إسماعيل مظهر بين تجديد اللغة ووحدة المعرفة – بقلم الدكتور أحمد إبراهيم الهواري

نشرت في ديسمبر 2, 2014 عن طريق - قسم أدب دكتور أحمد إبراهيم الهواري
0 Flares 0 Flares ×

الناظر في تراث «إسماعيل مظهر» يتبين أن مشروعه العلمي للارتقاء الثقافي بالأمة واللحاق بركب الحضارة يكاد ينهد على دعاميتن رئيستين: هما: تجديد اللغة.. ووحدة المعرفة. ونقترب قليلاً لنقدم جانباً أو ملمحاً من سيرته الفكرية لتكون مهاداً نتعرف إلى عالمه البالغ الثراء والتنوع في الآداب (إبداعاً ونقداً)، والعلوم، وفي الفلسفة، والفكر السياسي، وتاريخ الأفكار وتاريخ العِلم.

هو «إسماعيل مظهر» محمد عبدالمجيد (1891 – 1962م) والده المهندس محمد بك عبدالمجيد ابن المهندس إسماعيل باشا رئيس مجلس شورى القوانين. وُلِدَ في 19 يناير 1891م بسوق السلاح بالدرب الأحمر بالقاهرة في منزل جده لأمه «محمد مظهر باشا» أول ناظر للمعارف، وهو صاحب مشروع من أعظم المشاريع الهندسية في القرن التاسع عشر، مشروع «القناطر الخيرية»، اشترك في إقامته مع المهندس الفرنسي «موجل»، كما أقام فنار الإسكندرية.

الشائع أنه من أصل تركي، والحقيقة خلاف ذلك، فجده إسماعيل محمد من أسرة كبيرة في الإسكندرية، يقال: إنّ جدّها الأكبر كان تاجراً نزح إلى الإسكندرية قادماً من المغرب. والمرجَّح أنه من العرب الذين نزحوا من إسبانيا فراراً من الاضطهاد الذي تعرضوا له بعد انهيار حكمهم في الأندلس. أما جدّه مظهر فمن أب شركسي وأم مصرية من الجيزة. وجَدُّ أبيه مصطفى بهجت فلَّاح من ميت أبو علي بالشرقية، تزوج من فرنسية في أثناء إقامته مبعوثاً في أول بعثة أرسلها «محمد علي باشا» في سنة 1826م «جلال مظهر، إسماعيل مظهر حياته وأعماله، مجلة المجلة».

أُدخل المدرسة الناصرية الابتدائية، ثم مدرسة الخديوية الثانوية، وفيها أنهى دراسته، لكن شغفه بدراسة العلوم بصفة عامة، والبيولوجيا Biology علم الحياة، بصفة خاصة دفعه إلى أن يسافر إلى إنجلترا للدراسة على نفقته الخاصة، فمكث في جامعتي لندن وأكسفورد من عام 1908 حتى عام 1914م.

و«إسماعيل مظهر» أحد أعلام النهضة الثقافية الحديثة، ليس في مصر فقط، بل في الوطن العربي غير منازع.. ذلك العالِم المُعَلِّم، الذي عرفه وتتلمذ له، قرابة نصف القرن، أجيال متعاقبة من القرّاء المعجبين المقدرين الذين أفاء عليهم من فيض معرفته وعلمه في (العصور) و(المقتطف) و(المُقَطَّم) و(السياسة الأسبوعية) و(مجلتي)، و(الرسالة) فضلاً عن كثرةٍ من الكتب ما هو خليق، على حد قول حسن جلال العروسي، أن يجعل من سيرته حافزاً للقراء؛ ويقدم للشباب نموذجاً للإرادة الفولاذية القادرة على أن يدنو «الحلم» فيكون قاب قوسين أو أدنى من الواقع. وهو يمثّل صفوة متميزة من المثقفين العرب والمصريين ممن تأثروا إلى حد بعيد بالعِلْم الحديث والحضارة الغربية. وكان أهم ما شغله في (علم الحياة) الثورة التي أحدثها دارون (1809 – 1882م) في رصده لتطور الكائنات الحيَّة.

وقد رأى أن الإلمام الجيّد بهذه الثورة العِلْمية لا يكون إلا بقراءة النصوص النظرية نفسها، فعكف على ترجمة الكتاب الرئيس لدارون، وهو: «أصل الأنواع وتطورها بالانتخاب الطبيعي» عام 1918م، ثم عاد وأقام دراسة طويلة لكتاب دارون في كتاب مستقل وهو: «ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء وأثره في الانقلاب الفكري الحديث» رد فيه على المذهب المادي عند «شِبْلي شِميِّل» (1850 – 1917م) وعلى رسالة «جمال الدين الأفغاني» (1838 – 1897م) [إمام عبدالفتاح إمام، مقدمة الإصدار الجديد للعصور، 12، 13].

اهتم منذ شبابه الباكر بالصحافة، فأصدر وهو طالب جريدة «الشعب» 1909م، وجريدة «المنبر»، ثم كتب في جريدتي الحزب الوطني: «اللواء» و«الأفكار» ومن بعد في«المقتطف»، و«مجلتي»، و«الرسالة» و«الحديث» و«الأخبار» و«المصري» و«الأهرام».

أصدر مجلة «العصور» (1927 – 1930م)، وفيها تجلَّى خطابه النهضوي: في الدعوة للعلم، والتجديد في اللغة والأدب، والتحرر الفكري والديني ووضع شعارها: «حرّر فكرك من كل التقاليد والأساطير الموروثة حتى لا تجد صعوبة ما في رفض أي من الآراء أو مذهب من المذاهب اطمأنت إليه نفسك، وسكن إليه عقلك إذا ما انكشف لك من الحقائق ما يناقضه».

ارجع البصر كرتين في هذا البناء الثقافي الشامخ الذي شيَّده «إسماعيل مظهر»، تلمس أنه سليل الكُتّاب الموسوعيين العظام، أولئك الذين قاموا بإرساء بنية الثورة العِلمية في مجتمعاتهم. ويلوح للقارئ أنه اعتمد، من بين ما اعتمد من مناهج، منهج «التلخيص» بوصفه ركيزة إجرائية يحث بها الخطى نحو تحقيق «النهضة». وكان والزُمَّل من مجايليه يعتمدون هذا المنهج في تقديم أطياف القوة الناعمة: الثقافة والمعرفة بأوعيتها كافة.

وإطلالة على الموضوعات التي احتفلت بها مجلة «العصور» نجد أنها كانت بمثابة «جامعة حرة»، تعني بالعلم بميادينه المختلفة، وبالديانات، وبالفلسفة، وبالأدب والتجديد. ففي العلوم تطالعنا بـ «الزولوجيا» Zoology أو مبادئ علم الحيوان، و«التاريخ الطبيعي»، و«النسبية»، و«العلم والآراء الحديثة»، و«الوراثة»، و«الأميبا»، و«علم الحفريات»، و«التباين في الكائنات الحيّة».

وفي الدين نجد مقالات منوعة عن الديانات السماوية: اليهودية، والمسيحية، والإسلام، ومقالات عن البابية، وعن الإلحاد إلخ. وفي الفلسفة نجد تعريفاً بأعلام الفلسفة مثل: سبينوزا (1632 – 1677م)، و«ديكارت» (1596 – 1650م)، و«سميث، آدم» (1723 – 1790)، و«مكيافيلي» (1469 – 1527م) إلى جانب موضوعات فلسفية أخرى، مثل: «فلسفة التاريخ»، و«قصة الفلسفة»، و«مبادئ الفلسفة الحديثة»، و«حرية الفكر»، و«الثقافة والأخلاق»، كما تطالعنا بموضوعات في السياسة ونُظُم الحُكْم، مثل موضوعات تعالج فكرة «الديمقراطية»، و«تحكيم الأغلبية»، و«عصبة الأمم». و«القانون الدولي».

وعلى صفحاتها سطعت أسماء شعراء لهم مكانتهم الفنية من أمثال: «أحمد زكي أبو شادي»، و«حسن كامل الصيرفي»، وفيها نشر «مصطفى صادق الرافعي» فصول كتابه «على السفُّود» في نقد «عباس محمود العقاد». وفضلاً عن ذلك فهي تنشر مقالات في النقد الأدبي، والمراجعات النقدية في الشعر والقصة، وكذلك تراجم لأعلام الأدب العربي مثل «بشار بن برد»، «مهيار الديلمي»، و«إيليا أبو ماضي»، ومن أعلام الأدب الغربي مثل «برنارد شو» والأدب الشرقي مثل «طاغور».

وفي عام 1927م اشترك «إسماعيل مظهر» مع «فؤاد صرّوف»، و«رضا مدور»، و«على مشرفة»، و«أحمد زكي أبو شادي»، في تأسيس المجمع المصري للثقافة العلمية، وانتخب سكرتيراً دائماً له.

عمل فترة محرراً بالمجمع اللغوي وعُيِّن عضواً فيه في عام 1961م، ورأس تحرير مجلة «المقتطف» (من 1954 إلى 1949م). ومن أبرز مؤلفاته: «قصة الطوفان» وتطورها في ثلاث مدنيات قديمة في الآشورية البابلية والعبرانية والمسيحية، وهو بحث في مقارنة الأديان، فيه مقدمة مستفيضة عن حدود المعرفة الإنسانية، ثم استعراض لـ «قصة الطوفان» كما وردت في القرآن، ثم استعراض لها كما وردت في سِفْر التكوين، ثم فصل في أصل القصة عند البابليين. و«عصر الاشتراكية» و«فك الأغلال»، و«الدين في ظل الشيوعية»، و«الإسلام لا الشيوعية»، و«التكافل الاشتراكي لا الشيوعية»، كما صدرت له عدّة كُتُب مترجمة، مثل: «حياة الروح في ضوء العِلْم»، و«سير ملهمة من الشرق والغرب»، و«نشوء الكون وتاريخ العِلْم»، ومن أعماله الإبداعية: «رؤيا هناء» وهي مجموعة قصص، وكَتَبَ سيرته الذاتية: «تباريح الشباب».

لقد كان «إسماعيل مظهر» أحد أركان الفكر العربي، ودعامة من أقوى دعائمه، كان مُعلِّماً ومرشداً بسيرته وخُلُقه وسجاياه وأخلاقه النادرة، ومثاليته في السلوك والعمل، كما كان داعية بفكره وقلمه، ومنهجه العلمي، لنهضة الشرق، مؤمناً أنك لن تستطيع بناء وطن قبل بناء الإنسان، مؤمناً بتضافر المعرفة ووحدتها، وأن الترجمة هي أساس كل نهضة، وأن المعاجم والموسوعات هما من ركائز النهضة، وأن اللغة العربية هي مِلاكُ النهضة، وأن امتلاك ناصيتها هو آية هويتها وعلامة رشدها.

*      *      *

تصدر هذه الأعمال الكاملة لـ «إسماعيل مظهر» تعبيراً عن الوعي بأهمية استكشاف المجهول من تراثنا الثقافي الحديث، وبفضل هذه الجهود التي تقوم على التراكم المعرفي نكون قد وضعنا أقدامنا على أولى الخطوات التي تتغيا تأثيل المذاهب الأدبية والنقدية. وهي، فضلاً عن قيمتها العلمية البحتة، فإن موقعها في القلب من تاريخ الوجدان العربي. فقبل بذر البذار لا بد من أن نقلِّبَ الأرض جيداً. ولقد تأملت طويلاً في قول الماوردي: «وإنما حظ الأخير أن يعاني حفظ الشارد وجمع المتفرق، ثم يعرض ما يقدم على حكم زمانه وعادات وقته، فيثبت ما كان موافقاً وينفي ما كان مخالفاً، ثم يستمد خاطره في استنباط زيادة واستخراج فائدة». وبعد أن بَيَّتُ القول في هذا المشروع العلمي رأيتُ أن أَحْزَمَ الناس من إذا وضح له الأمر صدع به.

من هنا شحذت الهمة والإرادة للنهوض بهذا العبء، معتمداً على الله، مستلهماً سيرة العقاد وفلسفته في الحياة: «قيمتك في نفسك وبواعثك أَحْرَى بالعناية من غاياتك ولا تنتظر من الناس كثيراً».

وبعد، أود أن أعبِّر عن كريم تقديري وامتناني لمن آزرني في رحلة البحث في هذا المشروع العلمي الطموح، سواء بالحوار والمناقشة في ما أثار هذا المُفَكِّر من قضايا، أو بتوفير ما افتقدت من نصوص، والمشاركة في تلمسها في مظان الأوعية الثقافية في مكتبات: المجمع العلمي بدمشق، جامعة دمشق، جامعة اليرموك، وأخص بالشكر رفيق درب المعرفة: سعد عبدالعزيز مصلوح أستاذ اللسانيات والأسلوبية بجامعة الكويت، ومحمد حلمي هليل أستاذ الصوتيات والمعجمية بجامعتي الكويت والإسكندرية، وفهمي جدعان أستاذ الفلسفة بالجامعة الأردنية، وموسى ربابعه أستاذ الأدب القديم بجامعة اليرموك، ومحمد قاسم مدرِّس النحو بجامعة دمشق، وزكريا حسن مدرِّس اللغة بجامعة الكويت، وتلاميذي: هيا علي الشمّري، محمد عليم، عماد بيازيد، عبدالمنعم القاضي، أحمد تيجان صلاح، سعيد أكنبي، عبدالله السرحان، أولئك لا يشقى بهم جليس.

أما مركز جُمْعه الماجد للثقافة والتراث، فقد هيأ لي رشداً من الأمر، إذا أمدني، في سخاء نبيل، بكثيرٍ مما افتقدت من تراث «إسماعيل مظهر»، وهو ما يؤكد أن العلم رحم بين أهله.

وآمل أن يكون هذا المشروع العلمي خطوة نحو استحياء رموز النهضة العربية، استشرافاً لمستقبل مشرق واعد هو آت لا ريب فيه.

وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يشتمل على معجم الحيتان، وهو بحث علمي معجمي يتضمن تاريخ الحيتان الطبيعي، إحدى قبائل الثدييات.

مســــرد الأعمال الكاملة لـ «إسماعيل مظهر» 

1 – كتابات في اللغة والمعجمات:

1 – تجديد العربية بحيث تصبح وافية بمطالب العلوم والفنون.

2 – مقالات ومثاقفات.

3 – معجم الحيتان.

4 – قاموس الجمل والعبارات الاصطلاحية (إنجليزي – عربي).

5 – قاموس النهضة (إنجليزي –  عربي)، في مجلدين.

2 – كتابات في الأدب والنقد:

1 – في الأدب والحياة.

2 – في النقد الأدبي

3 – الكتابات الإبداعية:

1 – الضحية.

2 – مصر في قيصرية الإسكندر الأكبر.

3 – الحب الأول أو قيصر وكليوبطرا.

4 – رؤيا هناء.

5 – عسف الأقدار.

4 – سرد الذات.. سرد الآخر (فن السيرة):

1 – مهاتماغاندي.

2 – تباريح الشباب.

3 – سير ملهمة من الشرق والغرب.

5 – كتابات في العلم والفلسفة:

1 – أصل الأنواع (الجزء الأول).

2 – أصل الأنواع (الجزء الثاني).

3 – فلسفة اللذة والألم.

4 – تاريخ العلم والإنسية الجديدة.

5 – نشوء الكون.

6 – ملقى السبيل.

6 – كتابات اجتماعية وسياسية:

1 – الاشتراكية تعوق ارتقاء النوع الإنساني.

2 – فك الأغلال.

3 – عصر الاشتراكية.

4 – المرأة في عصر الديمقراطية.

5 – التكافل الاجتماعي.

6 – الإسلام لا الشيوعية.

7 – النقد الاجتماعي.

8 – الدين في ظل الشيوعية.

7 – كتابات في تاريخ الفكر والحضارة:

1 – نزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر.

2 – نهضة فرنسا العلمية.

3 – معضلات المدنية الحديثة.

4 – وثبة الشرق.

5 – القانون والحرية في حضارة الغرب.

6 – تاريخ الفكر العربي.

7 – تأثر الثقافة العربية.

8 – بداءة عصر البطالة.

9 – أحداث شهيرة من التاريخ.

8 – الكتابات العلمية والفلسفية:

1 – بين الدين والعلم.

2 – الألوهية والفكر.

3 – حياة الروح في ضوء العلم.

4 – قصة الطوفان.

التعليقات