مفهوم الدولة السياسي وصلته بالدين … في عصر سلاطين المماليك – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أكتوبر 19, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم كتابة تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

خرجت دولة سلاطين المماليك التي حكمت مصر والشام ومناطق أخرى في العالم العربي، 267 سنة 648 – 922 هـ / 1250-1517م، من رحم حكم بني ايوب في منتصف القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي، حين نجحت في انتزاع الدور التاريخي من الايوبيين. وعلى رغم أن الدولة المملوكية ورثت ممتلكات الدولة الايوبية ودورها التاريخي ومسؤولياتها السياسية والعسكرية فإن المتأمل في تاريخهم يكتشف في سرعة انهما تشكلان مرحلة واحدة واستجابة سياسية – عسكرية لحروب الفرنجة.

وعندما فشل الايوبيون المتأخرون في التصدي لقوى الفرنجة خسروا دورهم التاريخي لمصلحة المماليك الذين جلبهم الايوبيون عبيداً في طفولتهم وربوهم ليكونوا أداتهم العسكرية في صراعاتهم ومنازعاتهم الكثيرة والمريرة، وشهدت أيام الايوبيين الاخيرة تجمع قواهم المتناثرة في بلاد الشام تحت راية حلف بائس مع الفرنجة ضد السلطان الصالح نجم الدين ايوب سلطان مصر الذي تحتم عليه مواجهة اقاربه بالسلاح، ودمر جيشه قوات التحالف في معركة غزة سنة 1244م. وزادت أهمية المماليك السياسية بعد ذلك كثيراً حتى بلغت ذروتها في حملة الفرنجة السابعة التي قادها الملك لويس التاسع على مصر سنة 1250م، وانتهت بأسر الأخير وتبديد جيشه ما بين اسير وقتيل. فكانت تلك الأحداث اعلاناً لقوة سياسية وعسكرية جديدة. وبرز زعماء المماليك من أمثال فارس الدين اقطاي وعزالدين ايبك وركن الدين بيبرس وغيرهم، بمواهبهم العسكرية والسياسية خلال أحداث تلك الحملة.

وفي خضم الصراع ضد الفرنجة تُوُفى السلطان الصالح نجم الدين ايوب متأثراً بمرضه الطويل، فتولت زوجته “شجرة الدر” إدارة شؤون الحكم والحرب بمساعدة كبار امراء المماليك. وعندما تولى توران شاه، ابن الصالح، عرش البلاد اثبت أنه استمرار للاخفاق الأيوبي، واصطدم بقوة المماليك الصاعدة، وانتهى الصدام بمقتله “جريحاً حريقاً غريقاً” على حد تعبير المقريزي، وعلى عرش البلاد الشاغر جلست “شجرة الدر” لتكون أول سلاطين المماليك في مصر والشام.. وهكذا قامت دولتهم، لتواجه مشكلة “السلطة” و”الشرعية” مرة اخرى.

كان “مفهوم السلطة” مرتبكاً منذ البدايات الاولى لدولة سلاطين المماليك، وكان على “شجرة الدر” ان تواجه مشكلة الشرعية خلال أيام حكمها القصير، وأن تتخلى، من ثم، عن عرشها. فأمسكت بزمام الحكم بقبضة حديد، وحاولت التقرب من رعاياها، إلاّ أن الرأي العام صدمته حقيقة ان امرأة تجلس على عرش البلاد. واضطربت الامور تماماً، فخرجت جموع الناس في تظاهرات رافضة، وعارض المثقفون جلوس امرأة على كرسي الحكم، ثم جاء رفض الخليفة العباسي الساخر لحسم اولى مشكلات السلطة في عصر سلاطين المماليك.

وتنازلت “شجرة الدر” عن العرش بعد ثمانين يوماً ملؤها الصخب والتوتر، لكنها لم تتنازل عن”السلطة” وكان ذلك عنصراً درامياً مثيراً أسهم في صياغة مفهوم السلطة في عصر المماليك، تنازلت لواحد اختارته بعناية لتتمكن من الاحتفاظ بالسلطة، لكن عزالدين ايبك التركماني الصالحي نجح في خداع الجميع، حتى ظنوه ضعيفاً قليل الطموح. وأثبتت تقلبات الاحوال السياسية اللاحقة أن “شجرة الدر” وزعماء المماليك اسرفوا في الاستهانة به من ناحية، ولم يدركوا ابعاد مفهوم السلطة في دولتهم الوليدة من ناحية أخرى.

هكذا، كان العنف والدم يفرشان الطريق الى السلطة منذ بداية عصر المماليك. فقد تحالف الزوجان للتخلص من خطر المماليك البحرية، ونجحا في قطع رأس أقطاي ودفع رفاقه الى الهرب خارج مصر. وعندما زال خطره ورفاقه، بدأ الزوجان سباقاً دامياً للفوز بالسلطة، انتصرت المرأة فيه وأنهت حياة زوجها بمؤامرة لم تلبث ان دفعت حياتها ثمناً لها. وراح الزوجان ضحية مفهوم السلطة الذي كان لا يزال قائماً على العنف والدم.

وعلى الطريق نفسه سار سيف الدين قطز، اذ كان على رأس فرقة الانتقام التي قبضت على “شجرة الدر” بعدما اغتالت زوجها عزالدين ايبك الذي كان السيد الاقطاعي الأعلى لقطز. وبصفته كبير امراء المماليك بدأ ترتيب المسرح السياسي بما يضمن وصوله الى سدة الحكم وتولي زمام “السلطة”. فقد قتلت السلطانة القاتلة، وأجلس على العرش صبي في الخامسة عشرة من عمره هو نورالدين علي، ابن المعز ايبك، في مسألة قُصد بها كسب الوقت ليتمكن كبار الأمراء المتنافسين من حسم مسألة السلطة لمصلحة أحدهم. وكان هذا عنصراً درامياً مثيراً آخر اسهم في صوغ “مفهوم السلطة”، خلال عصر سلاطين المماليك، ومشهداً تكرر كثيراً حت أضحى ممارسة سياسية لقيت اعترافاً من كل الاطراف في حينه.

وثمة حقيقة مؤداها ان المماليك لم يؤمنوا بوراثة العرش، لأن طبيعتهم العسكرية من ناحية، وشعورهم بالمساواة والندية من ناحية أخرى، جعلاهم يؤمنون بأن “السلطة” من حقهم جميعاً يفوز بها أقواهم وأقدرهم على الايقاع بالآخرين تحقيقاً لمبدأ “الحكم لمن غلب”. وكانت النتيجة الطبيعية أن ظل عرش السلطنة دائماً محل تنافس وصراع بين امرائهم، خصوصاً عندما يشغر العرش بوفاة السلطان.

هكذا كانت الحال، عندما مات عزالدين ايبك. ولم يشأ “قطز” ان يستعجل الأمور ويصطدم بالمتنافسين، فأمسك بزمام السلطة الفعلية تاركاًَ للسلطان الصبي شعائر السلطنة ولقبها، ولا شيء غير ذلك.

وحين بدأت تتردد أصداء طبول الحرب التترية في القاهرة، وارسال التتر اليها تهديداً بالويل والثبور، استغل الفرصة لخلع السلطان الصبي والإمساك بزمام السلطة. وهكذا أضيف عنصر ثالث من عناصر تشويه “مفهوم السلطة” في عصر سلاطين المماليك، ولنترك المؤرخ ابن تغري بردي يعبر عنه: “… والملك المظفر قطز هذا هو أول مملوك خلع ابن استاذه من الملك وتسلطن عوضه، ولم يفعل ذلك قبله أحد من الملوك… وبهذه الواقعة فسدت أحوال مصر…”. فقد أوضح المؤرخ أن التنافس على العرش لم يحترم مبدأ وراثة العرش في عصر سلاطين المماليك وإنما زاد من ترسيخ مبدأ “الحكم لمن غلب”. ورصد أعراض المرض السياسي الذي أودى بدولهم في نهاية الأمر من دون أن ينجح في تشخيص المرض نفسه، أي قيام الدولة على أساس القوة لا الشرعية.

ومن ناحية أخرى، كان ابن تغري بردي يكتب في الشطر الأخير من ذلك العصر عندما تدهور البناء السياسي للدولة بسبب بذرة التنافس السياسي الدموي التي زرعت مع قيام الدولة. إذ تمثل الداء الأساسي لدولة السلاطين في انها اعتمدت القوة وسيلة وحيدة للحصول على السلطة، ولم يكن قطز هو المسؤول عن هذا كما يزعم ابن تغري بردي، وإنما كان مفهوم السلطة الناتج عن التربية العسكرية للمماليك وظروف قيام دولتهم هي السبب في سيادة القوة.

وعلى رغم أن سيف الدين قطز نجح في قيادة المصريين الى هزيمة التتر في معركة عين جالوت سنة 658 هـ / 1260 م، فإنه قتل وهو عائد بنصره الكبير الى عاصمته.

وبغض النظر عن الأسباب التي ساقها المؤرخون عن اغتياله، فالثابت أنه راح ضحية “مفهوم السلطة” الذي أسهم في تشويهه حين شارك في التخلص من زعماء المماليك البحرية لحساب سيده أيبك، وعندما قاد فرقة الانتقام من السلطانة “شجرة الدر”، ثم عندما عزل السلطان الصبي ليتولى العرش بدلاً منه.

وبسبب طبيعة الحكم العسكري، وإعمالاً لمبدأ “الحكم لمن غلب”، كان طبيعياً أن يفكر الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري في إزاحة السلطان سيف الدين قطز من طريقه صوب العرش والسلطة.

كان بيبرس ابناً وفياً لعصره، وكانت تلك الأفكار السياسية التي تشكل مفهوم السلطة هي السائدة آنذاك. فتولى بيبرس العرش في مشهد يجسد مفهوم السلطة في تلك العصور. اذ عندما سأل أتابك العسكر عن القاتل، وعرف أنه بيبرس، قال له: “يا خوند اجلس أنت في مرتبة السلطنة”، وكأن العرش مكافأة لمن تخلص من السلطان القتيل.

أما النتائج التي ترتبت على مثل قطز، فكانت تكريساً للقوة والدم سبيلاً الى حيازة السلطة والعرش. وكانت تلك هي “سُنة المماليك في دولتهم” ولم نجد تبديلاً، خلال مئتين وسبعين عاماً، هي عمر دولة سلاطين المماليك.

وكان صعود بيبرس على عرش سلطنة المماليك بداية مرحلة سياسية جدية في تاريخ الدولة الناشئة من جهة. وعلامة على تطور جديد ومهم في “مفهوم السلطة” من جهة ثانية. فقد كان ذلك الرجل الداهية، بقسوته وجبروته وحنكته السياسية وبراعته العسكرية فضلا عن تدينه وتقواه وفهمه واجبات الحكم ومسؤوليات السلطة، المؤسس الحقيقي للدولة بفضل إنجازاته السياسية والإدارية والعسكرية. فالسنوات العشر السابقة على حكمه شهدت مرحلة “سيولة سياسية” حكم خلالها خمسة من السلاطين، اغتيل ثلاثة منهم بسبب ارتباك مفهوم “السلطة”. ونجا الآخران لصغر سنيهما وانعدام خطورتهما.

ويعتبر بيبرس أيضاً المسؤول عن تطوير “مفهوم السلطة” وحل مشكلة الشرعية التي تسببت في متاعب سلاطين المماليك الأوائل. ولكن كان عليه أن يعاني مبدأ الحكم لمن غلب بداية حكمه، وأن يدفع ابناؤه الثمن في نهايته. وإذ استطاع أن يوطد سلطته في سرعة، وبقي عليه أن يُضفي الشرعية عليها، رأى الحل السعيد في إحياء الخلافة العباسية في القاهرة. وهكذا نالت دولة سلاطين المماليك شرعية كانت تفتقر إليها في عيون المعاصرين. لقد كانت القوة العسكرية هي التي أفرزتها، لكنها لم تكن كافية لاستمرار الدولة في ظل مفهوم للسلطة يعتمد القوة والعنف فقط، بدليل المصاعب التي واجهت السلاطين منذ “شجرة الدر” حتى بيبرس. كان مفهوم السلطة إذاً مفهوماً ناقصاً ومشوهاً. وكان إحياء الخلافة العباسية في القاهرة خطوة مهمة جعلت من بيبرس حاكماً شرعياً يستمد سلطانه ونفوذه من تفويض الخليفة العباسي في القاهرة. فأدرك خطورة هذا التفويض ومدى التطور الذي أحدثه في مفهوم السلطة. ولم تكسب الخلافة العباسية شيئاً من إحيائها في القاهرة، إذ هانت مكانة الخلفاء ولم يتمتعوا بأي نفوذ، ولم يأمن السلاطين خطرهم قط فأبقوهم في منازلهم في وضع اقرب ما يكون الى تحديد الإقامة.

أما الفائدة الحقيقية فكسبها سلاطين المماليك الذين أكملوا الشق الشرعي في مفهوم السلطة، وجسّد ابن شاهين الظاهري ذلك بقوله: “… ولا يطلق لفظ سلطان إلا لصاحب مصر نصره الله، فإنه الآن أعلى الملوك وأشرفهم لرتبة سيد الأولين والآخرين، وتشرفه من أمير المؤمنين بتفويض السلطنة له على الوجه الشرعي لعقد الأئمة الأربعة”.

لكن “مفهوم السلطة” كان لا يزال في حاجة الى استكمال بقية عناصره، إذ أن إحياء الخلافة العباسية في القاهرة لم يكن كافياً لإضفاء الشرعية على الدولة على ما رأى الظاهر بيبرس. فقد جعل من نفسه حامياً للحرمين الشريفين في الحجاز، وأرسل كسوة الكعبة، وأمر بأن تكون الخطبة على منابر الحجاز للخليفة العباسي وسلطان مصر من بعده. ومن ناحية أخرى جدد بناء مسجد الخليل عليه السلام، ورمم قبة الصخرة في المسجد الأقصى. وهكذا، ازداد البعد الديني وضوحاً في سبيل استكماله في “مفهوم السلطة” في دولة سلاطين المماليك.

هكذا، إذاً، كان “مفهوم السلطة” يقوم على قوة ذات جناحين، أحدهما يتمثل في القوة العسكرية للسلطان والتي يجسدها مماليكه، وثانيهما في البعد الديني الذي برز من خلال تفويض الخليفة العباسي الى السلطان، ومن خلال حماية المقدسات الإسلامية في الحجاز وفلسطين، الى جانب الواجهة الدينية التي حكم السلاطين من ورائها.

ونتيجة لهذا، كان لا بد للسلطة من أن تعتمد على نظام الإقطاع العسكري. إذ كان للسلطان جيشه الخاص، مثلما كان لكل من أمراء المماليك الكبار جيشه الذي يركن اليه في دعم مكانته، أو في الصراع الذي كان من حقائق الحياة السياسية في عصر سلاطين المماليك. ومن ثم كان الولاء الشخصي أساس العلاقات داخل التنظيمات المملوكية، وتمثلت هذه الحقيقة في رابطة الاستاذية التي تربط السيد الاستاذ بأتباعه مماليكه، وفي رابطة الخشداشية التي كانت رابطة زمالة تجمع بين ابناء الطائفة المملوكية.

لهذا تميزت الفرق المملوكية بالطائفية القائمة على الولاء الشخصي، لأن الطائفة كانت تُنسب الى استاذها أو سيدها. فالمماليك “الظاهرية”، مثلاً، نسبة الى الظاهر بيبرس و”المنصورية” نسبة الى المنصور قلاوون… وهكذا.

وكان لهذه الطائفية القائمة على الولاء الشخصي أثرها السلبي في مفهوم السلطة، لأنها أدت الى زيادة نسبة الصراعات الدموية بين طوائف المماليك في سبيل الوصول الى السلطة، أو الاحتفاظ بها.

وشهد الشطر الثاني من عمر دولة سلاطين المماليك ارتفاع معدل هذه الصراعات وحروب الشوارع على النحو الذي جعل حياة معظم السلاطين تنتهي بالقتل أو السجن. بات كرسي السلطنة خطراً على من يجلس عليه. ويحكي ابن إياس أن قنصوه الغوري، أقوى أمراء زمانه، رفض العرش سنة 1501 م، لكن الأمراء “.. سحبوه وأجلسوه وهو يمتنع من ذلك ويبكي، وحين ألحوا عليه اشترط عليهم ألا يقتلوه، وأن يصرفوه بالمعروف إذا أرادوا عزله…” وهو ما يشي بمدى الآثار السلبية للطائفية المملوكية على مفهوم السلطة في أيام الدولة الأخيرة.

ألا أن أهم تجليات “مفهوم السلطة” زمن سلاطين المماليك تجسدت في الإحساس المتبادل بين المماليك والرعية بأن أولئك المماليك أغراب يحكمون البلاد على أساس من التفويض الشرعي. فقد اعتمد مفهوم السلطة القوة العسكرية والشرعية الصورية التي يمنحها خليفة لا حول له ولا قوة، وإذا كان للقوة العسكرية أن تقيم حكماً، أو تؤسس سلطة، فإنها لا يمكن أن تضـمن استمرار الحكم أو بقاء السلطة. ولا بد للحكم وللسلطة من أن يستندا الى الشرعية. ولأن المماليك أنفسهم كانوا أول من أدرك مدى تهافت هذه الشرعية وشكليتها، فإنهم لم يعبأوا بها كثيراً في صراعاتهم على السـلطة. ومن ناحية أخرى، كان موقف الرعية من “السلطة” يحمل تناقضاً مثيراً، إذ كانت مشاعرها مزيجاً من الكراهية السياسة، والعداء الاجتماعي والولاء الديني.

وتفسير ذلك أن المماليك امتلكوا زمام السلطة السياسية وتركزت بأيديهم وظائف الحكم والإدارة العليا،مما جعلهم يتصرفون باعتبارهم قلة عسكرية تحكم على أساس من القوة والغلبة، وتنأى بنفسها عن المشاركة في الحياة الاجتماعية، إلا من خلال المواكب السلطانية والأعياد والاحتفالات العامة. ثم ان المصريين، من ناحية أخرى، لم يروا في المماليك عموماً سوى

طائفة من الغرباء يحكمونهم بتفويض من الخليفة العباسي في القاهرة. كانت الكراهية السياسية بسبب ممارسات المماليك، ولا سيما في الشطر الثاني من ذلك العصر. وكان العداء الاجتماعي بسبب العزلة التي عاشها المماليك، أما الولاء الديني فكان راجعاً الى الواجهة الدينية التي جعلت من المماليك حكاماً شرعيين مفوضين من الخليفة.
واستمرت جموع المماليك، الذين كان تجار الرقيق يجلبونهم من مختلف بقاع الدنيا، تغذي المؤسسة المملوكية بالعناصر البشرية من ناحية، والمشاعر الانعزالية في نفوس ابناء هذه المؤسسة من ناحية أخرى. وكانت هذه الطبقة تقوي نفسها على الدوام بما يجلبه تجار الرقيق الى البلاد. وعلى أي حال، كان لفرسان المماليك، وحدهم، حق الحكم والإدارة، واستأثروا بالسلطة بحجة أنهم تحملوا عبء الدفاع عن البلاد ضد الأخطار الخارجية، وتولوا حماية عرش السلطان القائم في السلطة ضد أطماع الأمراء، من هنا كانت الوظائف العليا، في الجيش والإدارة، حكراً عليهم، فضلاً عن ان السلاطين رأوا في مماليكهم “حصونهم واسوارهم المانعة” على حد تعبير السلطان المنصور قلاوون.

وكان طبيعياً أن يكون “مفهوم السلطة” متأثراً بتلك القسمة بين من يمسك بيده بزمام السلطة، ومن يتأثر بممارساتها ويخضع لها. فقد كان نظام الحكم في عصر سلاطين المماليك عسكرياً إقطاعياً. ثم اتخذت “السلطة” شكلاً طبقياً حاداً في علاقاتها واتجاهاتها. وأدرك عبدالرحمن بن خلدون هذه الحقيقة عندما قال إن الأمر في مصر “سلطان ورعية”، وهو ما يعني أن المجتمع المصري ضم في بنائه طبقتين رئيسيتين: السلطان وجهازه الحاكم في مقابل الرعية من المصريين المحكومين، ومع تسليمنا بوجود الفوارق والاختلافات بين شرائح كل من هاتين الطبقتين، فإن الواقع التاريخي للمجتمع المصري آنذاك يكشف أن كل طبقة عاشت حياتها الاجتماعية في معزل عن الطبقة الأخرى تقريباً.

من ناحية أخرى، لم تكن العلاقة بين “السلطة” و”الرعية” قائمة على أساس من الحقوق والواجبات المتبادلة لأن ذلك كان أبعد ما يكون عن “مفهوم السلطة” الاقطاعية العسكرية. فقد كان الحاكم يرى نفسه مالكاً الموارد العامة في البلاد، لذلك تم تقسيم الأرض الزراعية على السلطان وامرائه وأجناده، واحتفظ هو لنفسه بحق فرض الضرائب بأشكالها المتنوعة. ومن المثير أن الناس اطلقوا على الضرائب مصطلحات مثل: المغارم و”الكُلف” و”المظالم” تعبيراً عن رأيهم فيها

كذلك لم تكن الحكومة تلتزم حيال الرعية مسؤوليات عامة في مجالات التعليم والصحة والغذاء، بل كانت الرعية تمول هذه النشاطات من خلال نظام الأوقاف.

كانت الطبقة الحاكمة تعتمد المتعلمين من المسلمين وأهل الكتاب في الشؤون المالية والإدارية. أما الرعية فكانت تتألف من أهل مصر، من التجار الفقهاء وأصحاب الحرف والصنائع والفلاحين، وعامة أهل المدن والبدو. وإذا كان هناك تدرج في المستوى الاقتصادي والمكانة الاجتماعية بين الشرائح الاجتماعية داخل الطبقة المحكومة، فإن الجميع كانوا ضمن طبقة واحدة تضم الرعية من وجهة نظر السلطة الطبقية التي افرزها النظام الاقطاعي العسكري السائد في مصر في عصر سلاطين المماليك.

هكذا كان “مفهوم السلطة” في عصر سلاطين المماليك وليد الظروف التاريخية الموضوعية التي أفرزت تلك الدولة العسكرية من جهة، في حين سار اكتمال أركانه في خط مواز لتطورات الصراعات الأولى على الحكم من جهة ثانية، فضلا عن أن هذا المفهوم ظل يحمل ذرة فناء الدولة من جهة ثالثة.

قام “مفهوم السلطة” المملوكية في صياغته النهائية على أساس أن القوة والغلبة وسيلة الوصول الى “السلطة”، وأن الشرعية الصورية وسيلة اكتساب موافقة الرعية المغلوبة على أمرها. ولأن القوة دائماً تستدعي القوة، كان “العرش” في استمرار جائزة من ينجح في استخدام القوة، لذلك كثرت الانقلابات وزاد معدلها في الشطر الثاني من عصر المماليك. ومن ناحية ثانية، كانت الشرعية الصورية التي يمكن كلّ من يصل الى العرش بالقوة أن يحصل عليها في صورة تفويض من خليفة بائس، لا يملك من أمر نفسه شيئاً، تمثل إغراء لكل طامح أو طامع. ومع تدهور روابط الولاء الشخصي التي جمعت بين المماليك – نتيجة لجلب المماليك الذين تخطوا سن البلوغ وكان معظمهم لا يعرف العربية – زادت معدلات الانقلابات وحروب الصراع على السلطة.

وتمثلت النتيجة النهائية في تدهور حاد ومستمر. إذ تعاقب على العرش ستة عشر سلطاناً خلال اثنتين وسبعين سنة بين سنة 800 هـ حتى تولي قايتباي الحكم سنة 872 هـ. واهتزت مكانة السلطان، فصار الأمراء هم الذين يولّون السلاطين ويعزلونهم، أو يقتلونهم في غالب الأحوال. وكان هذا التدهور المستمر دليلاً فساد مفهوم السلطة المملوكية القائم على القوة العسكرية والشرعية الصورية.

التعليقات