التاريخ الشفاهي : بين الفولكلور والمصادر التاريخية – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في فبراير 7, 2015 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم
0 Flares 0 Flares ×

من المثير أن ما نظنه تعارضا بين الكتابة والشفاهية ليس سوى وهم لا وجود له فى الحقيقة : ذلك أن الشفاهية كانت ، ولا تزال ، الأصل فى نشر العلم والمعرفة . فقد عرف الإنسان التخاطب المباشرعن طريق الشفاهية قبل أن يتوصل إلى اختراع الكتابة فى الحضارات المختلفة التى عرفها الإنسان طوال رحلته ، التى لم تتم بعد ، على امتداد الزمان . فقد كانت الجماعات البشرية الأولى جماعات صغيرة بالضرورة ، وتعيش كل منها فى مكان واحد ؛ وهو ما يعنى أن التفاهم والتخاطب بين أفرادها كان مباشرا عن طريق الشفاهية . بيد أن التطور الذى جرى على تلك الجماعات البشرية الباكرة اقتضى التفكير فى وسائل للتفاهم والتخاطب تربط بين الجماعات المتباعدة من ناحية ، وتنقل المعلومات والأفكار من جيل إلى جيل آخرمن ناحية أخرى . ومن هنا بدأ الإنسان فى اختراع الكتابة التى ظهرت فى بداية الأمر فى شكل تصويري تحاكى الكلمات فيه الأشياء المراد التعبير عنها مثل اللغة المصرية القديمة ( وهناك لغات تصويرية موجودة حتى الآن مثل اللغة اليابانية واللغة الصينية ) ؛ ولم تلبث التطورات التاريخية أن دفعت الإنسان إلى ابتكار الأبجدية التى وضعت العلامات الدالة على الأصوات التى يتألف منها كلام البشر ؛ وانتشرت الأبجدية بسرعة بين غالبية الأمم والشعوب . ونخلص من قصة اللغة وتطورها فى تاريخ الإنسان إلى حقيقة مهمة مؤداها أن الشفاهية كانت الأساس الذى قامت عليه اللغة فى جميع الأمم والجماعات البشرية . ومن ثم ، فإن كل ما تحمله اللغة من معارف وأفكار كان محلا للتداول الشفاهي ؛ ولم يكن التاريخ استثناء فى ذلك بطبيعة الحال .

ولكن العالم لآ يزال يحتفظ بعدة مئات من اللغات أو اللهجات المنطوقة غير المكتوبة حتى يومنا هذا ؛ ومن ثم فإن الشفاهية وسيلة هذه الجماعات فى التفاهم والتخاطب ونقل المعرفة ومنها التاريخ بطبيعة الحال . ومن البديهي أن هذه الجماعات التى لا تملك لغة مكتوبة تتداول تاريخها مشافهة . ولا يزال التاريخ الشفاهي فاعلا فى ثقافة مثل هذه الجماعات البشرية الموجودة فى أماكن متفرقة من العالم . والتاريخ الشفاهي ممارسة ثقافية يعتد بها فى الجماعات البشرية كلها على أية حال . وهناك رواة يقومون برواية الأحداث التاريخية التى وقعت فى الماضى على أبناء جماعتهم ، ودور مثل هؤلاء الرواة مشابه ، إلى حد ما ، لدور المؤرخين الذين كانوا يسجلون الوقائع والأحداث فيما مضى ، أو يدرسون التاريخ ويبحثون فيه وفق منهج البحث الديث .

وفى العصر الحالى لا تزال الجماعات الإنسانية تعتمد على الشفاهية فى نشر العلم والمعرفة بدرجة أكبر من اعتمادها على الكتابة ( المحاضرات ، ونشرات الأخبار ، والندوات ، والاجتماعات السياسية والمناقشات الأدبية والمسرحيات …. وما إلى ذلك ) على الرغم من تقدم الوسائط الكتابيةالمدهش والمذهل ( الطباعة ، والطباعة الرقمية ، والحاسب والتصوير الألكتروني …. وغير ذلك ) الذى جعل الكتابة وتداول المكتوب أيسر وأسرع كثيرا مما عرفته البشرية طوال تاريخها . ومن ناحية أخرى ، فإن كثيرا مما هو مكتوب اعتمد فى الأصل على الشفاهية بمعنى أن معظم ما هو مكتوب كان نقلا عن أصل شفاهي ( باستثناء ما يكتبه المفكرون والأدباء والشعراء ) . ذلك أن الوثائق التى تسجل المحاضر المدونة لما تم فى المجالس والاجتماعات ، أو الاتفاقيات ، مثلا ، اعتمدت فى الأصل على ما  كان قد قيل شفاهيا فى تلك المجالس والاجتماعات .

ومن ناحية أخرى ، فإن التاريخ الشفاهي كان باستمرار يجمع بين نوعين من الصفات والخصائص : الطابع الفولكلوري ، والطابع التاريخي . وهناك فارق لا يكاد يكون واضحا بين التاريخ الشفاهي والحكي الشعبي ؛ إذ إن التاريخ الشفاهي بحكم طبيعته يعتمد على التواتر والنقل الشفاهي عبر السنين ليكون مايشبه الطبقات الجيولوجية  بحيث لا يمكن ضبط النص المتداول على أصل مكتوب ؛ ومن ثم تختلف كل رواية فى التاريخ الشفاهي عن أية رواية أخرى بحيث يمكن اعتبار كل رواية من هذه الروايات ” رواية أصلية ” فى حد ذاتها ؛ وهذه بالضبط طبيعة الحكي الشعبي والمأثورات . ويعنى هذا فى التحليل الأخير أن التاريخ الشفاهى يقف فى منطقة الحدود بين التاريخ والفولكلور ويجمع بين خصائص كل منهما وسماته : فمن يبحث فى التاريخ الشفاهي عن التاريخ سوف يجد الكثير من الوقائع والأحداث والأسماء والمصطلحات ، ومن يبحث فيه عن الحكي الشعبي سوف يجد الكثير من الخيال والأسطورة وخصائص الأدب الشعبي كما يعرفها المتخصصون فى هذه الدراسات .

ومن هنا تأتى أهمية الحديث عن التاريخ الشفاهي باعتباره فرعا من فروع المعرفة التاريخية أو نوعا من المصادر التى يعتمد عليها المؤرخون : ويصدق هذا على المؤرخين والباحثين فى كل زمان ومكان . فقد كانت الروايات الشفاهية أساس التدوين التاريخي الذى عرفه تاريخ الثقافة العربية الإسلامية مثلا فى القرون الهجرية الأولى على سبيل المثال . ومن يقرأ ما كتبه الطبري فى تاريخه الشهير ، سيجد نفسه كثيرا أمام روايات تاريخية شفوية تم تناقلها عن طريق ” العنعنة ” تتحدث عن حدث تاريخي ما ؛ وكثيرا ما نجد هذه فى كتب التاريخ التى كتبها المؤرخون المسلمون فى القرون الأولى بعد الهجرة ؛ بل إننا نجد مؤرخين كثيرين ينقلون لنا أخبارا تاريخية سمعوها شفاهة من مصادر معاصرة طوال عصور الثقافة العربية الإسلامية . ومن اللافت للنظر أن الروايات التى تتناول التاريخ الإسلامي الباكر ، ولاسيما تلك التى تتحدث عن حركة الفتوح الإسلامي ، تتسم بقدر كبير من التناقض والغموض الناتج عن أنها اعتمدت على روايات شفاهية فى الأصل من ناحية ، وأن تلك الروايات بقيت محلا للتداول الشفاهي عبر القرون من ناحية أخرى .

ويرجع بعض الباحثين السبب فى ذلك إلى الإضافة والحذف والتعديل الذى تعرضت له الروايات الشفاهية ، لسبب أو لآخر ، على مرِ الزمان ، حتى تم تدوينها بداية من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي فصاعدا. وكانت النتيجة ، أن هذه الروايات التاريخية اكتست طبقات من الخيال والأسطورية  المتمثلة فى المأثور الشعبي ؛ وجمعت بين خصائص التاريخ وسمات الفولكلور مما يسبب إرباكا لكثير من الباحثين ويضعهم فى مأزق وحيرة ،  وقد نتج عن هذا أن بعضهم قرر عدم الاعتماد على روايات المصادر العربية عن الفتوح العربية الإسلامية تماما واعتبارها نوعا من الفولكلور والأساطير ؛ وهو موقف غير علمي على أية حال .

وفى مجال البحث التاريخي فى الوقت الحالي ينقل الباحثون فى التاريخ الحديث والمعاصر شهادات السياسيين على عصرهم ؛ وروايات الفنانين والمشاهير عن رحلة حياتهم : وهي روايات شفاهية تحمل كثيرا أو قليلا من شبهة الانحياز للذات . وهو نمط من التاريخ الشفاهي الذى لا يزال يمثل ممارسة ثقافية مطلوبة فى المجتمعات المعاصرة .

وربما يكون مناسبا بعد هذه المقدمة الموجزة أن نتحدث عن “التاريخ الشفاهي ” من حيث كونه فرعا من فروع المعرفة التاريخية أولا ؛ ومن حيث طبيعة ارتباطه بالموروث الشعبي ثانيا ؛ ومن حيث أهميته فى نشر المعرفة التاريخية ثالثا .

أما من حيث كون “التاريخ الشفاهي ” فرعا من فروع المعرفة التاريخية فرعا من فروع المعرفة التاريخية ، فهو فى ظنى أمر لا يرقى إليه الشك : ذلك أن هذا النمط من التاريخ يجمع كل السمات والخصائص التى تجعلنا نصف نمطا من أنماط المعرفة أو المارسة الثقافية بأنه تاريخ ، فيما عدا الكتابة والتدوين .ولا شك فى أن التاريخ الشفاهي وسيلة معرفية جيدة فى المجتمعات التى تفتقر إلى الوسائط الكتابية لسبب أو لآخر من ناحية ؛ وفى المجتمعات التى تتوافر بها الوسائط الكتابية الحديثة أيضا . ففى المجتمعات القديمة ( قبل اختراع الكتابة ) كانت الرواية التاريخية الشفاهية مهمة تماما لتنمية وعي الجماعة البشرية بذاتها : وهو أمر لا يزال صحيحا بالنسبة للقبائل والجماعات البدائية التى تلقن أبناءها تاريخ القبيلة أو الجماعة ، وشجرات النسب التى تبنى عليها ، لتحاول تأكيد ذاتها فى مواجهة القبائل الأخرى فى مناطق مختلفة من العالم .

ويصدق هذا المعنى تماما على أنماط العرفة التاريخية البسيطة التى عرفتها القبائل العربية قبل الإسلام عندما كانت الأنساب ( التى تتحدث عن الأصول الحقيقية والأسطورية – دونما تفرقة – لكل قبيلة لتأكيد هويتها ) تثير دواعى الفخر والانتماء فى نفوس أبناء القبيلة ؛ و”أيام العرب ” (التى كانت تتناول تاريخ المواقع الحربية ” الأيام ” التى انتصرت فيها القبيلة ) لتكون من علامات الفخر فى تاريخ هذه القبيلة أو تلك . وقد كانت القبيلة فى المجتمعات القبلية ، فى كل مكان ، وفى جميع العصور ، بمثابة “الوطن ” الذى ينتمى إليه أبناء القبيلة ولا يشعرون بالأمن سوى فى رحابها ، ولا يرى  الواحد منهم نفسه خارج الانتماء إليها . ولهذا كان ” الخلع” ، أي طرد الفرد خارج نطاق القبيلة ،  وكانت الرواية التاريخية الشفاهية ( التى تتحدث عن أنساب القبيلة ببطونها وأفخاذها ، وتتحدث عن أمجاد القبيلة وبطولات أبنائها ) الوسيلة الوحيدة المتاحة لنقل هذا النمط من أنماط ” المعرفة التاريخية “.

وهنا تتجلى أهم خصائص التاريخ الشفاهي واضحة جلية . فالتاريخ الشفاهي يخاطب فى الأساس فئات بسيطة تجذبها الرواية التى تختلط بها العناصر الخيالية من ناحية ، كما تحمل الطبقات التى حملتها الرواية الشفاهية ، بسبب تعدد الرواة والناقلين ، الكثير من الإضافات  فيما يشبه الطبقات الجيولوجية ، من ناحية أخرى . وفضلا عن هذا وذاك ، نجد فى هذه الروايات التاريخية الشفاهية خيطا رفيعا يفصل بين التاريخ الشفاهي والموروث الشعبي بسبب الرواية الشفاهية الى تحمل كلا منهما ، وما تضيفه من طبقات إلى الرواية الأصلية .

كذلك ، فإن التاريخ الشفاهي – بعد تدوينه ليصير تاريخا مكتوبا – يحمل دائما نكهة الحكي الشعبي : فهو فى الأصل نسيج قصد به مخاطبة جمهور من السامعين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة ، ولم يكن مكتوبا لكي يقرأه جمهور من القراء . ومن ثم ، فإن الراوى يعتمد فى التاريخ الشفاهي على عناصر الحوارالخيالي والإثارة والمبالغة فى وصف الأحداث والشخصيات التى تتناولها روايته بقصد الفوز باستحسان السامعين ورضائهم . ومن ناحية ثانية ، نجد فى التاريخ الشفاهي المثل والقيم التى ترضى جمهور السامعين وتحمل لهم التعويض عن حاضر لا يرضون عنه أو يرضون به  لسبب أو لآخر ؛ وهنا نتجد الحدود الفاصلة بين التاريخ الشفاهي والحكي الشعبي تكاد أن تختفى أو تتلاشى تماما . وهنا نأتى إلى النقطة الثانية التى تتعلق بصلة التاريخ الشفاهي بالموروث الشعبي .

هذه الخصائص نجدها فى عدد من النصوص التى تقع فى منطقة الحدود بين التاريخ والحكى الشعبي ؛ ومن ثم ، فإننا لا يمكن أن نعتبرها نصوصا تاريخية خالصة ، أو نصوصا خالصة من الحكي الشعبي . بيد أن هذا لا يعنى بأي حال ، أنها نصوص عارية من القيمة التاريخية ؛ وإنما العكس هو الصحيح . فهذه النصوص التى يحملها ” التاريخ الشفاهي ” عادة ما توفر للباحثين فى مجال الدراسة التاريخ معلومات لا تتوفر فى المصادر التاريخية التقليدية ؛ لاسيما فى ما يتعلق بالنظام القيمى والأخلاقي للجماعة البشرية التى يتحدث عنها النص ؛ العناصرالتعويضية التى يحملها النص بدلا من القيم السائدة التى لا ترضى عنها الجماعة ؛ فضلا عن أن النص يشى عادة بروح الجماعة التى أنتجته ولا يحمل بصمات المؤرخ الذى كتبه ( مثلما يحدث فى الكتب التاريخية التقليدية التى تحم اسم مؤلفها ) . وفى النصوص التاريخية التى اعتمدت على رواية شفاهية غالبا ما نجد عبارة متكررة مثل” قال الراوى ” التى تدل على الأصل الشفاهي ؛ وربما تتم نسبة الرواية إلى راو بعينه بقصد إضفاء نوع من الصدق على الرواية الشفوية أو النص الذى اعتمد عليها .

فالتاريخ الشفاهي فى حقيقته إنتاج ثقافي جماعي وليس من تأليف مؤرخ بعينه . وبطبيعة الحال ، لا يصدق هذا على التاريخ الشفاهي فى تاريخ الثقافة العربية الإسلامية وحدها ، ولكنه يصدق أيضا على التواريخ الشفاهية فى كل ثقافة وفى كل زمان . فقد كانت أوربا فى تلك الفترة من تاريخها  التى عرفت باسم ” العصور الوسطى ” أسيرة للجهل والتخلف الثقافي والفكري الناجم عن سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على أمور العلم والتعليم الذي بات محصورا داخل نطاق الأديرة حتى القرن الحادى عشر على الأقل . ومن ثم ، كانت الأمية سائدة فى كافة المجتمعات الأوربية بحيث اعتمدت المعارف ، ومن بينها التاريخ بطبيعة الحال ، على النقل الشفاهي بكل ما يعنيه هذا من المزج بين الوقائع والأحداث التاريخية الحقيقية والحكى الشعبي الذى يثقله الخيال ، وتتسرب فى ثناياه الأسطورة . لقد سادت المعرفة الشفاهية فى أوربا آنذاك ، واحتلت مكانا متقدما على الكتابية التى انحصرت دالخل جدران الأديرة فى غالب الأحيان لأسباب كثيرة منها سيادة الأمية ، وقلة عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة ، فضلا عن ارتفاع أثمان مواد الكتابة والكتاليف الباهظة للنسخ بحيث لم يكن من الممكن إعداد نسخ تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة فى أحسن الأحوال من الكتاب الواحد . ومن الطبيعي فى ظل مثل هذه الظروف أن تكون الشفاهية الوسيلة المناسبة لنقل المعرفة بشتى فروعها ؛ ولم تكن المعرفة التاريخية استثناء فى هذا بالضرورة . فقد كان التاريخ الشفاهي فى أوربا العصور الوسطى ، ممتزجا بالحكي الشعبي يجمع بين خصائص التاريخ وسمات الفولكلور. وقد يكون من المفيد هنا أن نقدم بعض النماذج للتدليل على ما ذهبنا إليه فى السطور السابقة .

ولعل أقدم النماذج الدالة على أهمية التاريخ الشفاهي فى تاريخ المعرفة التاريخية الأوربية أسبق كثيرا من فترة ” العصور الوسطى “يتمثل فى الملحمتين الإغريقيتين الشهيرتين : الإلياذة والأوديسية اللتان تعودان إلى الفترة القديمة ( أو الكلاسيكية ) فى التاريخ الأوربي . ومن المسلم به أن العلم والتعليم والفكر والثقافة فى تلك الفترة كانت وقفل على الطبقات العليا فى المجتمع اليوناني القديم ؛ ومن ثم فقد كانت هاتان الملحمتان اللتان تدوران حول نواة تاريخية حقيقية هى حرب طروادة ولكنهما حملتا الكثير من الطبقات الأسطورية والقشور الخيالية نتيجة التواتر الشفاهي عبر الزمان . ويرى بعض الباحثين 0أن هوميروس الذى تنسب إليه هاتان الملحمتان شخصية أسطورية وليس شخصية تاريخية حقيقية : وهو ما يعنى أن الملحمتين إنتاج ثقافي جمعي للحضارة الإغريقية القديمة . وعلى الرغم من ذلك فإن الباحث عن الأسطورة فيهما سيجد الكثير من التاريخ من ناحية ؛ والباحث عن التاريخ سيجد كثيرا من الأساطير من ناحية أخرى . وقد أثبتت الحفريات والدراسات التى قام بها علماء الآثار فى آسيا الصغرى الوجود التاريخي لطروادة ؛ كما أثبتت الدراسات التاريخية صدق حديث الملحمتين عن العادات والتقاليد الإغريقية القديمة ؛ والنظام الاجتماعي والديانات ؛ والحرب وأساليبها فى ذلك الزمان : وهو ما يؤكد أهمية التاريخ الشفاهي باعتباره مصدرا من مصادر البحث التاريخي . صحيح أنه تم تدوين نص كل من الإلياذة والأودسية بعد ذلك ؛ لكن الصحيح أيضا أن الأصل الشفاهي ظل حيا على ألسنة الرواة فترة طويلة من الزمان قبل التدوين .

والمثال التالى من تاريخ الثقافة الأوربية يتجسد فى قصيدة “بيوفولف” الملحمية التى دونت فى العصور الوسطى الباكرة نقلا عن نص شفاهي ظل متداولا على مدى عدة قرون قبل تسجيله فى القرن العاشر الميلادي ؛ وهذه القصيدة تحمل كل القيم والمثل الجرمانية والإقطاعية التى سادت فى أوربا إبان تلك الفترة من تاريخها ، وقد اعتمد عليها المؤرخون والباحثون لإعادة بناء صورة المجتمع الجرماني فى ذلك الحين ؛ كذلك كانت أغانى المآثرChansons de gestes  فى العصور الوسطى الباكرة من أهم مصادر التاريخ الشفاهي التى سجلت لنا القيم والمثل والأفكار التى قامت عليها المجتمعات الجرمانية والنظم الإقطاعية التى عرفتها أوربا بعد ذلك : إذ إن تلك الأغانى الشفاهية ، والتى كانت تنشد على أنغام القيثارة ، كانت تخاطب جمهورا من الأميين الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة ، لتحدثهم عن البطولات والمآثر التى كان يفوم بها الفرسان الإقطاعيون – سواء كان ذلك حقيقة أم خيالا – وبذلك تكرس فكرة التنظيم الاجتماعى الأوربي  الذى صاغته الكنيسة الكاثوليكية فى تلك الفترة التاريخية ؛ وهو تنظيم كان قائما على افتراض أن المجتمع الأوربي الكاثوليكي يقوم على دعائم ثلاث : الذين يصلون ( أي رجال الكنيسة ) وهم عقل المجتع الذى يفكر وعينه التى ترى الطريق الصحيح ؛ والذين يحاربون ( أي طبقة الفرسان الإقطاعيين ) وهم صدرالمجتمع وذراعه التى تحارب دفاعا عنه ؛ والذين يعملون ( أي طبقة الفلاحين والأقنان ) وهم الذين يعملون فى الحقول لإنتاج ما يعولهم ويعول أبناء الطبقتين الأخريين . ومن أشهر تلك القصائد التى جمعت بين التاريخ الشفاهي والحكي الشعبي ” أنشودة رولان ” التى تتحدث عن شارلمان وعصره وقيم الولاء الإقطاعيى التى تمثلت فى التضحيات التى قام بها أحد أتباعه وهو ” رولان ” وهو يحارب من أجل سيده شارلمان وضحى بخياته فى المعركة . وتتعددد الأمثلة الدالة على نصوص تجمع بين التاريخ الشفاهي والحكي الشعبي من تاريخ الثقافة الأوربية فى العصور الوسطى .

وفى عصر الحروب الصليبية ، التى شنتها أوربا الغربية تحت زعامة الكنيسة الكاثوليكية على المنطقة العربية ، ظهر التاريخ الشفاهي ليلعب دورا مهما فى  الترويج للمزاعم الصليبية من ناحية ، وليكون مصدرا بالغ الأهمية بالنسبة للباحثين فى تاريخ تلك الظاهرة التاريخية الفريدة  فى العصور الحديثة من ناحية أخرى . فقد كانت ” أغانى الحروب الصليبية  Chansons des Croisades  “؛ التى تحث أبناء الغرب الأوربي على الانضمام لتلك الحملات  ؛ والتى تحدثت بعد ذلك عن الانتصارات والبطولات المزعومة التى قام بها زعماء الحملة الصليبية الأولى ، والحملات التالية ، مثالا رائعا على الدور الذى يمكن أن يلعبه التاريخ الشفاهي فى المعرفة التاريخية ؛ فضلا عن كونها أمثلة دالة على الفولكلور، والحكي الشعبي بصفة خاصة ، الذى يحمل فى طياته قدرا كبيرا ، أو صغيرا ، من المعلومات التاريخية . ذلك أن تلك الأغنيات كانت تنشد بمصاحبة موسيقى بسيطة لتحكي للناس فى أوربا عن ” البطولات والأمجاد ” التى قام بها جنود ” حملة الرب ” ( أي الصليبيين ) “ضد الكفار ” (أي المسلمين والعرب ) ؛ وفى زمن لم يعرف سوى هذه الوسائل البسيطة من وسائل الإعلام كانت الأغانى وسيلة ناجعة فى زرع الإيديولوجية الصليبية ، والدعاية للحملات الصليبية ، فى كافة أنحاء الغرب الأوربي على امتداد فترة طويلة من تاريخه .

وربما يكون مناسبا أن نكتفى بهذه الأمثلة من تاريخ الثقافة العربية الإسلامية ، ومن تاريخ الثقافة الأوربية فى العصور القديمة والعصور الوسطى ؛ ويبقى بعد ذلك سؤال يطرح نفسه فى إلحاح : إلى أي مدى يمكن الاعتماد على التاريخ الشفاهي فى الدراسات التاريخية ؟

فى البداية يجب أن نتعامل مع هذه الأنماط من التاريخ الشفاهي باعتبارها مصدرا من مصادر التاريخ الفكري والتاريخ الثقافي ؛ ولا يمكن اعتبارها مصدرا من مصادر التاريخ السياسي ، أو العسكري ، أو الاقتصادي . ذلك أننا نبحث فى روايات التاريخ الشفاهي عن الأفكار ، والقيم ، والمثل التى سادت فى فترة تاريخية ما ، وفى مجتمع بعينه ، والتى عبرت عنها تلك الروايات الشفاهية تعبيرا جمعيا يشى بموقف الجماعة ورؤيتها للأحداث والشخصيات التاريخية التى تتناولها تلك الرواية . كما أن الروايات التاريخية الشفاهية تحمل ما تغفله فى الغالب المصادر التاريخية التقليدية ( مثل الحوليات التاريخية ، أو كتب التاريخ بأنماطها المتنوعة ، والوثائق المختلفة ، والمصادر المادية من آثار ومسكوكات وغيرها ) . فهى تحدثنا عن أنماط البشر الذين لا تهتم بهم المصادر التقليدية من بسطاء الناس وأرباب المهن والحرف الذين لم يكن التاريخ الرسمي يهتم بهم حين كان مرادفا لسير الملوك وأخبارهم ولا يلقى بالا إلى حياة البسطاء من صناع التاريخ الحقيقيين وأخبارهم ؛ وتحدثنا هذه الروايات التاريخية الشفاهية عن وقائع غابت لسبب أو لآخر عن المؤرخين الرسميين  أو تغافلوا عنها ؛ فضلا عن أنها تحدثنا عن تاريخ أهمله التاريخ المدون والمؤرخون التقليديون ، ولم يسجله غير رواة ” التاريخ الشفاهي “.

وهذا النموذج الأخير من الرواية التاريخية الشفاهية كان سائدا فى منطقة الخليج العربي قبل التطور الحديث الذى ألم بتلك المنطقة فى العقود الأخيرة من القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الحادى والعشرين ،. ولست أعرف كثيرا عن الجهود التى بذلت لتوثيق تلك الرويات الشفاهية ومدى الاستفادة منها فى دراسة التاريخ المحلي لدول منطقة الخليج العربي ، لكن الذى أعرفه أن الروايات التى تتناول التاريخ الشفاهي لهذه المنطقة تحمل قيمة ثقافية وعلمية كبيرة .

ومن ناحية أخرى ، هناك مجتمعات أخرى موجودة الآن فى مناطق متفرقة من عالمنا المعاصر تغتذى على الروايات الشفاهية التى تتحدث عن أصولها وتاريخها. ويقوم الباحثون فى التاريخ والأنثربولوجيا الثقافية وغيرهم منذ فترة بعيدة على دراسة مثل هذه المجتمعات ومحاولة استداد صورتها التاريخية من ذمة الزمان عن طريق التاريخ الشفاهي الذى يحفظه ويرويه ذلك النفر من الرواة أبناء تلك المجتمعات الذين يقومون بممارسة ثقافية لها أهميتها فى مجتمعاتهم ، وتحتاج إليها . ولكن المؤرخين ، أو الباحثين فى التاريخ ، يتبغى أن يكونوا غاية فى الحذر وهم يتعاملون مع التاريخ الشفاهي : فلا يمكن الأخذ به باعتباره تاريخا بالمعنى الذى تعارف عليه المؤرخون والباحثون فى الدراسات التاريخية من جهة ؛ ولا يجب إهماله والتغاضى عنه بحجة أنه حافل بالمادة الخرافية والأسطورية من جهة أخرى ، وإنما يجب البحث فى مثل هذه الروايات الشفاهية عن  العناصر التى لم تكتب بقصد أن تكون تاريخا ولكنها جاءت فى سياق الكلام والمصطلحات التى يستخدمها الراوى لجعل روايته تبدو رواية تاريخية صادقة .

الخلاصة إذن من هذه المقدمة الموجزة أن “التاريخ الشفاهي ” ممارسة ثقافية مهمة وضرورية وجدت منذ بداية المجتمعات البشرية نفسها ، ولاتزال موجودة تؤدى دورها فى خدمة سعي الإنسان لمعرفة نفسه من خلال التاريخ : فالتاريخ صانع الإنسان وصنيعته لأن الإنسان يصنع التاريخ من خلال حركته فى الكون ؛ كما أن التاريخ ، من ناحية أخرى ، يصنع الإنسان من خلال مساعدته على معرفته بذاته من ناحية ، ومن خلال ترسيخ المثل والمبادئ التى يقوم عليها النظام القيمي والأخلاقي فى كل مجتمع من المجتمعات البشرية من ناحية أخرى وهنا لا نجد فرقا فى وظيفة التاريخ بين النمط المكتوب والنمط الشفاهي من المعرفة التاريخية . ولكننا سوف نجد بالضرورة فرقا بين النمطين من حيث مدى اقتراب كل منهما ، أو ابتعاده ، عن الخيال الذى يحمله الحكى الشفوي ، وعن صفات الفولكلور وسماته . ذلك أن التاريخ الشفاهي أقرب للحكى الشعبي الفولكلفوري ، ويشاركه الكثير من صفاته النوعية بحيث تكاد الحدود تتلاشى فى بعض الأحيان بين الإثنين بيد أن التفرقة بينهما سهلة وميسورة باستخدام المنهج العلمي للبحث التاريخي . ولكن هذا لايعن بأي حال من الأحوال أن التاريخ المكتوب معصوم من التعرص لللخيال المتسرب من القراءة الأسطورية للتاريخ .

التعليقات