خمارويه …. عشق الترف وأخرب البلاد – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في فبراير 11, 2015 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

فى منتصف شهر المحرم سنة 250 هجرية ، ولد “خمارويه ” ابن أحمد بن طولون حاكم مصر الفعلي والذى كان يدين بالتبعية الإسمية للخلافة العباسية  وكان الخليفة العباسي” المستعين بالله ” قد أهدى ” أحمد بن طولون ” جارية تسمى ” مياس ” ؛ فولدت له ابنه خمارويه هذا . والجدير بالذكر أن أحمد بن طولون قد تمكن من أن يستقل عن الخلافة العباسية ويؤسس أسرة حاكمة فى مصر والشام استمرت فى الوجود أكثر من سبع وثلاثين سنة .

وإذا كان أحمد بن طولون قد سَخر مواهبه وذكاءه لتأسيس أول أسرة حاكمة مستقلة فى تاريخ مصر الإسلامية ، فإن ابنه خمارويه قد سخر حياته وموارد البلاد التى ساقه القدر إلى حكمها ، ونفوذ الأسرة الحاكمة التى أقامها أبوه لإشباع رغباته الشخصية فى المتعة والترف ، ومظاهر العز التى استنفدت موارد البلاد ، وأرهقت العباد ، وأطاحت بحكم أسرته .

وعندما مات أحمد بن طولون ، جلس من بعده ابنه خمارويه على كرسي الحكم . ومنذ البداية صرف ذلك الحاكم همه إلى توفير أسباب الراحة والرفاهية لنفسه ، ولم يعبأ بمصالح الناس ، أو مواصلة بناء الحكم الذى أنشأه أبوه وتوطيد نفوذ أسرته السياسي والعسكري ؛ ولم يكن غريبا أن سقط الحكم الطولوني بعد مدة قصيرة .

بدأ خمارويه بتوسيع قصر أبيه وضم الميدان الذى كان أبوه قد أنشأه ؛ وجعله بستانا كتب المؤرخون كثيرا عن عجائبه وغرائبه بمزيج من الدهشة والعجب ، على الرغم من أن كلماتهم كانت تشى بالكثير من التعجب بسبب الإسراف والبذخ والسفه الذى اتسم به سلوك “خمارويه ” : فقد زرع فى البستان الذى أنشأه “… أنواع الرياحين وأصناف الشجر ، ونقل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب ، وزرع فيه الزعفران ، وكسا أجسام النخل نحاسا مذهبا حسن الصنعة ، وجعل بين النحاس وأجسام النخل مزاريب من الرصاص وأجرى فيها الماء المدبر ؛ فكان يخرج من تضاعيف قوائم النخل عيون الماء فتنحدر إلى مساقي معمولة ، ويفيض منها الماء إلى مجار تسقى سائر البستان …. وقد غرس فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة ، وكتابات مكتوبة ، يتعهدها البستاني بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة …” . لقد حول جذوع النخيل إلى نافورات للمياه تروى البستان الذى زرع فيه كافة أنواع النباتات والزهور العجيبة ذات الألوان البديعة التى جلبها من شتى البلاد .

فقد جلب هذا الحاكم المترف من خراسان وغيرها كافة أنواع الأشجار والورود والزهورالنادرة ، و”… وطعموا له شجر المشمش باللوز وأشباه ذلك من كل ما يستطرف ويستحسن ….” وبنى لنفسه برجا من خشب الساج المنقوش بتفريغ الخشب ليكون بمثابة قفص كبير ملون بالألوان الزاهية ، وكسا أرضه بالبلاط الذى تجرى بين تضاعيفه جداول الماء الرقراق المستمدة من السواقي التى تم تركيبها على آبار المياه العذبة . وفى ذلك القفص البديع أطلق أنواعا من الطيور الصادحة حسنة الصوت . وكانت الطيور تشرب من تلك الجداول الرقراقة ولها أعشاش مصنوعة لكي تفرخ فيها . أما البستان ، فكان مراحا للطواويس والدجاج الجبشي ( الرومي ) ؛ وما أشبه ذلك من الطيور .

وعمل خمارويه فى  داره مجلسا برواقه أسماه ” بيت الذهب ” تم طلاء جميع حوائطه بالذهب المموه باللازورد فى نقوش جميلة وتفاصيل بديعة ؛ ووضع على الحوائط تماثيل خشبية لنفسه ولمحظياته ، والمغنيات اللاتى كان يستمع إليهن ؛ ووضع فوق رؤوس تماثيل النساء أكاليل من الذهب الخالص ؛ ولم يكتف بهذا ؛ وإنما ألبس تلك التماثيل ثيابا ملونة بألوان جميلة … وربما كان خمارويه قد أحس أن هذا البذخ ليس كافيا لتوفثير المتعة له ولندمائه ، على الرغم من أن المؤرخين ذكروا أن ذلك البناء “…  كان من أعجب مبانى الدنيا …” ؛ فقد بنيت أمام المبنى فسقية مملوءة بالزيبق . وذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي أن سبب بنائها يرجع إلى |أن خمارويه كانى يعانى الأرق والسهاد : “…  فقد شكا إلى طبيبه كثرة السهر ، فأشار عليه بالتغميز ( أي التدليك )، فأنف من ذلك وقال : لا أقدر على وضع يد أحد عليَ ؛ فقال له : تأمر بعمل بركة من الزئبق . فعمل بركة يقال إنها خمسون ذراعا طولا فى خمسين ذراعا عرضا وملأها من الزئبق ؛ فأنفق فى ذلك أموالا عظيمة …” ، وشد فوق الزئبق فراشا من حرير يتحرك بحركة من الزئبق عندما ينام فوقه …. وكان مشهد بركة الزئبق فى الليالى المقمرة يخطف الأبصار حين يأتلف نور القمر بضوء الزئبق .

هذا الترف الشديد الذى عشقه خمارويه ، وأحاط نفسه به ، ما لبث أن آل إلى الخراب والدمار ؛ وقد ظل الناس بعد خراب القصر الطولوني فترة من الزمن يحفرون فى أنقاضه بحثا عن الزئبق الموجود فى شقوق بقايا البركة .

بيد أن هذه لم تكن كل مظاهر الترف الذى غمس خمارويه نفسه فيه ؛ إذ إنه بنى فى القصر نفسه قبة فاخرة سماها “الدكة ” ، تحيط بها الستائر الفاخرة وفرشها بالفراش الوثير الذى كان يتم تغييره وفقا لفصول السنة . وكان مجلسه فى ذلك المكان لكي يشرف منه على البستان وبركة الزئبق ، ويرى الصحراء والنيل والجبل والمدينة كلها فى الوقت نفسه .

ومن أعجب الحكايات التى رواها المؤرخون عن هذا الحاكم اللعوب المترف ، أن أباه “أحمد بن طولون ” كان قد بنى قرب مجلسه حجرة ، يجلس فيها رجال أسماهم ” المكبرين “، عددهم اثني عشر رجلا : يبيت منهم بالتناوب أربعة رجال فى كل ليلة “… يتعاقبون الليل نوبا يكبرون ، ويسبِحون ، ويحمدون ، ويهللون ، ويقرأون القرآن تطريبا بألحان ، ويتوسلون بقصائد زهدية ، ويؤذنون فى أوقات الأذان … ” . وعندما تولى خمارويه الحكم أبقى على أولئك المكبرين ؛ ولكن العجيب أنه كان يجلس مع ندمائه لشرب الخمر بين محظياته والمغنيات ، يستمع إليهن ويشاهد رقصهن ، فى الوقت الذى كان فيه المكبرون مستمرين فى أداء واجبهم . وقد لخص لنا المؤرخ تقي الدين المقريزي فى كلمات ساخرة الصورة التى كانت تضج بالتناقض بين المجلسين : “…. وكان يجلس للشراب مع حظاياه فى الليل ، وقيناته تغنيه ، فإذا سمع أصوات هؤلاء يذكرون الله ، والقدح فى يده ، وضعه على الأرض وأسكت مغنياته ، وذكر الله معهم أيضا حتى يسكت القوم ، لا يضجره ذلك ولا يغيظه بعد أن قطع عليه ما كان فيه من لذته بالسماع …”

وكأنما أراد ذلك الحاكم المستهتر اللاهي أن يمتلك عالم الحيوان بعدما ظن أنه امتلك عالم النبات والطير والإنسان : فبنى حظائر السباع ، والنمور والفهود ، . وأمر ببذل العناية الفائقة بها سواء من حيث نظام غذائها أو نظافة حظائرها ، “… وكان من جملة هذه السباع سبع أزرق العينين يقال له زريق …” ، وكان ذلك السبع أليفا ، وأنس خمارويه بحيث كان طليقا لا يؤذى أحدا . ويحكى المؤرخ القضاعى ، المعاصر لتلك الفترة ، أن السبع زريق كان يجلس إلى جوار مائدة خمارويه عندما يتناول غذاءه ؛ فيرمى له دجاجة بعد أخرى ، وقطعا من اللحم وكأنه كلب أليف . فإذا نام خمارويه جاء الأسد زريق ليحرسه ، ويبقى رابضا بالقرب منه بحيث لا يستطيع أحد أن يقترب من خمارويه .

من ناحية أخرى ، كان ذلك الحاكم المتباهي مولعا بالمظاهر والتظاهر بالعظمة التى لم يكن له منها نصيب . فقد كان يحاول أن يصطنع لنفسه مهابة كانت همته القاصرة لا توفرها له . واتخذ لنفسه حرسا يسير فى موكبه من رجال اشتهروا بالشجاعة والبأس ، وكانت أجسادهم فارعة “… ووسع لهم فى العطاء ، وشغلهم بما كانوا فيه عن قطع الطريق ، وأذية الناس ، بخدمته …” وقد ألبس خمارويه أولئك الفتيان الأقبية الفاخرة والحرير والمناطق ( أي الأحزمة ) العريضة الثقيلة ، وقلدهم السيوف المحلاة التى كانوا يعلقونها على أكتافهم . وكانوا يسيرون أمامه فى موكبه الذى كان له ترتيب خاص بيحث تجيء كل طائفة من الجند فى مكانها . وكان من ضمن حرسه فى الموكب ألف جندي أسود “… لهم درق من حديد محكم الصنعة ، وعليهم أقبية سود وعمائم سود ؛ فيخالهم الناظر بحرا أسود يسير لسواد ألوانهم وسواد ثيابهم ؛ وبعدهم بمسافة يأتى على فرسه وحوله حرسه الشخصي الذين عرفوا باسم ” المختارة ” ، وبهذا يكون ظاهرا فى موكبه . وتحكى المصادر التاريخية أنه كان كان ذا مهابة وسطوة بين حاشيته بحيث لا يستطيع أحد أن يتكلم أو يعطس ، أو يتنحنح ، “… وإلا ناله منه أذى عظيم …”

كان خمارويه مولعا بنفسه محبا لذاته ، منكبا على إرضائها بمظاهر الترف ، والتباهى بعظمة غائبة !!! ومن بين هواياته التى العديدة التى كان يشغل بها نفسه الخروج للصيد “… فإنه كان مشغوفا به ، لا يكاد يسمع بسبع إلا قصده ومعه رجال عليهم لبود …” وكان هؤلاء الرجال يمسكون السبع بأيديهم وهو سليم ، ويضعونه فى قفص خشب أعد لذلك : بحيث يكون أمام خمارويه حين يدخل عاصمته ” القطائع ” عائدا من رحلة الصيد .

كان أبوه أحمد بن طولون مولعا بالخيل وسباقها إلى حد كبير ؛ وقد ورث خمارويه هذا الولع بالخيل عن أبيه .ذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي أن حلبة السباق فى أيامه كانت “… تقوم مقام الأعياد لكثرة الزينة ، وركوب سائر الغلمان والعساكر على كثرتهم بالسلاح التام والعدد الكاملة ؛ فيجلس الناس لمشاهدة ذلك كما يجلسون فى الأعياد …” بل إن عرض الخيل فى عهد الطولونيين كان يعد واحدة من ” عجائب الإسلام الأربع ” فى ذلك الزمان على حد تعبيره.

ولكن ذلك الحاكم المترف السفيه الذى أنفق كل موارد البلاد وأرزاق العباد لإرضاء نزواته وإشباع ملذاته كان عليه أن يسدد حسلبه للزمن ؛ تقول المصادر التاريخية “… ولما تكامل عز خمارويه ، وانتهى أمره إلى ، بدأ يسترجع منه الدهر ما أعطاه ؛ فأول ما طرقه موت حظيته “بوران “التى من أجلها بنى بيت الذهب ، وصور فيه صورتها وصورته …” ويبدو أن موتها قد كسر خاطره وألبسه ثوب الحزن الذى رآه كل من حوله …  ثم جاء زواج ابنته ” قطر الندى ” من الخليفة العباسي المعتضد بالله ، وكان القصد من هذه الزيجة السياسية أن تكون بين ابن الخليفة وابنة خمارويه ؛ ولكن الخليفة راقت له العروس فخطبها لنفسه بدلا من ابنه !! . وأنفق خمارويه ما بقي من مال فى خزائن مصر لإعداد جهاز ابنته ” … فجهزها جهازا أضاهى به نعم الخلافة ؛ فلم يبق خطيرة ولا طرفة من كل لون وجنس إلا حمله معها…” بل إن هذا الحاكم الغريب بنى لابنته قصرا عند كل مرحلة من مراحل الطريق فيما بين مصر والعراق ، يضاهى كل منها قصر الطولونيين فى القطائع . ووصلت الأميرة المدللة ، بنت الحاكم السفيه ، إلى بغداد فى شهر المحرم سنة 282 هـ . وهناك تم زفافها إلى الخليفة المعتضد بالله العباسي . ويذكر المؤرخون المعاصرون أن جهاز قطر الندى كان سببا من أسباب خراب مصر وسقوط الأسرة الطولونية .

كانت مدة حكم خمارويه اثنتى عشرة سنة وثمانية عشر يوما ، وعلى الرغم من الطول النسبي لعهد ذلك الحاكم الذى أخرب البلاد بحماقته وإسرافه وتفاهته ، فإن التاريخ لم يجد فى سيرته شيا يسجله سوى ما يتعلق بأخبار ملذاته وترفه وبذخه …. وكانت نهايته خاتمة مناسبة لحياة خاوية … فقد قتله خدمه وجواريه الذين ذبحوه على فراشه فى دمشق ؛ ثم حملت جثته إلى مصر ، ولم يحزن لموته أحد على ما يبدو ….

من الحكام من يدخل التاريخ بسبب مآثره وإنجازاته لصالح أمته ؛ ومنهم من يدخل التاريخ بسبب فضائحه وجرائمه …..

إيه يا تاريخ ، ماذا بقي من خمارويه ؟؟؟!!!

التعليقات