عندما أَثَّر العرب في أوربا – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في يوليو 23, 2014 عن طريق - قسم أوربا و الإسلام تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم
0 Flares 0 Flares ×

الحديث عن تأثير العرب على أوربا في الفترة التي تسمى (العصور الوسطى) حديث ذو شجون, ويزيد من هذه الشجون أن حديثنا عن ماض مجيد يجيء في ظل حاضر قبيح انتقلنا فيه من مكان (الفاعل) إلى مكان (المفعول به) في الجملة الحضارية العالمية.

إن الشروط التاريخية الموضوعية لتفوق الحضارة العربية الإسلامية هي الإطار الممكن للسعي إلى بعث الأمة العربية من جديد, وليست هذه دعوة سلفية بأي حال من الأحوال وإنما هي دعوة لمعرفة الشروط التي يسّرت بناء الحضارة العربية الإسلامية والبحث في إمكان تحقيقها. وفي تصوّري أن قيمتين أساسيتين كانتا وراء ازدهار الحضارة العربية الإسلامية – وأية حضارة أخرى – هما العلم والعدل, فهل يمكن تحقيقهما في العالم العربي?!!

بيد أن موضوعنا يمثل فصلاً آخر في فصول قصة هذه الحضارة: وهو الفصل الخاص بالتواصل والتأثير, والتأثر, بأوربا في العصور الوسطى. فقد حولت حركة الفتوح الإسلامية البحر المتوسط الذي كان الرومان يسمّونه (بحرنا) إلى بحيرة عربية إسلامية عندما فتحوا الشواطئ الشرقية والجنوبية لهذا البحر, وعبروا مضيق جبل طارق إلى شبه جزيرة إيبيريا, وفرضوا سيادتهم على جزر البحر المتوسط.لكن الأمر لم يكن مجرد غزو عسكري, وإنما كان استقرارًا وبناء. ومن ناحية أخرى لم يكن البحر المتوسط عامل فصل بقدر ما كان عامل وصل وتواصل بين المنطقة العربية وأوربا.

لقد حققت الحضارة العربية الإسلامية إنجازًا معرفيًا هائلاً سواء من حيث التراكم المعرفي الذي كان بمنزلة طفرة معرفية في تاريخ العلم, أو من حيث نقل العلم من المرحلة الوصفية التي وقف عندها اليونان وغيرهم من القدماء إلى المرحلة التجريبية والتطبيقية.

الإسلام والتقدم العلمي

وكان طبيعيًا أن تمتد تأثيرات هذا كله إلى الحضارة المجاورة: الحضارة الأوربية الكاثوليكية التي كانت تحاول أن تنفض عن نفسها غبار التخلف في الفترة التي اصطلح المؤرخون على تسميتها (العصور الوسطى). ومنذ القرن الحادي عشر الميلادي أخذت أوربا تتململ في ثوبها الإقطاعي والكنسي الضيق. ويعتبر هذا القرن من أهم القرون في التاريخ الأوربي, إذ كان عصر المغامرة والرحلة والحروب الصليبية أي أنه كان عصر اكتشاف (الآخر). وكان (العرب:) يمثلون هذا الآخر بالنسبة لأوربا (وقد استخدم الأوربيون كلمة (العرب) وكلمة (المسلمون) باعتبارهما مترادفتين تدلان على الجنس أو العرف أنفسهما). وكان العرب يمثلون (الآخر) الغائب الحاضر دائمًا, فهو (العدو) المخيف والمكروه, وهو (الجار) المتحضّر (المحسود) في الأندلس وصقلية والمنطقة العربية, وعلى الرغم من هذا, وربما بسبب هذا, بدأت محاولات متناقضة لضرب هذا (الآخر). (الحروب الكاثوليكية في الأندلس والحروب الصليبية في الشرق العربي, وعمليات القرصنة في البحر المتوسط), والإفادة من هذا الآخر (التجارة, والترجمة والتتلمذ على الصناعات والحرف العربية).

التجارة أولاً

كانت التجارة أسبق من غيرها في وسائل الاتصال بين أوربا والعالم المسلم, فبعد سنة 1000 ميلادية تقريبًا تصاعد النشاط التجاري الأوربي في عالم البحر المتوسط, وشارك الأوربيون المسلمين الملاحة والتجارة فوق مياه هذا البحر, وعن هذا الطريق وصلت الأرقام العربية إلى أوربا, كما دخلت المصطلحات التجارية ذات الأصول العربية, مثل الشيك, والتعريفة, والمرور, ودار الصناعة والديوان وغيرها, فضلاً عن الأسماء المتعددة في عالم الملاحة, وأسماء المصنوعات العربية في مجال النسيج مثل (الدمشقي) و(البغدادي) والفسطاطي (الذي حُرّف فيما بعد إلى كلمة فستان (Fustians)).

كذلك تم نقل التكنولوجيا الزراعية العربية إلى أوربا الغربية من خلال مناطق مثل فالنسيا وصقلية, بالإضافة إلى الزجاج والفخار المطلي بطبقة زجاجية والورق, وهي كلها بضائع كانت ذات قيمة عالية في تجارة البحر المتوسط عند بداية القرن الخامس عشر.

أما تأثير التكنولوجيا العربية الراقية في الهندسة الميكانيكية في أوربا الغربية في العصور الوسطى فقد أبرزته الدراسات الحديثة بشكل حاسم. والكتب التي تصف الآلات نادرة للغاية, ولكن هناك ثلاثة إخوة عراقيين عرفوا باسم (بني موسى) نسبة إلى أبيهم (موسى بن شاكر) (الذي كان رفيقًا مقربًا من المأمون قبل أن يتولى الخلافة, وأثناء ولايته على خراسان). وكان الإخوة الثلاثة من ألمع نجوم الثقافة العربية الإسلامية في بغداد القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي. كانوا علماء أفذاذا ومهندسين بارعين ويُنسب إليهم أكثر من عشرين مؤلفًا في التكنولوجيا الراقية لم يبق منها سوى ثلاثة, أحد هذه الكتب في الرياضيات ولم تبق منه سوى الترجمة اللاتينية (مما يدل على أن أوربا كانت تهتم بترجمة هذه الأعمال أثناء محاولات النهضة), والثاني عن الآلات ذاتية الحركة, أما الثالث فهو وصف لآلة موسيقية ذاتية الحركة أيضًا. (أقرأ العرب ودُماهم المتحركة في هذا العدد).

بنو موسى والصمام المخروطي

وكانت هناك مؤلفات عربية أخرى في تاريخ الهندسة الميكانيكية, فقد وردت ابتكارات ميكانيكية للمرة الأولى في كتابات المهندسين العرب, مثل الصمام المخروطي الذي استخدمه بنو موسى بكفاءة عالية, ووصفه الخوارزمي (ت370/هـ/981م) في (مفاتيح العلوم), كما أورد الجزري مزيدًا من التفاصيل عنه. وقد ظهر هذا الصمام المخروطي في أوربا لأول مرة في كراسات ليوناردو دافنشي (ت1519م). ويمكن أن نورد مزيدًا من الأمثلة في الهندسة الميكانيكية ابتكرها العرب ونقلها علماء أوربا في عصر النهضة, مثل ذراع التدوير, وأجهزة الضبط والتحكم, وتوليد القوى المحرّكة بوسائل هيدروليكية…وما إلى ذلك, وكلها تكشف عن مستوى دراية المهندسين العرب وخبرتهم التي نقلها عنهم الغرب.

وربما كانت الساعة الميكانيكية أهم آلة عرفتها العصور الوسطى, وكان هناك زعم بأن هذه الساعة من اختراع صانع ساعات مجهول من غرب أوربا قرب نهاية القرن الثالث عشر, ولكن الثابت – الآن – أن كل عناصر تصميمها كانت معروفة لدى العرب قبل ذلك بسنوات عدة.

وقد أشرف ألفونسو العاشر ملك قشتالة (1226-1284م) على تجميع ترجمات الكتب العربية في كتاب Libros del Saber لجعل المعارف العربية متاحة باللغة القشتالية.

وليس من السهل أبدًا تتبع نشر الأفكار التكنولوجية التي تنتقل عادة بوسائل غير مكتوبة (إذ إنها تنتشر عن طريق الاتصالات بين الحرفيين, وحكايات الرحالة وتقليد الأعمال المصنوعة). ومن ثم, فلا يمكن أن نجد باستمرار الدليل الحاسم على مسار فكرة تكنولوجية بعينها من منطقة ثقافية إلى منطقة ثقافية أخرى. وليس واردا أن نصدق أن الساعة الميكانيكية ظهرت في أوربا فجأة ومن دون مقدمات, وإنما كانت نتيجة للتأثيرات العربية, مثلما هو الحال في مجالات أخرى كثيرة.

ومن مجال التكنولوجيا الراقية ننتقل إلى الفنون التشكيلية. ويهتم علماء الآثار ومؤرخو الفن عموما برصد التأثيرات الإسلامية على المشغولات المعدنية في أوربا العصور الوسطى, سواء من حيث النماذج والأشكال والتصميمات, أو من حيث التقنية المستخدمة في هذا المجال.

ومن المؤكد أن هناك دليلاً يؤكد أن المشغولات المعدنية قد وصلت من المنطقة العربية, ومن العالم الإسلامي إلى أوربا في العصور الوسطى.

وقد اعتمدت الخزفيات ذات البريق المعدني الأوربي على الخزف العراقي الذي يرجع إلى القرنين الثالث والرابع الهجريين/ التاسع والعاشر للميلاد. كذلك اقتبس الغربيون أسلوب الورنيش المحروق للرسم على الأسطح النحاسية على نحو ما يظهر على منبر الوعظ الخاص بهنري الثاني في آخن بألمانيا. ومن ناحية أخرى, جاءت تصميمات زخرفية أخرى من المنطقة العربية إلى أوربا وحظيت بانتشار واسع مثل الرسوم الحلزونية المرسومة على أرضية سوداء, ورسوم الأرابيسك التي انتقلت إلى أوربا من خلال الحروب الصليبية.

بل إن التصميمات الزخرفية العربية تركت تأثيراتها على الأدوات المستخدمة في الكنائس مثل كأس العشاء الرباني في ويلتون الذي يحمل تأثيرات الفن الإسلامي الواضحة. بل إننا نجد نسخا من نقوش عربية على بعض هذه القطع مثل كأس العشاء الرباني وطبق خبز التناول الموجود بأحد متاحف فيينا حاليا.

وفي مجال الطلاء بالميناء في الأعمال الزخرفية أثبتت الدراسات الحديثة أن هناك أصولا إسلامية للخزف المصنوع في ليموج, وكان مؤرخ الفن بوشتال هو أول من اكتشف هذه العلاقة في دراسة له سنة 1946م. وقد خلص إلى نتيجة مؤداها (إن طبق أنسبروك (الذي صنع في العراق لداود بن سقمان ت1144م حاكم ديار بكر وحصن كيفا والمحفوظ بمتحف أنسبروك) مجرد مثال على منتجات الصُنَّاع في العالم الإسلامي, ولاسيما في شمال العراق.

ولا شك في أن بعض قطع من إنتاجهم قد وصلت إلى فرنسا بصحبة الفرنج الصليبيين. وبذلك قدموا لصناع ليموج فكرة التصميمات المطلية بالميناء, وقد تمسك هؤلاء بهذه التصميمات في الشكل العام وموضوع التصميم تمسكًا شديدًا).

للكوميديا الإلهية مصادر عربية

فإذا ما انتقلنا إلى التأثير في مجال الأدب يمكن الحديث عن موضوع قديم متجدد هو التأثير الإسلامي في الكوميديا الإلهية التي كتبها دانتي الليجيري قرب نهاية القرن الرابع عشر. فإذا ما وافقنا على اعتبارها معجزة الأدب الأوربي وأرقى القصص المسيحية الأوربية, فالواجب البحث في مدى ما يدين به النص للمصادر العربية. ويمكن لمشكلة العناصر العربية في (الكوميديا الإلهية) أن تجد لنفسها الحل من خلال النظر إلى الشعر باعتباره مقياسًا لعصر لم تكن فيه ثقافة أوربا المسيحية منفصلة أو مغلقة تجاه ثقافة العالم الإسلامي. وبعبارة أخرى فإن (الكوميديا الإلهية), مثلما تعكس الأحوال السياسية والدينية والثقافية في فلورنسا وإيطاليا, فإنها تكشف أيضا عن أن أوربا كانت تحت ظلال الثقافة الإسلامية في عزّ محاولتها صياغة هويتها الثقافية.

وقد رصد المستشرق آسين بلاثيوس التأثيرات الإسلامية التي قسمها إلى ثلاث مجموعات: قصة الإسراء والمعراج, وقصة صعود صوفية إلى السماء- كتبها ابن عربي – ورسالة الغفران – التي كتبها الشاعر أبو العلاء المعري (ت449هـ/ 1058م) – وقد أثار ما كتبه آسين جدلاً عنيفًا في الأوساط الثقافية والأكاديمية الأوربية وانقسم الباحثون إلى معسكرين متحاربين, وكان يمكن للجدل الذي نشب منذ عشرينيات القرن العشرين أن يستمر إلى اليوم على حالة لولا اكتشاف نص ترجمة فرنسية ولاتينية لقصة المعراج بعنوان La Escala de Mahoma يرجع إلى القرن التاسع عشر. واكتشف الباحثون أنه كان قد ترجم إلى اللغة القشتالية أصلاً في خمسينيات القرن الثالث عشر.

وقد أثبت البحث الحديث أن دانتي تأثر بهذا الكتاب تمامًا, ولكن في سياق خصومته للإسلام, لاسيما أن (الكوميديا الإلهية) كانت مستوحاة من روح العداء التي كانت سائدة ضد الإسلام. والكوميديا الإلهية نتاج أوربي جاء في خضم انشغال أوربا باستيعاب العناصر الثقافية العربية وتحريرها وإعادة مواءمتها.

ولم تقف التأثيرات العربية في الثقافة الأوربية عند حدود أدب النخبة وإنما تسربت إلى العادات والتقاليد والممارسات الشعبية, فقد عرفت أوربا – عن طريق الأندلس – وسيلة للتنجيم وقراءة الطالع كانت عربية الطابع والأصل. وهذه الوسيلة التي تعرف بلوح كتف الخروف تقوم على اختيار شاه أو خروف من القطيع الذي يملكه المرء, أو من تاجر موثوق به, وبعد الاحتفاظ بها في المنزل ثلاثة أيام, يتم ذبحها وسلقها في الماء المغلي. وعندما يبدأ اللحم في السقوط يُستخرج لوح كتف الخروف لقراءة الرسالة التي يحملها, أي تلك العلامات مثل الخدوش, والشقوق, والثقوب, وقطع اللحم اللاصقة في العظام, والتي كان لكل منها معنى ودلالة.

وهناك مخطوطات تحمل نصوصًا بالعربية واللاتينية بها رسم تخطيطي للوح كتف الخروف, وبيان الأماكن والمواضع المميزة في (قراءة) النبوءة التي يحملها اللوح على نحو ما يفعل الآن من (يقرأون فنجان القهوة). وتعكس النصوص الباقية المدونة على ألواح كتف الخروف الخليط العنصري في المجتمع الأندلسي, ومن ناحية أخرى, كانت إحدى الوظائف الرئيسية لهذه الطريقة في التنجيم هي التنبؤ بما تسفر عنه المعارك والصراعات, وهو ما كان يكشف عن بعض حقائق الحياة السياسية بين المسلمين والمسيحيين في إسبانيا.

وكانت إشبيلية وطليطلة من أهم مراكز نقل التعليم العربي إلى الغرب, وقد جاء منها عدد ممن ترجموا النصوص الخاصة بالتنجيم وقراءة الطالع. وفي فترة ما من القرن الخامس عشر, كتب أحد أساتذة الطب بجامعة بارما مؤلفًا مهمًا عن السحر, كرّس فصلين منه عن التنجيم بواسطة لوح كتف الخروف, والتي كانت طريقة واسعة الانتشار في العصور الوسطى.

هذه أمثلة على مسارات التأثير العربي على أوربا العصور الوسطى, وعلى الرغم من أنها لم تغط كل جوانب التأثير, فإنها تكشف عن جوانب أسهمت في التأثير حقًا على الثقافة الأوربية في العصور الوسطى.

التعليقات