حصاد الفكر التاريخي العربي في القرن العشرين – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أكتوبر 13, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم كتابة تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

إن الحديث عن الدراسات التاريخية في العالم العربي خلال القرن العشرين، بعد غيابه، لا يمكن أن يستقيم من دون أن نضرب معول البحث في تربة الفكر التاريخي العربي، بحثاً عن الأصول والجذور من ناحية، ومحاولة كشف التأثيرات المحتملة للتراث العربي الإسلامي على الفكر التاريخي العربي الحديث من ناحية أخرى.

والناظر في خريطة الدراسات التاريخية في العالم العربي اليوم سيلاحظ ظواهر عدة لافتة، كما انه سيجد أن خيوطاً كثيرة تربط الدراسات التاريخية العربية باتجاهات ومدارس خارج الوطن العربي، وستلفت النظر أيضاً تلك الكثرة من الدراسات التي تركز على التواريخ المحلية والقطرية على رغم وجود المؤرخين الذين اهتمت دراساتهم بتاريخ العالم العربي كله. ومن ناحية أخرى، سنجد أن عدد الاقسام الأكاديمية والجمعيات العلمية المهتمة بالدراسات التاريخية زادت زيادة كبيرة خلال الربع الأخير من القرن الماضي، من دون أن ينتج عن هذه الزيادة الكمية، تقدمٌ كيفي مناسب.

وبقدر ما تنوعت أنماط التدوين التاريخي العربي وتعددت، زادت أعداد المؤرخين واختلفت رؤاهم ومشاربهم، وكان منهم من اهتم بتسجيل الحوادث والوقائع العارية، ومنهم من حاول أن يفهم وأن يفهم قراءه مغزى ما سجله قلمه، ومنهم من وضع قواعد منهج البحث التاريخي أو حاول أن يفهم القوانين التي تحرك التاريخ، فكتب فلسفة التاريخ.

ثم دخلت الحضارة العربية الإسلامية منحنى الأفول والغروب، وهبت رياح الزمن المعاكس. وخرجت الحضارة العربية الإسلامية من المواجهة الطويلة المضنية ضد المغول والصليبيين وقد انتصرت عسكرياً، ولكنها دفعت الكثير من حيويتها وقواها الإبداعية ثمناً للإنتصار العسكري. وحين انتهت الحرب بقيت النظم المملوكية حاكمة في العالم العربي، لكنها فشلت في إدارة المجتمع المدني. واتضح ذلك الفشل جلياً في مظاهر عديدة، كما كانت هناك تراجعات وانهيارات موازية في مجالات الاقتصاد والفكر والثقافة. ولم يستطع العثمانيون شيئاً بعد توسعهم الى العالم العربي سوى “إبقاء الحال على ما هو عليه”.

ولم تنتعش الكتابة التاريخية في العالم العربي، مرة أخرى، قبل القرن التاسع عشر. وما بين التدهور الذي حدث في القرن السادس عشر، ومحاولة تجديد الفكر التاريخي العربي في القرن التاسع عشر، كانت هناك فترة اجترار وخمول لم يقطعها سوى ظهور عدد محدود من جامعي الأخبار التاريخية الذين كانت كتابتهم أقرب إلى عدم الكتابة، لأنها لا تقول شيئاً يسهم في تقدم الفكر التاريخي.

ولكن الظروف التاريخية الموضوعية التي بدأ العالم العربي يتعرض لها منذ القرن التاسع عشر حركت كثيراً من المياه الراكدة، فالدولة العثمانية صارت “الرجل المريض” الذي تنتظر القوى الأوروبية وفاته حتى تقتسم تركته، بل إن هذه القوى الاستعمارية استولت على أملاكه قبل الوفاة بعشرات السنين.

كان عبدالرحمن الجبرتي أول من سجل هذه “الصدمة” في كتابيه “عجائب الآثار” و”مظهر التقديس” ويعتبره بعض المؤرخين علامة البداية على حركة التأليف التاريخي في العصر الحديث. والناظر في كتابي الجبرتي يجد صدى “الصدمة” واضحة في صفحاتها، وعلى رغم احتفاء عدد من الباحثين بعبدالرحمن الجبرتي باعتباره بادئاً لحركة تدوين التاريخ في العصر الحديث، فإن ما كتبه يعتبر من جوانب عديدة استمراراً، بعد انقطاع، لكتابات المؤرخ ابن أياس ومن سبقه من مؤرخي عصر المماليك. كانت كتاباته نوعاً من الحوليات التي تصل احياناً الى يوميات سجل فيها الحوادث التي عاصرها، ولم تكن ابداً نوعا من دراسة التاريخ بمعناها الحديث. وعاصر الجبرتي اثنان سجلا حوادث الفترة نفسها، لكن من منظور مختلف هما نقولا بن يوسف الترك اللبناني، والشيخ عبدالله الشرقاي.

كانت هذه الكتابات صدى باهتاً لتراث الفكر التاريخي العربي ولم تضف شيئاً ذا بال في مجال الدراسات التاريخية العربية. وعلى النهج نفسه سار رفاعة الطهطاوي وتلاميذه في مصر، ولكن ما يحسب للطهطاوي أنه بدأ حركة ترجمة للمؤلفات التاريخية الأوروبية بخلقِ نوعٍ من التلاقح الثقافي، وإثارة الوعي التاريخي لدى ابناء مصر من ناحية أخرى، وحاول إنشاء مدرسة للتاريخ والجغرافيا لم تستمر في الوجود فترة طويلة. ودور الطهطاوي في الفكر العربي الحديث معروف ومشهور، ومن هنا يأتي دوره في تحريك الوعي التاريخي العربي. بيد أن كتاباته التاريخية الكثيرة تحمل من بصمات التراث التاريخي العربي بقدر ما تقدم من ملامح تجديد الوعي التاريخي في العالم العربي. وعلى رغم أن بعض الباحثين يرى أن “التسجيل التاريخي أصبح بفضل جهود الطهطاوي ومدرسته تاريخاً بالمعنى الحقيقي لكلمة تاريخ” فإننا نرى أنه كان تجسيداً لحال الانتقال من المفهوم التقليدي للتاريخ في التراث العربي الاسلامي، إلى نمط جديد في الدراسة التاريخية يتخذ من الثقافة الأوروبية ثقافة مرجعية، ويسير على دربها في تقسيم العصور التاريخية، ومنهج البحث، وفلسفة التاريخ.

ودليلنا على ذلك أن علي مبارك، الذي كان معاصراً للطهطاوي، لم يستطع ان يتخلص من إسار التراث التاريخي العربي، بل إن أهم مؤلفاته على الاطلاق، وهو كتاب “الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة” لم يكن سوى تقليد لخطط المقريزي الشهيرة، وتم بناؤه على غرار هذه الخطط. وجاءت كتابات تلاميذ مبارك والطهطاوي استمراراً للخط نفسه مثل كتابات محمد مختار باشا، واسماعيل باشا سرهنك.

ظل القرن التاسع عشر يمثل مرحلة الانتقال التي جسدتها مؤلفات كل من فيليب جلاد ويعقوب آرتين في مصر، وسليم نقاش اللبناني وميخائيل شاروبيم. بيد أن أهم ما يميز الكتابات التاريخية في هذا القرن أنها كانت تسير على طريقة الحوليات القديمة في غالب الأحوال، كما أن معظمها لم يكن ليشكل أية إضافة للفكر التاريخي.

كانت الصدمة الثانية التي حركت ركود الفكر التاريخي متمثلة في الثورة العرابية وتطورات الاحداث التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882م. وفيما بين صدمة الحملة الفرنسية في السنتين الأخيرتين من القرن الثامن عشر وأولى سنوات القرن التاسع عشر، وصدمة الاحتلال البريطاني في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، بدأ الفكر التاريخي محاولة الخروج من ركوده وأنماط الكتابة التقليدية.

لكن الاحتلال أوجد واقعاً جديداً، وكان حادثة غير مسبوقة في تاريخ مصر الإسلامية، ومن ثم فإن هذا الحادث غير التقليدي كان يتطلب تناولاً غير تقليدي أيضاً. وبرزت في هذه الفترة كتابة المذكرات السياسية التي كتبها زعماء الثورة العربية، وكانت هذه الكتابات لوناً جديداً من ألوان الكتابة التاريخية لعله كان الجديد الوحيد في مجال الفكر التاريخي العربي حتى ذلك الحين.

كان الاحتلال الانكليزي، كما ذكرنا، من أهم اسباب اثارة الوعي التاريخي في مصر في بدايات القرن العشرين، حين استخدم الانكليز التاريخ لتبرير احتلالهم مصر واستمرار حكمهم. وعلى الجانب الآخر استخدم المصريون التاريخ باعتباره أحد أسلحتهم في مقاومة الاحتلال وسلطانه. بيد أننا يجب ان نلاحظ ان معظم الكتابات “التاريخية” التي ظهرت في تلك الفترة لم تكن “دراسات تاريخية” بقدر ما كانت نوعاً من “الشهادات” و”المذكرات”. ويمكن القول ان الدراسة الأكاديمية للتاريخ لم تبدأ في مصر، ومن ثم في العالم العربي، سوى بعد إنشاء الجامعة المصرية سنة 1908، ثم تحولها الى جامعة حكومية سنة 1925.

وفي كلية الآداب في الجامعة المصرية، كان قسم التاريخ أحد الأقسام الخمسة وهي: التاريخ، واللغة العربية، واللغات الشرقية، وقسم اللغات الأوروبية، وقسم الفلسفة. ويذكر أن بداية الدراسة الاكاديمية للتاريخ في العالم العربي، كانت مقترنة بتبعيتها لفكرة التاريخ الأوروبية، وتقسيمات التاريخ حسب الرؤية الاوروبية، إذ كان من الطبيعي ان يقوم الاساتذة الاجانب بتنظيم الدراسة في كلية الآداب، ولم يكن قسم التاريخ استثناء في ذلك. وكانت الانكليزية والفرنسية، وغيرهما من اللغات الاوروبية، لغة التدريس في الجامعة مثلما كانت الانكليزية لغة التعليم بالمدارس الثانوية، وظل قسم التاريخ تحت رئاسة الاساتذة الأجانب حتى سنة 1936.

وكان من المستحيل عليهم ان ينسلخوا عن ثقافتهم ومن تراثهم التاريخي، ولم يكن ممكناً أن يخرجوا عن إطار فكرة التاريخ الاوروبية. وظلت عيوب النشأة تلازم الدراسة التاريخية في العالم العربي حتى الآن سواء من حيث فكرة التاريخ، أو من حيث فلسفته، أو من حيث تقسيم العصور التاريخية. وربما كانت الفائدة الإيجابية الوحيدة في هذا المجال متمثلة في تطور منهج البحث التاريخي الذي نقل دراسة التاريخ في العالم العربي من العصور الوسطى الى العصور الحديثة حقاً.

بدأت مشكلة تكوين المؤرخ العربي، والمفكر العربي عموماً، من خلال الحيرة التي عاناها بين الانبهار بمنجزات الحضارة الاوروبية الغالبة من ناحية، ومحاولة البحث عن الذات الحضارية والهوية الثقافية في مواجهة قوى الاستعمار والتسلط الأوروبي من ناحية أخرى.

كانت فكرة التاريخ، من حيث الوعي بالذات وبالآخر ومن حيث إدراك دور الجماعة في الكون وعلاقتها بالجماعات الإنسانية الأخرى، هي الباعث وراء تقسيم العصور التاريخية من جهة، وتوزيع مناهج الدراسة التاريخية من جهة أخرى. ومن ثم فإنه كان طبيعياً أن ينقل الأجانب فكرة التاريخ الأوروبية إلى رحاب الجامعة المصرية، ولكن الذي لم يكن طبيعياً أن يقتصر تعريب الدراسات التاريخية على اللغة من دون المفهوم والجوهر الذي يحرك الدراسات التاريخية ويحدد أطرها ومجالها.

ولم ينجح الجيل الذي تولى المسؤولية بعد الأجانب سوى في طرح وجهة نظر مصرية في مواجهة الكتابات الأوروبية، ولكن صياغاتهم لبرامج الدراسة تمركزت على محورين أساسيين هما مصر وأوروبا. ولم يكن تاريخ الوطن العربي، الذي تنتمي مصر إليه، يحظى إلا باهتمام قليل، على حين تركز الاهتمام على تاريخ أوروبا وحوض البحر المتوسط، ولم يكن ثمة اهتماماً بتاريخ آسيا أو افريقيا، أو تاريخ الأميركتين. وانتقلت هذه البرامج، بطبيعة الحال، إلى كل من جامعة الاسكندرية وجامعة عين شمس بعد انشائهما. ومن الجامعات المصرية الثلاث انتقل هذا المفهوم الى الجامعات العربية، مع تعديلات اهتمت بالتواريخ الوطنية والمحلية، ووسعت من دائرة الاهتمام بتاريخ الاسلام والحضارة العربية الاسلامية.

تخرج العدد الأكبر من المؤرخين العرب الحديثين من أقسام التاريخ في الجامعات المصرية، وعلى أكتافهم قامت أقسام التاريخ في الجامعات العربية في سورية والعراق والأردن ومنطقة الخليج والسودان ومنطقة المغرب العربي، وإلى جانب الذين تخرجوا في الجامعات المصرية والعربية نجد أجيالاً جديدة تخرجت من الجامعات الأوروبية والأميركية. واستمرت رؤيتهم للتقسيمات التاريخية على النمط الأوروبي نفسه، وظل تركيزهم على تاريخ العلاقات العربية – الأوروبية بشكل أكبر من اهتمامهم بالدوائر التاريخية الأخرى في آسيا وافريقيا.

بيد أن هناك تطوراً مهماً يستحق الرصد، فقد زاد الاهتمام بتاريخ الحضارة العربية الى دراسة التاريخ المحلي لكل قطر من الأقطار. وفي المقابل تراجعت الدراسات الخاصة بتاريخ العرب باعتبارهم أمة واحدة أمام الدراسات القطرية والمحلية. وحرصت كل دولة على أن يكون تاريخها محوراً لتوزيعات المناهج في الجامعات. ووجدنا أنفسنا أمام كفتي ميزان غريب، إحداهما تهتم بالتاريخ الاسلامي في عصر ازدهار الحضارة العربية الاسلامية، والثانية تركز على الذات المحلية، أو القطرية. بل والقبلية في بعض الأحيان. وبينهما تضاءل الاهتمام بتاريخ العالم، والحضارات المجاورة، كما اختفى الاهتمام بتطور علم التاريخ، وفلسفته، ومناهجه. ولم تعد للدراسات النظرية في علم التاريخ تلك الأهمية التي بدأت بها الدراسات التاريخية في الوطن العربي.

وفي وسعنا ان نقدم تقسيماً عاماً للاتجاهات التي سادت في مجال الدراسات التاريخية منذ الثلاثينات وكان ذلك انعكاساً للتيارات والتطورات السياسية في العالم العربي.

1- الاتجاه المتأثر بالفكر الغربي، وينقسم الى:

أ أتباع المدرسة الانكليزية الذين تأثر غالبيتهم بآراء أصحاب نظرية البطل في التاريخ ممن ساروا على درب ت. كارليل. وكان الرعيل الأول من المصريين الذين درسوا في أوروبا في الثلاثينات، وتلاميذهم في مصر والعالم العربي، وراء هذا الاتجاه الذي ما تزال آثاره ماثلة حتى اليوم. وازدهرت هذه الاتجاهات في النصف الأول من القرن العشرين.

ب هناك عدد ممن تأثروا بآراء الألماني ليوبولد فون رانكه ومدرسته التي لا ترى التاريخ إلا من خلال الوثائق، وهي مدرسة حاولت أن تجعل من التاريخ علماً بمقاييس العلوم الفيزيقية، فاستبعدت كل ما لا يجد سنداً له من الوثائق والأدلة الصارمة، وحبست نفسها في إطار نمط من الموضوعية الزائفة. ولا يزال بعض المشتغلين بالتاريخ في العالم العربي يرى أن هذه هي الوسيلة المثلى لدراسة التاريخ، ويظن هؤلاء وأولئك أن التاريخ دراسة تحاول أن تسترد صورة ما حدث في الماضي “بالضبط”.

وتأثر عدد بأفكار ونظريات أرنولد توينبي عن التحدي والاستجابة، وهذه النظرية هي القطب المعاكس للتفسير الماركسي للتاريخ الذي بدوره استقطب عدداً من العقول العربية فبرز تيار يحاول دراسة التاريخ المصري والعربي من وجهة نظر التفسير الماركسي.

وشكّل القوميون المؤمنون بفكرة الوحدة العربية رافداً مهماً من روافد الفكر التاريخي في العالم العربي، ومن ثم تركزت دراساتهم على هذا الجانب، وانتجوا عدداً من المؤلفات التاريخية، ولكن أهم إسهاماتهم تمثلت في نشر كتب التراث التاريخي العربي. وازدهر هذا الاتجاه طوال فترة المدّ القومي في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن ناحية ثانية ظهرت في الآونة الأخيرة اتجاهات إسلامية عالمية طبعت الدراسات التاريخية بطابع البحث في التراث التاريخي لتأكيد الرؤية السلفية التي تؤكد عالمية التاريخ الاسلامي.

ثم ظهر التخصص في أنماط الكتابة التاريخية، فوجدنا دراسات متزايدة في مجال “التاريخ الاجتماعي”. و”التاريخ الاقتصادي”، كما تصاعد الاهتمام بتاريخ النظم والمؤسسات، والتاريخ الحربي وتاريخ الفن والتاريخ الثقافي “التاريخ الحضري – تاريخ المدن” وكذلك تزايد عدد الكتابات التي تهتم بعلم التاريخ نفسه، وإن كان أغلبها مترجماً عن اللغات الأوروبية.

وقد كان للمؤسسات المهتمة بالدراسات التاريخية أثرها الواضح في تطور هذه الدراسات في العالم العربي خلال القرن العشرين، إذ تم تنظيم دور الوثائق، ومراكز نشر التراث، ومراكز الدراسات والبحوث في كل أنحاء العالم العربي، وفي خارجه أيضاً. وتعددت الدوريات التي تخصصت في الدراسات التاريخية، سواء تلك التي تصدرها الجامعات أو تلك التي تصدر عن الجمعيات والاتحادات المهتمة بدراسة التاريخ.

وقد كان للتطورات السياسية أثرها في تطور الدراسات التاريخية أيضاً، إذ أنتجت فترة الكفاح ضد الاستعمار كتابات تاريخية عديدة عن قضية الاستقلال. وظهر المؤرخون الوطنيون والقوميون والاسلاميون. وعندما عقد السادات معاهدته مع اسرائيل، وما أعقب ذلك من انحسار للفكر العربي برز الى السطح تيار يركز على التواريخ المحلية، وظهرت كتابات تعادي الأفكار القومية العربية على مستويين:

أ التاريخ الجزئي لكل منطقة بل دراسة تاريخ الطوائف العرقية والدينية.

ب التاريخ الكلي الشامل من منظور الجماعات السياسية الدينية التي تعادي الفكرة الوطنية والقومية وتنادي بنمط من الأممية الاسلامية.

بيد أن ما يلفت النظر، أن الصراع العربي- الصهيوني أفرز تياراً جاداً يبحث في الأصول التاريخية للمسألة من ناحية، ويحاول دراسة العلاقات بين العالم العربي والغرب الأوروبي من منظور الصراع العربي – الاسرائيلي من ناحية أخرى. إذ أن الدراسات التاريخية كانت وسيلة من وسائل النضال العربي ضد الصهيونية على جبهة المواجهة الثقافية. والناظر في تراث الدراسات التاريخية التي تدور حول الصراع العربي – الاسرائيلي، والعلاقات العربية – اليهودية منذ فجر التاريخ، سيلاحظ بسهولة أن هذا الحادث التاريخي المستمر منذ 1948 حتى الآن كان حافزاً ايجابياً في تطور البحث التاريخي في العالم العربي من وجوه عدة.

خلاصة ما يمكن قوله أن القرن العشرين ترك في العالم العربي تراثاً كمياً ونوعياً كبيراً من المعرفة التاريخية يمكن أن يقودنا الى بناء فكرة التاريخ العربية التي تجسد رؤيتنا لتراثنا ودورنا في الكون وعلاقاتنا مع الآخر.

التعليقات