَّ الملكان تحويل اليهود وليس طردهم، والغالب على الظَّنِّ أنْ يكون التحويل هو الهدف الأساسي من إصدار قرار الطرد، إذ كانت لديهما ثقة كبيرة في أنَّ الأغلبية الكبيرة من اليهود سوف تقبل بالتحوُّلِ، لذلك ظلَّ الهدفُ من القرار هو الطَّردُ في المقام الأول ثم بعد ذلك التحويل، لكن معظم اليهود اختاروا التحوُّلَ بدلاً من الطَّردِ، خاصَّةً بعد تحوُّلِ زعيمهم ابراهام سينور ([307]).

احتشدتْ قطاعاتٌ كبيرةٌ من الشَّعبِ لتأييد قرار الطرد، وانضمت النخبة المثقفة إلى العامة، كما انضمَّ الشَّبابُ الثَّائرُ، ومعهم بالطَّبع أصحاب حركة الإصلاح الديني في الكنيسة – في سنة 1489م كان هناك 12 حركة إصلاح ديني- فقد ساد مملكتي أراجون وقشتالة النزعة العنصرية والتَّحامُل الديني ضدَّ اليهود في ذلك الوقت، وأصبحت مسألة طردهم تمثل المصلحة العليا للوطن([308])، والغريبُ في قرار الطرد أنَّ الملكين استندا في طردهم إلى سببٍ واهٍ ؛ وهو قيام اليهود بالتهويد داخل التُّرابِ الأسبانيِّ([309])، وهو أمرٌ من الصعوبة بمكان أن يتمَّ التَّهويدُ داخل مجتمع كاثوليكي مُتعصِّبٍ، فضلاً عن انغلاق اليهودية على نفسها، وربَّما اعتقد الملكان أنَّ عودة المتحوِّلين اليهود إلى اليهودية مرة أخري هو نوعاً من التهويد ” إذا قاد سوء الطالع أحد المسيحيين إلى اعتناق اليهودية، فإننا نأمر بإعدامه كما لو كان مهرطقاً، وتنزع ملكيته مثلما الحال في جريمة الهرطقة “([310]).

حملت المراكب اليهود من جميع مدن أراجون وقشتالة فكانت موانئ مالقة والمرية هي منفذ المهجرين القادمين من غرناطة، وموانئ قادس وجبل طارق منفذ المطرودين من أندلسيا، وقرطاجنة وبلنسية للقادمين من قشتالة([311])، واتَّجه أغلبهم إلى أقطارٍ إسلاميَّةٍ، وكان أغلبهم من طبقة العامة، وهو ما يُفسِّرُ تمسُّكَ الفقراء والمهمشين بالدِّين أكثر من الطبقات الأخرى التي فضَّلت التَّحوُّل إلى المسيحية والبقاء في إسبانيا([312]). رست المراكب بكثيرٍ من اليهود المنفيين على الأراضي الإسلامية([313]) في موانئ الشمال الإفريقي القريبة من إسبانيا، كما رحل البعضُ إلى هولندا وفرنسا والبرتغال، كما وصلوا المواني التابعة للإمبراطورية العثمانية مثل رودس وكريت وسالونيك([314]) وفي القسطنطينية استقبلهم السلطان بايزيد ([315]) .

استقبل حكام الشمال الأفريقي المطرودين بترحابٍ، وخلال فترة بسيطة استطاع كثير من اليهود أن يصل إلى مناصب مهمَّةٍ في المدن التي أقاموا فيها([316])، ويؤكِّد اثنان من المؤرخين اليهود([317]) المُهتمين بتاريخ بني جلدتهم في الشمال الإفريقي على ترحيب السلطان الوطاسي محمد الشيخ (1472-1505) بالمهاجرين اليهود، وإفساح المجال لهم في كل بلاد المغرب، وخصوصاً مدينة فاس التي كثر اليهود بها، وهناك إشارات من مصادر يهودية على المواقف الودية من جانب ملك فاس، على الرغم ما يقال كثيرا عن القسوة والأخطار التي صادفتهم في بلاد المغرب، بعكس ما حدث من الملوك الكاثوليك الذين احتلُّوا الشمال الإفريقي بعد ذلك حيثُ تعرَّض المهاجرون اليهود لظُروفٍ مأساوية عندما وقعت وهران وطرابلس وبجاية في قبضة الملوك الكاثوليك بين سنتي 1509-1510م وبعد ذلك في المدن الأخرى، وجد بعضُ اليهود فارقاً كبيراً بين ما كان عليه في إسبانيا وما أُتيح له في مهجره الجديد، فقرَّر أَنْ يُضحي باليهودية ويعود مرة أخري إلى إسبانيا مُتنصراً([318]).

استقبل اليهود المُستقرون في شمالي أفريقيا بعد أحداث 1391م إخوانهم، وتعانوا على تسهيل إقامتهم([319])، وقدَّمُوا لهم مُساعداتٍ لوجستيَّةٍ، حيثُ كان بعضُهم قد شغل مناصب في البلاط ؛ مثل أبرهام نائب الملك في المملكة الزيانية، الذي كانت له اليد الطُّولي داخل المملكة، فدعا الكثير منهم للقدوم إلى تلمسان وقدم لهم مساعدات جمَّة، ومثله حدث في مدن مغربية أخري؛ خاصَّة أنَّ العديد من اليهود تقلَّدُوا مناصب كبري داخل البلاط ؛ فعلى سبيل المثال في الدولة الحفصية كان هناك يهودي من حاشية الملك في بجاية، وعمل آخر في البلاط مبعوثاً دبلوماسياً، وقدَّم هؤلاء والمجتمع اليهودي في الشمال الإفريقي مساعدات لإخوانهم المنفيين([320])، لكنهم وضعوا عراقيل أمام المطرودين حتى لا يشغلوا مناصب دينية هامة داخل الطائفة، وتم تفريغ لقب كوهن من كل الامتيازات لمن كان يحمله منهم([321]).

بالغ اليهود في المأساة التي ألمَّت بهم حال خروجهم مطرودين من إسبانيا المسيحية، وخرجت المراثي تنعي الذين قضوا نحبهم في البحر والذين هاموا على وجوههم في البلاد عرايا تتخطَّفهم السِّباعُ، والذين ماتوا من الجوع، ومنها مرثية تقول بأن ” وصل إلى مملكة تلمسان12000 سقط منهم حوالي 3000 ميتاً، وسار آخرون في الأسواق والطُّرقات عرايا بدون ملابس … وسادت المجاعة بينهم في هذا العام ودارت الدوائر عليهم، ممَّا اضطر عددٌ كبيرٌ منهم ممَّنْ لم يتحمَّل هذا العناء إلى العودة إلى قشتالة وقبول التنصير ” وفي مكان آخر تقول ” ذهب الكثير من اليهود المنفين إلى الأقطار الإسلامية مثل فاس وتلمسان والأقاليم البربرية تحت حكم ملك تونس، ولم يسمح المسلمون لهم بالإقامة في مدنهم، ومات الكثير منهم في الحقول من الجوع والعطش ونقصٍ في كُلِّ شيءٍ”([322]).

ويمتطي بعض الكتاب خيالهم ليضخموا من معاناة المطرودين الواصلين للشمال الأفريقي مثل ماركس Marx([323])، الذي يزعم أنَّ اليهود الذين اتجهوا إلى تونس لم يُسمحْ لهم كثير من المسلمين بالدخول إلى مدنهم، وماتوا في الحقول من شدة الجوع والعطش والعوز، وتخاطفتهم الأُسود والدببة ؛ التي كانت موجودة بكثرة في هذه البلاد بينما كانوا يتضورون جوعاً خارج تلك المدن.

وتفنيد هذه المزاعم أمرٌ يسيرٌ، فما كان أسهل على مسلمي الشمال الإفريقي من منعهم من النزول إلى الموانئ، ناهيك عن التهويل في قطع الأسود والدببة للطرق في البلاد، وإن دحر مزاعمه بنفسه حين رصد ترحيب مسلمي الشمال الإفريقي بهم عندما قال في ثنايا مقاله:” أن عند قدومهم إلى تلمسان كان نائب الملك الزياني من اليهود ويدعى إبراهام؛ وهو الذي بيده الأمر والنهي في فترة قدومهم ؛ فأكرم نزلهم وأنفق مبلغاً كبيراً من المال لمساعدتهم “، وقوله كذلك” عندما وصلوا إلى أملاك الدولة العثمانية رحبوا بهم لأنَّهم حرفيين “([324]).

رحب المسلمون بالمطرودين، وأقرضوهم المال وسهَّلوا لهم الحصول على الأراضي، بعكس ما فعله معهم ملاحين جُنوه الذين سلبوهم، وسلَّموا بعضهم للقراصنة، والقليل منهم الذي وصل إلى مدينة جنوا ذاق الأمرين من سكانها، فقد انتزعوا الأطفال الرُّضَّع من على أثداء أمهاتهم، أمَّا الهجرة إلى مملكة البرتغال المجاورة فكان على الفرد أن يدفع قطعة ذهبية وأربع قطع على ما يحمله من متاع مقابل السماح لهم بالإقامة في المملكة لمدة ستة شهور فقط، ومَنْ بقي بعد المدة المقررة في المملكة يصبح عبداً([325]).

أصدر فرديناندو مرسوما من برشلونه يسمح بعودة اليهود الذين رحلوا بشرط تقديم الدليل على أنَّهم تنصروا، وظلَّت رحلات العودة مرة أخري إسبانيا حتى سنة 1499م شريطة التعميد خارج البلاد، أو على الحدود عند الدخول، وحينذاك يحقُّ لهم استرجاع أملاكهم بنفس السعر الذي باعوها به([326])، فقد كان من الصعب على اليهود الأسبان المتحضرين الاندماج في المجتمع المغربي الأقل تحضراً([327])، وظلَّ الحزن مُلازماً لليهود المنفيين في الشمال الإفريقي على الخروج من إسبانيا، وكانوا يُعبِّرون عن ذلك بعدم ارتداءهم معطف الصلاة (الثاليث) في صلاة يوم السبت([328]).

من الصعب رصد عدد المطرودين من مملكتي أراجون وقشتالة سنة 1492م في ظلِّ عدم وجود إحصاءٍ رسميٍّ حتى للسكان الأصليين في المملكتين فما بالك بعدد اليهود، لكنَّ المؤرخون اجتهدوا في رصد تقديرات متفاوتة غلب تضخيمها من جانب الكتاب اليهود للمغالاة في حجم المأساة كما هي عادتهم، لكن محاولة التقدير الجديرة بالعرض هي ما قدمه Philippe Wolff عن يهود قشتالة ويقدرهم خلال القرن 14م بحوإلى 175000نسمة أي بنسبة 3-5% من عدد سكان المملكة، أمَّا في أراجون فيقدرون بحوالي 60000 نسمة بنسبة 6-7% من عدد السُّكان([329])، وإذا سلَّمنا جدلاً بهذه الأعداد، فإنَّ الذين خرجوا بقرار الطرد يقلُّ كثيراً عن هذه الأعداد ؛ لأنَّ الكثير منهم ارتضوا التحويل حتى لا يخرجوا من إسبانيا.

ويُحاولُ أحدُ المؤرخين اليهود ([330]) تقدير عدد المتحولين واليهود معاً في مدينة إشبيلية سنة 1473م أي قبل الطَّردِ بعشرين عاماً من خلال فرضيات اعتمد فيها على وثيقة قَدَّرت أعداد المُتحوِّلين واليهود معاً بـ40-45ألف نسمة في المدينة، بينما قدرت عدد السكان الكلي في ذلك الوقت بـمائة ألف نسمة، ومع ذلك لم يستطع فصل أعداد اليهود عن المتحولين منهم، ولو افترضنا جدلاً أنَّ اليهود كانوا نصف عدد المتحولين في المدينة، ممَّا يعني 20 ألف نسمة سنة 1473م، وحتماً تناقص هذا الرقم كثيراً عند صدور قرار الطرد بسبب المتحولين .

ويستعرض Marx([331]) عدد المطرودين من مملكتي أراجون وقشتالة مُستنكراً التفاوت الكبير بين هذه التقديرات التي قد تصل إلى الملايين([332])، لكنَّه حاول تقديم عددٍ معقولٍ ؛ اعتماداً على شهادة أحد المهاجرين اليهود إلى البرتغال سنة 1491م الذي قدَّر عدد الأسر اليهودية التي تركها في مملكتي أراجون وقشتالة بحوالي 40 ألف أسرة في متوسط أربعة أفراد أو خمسة للأسرة يكون عدد المطرودين فيما بين 160ألف إلى200 ألف فرد تقريباً، ويمكن الاستناد إلى هذا التقدير في تصور أعداد اليهود في المملكتين قبل قرار الطرد، أمَّا الذين خرجوا من إسبانيا بعد قرار الطرد فأقل من ذلك بكثير .

تباري الكتاب اليهود في التدليل على كثرة المطرودين باقتراح أعداد دون الارتكان إلى حجة أو الإتيان بدليل، ولكنها استنتاجات بعيدة عن الواقع ، وتغافلوا عن أعداد المتحولين الذين تحولوا على إثر قرار الطرد، رغم أنَّ أعدادهم فاقت أعداد المطرودين بكثير، باعتبار التحويل وصمة عار لذلك ينبغي تجاهله، لكن القادة الروحين لليهود التمسوا الأعذار لهم، وكتبوا لهم عن كيفية التحايل على هذه المشكلة عندما وصلتهم من هؤلاء المتحولين رسائل تشكوا لهم التحويل بالقوة مثل الرسالة التي أرسلها رئيس اليهود في القسطنطينية إلى يهود إسبانيا سنة 1492م ؛ إذ جاء في هذه الرسالة :

جاء في الرسالة ” حيثُ إنَّكم تقولون أنَّ ملك إسبانيا سوف يُنصِّرُكم، فعليكم فعل هذا لأنَّه لا بديل أمامكم، وحيث إنَّكم تقولون أنَّهم يجردونكم من ممتلكاتكم، اجعلوا أبناءكم تجاراً بحيثُ يمكنكم رُويداً رُويداً أن تأخذوا ممتلكاتهم، وبما أنَّكم تقولون أنَّهم يسلبون حياتكم، اجعلوا أبناءكم أطباء وصيادلة حتى يُمكنكم إنهاء حياتهم، وحيثُ تقولون أنَّهم يُدمرون معابدكم، اجعلوا أبناءكم قساوسة ولاهوتيين حتى يمكنكم تدمير كنائسهم، وبقدر ما يخص متاعبكم الأخرى، اجعلوا أبناءكم إداريين ومحامين ومستشارين، ودعوهم يشاركون في شئون الدولة بحيث يمكنكم الفوز بالأرض”([333]).

تنمُّ هذه الوصايا عن حقدٍ دفينٍ للمسيحية في إسبانيا وتحاول أن تبرر للمتحولين التنصير صُوريا مع الحفاظ على يهوديتهم سرّاً، والعمل الجدي على تملك ناصية المجتمع اقتصادياً وعلميّاً وإداريّاً حينذاك يمكنهم أنْ يُجهِّروا باليهودية ويُقوِّضوا المسيحية. حاول هويتكروفت التشكيك في صحة الرسالة لما فيها من أساليب مُنافية للقيم جاءت من رجلِ دينٍ، محاولة منه للدفاع عن بني جلدته، لكن الأحداث التاريخية وما فعله اليهود يؤكد على صحة الرسالة ؛ فقد أصبحوا تجاراً وأطباء وقساوسة وامتلكوا الثروات والأراضي، كما جاء في نهاية الرسالة الحض على الفوز بالأرض وهي هاجسهم دائما منذ النبي موسى عليه السلام.

يُنكرُ نُوبل([334]) الآثار الاقتصادية الناجمة عن الطَّردِ؛ لأنَّ مُعظم المطرودين كانوا من الحرفيين أو الباعة، أمَّا الطبقة البرجوازية فقد اختارت التعميد، وكذلك نورمان روث([335]) يقول ” لم يُفلسْ الاقتصاد الأسباني ولا حتَّى تأثَّر قليلاً بطردِ اليهودِ ” ؛ فقد أعدَّ المَلِكَان خُطَّةً عاجلةً لاستبدالِ جُبَاةِ الضَّرائب اليهود بمسيحيين تدريجيّاً، وكذلك معالجة الهِزَّاتِ الاقتصاديَّةِ والمالية التي قد تعصف بالتاج نتيجة طرد اليهود من أعمالهم في هذا المجال، والتي ظلت في أيدهم فترة طويلة([336]).

فوض الملك فريناند في أراجون محاكم التفتيش الاستيلاء على ممتلكات اليهودية الفردية والجماعية وفاءا للعائدات الملكية، وباءت جهود اليهود في تحويل بضائعهم في صورة نقد أو ترك ودائعهم مع أصدقائهم المسيحيين لبيعها وإرسال النقد لهم في الأماكن الجديدة التي يستقرون فيها بالفشل لأنَّ البلاط أبطل التحويل وصادر الودائع([337]).

اختار اليهود بعد قرار الطرد بين أمرين أحلاهما مُرّاً ؛ إمَّا التنصير والانخراط في المجتمع المسيحي الذي ينظر إليهم كانتهازيين تركوا دينهم لقاء الحياة الدنيا، وبالتالي يعاملونهم كمواطنين من الدرجة الثانية مشكوك في مسيحيتهم، وإمَّا الهجرة إلى المجهول وتحمل عذابات السفر وكآبة اللقاء ومذلة الاغتراب . جني اليهود مرارة عملهم أكثر من 12 قرنا من الزمان فلا ذابوا في المجتمع الأسباني، ولا اختاروا لأنفسهم طريقاً واضحاً في التعامل مع الآخرين، فقد تقلبت وجوههم ومشوا دائماً في ركاب المنتصرين من أصحاب السلطة، فأصابهم بغض العامة من الشعب لعسفهم في جمع الضرائب رغبة في إرضاء البلاط والطبقة الارستقراطية أصحاب الأرض والنفوذ والمنافع، وطالما التحفوا بحماية الملوك والكنيسة ما قدروا، وصدقت مقولة كاسترو التي شبه فيها اليهودي بالإخطبوط الذي أحاط بأذرعه الشعب، واعتصر الملك والنبلاء .

أقال المسلمون في شمالى أفريقيا عثرة اليهود للمرة الثالثة على مرِّ التاريخ بقبولهم في أراضيهم بعد طردهم من إسبانيا 1492م ؛ فقد كانت المرة الأولي قبيل الفتح الإسلامي لإسبانيا، عندما عبروا هاربين من عسف القوط، وكانت الثانية عندما أعادوا لهم اعتبارهم في شبه الجزيرة الإيبيرية، وجاءت الثالثة من قبل الدولة العثمانية التي كانت تمثل الخلافة الإسلامية حال خروجهم من إسبانيا ؛ إذ حذت حذو مسلمو الشمال الأفريقي ورحَّبت بهم على أراضيها.

وفي النهاية فشلت كل محاولات عزل اليهود عن المجتمع المسيحي داخل مملكتي قشتالة وأراجون قبل قرار الطرد سنة 1492م، وقد تذرع الملكان فرديناندو وإزابيلا بأن قرار الطرد كان خشية اختلاط اليهود بالمسيحيين، لكن السبب الحقيقي هو سيطرتهم على النشاط المالي، وممارستهم المُستفزة للقروض الرُّبُويَّةِ، وقربهم من البلاط، الأمر الذي زاد من حالة الغضب الشعبي؛ التي استغلَّها الرُّهبانُ المُتعصِّبين في حشد العامة لإشعال ثورة ضد اليهود سنة 1391م، نجم عنها تحول الكثير من اليهود إلى المسيحية خاصة الطبقة العليا والمتوسطة ؛ حتى لا يفقدوا مواقعهم داخل المجتمع ؛ فلم يكن دخولهم المسيحية عن قناعة وإنما لتحقيق أهدافهم.

واللافت للنظر هو تحول عدد من القادة الدينيين اليهود، الذين احتلوا في دينهم الجديد درجات الأسقفية والرهبنة، وكانوا أشد وطأة على بني جلدتهم من المسيحيين أنفسهم، فقد حرضوا ضدهم الحكام، وانتقموا منهم شر انتقام؛ لذلك لعبتْ الدِّعايةُ اليهوديَّةُ دوراً كبيراً في تضخيمِ المأسَاةِ التي تَعَرَّضَ لها اليهود على مرِّ العُصُورِ، ونسجَ المُؤرِّخُون اليهود أساطيرَ عَنْ مُعَاناتِهِم لا تَمُتُّ إلى الحقيقيةِ بصلَةٍ، فقد كانت آخرَ الدُّولِ التي طرَدَتْهُمْ من بلادِهَا في أُخرياتِ العُصُورِ الوُسطي؛ لأنَّ اليهود – كعادَتِهِمْ- راهنُوا على الاحْتِمَاءِ بِالسُّلْطَةِ كَمَا هُمْ دائماً؛ فتوغَّلُوا في بَلاطِ الحُكَّامِ، وحَاكُوا المُؤامَراتِ وتَلَوَّنُوا وتَبتَّلُوا عندما كان ذلك مُمْكِناً، حتَّى أَنَّهم اِرْتَدُوا مُسُوحَ الرُّهبانِ، واِعْتَلُوا مَنَصَّاتِ الوَعْظِ؛ لإقناعِ بني جِلْدَتِهِمْ اليهود بالتَّحَوُّلِ إلى المسيحيَّةِ، مِمَّا سَاعَدَ على زيادةِ أعدادِ المُتحوِّلين منهم.

خرجت الكثير من القوانين والتشريعات بعد ثورة 1391م بشأن اليهود، كما تم تفعيل القوانين القديمة التي تحد من حركة اليهود داخل المجتمع ؛ بيد أنَّها سرعان ما كانت تنكسر على صخرة الرشوة والمال، وعندما صدر قانون محاكم التفتيش انصب على المتحولين وليس اليهود إلا في حالات نادرة، كما تم الاستعانة بهم كشهود أو وشاة، وكان الغرض من هذه المحاكم هو بت الصلة بين المتحولين والدين اليهودي، ورغم أن العقوبات كانت رادعة، وهي حرق المهرطق حيّاً، إلا أنَّ الكثير من المتحولين عادوا مرة أخري إلى اليهودية عندما تركوا إسبانيا .

مجمل القول أن اليهود خرجوا من إسبانيا مطرودين عقب خروج المسلمين رغم ما قدموه للملكين من مساعدات في استرداد مملكة غرناطة الإسلامية، عندما استجاب البلاط للضغط الشعبي والكنيسة في إصدار قرار الطرد. حاولت الدعاية اليهودية المبالغة في أعداد المطرودين، وغض الطرف عن الذين تحولوا وفضلوا البقاء في إسبانيا باعتبارهم وصمة عار في تاريخ اليهودية، واستقبلت موانيء المسلمين مراكب المطرودين وقدَّمت لهم العون وصرحت لهم بالإقامة على عكس بعض الدول الأوربية المسيحية التي باعتهم للقراصنة.

 

ملاحق البحث

ملحق رقم (1)

القانون ذو الأجزاء السبعة

هو أحدُ أكثر القوانين تميُّزاً خلال العصور الوسطى . وهو مكتوبٌ بالقشتالية، وتمَّ جمعه حوالي سنة 1256م، تحت إشراف ألفونسو العاشر، الحكيم القشتالي 1252/1284، وكانت مواد هذا القانون بغير تفعيل حتى 1348م، وآنذاك فقط انتشرت هذه المواد القانونية من قشتالة مع بعض التحفظات إلى كُلِّ إسبانيا، ثُمَّ إلى المستعمرات الإسبانية في الفلبين، بورتريكو، فلوريدا، ولويزيانا . مصادر هذا القانونين كانت قوطية غربية ورمانية مُتأخرة، ومن قانون الكنيسة، وجميعهم كان مُعادٍ لليهود . وهذا العداء لم يمنعْ المملكة القشتالية من حماية الدِّين اليهودي والأشخاص وممتلكاتهم . كان اليهود والمسلمين والأقليات القومية ذوى أعداد كبيرة وأهميته تمنع إساءة معاملتهم من جانب الحكومة القشتالية .

المادَّةُ 24 الخاصَّةُ باليهودِ.

اليهودُ شعبٌ لا يُؤمنُ بديانة سيدنا المسيح، ولكنهم رغم ذلك تسمح لهم السلطات المسيحية دائماً بالعيش بيننا .

القانون الأول : ماذا تعنى كلمة يهودى، ومن أين اشتقت :

يُطلقُ اسم اليهود على الجماعة التي تعتقد في قانون موسى وتُطبّقه وتتبنَّاه، ووفقاً لدلالة هذا المصطلح وكذلك مَنْ يتَّبعه، ويخضع لسائر جوانب وأوامر تلك العقيدة . هذا الاسمُ مُشتقٌّ من قبيلة Judah التي كانت أكثر ثراءً وعراقة وقوة من الآخرين، وكانت تملك أيضاً امتيازاً آخر، وهو أنَّ ملك اليهود لابُدَّ أنْ يتمَّ اختياره من أبنائها، كما كان رجالها يتقدمون الصفوف في المعارك الحربية . ويرجع السبب في سماح الكنيسة والأباطرة والملوك والأمراء لليهود بالحياة بينهم ومع المسيحيين إلى أنَّهم كانوا دائماً يعيشون في الأسر؛ نظراً لأنهم ينحدرون من ذلك الشخص (يهوذا) الذي قام بصلب سيدنا يسوع المسيح، وسيطرة هذه الفكرة على عقول الناس .

 

 

القانون الثاني : بخصوص ما ينبغي على اليهود في مُمارسة حياتهم بين المسيحيين، وأي الأشياء يجب أن يُمارسوها وفق عقيدتنا، وأية عقوبة توقع على مَنْ يُخالف ذلك:

يجبُ أن نتركهم يعيشون بينا في هدوء ونظام، يُمارسون طقوس دينهم، ولا يسيئون الحديث عن الإيمان بسيدنا المسيح، وهو ما يؤمن به المسيحيون . وفوق ذلك على اليهودي أن يكون حريصاً للغاية على عدم تحويل أي شخصٍ مسيحي عن عقيدته بحيث يتحول إلى اليهودية، وذلك من خلال تزيين الدين اليهودي وتسفيه المسيحية أمامه . وكُلُّ مَنْ يخرقُ هذا القانون سوف ينال عقوبة الإعدام والحرمان من ممتلكاته، وحيث نسمع عن بعض اليهود في بعض المناطق مازالوا يحتفلون بيوم الجمعة، والذي يُجسِّدُ مُعاناة سيدنا يسوع المسيح، ويسرقون الأطفال ويصلبونهم، ويأخذون صورهم على الشمع ويصلبونهم حين لا يستطيعون الحصول على أطفال، فإننا نأمر بأنه في حالة حدوث شيء من هذا في أي مكانٍ تابع لنا، وإثبات ذلك، يكون كُلُّ الحاضرين أثناء ارتكاب هذا العمل عُرضةً للاعتقال والمُثول أمام الملك، وحين يتأكَّد الملك من إدانتهم يأمرُ بإعدامهم بطريقة مهنية، مهما كان عددهم ( يؤمن المسيحيون من قبل بأن اليهود خطفوا وقتلوا أطفالاً مسيحيين لأغرض دينية ).

ونحن أيضاً نُحذِّرُ أيَّ يهوديٍّ يجرؤ على مُغادرة منزله أو الحي الذي يعيشون فيه للاحتفال بيوم الجمعة، حيث يجبُ أن يلزم كل منهم منزلة حتى صباح السبت، وإذا لم يفعل ذلك فإنَّنا لا نحميه من أي ردود أفعال عدائية تصيبه من جانب المسيحيين (كان المسيحيون يرتكبون أعمال العنف في يوم الجمعة في الذكرى السنوية لصلب المسيح ) .

القانون الثالث :لا يجوز لأي يهودي امتلاك مكانة أو وظيفة تسمح له بظلم المسيحيين :

كان اليهود فيما مضى يتمتعون بمكانة وامتيازات تفوق ما للآخرين، حيث كانوا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار. ولكن بعد فقدهم ذلك الذي منحهم هذه المكانة وتلك الامتيازات، وبدلاً من إكرامه وتوقيره قاموا بقتلة على الصليب، فإنَّه من الطَّبعي أن تؤدى جريمتهم إلى تجردهم من الشرف والامتيازات التي كانت لهم، ولذلك فمنذ اليوم الذي صلبوا فيه السيد المسيح لم يعد لهم ملوك ولا كهنه، وصار الأباطرة الذين كانوا من قبل سادة العالم كله يعتبرون أن جنايتهم للمسيح وقتلة تستوجب سحب كل مظاهر الشرف والامتيازات منهم، وبحيث لا يجوز لأي يهودي أن يحتل موقعاً مرموقاً أو وظيفة عامة يستطيع من خلالها إيقاع الظلم بساحة أي شخص مسيحي . (رغم ذلك كان ألفونسو قد تعامل مع الأطباء ورجال المال اليهود فيما يخصه شخصياً ).

القانون الرابع : كيف يكون لليهود مكان عبادة بين المسيحيين:

المعبد اليهودي (synagogue) مكانٌ يُمارسُ فيه اليهود صلاتهم، ولا يمكن إقامة مثل هذا المكان في أي جُزءٍ من بلادنا، إلا بأمرنا، أمَّا بالنسبة لما كان موجوداً من قبل في المدن وأزيل ؛ فيمكن بناؤه في نفس المكان، ولكن دون أي توسعات أفقية أو رأسية أو زخرفة إضافية . ولو أُقيمَ المبنى على خلاف هذه الشُّرُوطِ فسوف يفقده اليهود وينضم إلى الكنيسة المحلية في دائرته . وحيث ذلك المبنى يمثل مكاناً يتردد فيه اسم الرَّبِّ بالشُّكرِ والمديح، فإنَّنا نُحذِّرُ أيَّ مسيحيٍّ من تشويه أو إزالة أي شيء منه، أو سلب أي شيء بالقوة من داخله، إلا لو لجأ إليه واختبأ فيه بعض المجرمين أو الأشرار، حيث يكون من حقِّ أي شخص اقتحام المكان، واعتقال المجرم بالقوة وتقديمه للمحاكمة . كما نأمر المسيحيين بعدم وضع أي دواب أمام المعبد، أو وضع أي عوائق في طريق اليهود وأثناء ذهابهم هناك وفق طقوس دينهم (ولكن المسلمين كانوا محرومين من حقِّ بناء المساجد . فاليهودُ لم يكونوا في قاع التصنيف الاجتماعي آنذاك ).

القانون الخامس :احترام يوم السبت:

يوم السبت هو اليوم الذي يُؤدِّى اليهود فرائضهم ويمكثون خلاله عازفين عن أي نشاط تعاقدي أو تجارى، ولهذا الذي يفرضه عليهم دينهم فإنَّ أحداً منهم لا ينبغي استدعاؤه أو إجباره على المثول أمام محكمة . ونحن نأمر بألَّا يقوم أيُ قاضٍ باستخدام القوة أو السلطة ضد اليهود يوم السبت، وذلك لإجبارهم على المثول أمام المحكمة بسبب ديونهم، أو يقوم بإزعاجهم على أي نحو آخر، فالأيام الأخرى من الأسبوع كفيلة بتنفيذ أي مطالبات أو تكليفات بخصوصهم، وتنفيذ المطالبات الواجبة عليهم وفق القانون . ولا ينبغي على اليهود طاعة الأوامر أو الاستدعاءات التي تُوجَّهُ لهم في ذلك اليوم، ولكن إذا أرتكب أحدهم جريمة التسبب في جرح أحد أو قتله أو سرقته أو أي جريمة أخرى من هذا النوع تستوجب عقوبة السجن أو التجريد من الممتلكات، فإن السلطة القضائية يجب اعتقاله يوم السبت .

كما نُقرِّرُ أيضاً بأن كل الادعاءات من المسيحيين ضدَّ اليهود ومن اليهود ضد المسيحيين ؛ يقوم بالفصل فيها قضاة مسيحيون في محل وقوع الدعوى، ولا يتمُّ إسنادها إلى شيوخهم (كانت المحاكم اليهودية لا توجد بها تشريعات تقضي بالفصل في الدعاوي التي يكون أحد أطرافها مسيحياً )، وكما أمرنا المسيحيين بعدم مثول اليهود أمام المحكمة يوم السبت، فإنَّنا نُقرر أيضاً أنَّه لا يحقُّ لأحدٍ أن يُجبر المسيحيين على المثول أمام المحكمة في ذلك اليوم، أو يُطالبهم بأي شيء من هذا القبيل، كما تمنع أي مسيحىيعلى مسئوليته الشخصية من القبض على أي يهودي، أو الإساءة له في شخصه أو ممتلكاته، ولكن عليه في حالة وجود أي شكوى أن يتقدَّم بها للقضاة، وإذا تجرأ أي مسيحي على مُمارسة العنف ضد اليهود أو سرقتهم، فإن عليه القصاص بضعف ما أرتكب .

القانون السادس :بخصوص التَّنصير:

ليس ثَمَّة قوة أو إجبار سوف تمارس ضد أي يهودي لإقناعه بالتحول للمسيحية، ولكن المسيحيون يجب عليهم تحويله إلى ديانة يسوع المسيح عن طريق آيات الكتاب المقدس، وبكلمات طيبة فليس هناك حب أو خدمة يمكن الحصول عليها بالعنف والإجبار . ونحن نُقرِّرُ أيضاً أنه في حالة رغبة أي يهودي أو يهودية في التحول إلى المسيحية، فإن أحداً من اليهود الآخرين لا يمكن أن يعارض ذلك، ولو قاموا برجمه أو قتله لأنه يرغب في التحول إلى المسيحية أو بعد تعميده، وتم إثبات ذلك، فإننا نأمر بحرق كل من شارك في الجريمة وكل المسئولية عنها من رجال الدين اليهودي (صدر هذا القانون لأول مرة في عهد قسطنطين الأكبر سنة 315 ) وإذا لم يصل الأمر للقتل ولكن للجراح والإصابات والإهانة ؛ فإننا نأمر السلطة القضائية المحلية بالقبض على المذنبين وعقابهم بنفس ما اقترفوه، فضلاً عن العقوبة المقررة للجريمة، ونأمر أيضاً بأنه بعد أن يتحوَّل أي يهودي إلى مسيحي يكون لهم كل الاحترام والتوقير حيثما يكون، وأن أحداً لا يجرؤ على أهانتهم أو أهانه نسبهم بما كانوا عليه من قبل، وتكون لهم كل حقوق الملكية، وكل حقوق الوراثة من الآباء والأمهات والأقارب، كما لو كانوا يهوداً، وتكون لهم كل وظائفهم وأعمالهم وكرامتهم مثلهم مثل المسيحيين سواء بسواء .

القانون السابع :عقوبة المسيحي المتحول لليهودية :

إذا قاد سوء الطالع أحد المسيحيين للتحول لليهودية، فإننا نأمر بإعدامه كما لو كان مهرطقاً كما تنزع ملكيته مثلما الحال جريمة الهرطقة .

القانون الثامن :لا يعيش المسيحي رجلاً أو امرأة مع يهودي:

نُحذِّرُ أي شخص يهودي من الاحتفاظ برجال أو نساء مسيحيين في منزله بدعوى خدمته، رغم أنه قد يتخذهم عمالاً للعناية بأرضة، أو لحمايته عند ذهابه إلى منطقة خطرة . كما يمنع أي رجل مسيحي أو امرأة مسيحية من دعوة يهودي أو يهودية، أو قبول دعوتهما للطعام أو الشراب معاً، أو شرب نوع من النبيذ المصنوعة على أيديهما (القانون اليهودي يمنع أيضاً استخدام النبيذ المصنوع بأيدي مسيحية )، ونأمر كذلك ألا يتجرأ أي يهودي على الاستحمام بصحبة المسيحيين، وألَّا يتعاطى المسيحي أي دواء أو علاج مصنوع بأيدي اليهود، ولكن بوسعه تعاطيه بمشورة شخص ذكى، وفقط حين يكون الدواء من صنع شخص مسيحي يعرف جيداً مكوناته (ألفونسو من المحتمل أنه استعان بطبيب يهودي في نفس وقت إصدارة هذا القانون).

القانون التاسع :عقوبة اليهودي الذي يُمارسُ الجنسَ مع امرأةٍ مسيحية:

اليهود الذين يعيشون مع نساء مسيحيات مُذنبون بأقصى درجات الوقاحة وسوء الخلق، ولهذا السبب نقرر أنَّه من الآن فصاعداً إذا تمَّ ضبط يهود يرتكبون هذا السلوك فإنَّ عقوبتهم الإعدام . فلو كان المسيحيون الذين يرتكبون الزنا مع نساء متزوجات يستحقون الإعدام فإن الجريمة أكبر بالنسبة لليهود الذين يُمارسون الجنس مع نِسوة مسيحيات هن زوجات روحيات لسيدنا يسوع المسيح بسبب العقيدة والتعميد باسمه، كما أنَّ السيدة المسيحية التي تشارك في هذا الآثم لن تنجو هي الأخرى من العقاب، ونأمر بأنها لو كانت عذراء أو متزوجة أو أرملة أو داعرة تمنح جسدها للجميع سوف تعاقب بنفس العقوبة المذكورة في القانون السابق الذي يخص المسلمينحال اتصالهم الجنسي بامرأة مسيحية .

القانون العاشر : عقوبة اليهود الذين يقتنون عبداً مسيحياً :

لا يجوز لليهودي شراء أو اقتناء رجل مسيحي، أو امرأة مسيحية كعبيد، وإذا خرق أحدهم هذا القانون ؛ فإن الشخص المسيحي يسترد حريته على الفور، ولا يرد أي جزء من الثمن الذي حصل عليه، حتى لو لم كان اليهودي على دراية عند الشراء بأن ذلك الشخص مسيحي، وأن كان يعلم أنه مسيحي ورغم ذلك اشتراه واستخدمه ؛ فإن العقوبة آنذاك تكون الإعدام . ونحذر أي يهودي من تحويل الأسير إلى ديانته، حتى لو كان الأسير ينتمي إلى المسلمين أو ينتمي إلى برابرة آخرين . وإذا خالف أي شخص يهودي ذلك القانون فإنَّنا نأمر باستعادة الأسير حريته وخلاصة من الجماعة التي كان بينها . وإذا تحوَّل أي شخص مسلم من أسرى اليهود إلى المسيحية ؛ فأنة يعتبر حر على الفور، (ولكن المسيحيين بما في ذلك الكنيسة كان مسموحاً لهم باقتناء عبد مسيحي).

القانون الحادي عشر :علامات اليهود حتى يمكن تميزهم بها :

كثيراً من الجرائم وأعمال العنف تنشب بين المسيحيين واليهود نظراً لمعيشتهم في مكان واحد داخل المدن، وتشابههم فى الملابس والمظهر العام، وحتى يمكن تفادى الشرور والأضرار الناتجة عن ذلك الوضع فأننا نأمر بأن يكون كل اليهود رجالاً ونساء، الذين يعيشون في بلادنا مجبرين على وضع علامة فوق رؤوسهم حتى يتعرف الناس على اليهودي أو اليهودية، وسوف يتعين على أي يهودي لا يحمل هذه العلاقة دفع عشرة مارافيديس من الذهب عن كل مرة يضبط فيها بدونها، وأن لم يكن يملك دفع هذه الغرامة يعاقب بعشر جلدات (هذه محاولة لتفعيل قانون البادج اليهودي للبابا انسونت الثالث سنة 1215).

Jacob Marcus, the Jew in the Medieval World, New York 1938, pp.34-42

ملحق رقم (2)

قرار طرد اليهود من إسبانيا 1492م

(1) لورد فرديناند وليدى إيزابيلا ملك وملكة قشتالة وليون وأراجون وصقلية وغرناطة وطليطلة وفالنسيا وجإلىسيا وجزر البليار وسيرفيلا وسارونييا وقرطبة وكورسيكا ومورسية وجيان وآلجارفى وألجيكراس وجبرلاكار وجزر الكنارى وكونت وكونتيسة برشلونة ولوردات بيسكاى ومولينا ودوقات أثينا ونيوباتريا وكونتات روسيليون وماركيزات أورسيتان وجوسيانو إلى أمير اللورد خوان أبينا العزيز والمحبوب للغاية، وإلى الطفل الملكى الآخر، وإلى الدوقات والكونتات، وسادة النظم العسكرية، والقساوسة والأوصياء وقادة الفرسان، وحكام القلاع والمناطق الحصينة فى ممالكنا وإقطاعياتنا، وإلى المجالس والإدارات والعمد والكونستابلات، وإلى القضاة الإقليميين والفرسان، وكل الرجال الشرفاء في مدينة بورج النبيلة المخلصة والمدن الأخرى والقرى التابعة لأسقفيتها ورئاسات الأسقفيات الأخرى، وإلى رجال الأسقفيات في ممالكنا وإماراتنا (إقطاعياتنا )، وإلى الأحياء السكنية لليهود في مدينة بورج وكل المدن سالفة الذكر والقرى التابعة لأسقفيتها، وإلى كل اليهود جماعات وأفراد في هذه المناطق، وإلى البارونات والنساء من أي عمر، وإلى كل الأشخاص الآخرين أيا كانت قوانينهم أو حالتهم أو وضعهم أو مكانتهم، وإلى من بهمه الأمر في هذه الوثيقة … تحية وفضل …

(2) ينبغي أن تعلموا جيد أنه أينما تم إبلاغنا بأن هذه الممالك الخاصة بنا تواجه بعض المسيحيين الأشرار الذين يمارسون التهويد بين أصحاب العقيدة الكاثوليكية المقدسة، والسبب الرئيسي في ذلك هو التفاعل بين اليهود وهؤلاء المسيحيين وفى التشريعات التي أصدرنها في مدينة طليطلة سنة 1480م ؛ أمرنا بفصل هؤلاء اليهود وعزلهم في جميع المدن والقرى في ممالكنا وأراضينا، وإعطائهم أحياء سكنية وأماكن خاصة يعيشون فيها بمعزل عن الآخرين، وذلك على أمل أن تكون حياتهم على هذا النحو أفضل ولتهدئة الموقف . وفوق ذلك أمرنا بأن يتم ذلك في ممالكنا ومناطقنا التي بدأت كما تعلمون منذ 12 عاما ومازالت، والتي اكتشفت الكثير من المذنبين وأعقب ذلك إبلاغنا من المصادر الرسمية والشخصية، الكنيسة والعلمانية أن تلك الأوضاع أدَّت إلى قدر كبير من الأذى، ومازالت، فقد واصل المسيحيون الاحتكاك باليهود والتعامل معهم، وعلى كل المستويات،بينما كان اليهود فيما يبدو مازالوا يبحثون بشتى السبل سرقة المسيحيين المخلصين من العقيدة الكاثوليكية وفصلهم عنها وجذبهم إلى الدين اليهودي وعقيدتهم الشريرة، وذلك من خلال ضمهم إلى التعاليم والطقوس الخاصة بشريعتهم واللقاءات التي تتم خلال تلاوة تدريس عقيدتهم وطقوسهم، ويحاصرون المسيحيون وأطفالهم بهذه الطريقة، ويقدمون لهم كتباً يقرؤون فيها الصلوات والطقوس والتعاليم، ويعلمونهم تاريخهم وشريعتهم، كما يدربونهم على ما ينبغي أن يفعلوه في أعيادهم قبل موعد كل عيد، ويقدمون لهم الخبز من بيوتهم واللحوم المذبوحة على طريقتهم، ويدربونهم على الحلال والحرام في الأطعمة وفى كل شيء وفق شريعتهم، ويقنعونهم بالالتزام بشريعة موسى، ويقولون لهم أنَّها الحقُّ الأوحدُ بين كُلِّ الشرائع والأديان الأخرى، وقد تمَّ إثبات ذلك من خلال الكثير من الأقوال والاعترافات من اليهود ومن آخرين تورطوا معهم، وتعرضوا لكثير من الأذى بعد تحولهم من العقيدة الكاثوليكية .

(3) علمنا بجانب كبير من هذه الممارسات من قبل، وعرفنا أن الدواء الوحيد لمثل هذه التجاوزات ؛ هو منع التعامل بين اليهود والمسيحيين ونفيهم من ممالكنا، وكنا نكتفي من قبل أرضاء لأنفسنا بتوجيه الأوامر لهم بمغادرة كل المدن والقرى فى الأندلس حيث الجانب الأكبر من هذه الممارسات معتقدين أن ذلك سوف يكون كافيا لردع الآخرين في المدن والممالك الأخرى عن ارتكاب المزيد من هذه الأفعال المشينة، وحيث أنه تم إبلاغنا بأن هذه الخطوة الجزئية بالإضافة إلى فرض عقوبات إدانة ضد اليهود المتورطين في جرائم ضد الكاثوليكية، ليست كافية كعلاج كامل يصحح الأوضاع وينقذ العقيدة والدين المسيحي من هذه الجرائم، ففي كل يوم نجد أن اليهود يتزايد عددهم ويستمرون في شرورهم في أي مكان يعيشون فيه، وهكذا لن يكون هناك أي مكان لا يفعلون فيه جرائهم ضد المسيحية، ويقومون بتخريب وإفساد هؤلاء الذين حفظهم الله وأحبهم من عباده حتى الآن، وكذلك الذين سقطوا ثم عادوا إلى الكنيسة الأم . وبسبب الضعف البشرى ووسوسة الشياطين والأغراء المالي كانت الحرب ضدنا سهلة الحدوث ما لم نتمكن من إزالة دافعها الرئيسي، وعزل ونفى اليهود من ممالكنا . فحيثما تكون جريمة ارتكابها أشخاص من أي منظمة أو جماعة، من المنطقي أن يتم حل المنظمة أو الجماعة، ومعاقبة أعضائها المتورطين وغير المتورطين، وأن يتم عقاب من يفسدون الحياة الطيبة والشريفة في المدن والقرى بإبعادهم وطردهم من أماكن تواجدهم بها حتى لا تصيب عدواهم الآخرين، حتى لو كانت جرائمهم أقل ؛ لكنها قد تؤذى الجمهور في عموم البلاد فإن حالات العدوى في مثل هذه الجرائم شديدة الخطورة .

(4) لذلك فإننا بعد استشارة كبار رجال الدين والنبلاء في مملكتنا وكذلك المشهود لهم بالثقافة والحكمة في المجلس، قد قررنا توجيه أوامرنا لليهود من الرجال والنساء في مملكتنا بمغادرة البلاد وعدم العودة مرة أخرى إلى منطقة تابعة لنا، وفى هذا السياق نفسه قررنا إصدار هذا المرسوم ؛ لنقرر أننا قد أمرنا كل اليهود من الذكور والإناث، وفى أي سن، والذين يعيشون أو يقيمون أو يوجدون فى الممالك والأراضي المذكورة ممن يحملون المواطنة أو لا يحملونها ويعيشون هناك لأي سبب من الأسباب ؛ أن يكونوا بنهاية شهر يوليو القادم من العام الحالي قد غادروا ممالكنا وأراضينا بإكمالها، ومعهم أبناؤهم وبناتهم وخدمهم وخدماتهم ومعارفهم اليهود كبارهم وعوامهم من كل الأعمار، ولا يكون لهم حق العودة مرة أخرى، ولا حق الإقامة، ولا حق الحياة في أي جزء منها حتى لو كان بصفة مؤقتة، أو بأي طريقة أخرى، وفى حالة عدم الاستجابة الكاملة لهذه الأوامر، وحال عثورنا على أحد منهم في الممالك والأراضي التابعة لنا ؛ فأنهم سوف يتعرضون لعقوبة الإعدام والحرمان من كل ما يملكون، عن طريق الإدارة المالية الخاصة بنا، ويطبق ذلك بالقانون، وفق قرار المحكمة أو العقوبة أو الإعلان، ونحن نحذر ونأمر أي شخص في هذه الممالك أياً كان وضعه الاجتماعي العام أو الشخصي أن يجرؤا على حماية أو استقبال أو الدفاع عن أي منهم سراً أو علانية بعد التاريخ المذكور (نهاية يوليو)، ومن يفعل ذلك سوف يتعرض لحرمانه من كل ممتلكاته وكل أمواله من خلال الإدارة المالية .

(5) وحتى يكون اليهود ذكوراً وإناثاً قادرين أثناء الفترة المقررة، وحتى نهاية شهر يوليو على الخروج بأنفسهم وممتلكاتهم ؛ فأننا نضعهم تحت حمايتنا، ونؤمنهم على أنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم طوال هذه الفترة، حتى نهاية شهر يوليو إلى أن يتمكنوا من السفر بسلام، وبوسعهم ممارسة البيع والشراء والتجارة في المنقولات، وغيرها من الأملاك بكل حرية، ولا يحق لأحد إيذاؤهم أو التعرض لهم بالمخالفة للقانون في أشخاصهم أو أملاكهم، وإلا تعرض للعقوبة المقررة لمن يتجاوز الأوامر الملكية، ونحن أيضاً نمنح الفرصة لليهود بتصدير أملاكهم وبضائعهم بالبحر والبر، خلال أراضينا طالما لم يكن بينها الذهب أو الفضة أو العملة أو أي أشياء ممنوعة بمقتضى قانون الممالك، فيما عدا التجارة والأشياء المباحة .

(6) ونحن نأمر كل المجالس والمحاكم والإدارات والفرسان والجهات الرسمية، وكل الرجال الشرفاء من مدينة برغش والمدن الأخرى والقرى، وكل من يعنيهم أمر الوثيقة بتقديم كافة المساعدات لهم ؛ بوضعهم تحت حمايتنا وحماية كل أملاكهم ومقارهم تحت رعاية الإدارة المالية . وحتى يصل هذا الأمر إلى الجميع، فقد أمرنا بان تكون الوثيقة معلنة في الأماكن العامة من المدينة والمدن الرئيسية والقرى التابعة لأسقفيتها كوثيقة وبيان عام . ولا يحق لأي شخص إزالتها أو طمسها ؛ وإلا تعرَّض لعقوبة الحرمان من ممتلكاته، وفوق هذا نأمر الأشخاص الذين يعملون ضد الوثيقة بالمثول أمامنا في البلاط حيثما كنا في اليوم الذي نحدده خلال 15 يوما عقب تاريخ الجريمة، ونأمر كل كاتب عام يستدعي لقراءة هذه الوثيقة عليه يظهر للعامة توقيع وختم الملكين ليعلموا أننا أصحاب قرار الطرد.

(7) تم تقديمها في مدينة غرناطة 31 مارس 1492 أنا الملك ,أنا الملكة ,أنا خوان دي كولوما وزير الملك والملكة قد أمرنا بكتابة الوثيقة وسجلت بواسطة كابريا، شانسلور أكمان .

Oliva constable, medieval Iberia, Reading from Christian , Muslim and Jewish sources, University of Pennsylvania press Philadelphia, 1997, pp . 352-356

المراجع العربية والمترجمة:

  • افيفا مولر لنتسط، حياة اليهود في مراكش، القدس 1983م (بالعبرية).
  • أميركو كاسترو، إسبانيا في تاريخها، المسيحيون والمسلمون واليهود، ترجمة على إبراهيم المنوفي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2002م.
  • بسام أسخيطة، قصة محاكم التفتيش، دار هيا للنشر والتوزيع، دمشق2000م.
  • حاييم زعفراني، ألف سنة من حياة اليهود في المغرب، ترجمة أحمد شحلان، الدار البيضاء 1987م، ص123-124
  • Adler, E.N ., Lea on the inquisition of Spain and Herein of Spanish and Portuguese Jews and Marranos, Jewish quarterly Review, oll.XX.
  • Ben Sasson ,Inter-communal in Relation in Geonic Period, in (The Jews of Medieval Islam)Ed., Daniel Frank, Leiden, 1995.
  • Benzion, Netanyahu, the Marranos of Spain from the late 14the to the early 16the centuries , cornellun.,1999.
  • Constable, Oliva , Medieval Iberia , Reading From Christian, Muslim and Jews sources , university of Pennsylvania Press ,Philadelphia 1994.
  • Encyclopedia Judaica1971: Spain.
  • Finkelstein, Louis , Jewish self-Government in the middle ages, New York 1929.
  • Goulven,J., Notes sur les origins Anciennes des Israelites du Maroc, (Hisperis) vol.,1,1921.
  • Gutwirth, Eleazar, The Jews in 15th century Castilian chronicles , The Jewish Quarterly Review, LXXIV,No.,4 (April,1984).
  • Haliczer, Stephen H. , The Castilian urban patriciate and the Jewish Expulsions of 1480-92,The American Historical Review vol.,78,N.,1,Feb.1973.
  • Hirschberg ,Haim,A History of the North Africa , Leiden 1974.
  • www.jewishencyclopedia.com/articles
  • www.jewishvirtuallibrary.org
  • Katz ,Bernard, A BRIEF JOURNEY THROUGH Spanish Jewish History, Jewish Affairs * Chanukah 2009.
  • Marcus, Jacob, the Jew in the Medieval World ,New York 1938
  • Marx, Alexander The Expulsion the Jews from Spain, Jewish quarterly Review,vol.,20,N2,Jan1908.
  • Meyerson, Mark D., Aragonese and catalan Jewish converts at the time of expulsion, Jewish history ,vol.6,nos.1-2.1992.
  • Nierenberg, David, Conversion, sex, and segregation: Jews and Christians in medieval Spain , in American historical Review October2002.
  • Noble, Graham, The Expulsion of the Jews of Spain , History Review, issue 55, 2002.
  • The Oxford Dictionary, Jewish Religion.
  • Ray, Jonathan Stewart , The Medieval Sephardic Frontier: the Jewish Experience in Reconquest Iberia, Doctor of Philosophy in Jewish History, the Jewish Theological seminary of America Graduate school ,2002.
  • Roth, Cecil , A Hebrew Elegy on the Martyrs of Toledo,1931, Jewish quarterly Review vol.39,no.2,oct.,1948
  • Roth, Norman, Bishops and Jews in the Middle Ages, Catholic Historical Review; Jan1994, Vol. 80 Issue 1.
  • Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492, Historian; Fall92,vol.55 Issue 1.
  • Roth, Norman, Jews, Visigoths and Muslims in medieval Spain , Leiden1994.
  • Ruiz, Teofilo,F., Spain’s centuries of crisis 1300-1474.Blackwell, 2007.
  • Slouschz, Nahum , Travels in North Africa , Philadelphia 1927.
  • Steven J.Mcmichael,the end of the world, antichrist, and thefinal conversion of the Jews in thefortalitium fidei of friar Alonsode espina (d. 1464), medieval encounters 12,2, 2006.
  • Utterback, Kristine T. Conversi, Revert: Voluntary and forced return to Judaism in early Fourteenth ,Church History, vol.64,no 1 (Mar., 1995).
  • wolff, Philippe, the 1391 pogrom in Spain . social crisis or not ? in Past and present no.50,Feb.,1971.
  • حاييم زعفراني، يهود الأندلس والمغرب، ترجمة : أحمد شحلان، الرباط2002م
  • ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر، بيروت 1979م
  • دولورس برامون، المسلمون واليهود في مملكة فالنسيا، ترجمة : رانيا محمد محمد أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2004 م.
  • رمسيس عوض، محاكم التفتيش، دار الهلال، 2001م.
  • عبد الرحمن بشير، اليهود في المغرب العربي، دار عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، القاهرة 2001م .
  • قاسم عبده قاسم، الاضطهادات الصليبية ليهود أوربا من خلال حولية يهودية، ندوة التاريخ الإسلامي والوسيط، المجلد الأول 1982م.
  • محمد الحبيب بن خوجة، يهود المغرب العربي، معهد الدراسات والبحوث الإفريقية، القاهرة 1973م.
  • محمد عبد الله عنان، نهاية الأندلس، وتاريخ العرب المتنصرين، لجنة التإلىف والترجمة والنشر، القاهرة1966م.
  • مرثيديس غارثيا أرينال، شتات الأندلس، ترجمة محمد فكري عبد السميع، المشروع القومي للترجمة القاهرة 2006م.
  • المقري، نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، 1968م.
  • نورمان كانتور، التاريخ الوسيط، ترجمة : قاسم عبده قاسم، دار المعارف، القاهرة، ط2 1986م.
  • هدي درويش، أسرار اليهود المتنصرين في الأندلس، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 2008م .
  • هوتيكروفت، الكفار، تاريخ الصراع بين عالم المسيحية والعالم الإسلامي، ترجمة : قاسم عبده قاسم، تحت النشر، المركز القومي للترجمة .
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة .

([1]) Goulven,J., Notes sur les origins Anciennes des Israelites du Maroc, ( Hisperis) vol.,1,1921,p.331

([2])Katz, Bernard, A BRIEF JOURNEY THROUGH SPANISH JEWISH HISTORY, JEWISH AFFAIRS, CHANUKAH 2009,p38 استرد المسيحيون طليطلة من المسلمين سنة 1085م واتخذوها عاصمة حتى 1561م عندما استبدلت بمدريد التي تقع على مسافة ستين كيلو متر شمال طليطلة

([3]) Roth, Norman, Jews, Visigoths and Muslims in medieval Spain , Leiden1994,p7

([4]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492, Historian; Fall92,vol.55 Issue 1,p1

([5]) المقري، نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، 1968م 1ص263، 269 ؛ عبد الرحمن بشير، اليهود في المغرب العربي، دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 2001م، ص58

([6]) Slouschz, Nahum , Travels in North Africa , Philadelphia 1927, pp. 364,365

([7]) نورمان كانتور، التاريخ الوسيط، ترجمة : قاسم عبده قاسم، دار المعارف، القاهرة، ط2 1986م، ص 494

([8]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 149,p2

([9])Ray, Jonathan Stewart , The Medieval Sephardic Frontier: the Jewish Experience in Reconquest Iberia,Doctor of Philosophy in Jewish History, the Jewish Theological seminary of America Graduate school ,2002,p122

([10]) المقري، نفح الطيب، 1ص263، 269 ؛ عبد الرحمن بشير، اليهود في المغرب العربي، ص58

([11]) Gutwirth, Eleazar ,The Jews in 15th century Castilian chronicles The Jewish Quarterly Review, LXXIV,No.,4 (April,1984),p.386

([12]) – اختلف المؤرخون حول ما إذا كان مفتاح المدينة أعطي لفرديناندو أو لأبنه ألفونسو أم أن هناك مفتاحين واحد لفرديناندو والآخر لألفونسو

([13](www.jewishencyclopedia.com/articles/13457-seville

([14]) – الموسوعة الحرة ويكبيديا، وفرديناندو أصبح يدعي فرديناندو أنتقيرة وتولي العرش في مملكة أراجون بعد وفاة الملك مارتن سنة 1410م دون وريث، حيث اختاره البرلمان الأراجوني سنة 1412م باعتباره ولد الملكة إلىنور ابنة بيدور الرابع ملك أراجون وأخت الملك مارتن، راجع محمد عبد الله عنان، نهاية الأندلس، ص178

([15]) Gutwirth, ,The Jews in 15th century Castilian chronicles , p.380

([16]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 149,p2

([17]) أميركو كاسترو، إسبانيا في تاريخها، المسيحيون والمسلمون واليهود، ترجمة على إبراهيم المنوفي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2002م، ص632.

([18]) Roth, , the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p10

([19])Utterback, Kristine T. ,” Conversi” Revert: Voluntary and forced return to Judaism in early Fourteenth ,Church History, vol.64,no 1 (Mar.,1995) p.16

([20])Wolff, Philippe,the 1391 pogrom in Spain. Social crisis or not? in Past and present no.50,Feb.,1971,p6

([21]) كاسترو، إسبانيا في تاريخها، ص633

([22]) Haliczer, Stephen H. , The Castilian urban patriciate and the Jewish Expulsions of 1480-92, The American Historical Review vol.,78,N.,1,Feb.1973,p.39.

([23]) – كاسترو، المرجع السابق، ص542

([24]) كاسترو، المرجع السابق، ص585

([25])Wolff,Op.cit,p6

([26]) نفسه، ص586-587 بهوامشهما

([27]) نفسه، ص 651

([28]) Wolff,Op.cit,p6

([29]) Nirenberg, David, Conversion, sex, and segregation : Jews and Christians in medieval- Spain , in American historical Review October2002,p1084

([30]) كاسترو، المرجع السابق، ص567

([31]) نفسه، ص585

([32]) Roth, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.3

([33]) كاسترو، المرجع السابق، ص586-587 بهوامشهما

([34])Ray , Op.cit,pp101,104,105,107

([35])Roth, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.3

([36]) كاسترو، المرجع السابق، ص585

([37])Wolff,Op.cit,p6

([38]) محمد عبد الله عنان، نهاية الأندلس، وتاريخ العرب المتنصرين، لجنة التإلىف والترجمة والنشر، القاهرة1966م، ص173

([39]) – تستنكر بعض النصوص الأدبية ترك الملوك شئونهم كاملة في أيدي اليهود، أو في أيدي غيرهم من الغرباء على الدين، وتؤكد هذه النصوص على أن اليهود حريصون جدا على إلحاق الأذى بالحكام، راجع،  Gutwirth, ,Op.cit ,p.386

([40](www.jewishvirtuallibrary.org

([41]) Ray , op. cit,p.175

([42]) ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر، بيروت 1979م، 7ص412

([43]) – Gutwirth, op. cit,p.386

([44]) Ray , op. cit,p.93

([45]) دولورس برامون، المسلمون واليهود في مملكة فالنسيا، ترجمة : رانيا محمد محمد أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2004 م، ص41

([46]) Marx, Alexander, The Expulsion the Jews from Spain, Jewish quarterly Review, vol., 20, N2, Jan 1908, p.254

([47]) دولورس برامون، المرجع السابق، ص41

([48]) مرثيديس غارثيا، شتات الأندلس : ترجمة محمد فكري عبد السميع، المشروع القومي للترجمة، القاهرة 2006م، ص58، 61

([49]) Ray , Op.cit,p.93

([50]) فرض اليهود ضرائب على النبيذ الذي يباع للمسيحيين للصرف على تعليم التوراة والتلمود، راجع، Finkelstein, Louis, Jewish self-Government in the middle ages, New York 1929,pp.349; Ray , op. cit , p.93

([51]) Wolff,Op. cit, p6

([52])Ray , op. cit ,p.93

([53]) Roth, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.14

([54])Ray , , op. cit,pp.4,5

([55])Ibid, p.105

([56]) زينب عبد المجيد، اليهود في انجلترا العصور الوسطي 1066-1290م، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 2006م، ص39

([57])Ray , op. cit ,p90

([58]) – كاسترو، المرجع السابق، ص542

([59]) كانتور، المرجع السابق، ص490

([60])Ray, op. cit ,p.86

([61])Ray, op. cit, p.71

([62]) مرثيديس غارثيا، المرجع السابق، ص60

([63])Ray , op. cit ,p.71,72.

([64]) Ibid,pp.59,83,86,104,107

Gutwirth, op. cit,p.389 ([65])

([66])Wolff, op. cit,p8

([67]) كاسترو، المرجع السابق، ص610

([68]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p14

([69]) كاسترو، المرجع السابق، ص580

([70]) Brian Chalmers, The ‘Jewish Question’ in 15th and 16th Century Spain Historian Sustains Spanish Inquisition Myths, in The Journal of Historical Review, January-February 1996 (Vol. 16, No. 1), pp.2-22

([71])Ray , op. cit,p105

([72]) Ibid,p.138

([73]) Roth, op. cit,p.14

([74]) كاسترو، المرجع السابق، ص572

([75]) نفسه، ص575

([76]) Brian Chalmers, Op.cit,pp.2-22

([77]) Ruiz, Teofilo, F., Spain’s centuries of crisis 1300-1474.Blackwell, 2007,p. 155

راجع القانون رقم 4 من القانون بالملاحق Jacob Marcus, The Jews in the Medieval World, New York 1938, pp.34-42. ([78])

([79]) راجع القانون في ,pp.34-42 Ibid

([80]) كاسترو، المرجع السابق، ص581

([81]) Roth, Norman, Bishops and Jews in the Middle Ages Catholic Historical Review; Jan1994, Vol. 80 Issue 1, ,p10

([82](www.jewishencyclopedia.com/articles/14435-toledo

([83])Wolff,Op.cit,p8

([84]) www.jewishvirtuallibrary.org.

([85])Ray , Op.cit,p143

([86])Haliczer, Op.cit,p.39

([87]) Ray, Op. cit, pp, 12, 52.

([88]) Ruiz, , Op.cit,p. 157

([89]) كاسترو، المرجع السابق، ص574

([90]) Roth, Bishops and Jews in the Middle Ages,p.10

([91]) Roth, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.4.

([92]) كاسترو،المرجع السابق، ص586-587 بهوامشهما

([93]) راجع القانون رقم 11 بالملحق

([94])Ray , Op.cit,pp,12,52.

([95])Marcus, Op.cit ,p.34

([96])Loc.cit

([97]كاسترو، المرجع السابق، ص568

([98])راجع القوانين بالملحق

([99]) Gutwirth , Op. cit , p.381

([100]) عن ماريا أنظر بعده

([101]) كاسترو، المرجع السابق، ص586-587 بهوامشهما

([102]) Gutwirth, Op. cit,p.380

([103]) هدي درويش، أسرار اليهود المتنصرين، ص29

([104]) Gutwirth, Op. cit ,pp.380,381 ,

([105]) Nirenberg, Op.cit,p1085

([106]) راجع القانون رقم 9من القانون بالملحق

([107])Ray , Op.cit,p.240

([108])Nirenberg, Op. Cit,p1085

([109]) كاسترو، المرجع السابق، ص586-587 بهوامشهما

([110])Jewish Encyclopedia

([111]) Ruiz, , Op.cit,p. 158

([112])Ray , Op.cit,p.128

([113]) راجع القانون رقم 5 بالملحق.

([114]) Ruiz, Op. Cit. ,p. 157

([115]) راجع، Jewish Encyclopedia، تربع على قشتالة قبل سنة واحدة من الأحداث ملك طفل سقيماً عليلاً هو الملك هنري ( إنريكي) الثالث (1390-1406م)، أما عرش أراجون فكان عليه مارتن الأول (1395-1410م) راجع، عنان، نهاية الأندلس، ص174، 178 .

([116]) Ruiz, Op. Cit. ,p. 159

([117])Ray , Op.cit,p.175

([118]) Ibid,p.48

([119]) Ruiz, Op.cit,p. 159

([120]) قاسم عبده قاسم،الاضطهادات الصليبية ليهود أوربا من خلال حولية يهودية، ندوة التاريخ الإسلامي والوسيط، المجلد الأول1982م، ص 160

([121]) www.jewishencyclopedia.com/articles/13457-seville

([122]) Roth, Cecil, A Hebrew Elegy on the Martyrs of Toledo,1931, Jewish quarterly Review vol.39,no.2,oct.,1948,p.125

([123]) Roth, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p3,

([124]) Ruiz, Op.cit,p. 155

([125]) Ibid ,p. 158

([126]) the 1391 pogrom in Spain.pp.4,8-10

([127]) يقول الكاتب ” استمرت المذابح المنظمة لليهود فيما يزيد قليلا عن شهرين من 6 مايو إلى 13 أغسطس ” هذه المدة كفيلة بالقضاء على الوجود اليهودي في مملكتي أراجون وقشتالة، وهي مبالغة كبيرة، راجع Wolff,Op.cit,p16

([128]) كاسترو، المرجع السابق، ص652.

([129]) قاسم عبده قاسم، المرجع السابق، ص 137، 139-140

([130]) Roth, Cecil, A Hebrew Elegy on the Martyrs of Toledo,1931,pp.126,128

([131])Ibid,p123

([132]) كاسترو، المرجع السابق، ص652

([133]) Roth, Cecil , Op. Cit,pp.126,128

([134]) Nirenberg, Op. Cit,p,1088

([135]) The Oxford Dictionary, Jewish Religion ,p.472

([136])Benzion Netanyahu, the Marranos of Spain from the late 14the to the early 16the centuries, cornellun.,1999,p.260

([137]) Roth, , the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p3,

([138]) عنان، نهاية الأندلس، ص179

([139]) Wolff,Op. Cit p16

([140]) Haliczer, Op. Cit,p.40

([141]) كاسترو، المرجع السابق، ص580

([142]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p3,

([143]) Ruiz, Op. Cit,p. 159

([144])Wolff , Op. Cit,p16

([145]) Ruiz, , Op. Cit,p. 159

([146]) Adler, Lea on the inquisition of Spain and Herein of Spanish and Portuguese Jews and Marranos , Jewish quarterly Review ,voll.XX ,p517

([147]) كاسترو، المرجع السابق، ص652

([148]) نفسه، ص576

([149]) Ruiz, Op. Cit ,p. 160

([150]) Ibid, p. 155

([151]) Roth, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.14

([152]) Adler, Op. Cit ,p517

([153]) Hirschberg ,Haim, A History of the North Africa,Leiden 1974 p.386

([154]) Slouschz, Nahum , Travels in North Africa, Philadelphia 1927p.324

([155]) Hirschberg , Op.cit , pp.384,387

([156]) Nirenberg, Op.cit,p,1083

([157]) Wolff,Op. Cit,p8

([158]) راجع قرار الطرد بالمحق البند رقم 2

([159]) يعني هذا المصطلح الأسباني الاستقلالية الثقافية المتبادلة، كما تعني العيش معا، وتحمل معاني الاعتدال والتسامح كما يفهم في العصر الحالى، راجع، Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.3

([160]) Roth, , Jews, Visigoths and Muslims in medieval Spain,p13

([161]) Goulven, notes sur les origins des Israelites ( Hisperis) vol.,1,1921,p.303

([162]) Ben Sasson ,Inter-communal in Relation in Geonic Period, in (The Jews of Medieval Islam)Ed., Daniel Frank, Leiden, 1995,p.27

([163]) Nirenberg, Op. Cit,p,1079

([164]) Roth, , Bishops and Jews in the Middle Ages,p.1

([165]) راجع القانون رقم 6 من قانون ذو الأجزاء السبعة بالملحق

([166]) كانتور، المرجع السابق، ص492

([167]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.3,

([168]) Ruiz, Op.cit,p. 157

([169]) Encyclopedia Judaica1971: Spain, vol.15, col.237-238

([170](www.jewishvirtuallibrary.org

([171]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.4

([172]) Ruiz, Op. Cit ,p. 158

([173])Utterback, Op. Cit,p.21

([174]) كاسترو، المرجع السابق، ص657

([175]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p4

([176]) كاسترو، المرجع السابق، ص605 ؛ هدي درويش، أسرار اليهود المتنصرين في الأندلس، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 2008م ص84

([177]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.5

([178]) Encyclopedia Judaica1971: Spain, vol.15, col.237-238; Ruiz, Op. Cit,p.159

([179]) Ruiz, Op. Cit,p.159

([180]) كاسترو، المرجع السابق، ص608 ؛ هدي درويش، المرجع السابق، ص86

([181]) Meyerson, Mark D., Aragonese and catalan Jewish converts at the time of expulsion Jewish history ,vol.6,nos.1-2.1992,p.133

([182])Brian Chalmers, Op.cit, pp. 2-22

([183]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.7,9

([184])Brian Chalmers, Op.cit,pp. 2-22.الختان من أهم الشعائر اليهودية التي حاول المتحولين إخفاءها عن محاكم التفتيش وكذلك طقوس الدفن وهي أمور يسهل إخفاءها أما شعائر السبت في أسبوعية من حيث تقديس يوم السبت وعدم العمل فيه وإيقاد الشموع وعدم إشعال النار، راجع هدي درويش، أسرار اليهود المتنصرين، ص64، 65

([185]) Adler, Op.cit,p516,517; Bernard Katz, A BRIEF JOURNEY THROUGH SPANISH JEWISH HISTORY, JEWISH AFFAIRS, CHANUKAH 2009,p36

([186])Graham Noble, the Expulsion of Jews of Spain, History Review,issue,2002,p.44,

([187]) Nirenberg, Op.cit,p1084

([188])Ibid,p,1079

([189])Utterback, Op.cit , p.16

([190]) Nirenberg, Op. Cit,p.1090

([191]) Ibid,p.1085

([192]) هدي درويش، المرجع السابق، ص20-21

([193])Katz, Op.cit, ,p36

حاول المحدثون من الكتاب اليهود تحريف معني المارانوس إلى معاني أخري، راجع، هدي درويش، أسرار اليهود المتنصرين، ص20-21.

([194]) هوتيكروفت، الكفار، تاريخ الصراع بين عالم المسيحية والعالم الإسلامي، ترجمة : قاسم عبده قاسم، تحت النشر، المركز القومي للترجمة، ص 129، 148

([195]) The Oxford Dictionary , Jewish Religion ,p.472

([196]) www.jewishencyclopedia.com/articles/10388-marano

([197]) Gutwirth , Op.cit,p.393

([198]) Adler, Op.cit,p516,517

([199])Haliczer, Op.cit,p.40

([200]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.5

([201]) Finkelstein, Louis , Op.cit,pp.349-375

([202])Brian Chalmers, Op.cit, pp.2-22.

([203]) هذه الظاهرة بدأت في وقت مبكر من القرن 5ق . م خلال اضطهاد الزرادشتية لليهود في فارس

([204])Brian Chalmers, Op. Cit,pp. 2-22.الختان من أهم الشعائر اليهودية التي حاول المتحولين إخفاءها عن محاكم التفتيش وكذلك طقوس الدفن وهي أمور يسهل إخفاءها أما شعائر السبت في أسبوعية من حيث تقديس يوم السبت وعدم العمل فيه وإيقاد الشموع وعدم إشعال النار، راجع هدي درويش، أسرار اليهود المتنصرين، ص64، 65

([205]) Ruiz, Op.cit,pp.159.160

([206]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.5

([207]) Adler, Op.cit,p516,517

([208]) هوتيكروفت، الكفار، ص 129، 148

([209]) راجع القانون رقم 6 بالملحق

([210])Nirenberg, Op.cit, p1086

([211]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.5

([212]) Steven j. Mcmichael,the end of the world, antichrist, and the final conversion of the Jews in the fortalitium fidei of friar Alonso de espina (d. 1464), Medieval Encounters 12,2, 2006,p. 251

([213]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492 Op. Cit,p.5

([214]) Steven J. Mcmichael,Op.cit,p. 237

([215]) Ruiz, Op.cit,p. 155

([216]) هوتيكروفت، الكفار، ص128، 129

([217]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.5

([218]) Steven j. Mcmichael,Op.cit,p. 251

([219]) Encyclopedia Judaica1971: Spain, vol.15, col.237-238

([220]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p4

([221])Encyclopedia Judaica Op. Cit, col.237-238

([222]) فرديناندو هو ابن خوان الأول ملك قشتالة تم اختياره من جانب البرلمان الأراجوني لحكم أراجون بعد وفاة خاله خوان الأول ملك أراجون دون وريث، لذلك تشبث بالسلطان المطلق الذي ألفه في قشتالة، عنان، نهاية الأندلس، ص179

([223]) يصف مصدر فرنسي مشاركة اليهود في هذه الاحتفالات فيقول، ” ارتدي اليهود نفس ملابس المسيحيين، ورقصوا متمنطقين بأحزمة تخرج منها أشرطة فضية خلف المنشدين، واستمروا كذلك خلال أيام الاحتفال، حيث جابوا الشوارع في بهجة احتفالية حتى دخلوا القصر الملكي، راجع النص (Vendrell de Millas, Sefarad), 17 (1957), نقلا عن Gutwirth, ,OP.cit,p.384

([224]) Nirenberg, OP.cit, p1083.

([225]) Adler ,Op.cit ,p516,517

([226]) أنظر نص الإعلان Gutwirth, , Op.cit,p.380

([227]) Nirenberg, Op.cit,p1084

([228]) Loc. Cit.

([229]) Haliczer, Op.cit,p.40

([230])عنان، المرجع السابق، ص179

([231]) Ruiz, Op.cit,p. 155 ; Steven,Op.cit,p.237

([232]) كاسترو، المرجع السابق، ص635

([233]) دولورس برامون، المرجع السابق، ص44

([234]) Encyclopedia Judaica1971: Spain, vol.15, col.237-238

([235]) Loc. Cit.

([236]) Gutwirth, Op.cit,p.380,382

([237]) Finkelstein, Louis , Op.cit,, pp.349-375

([238]) Gutwirth, Op.cit,,p.384

([239])Brian Chalmers,Op.cit,, pp. 2-22

([240]) – كاسترو، المرجع السابق، ص565

([241]) كاسترو، المرجع السابق، ص607

([242]) عنان، المرجع السابق، ص184

([243]) Marx, The Expulsion the Jews from Spain, Jewish quarterly Review, vol., 20,N2,Jan1908,p.254

([244]) Katz, Op.cit,, ,p36.

الرابي أبراهام سينور عندما صدر قرار الطرد فضل التعميد عن الهجرة أي فضل المصلحة عن الهوية راجع -Encyclopedia Judaica1971: Spain, vol.15, col.237-238

([245]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.9.

([246])- كان طبيب الملكة في سنة 1476م هو الحاخام سالمون بيتون، راجع، كاسترو، المرجع السابق، ص565

([247]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.7

([248]) عنان، المرجع السابق، ص184

([249]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.8

([250]) كاسترو، المرجع السابق، ص576

([251]) Gutwirth, ,The Jews in 15th century Castilian chronicles,p.384

([252]) عن توماس دي توريكريمادا، انظر بعده

([253]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.9.

([254]) هوتيكروفت، الكفار،ص130

www.jewishencyclopedia.com/articles/10388-maranos([255])

([256]) عنان، المرجع السابق، ص330

([257]) بسام اسخيطة، قصة محاكم التفتيش في العالم، دار هيا للنشر والتوزيع، دمشق 2000م، ص198، عنان، المرجع السابق، ص330، 331

([258]) راجع القانون رقم 6 بالملحق

([259])Kristine, Op.cit,pp.23,24

([260]) عن الحمام الطقسي التي يتطهر فيه اليهود عند الزفاف أو التطهر من أثار التعميد، راجع، عبد الرحمن بشير، اليهود في المغرب العربي، ص123

([261]) Kristine, Op.cit,p.24

([262]) Ibid,p.23

([263])Ibid,pp.23,24

([264]) Ibid,pp.22,23,24

([265]) عنان، المرجع السابق، ص184

(*) قس الاعتراف الخاص بالملكة.

([266]) نفسه، ص 331

([267]) بسام اسخيطة، المرجع السابق، ص201

([268]) عنان، المرجع السابق، ص330

([269]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.7,9

([270]) إسبانيا في تاريخها، ص599، 602

([271]) بسام اسخيطة، المرجع السابق، ص206

([272]) عنان، المرجع السابق، ص332

([273]) Adler, Op. Cit,p.511.

([274]) رمسيس عوض، محاكم التفتيش، دار الهلال، 2001م، ص17.

([275]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.8

([276]) عنان، المرجع السابق، ص333.

([277]) Adler, Op. Cit, p.510.

([278]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.7.

([279]) Ibid,p.6.

لا يسمح القانون ذوي الأجزاء السبعة للمسيحيين بإزعاج اليهود في يوم سبتهم ” ونحن نأمر بألا يقوم أي قاض باستخدام القوة أو السلطة ضد اليهود يوم السبت ؛ فالأيام الأخرى كفيلة بأي مطالبات أو تكليفات بخصوصهم ” راجع الملحق

([280]) كاسترو، المرجع السابق، ص602

([281]) بسام اسخيطة، المرجع السابق، ص210

([282]) Haliczer, Op. Cit,p.38.

([283]) بسام اسخيطة، المرجع السابق، ص204

([284]) رمسيس عوض، محاكم التفتيش، ص112

([285]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.7,9

([286]) بسام اسخيطة، المرجع السابق، ص205، 213، 214

([287]) نفسه، ص211

([288]) Katz, Op.cit ,p.37.

([289]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.7

([290]) تعود نزعة معاداة السامية إلى عصر الإصلاح الجريجوري والحملة الصليبية الأولي فمنذ منتصف القرن 12 ظهرت افتراءات الدماء ؛ وهي أساطير تتحدث عن قيام اليهود بطقوس لذبح الأطفال المسيحيين، مما زاد من الكراهية الشعبية ضد اليهود، راجع، كانتور، التاريخ الوسيط، ص491

([291]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.7

([292]) – راجع القانون رقم 2 بالملحق

([293]) Roth, Norman, Jews, Visigoths and Muslims in medieval Spain,p.13; Goulven, notes sur les origins des Israelites,p.303.

([294]) Goulven, Op. Cit,p.303.

([295]) زينب عبد المجيد، المرجع السابق، ص108

([296]) Wolff,Op. cit,p.5.

([297]) Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.14

([298]) Oliva Constable , Medieval Iberia , Reading From Christian, Muslim and Jews sources, university of Pennsylvania Press ,Philadelphia 1994,pp.352-356, Katz, a brief journey through Spanish Jewish history,p.39.

([299]) انظر البند رقم 4 من القرار بالملحق

([300]) انظر البند رقم 5 من القرار بالملحق

([301]) يهوذا الإسخريوطي أحد تلاميذ المسيح الأثني عشر لكنه خان المسيح

([302])Meyerson, Op. cit,p.133

([303])Katz, Op. Cit,P.39.

([304]) Marx, The Expulsion the Jews from Spain, Jewish quarterly Review, vol. , 20,N2,Jan1908,pp.245

([305]) Meyerson, Op.cit,p.132

([306]) كاسترو، إسبانيا في تاريخها، ص574

([307]) Meyerson, Op. Cit,p.133

([308])Haliczer, Op. Cit ,p.35,36

([309]) راجع البند رقم 2 بالقرار بالملحق

([310]) راجع القانون رقم 7 بالملحق من

([311]) حاييم زعفراني، يهود الأندلس والمغرب،، ترجمة أحمد شحلان، الدار البيضاء 1987م ص296 بهوامشها

([312]) Hirschberg , Op.cit, pp.407,409 ,

([313]) Hirschberg , Op.cit frica, pp.407,

([314]) Katz, Op.cit,pp.37,38.

www.jewishvirtuallibrary.org([315])

([316]) افيفا مولر لنتسط، حياة اليهود في مراكش، القدس 1983م (بالعبرية)، ص86

([317]) حاييم زعفراني، يهود الأندلس والمغرب، ترجمة : أحمد شحلان، الرباط2002م، 1ص301، 306 ؛ Hirschberg, Op.cit,p.404

([318]) Marx, Op.cit,pp.255

([319]) Slouschz, Op.cit,p.404

([320]) Hirschberg , Op.cit,407,478,

([321]) حاييم زعفراني، ألف سنة من حياة اليهود في المغرب، ص123-124

([322]) Hirschberg , Op.cit,406

([323]) The Expulsion the Jews from Spain,pp.255,256

([324]) Marx, Ibid,pp.255 ,

([325]) Loc. Cit.

([326])Meyerson, Op.cit,pp.132,133 وعلى سبيل المثال في سبتمبر 1492 منح الملك فرديناندو المتحولين الجدد الذين عادوا إلى روسييلو Roussillon وكردانيا Cerdagne وهما مدينتان حدوديتان مع فرنسا حمايته وكذلك حماية ممتلكاتهم من المضايقة والإجراءات القانونية لفترة الثلاثة شهور

([327]) Slouschz, Op.cit,,p.306.

([328]) حاييم زعفراني، يهود الأندلس والمغرب، 1 ص298

([329])Wolff,Op.cit,,p.6

([330]) Benzion, Op.cit,,pp.260-264

- اعتمد الكاتب على وثيقة قدمها أحد المؤرخين يدعي ألونسو البلنسي تقدر أعداد مليشيات المارانوس واليهود الذين انضموا لبني جلدتهم في صراعهم مع المسيحيين القدامى في إشبيلية سنة 1473م بحوإلى 300 فارس من المليشيات السرية و5000 من المشاة، والمؤكد أن مجتمع من 40-45 ألف نسمة يستطيع حشد 5300 شخص مقاتل.

([331]) The Expulsion the Jews from Spain, ,pp.245—246.

([332]) بعض المؤرخين المغاربة المحدثين يشير إلى عدد اليهود المهاجرين إلى المغرب فقط فيما بين 1391-1492م وصل إلى 150000 راجع، محمد الحبيب بن خوجة، يهود المغرب العربي، معهد الدراسات والبحوث الإفريقية، القاهرة 1973م، ص33

([333]) هوتيكروفت، الكفار، ص131

([334]) The Expulsion of the Jews of Spain,pp.44-47

([335])Roth, Norman, the Jews of Spain and the expulsion of 1492,p.14

([336]) Haliczer, Op.cit,,p.56

([337]) Meyerson, Op.cit,on,p.132

التعليقات