المماليك : التجليات الأخيرة للحضارة العربية الإسلامية – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في سبتمبر 27, 2014 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم
0 Flares 0 Flares ×

يرتبط مصطلح المماليك فى أذهان عامة المثقفين من أبناء العالم العربي بصورة غامضة بفرسان يمتطون خيولهم القوية المعربدة فى غطرسة وجبروت فى شوارع المدن ، تروع الناس ، تنشر الرعب والظلم ، وتنهب العباد ، وتخرب البلاد ….

هذه الصورة الظالمة ابتدعها خيال مريض تحكم فى رؤية معظم المستشرقين لهذا العصر وأهله : فالمماليك لم يكونا همجا ، ولم يكن قطز ، أو بيبرس ، أو قلاون أو ابنه الأشرف خليل قوما ظالمين ؛ ولكنهم تصدوا للصليبيين والمغول ؛ فقضوا على الوجود الصليبي على الأرض العربية …. ولم يكن الغربيون لينسوا هذا . وكانوا أيضا هم الذين حولوا المغول إلى قوة فى خدمة الحضارة الإسلامية … ولم يكن أهل الغرب لينسوا هذا أيضا .

وهدف هذه الحلقات الوثائقية أن تنير صفحات التاريخ التى كتبها رجال ذلك العصر : من سلاطين المماليك وفرسانهم إلى عامة الناس العاديين من صناع الحضارة – مفكرين ، وأدباء ، مؤرخين وفنانين ، فلاحين وحرفيين .. وسو ف تتناول أربعة جوانب من جوانب الحياة فى ذلك العصر فى محاولة لاستعادة صورته الكلية من ذمة الماضى . ومع أن المسألة ليست سهلة فإنها ليست مستحيلة أيضا .

من هم المماليك ؟ وكيف تحولوا من عبيد اختطفوا أطفالا من بلادهم إلى حكام يحكمون أقوى دولة إقليمية على مدى أكثر من مائتين وسبعين سنة ؟ إنهم فرسان الإسلام وحماة الحضارة العربية الإسلامية فى المرحلة الأخيرة من عمرها ، قبل أن يطوى العثمانيون  العالم العربي داخل دولتهم الصاعدة ، ويحكمونه منذ بدايات القرن السادس عشر وحتى بدايات القرن العشرين . حقيقة أن العثمانيين دافعوا عن العالم العربي والإسلامي ضد الأطماع الأوربية ؛ ولكنهم لم يستطيعوا شيئا لإعادة بث الحياة فى الحضارة العربية الإسلامية التى دخلت مرحلة الذبول والأفول منذ نهايات عصر سلاطين المماليك .

تتناول الفكرة الأولى الإجابة على هذا السؤال ؛ وما يتبعه بالضرورة من البحث فى أصول هذا النظام العسكري السياسي ، وكيفية ظهور أهمية السياسية فى أثناء الصراع بين أبناء البيت الأيوبي ، حتى تبناهم الصالح نجم الدين أيوب واستخدمهم وسيلة فى حسم أمور الحرب والسياسة بدلا من المرتزقة الذين أذاقوه مرارة الخيانة فى حروبه ضد أقاربه الأيوبيين ، وأوقعوه فى براثن الهزيمة . وفى إيجاز ، تعرض الحلقة لدورهم فى كل من معركة فارسكور والمنصورة ضد الحملة الصليبية بقيادة لويس التاسع وهزيمة تلك الحملة وأسر الملك الصليبي بعدما تمزقت قواته بين قتيل وأسير ، ومعركة عين جالوت بعدها بعشر سنوات وصد الهجوم المغولي على المنطقة العربية بعد ما داست جحافلهم على الخلافة العباسية فى بغداد .

بيد أن الحرب لم تكن فضيلة المماليك الوحيدة ؛ فقد كان سلاطينهم العظام ( شجر الدر ، وعز الدين أيبك ، وسيف الدين قطز ، والظاهر بيبرس ، والمنصور قلاون ، وأولده وأحفاده الأشرف خليل ، والناصر محمد ، الناصر حسن …. وغيرهم ) أهل حرب وسياسة ، وأصحاب حنكة دبلوماسية ورؤية اقتصادية ، من الحكام الذين انتعشت الأحوال تحت حكمهم وساد الأمن ربوع دولتهم التى امتدت من أعالى الشام والعراق شمالا حتى اليمن ومياه بحر العرب جنوبا ، ومن دجلة والفرات شرقا حتى مناطق ليبيا الحالية غربا .

لقد وحدوا هذه المنطقة ، وشجعوا التجار على القدوم إليها ، وجعلوا عواصم دولتهم مقصدا لطلاب العلم والعلماء ، والتجار والحكماء والأطباء ، والفنانين والأدباء والشعراء . وفى ذلك العصر ساد نوع من “السلام الإسلامي ” الذى كفل حرية التجارة وانتقال الأفراد ورؤوس الأموال . وكانت عاصمتهم القاهرة مقصد السفراء والرسل من أوربا الكاثوليكية وبيزنطة الأرثوذكسية ، والحبشة الأرثوذكسية ؛ فضلا عن حكام العالم المسلم المعاصر …. تطلب صداقتهم وتخطب ودهم .

لقد كانت دولة سلاطين المماليك فى الشطر الأول من حياتها دولة قوية مزدهرة فى الداخل ، مهابة ومحترمة فى الخارج.

تتحدث الفكرة الثانية عن السلطة والناس فى عصر سلاطين المماليك . فقد قال ابن خلدون إن الحكم فى ذلك العصر ” سلطان ورعية ” ؛ وهو ما يعنى أن التقسيم الطبقي فى ذلك العصر كان قائما على أساس أن السلطة تمركزت بأيدى أرباب السيوف من السلطان وأمرائه ومماليكه الذين تولوا إدارة البلاد وكانوا يتولون الدفاع عنها ضد الخارج ونشر الأمن فى الداخل

وكان يساعدهم  أهل البلاد من أرباب الأقلام فى المالية والإدارة والتشريع ، والحسبة…. وما إلى ذلك . ولا تعنى هذه الحلقة بمناقشة هذه الأمور ، وإنما تبين أن السلطة كان عليها أن تضمن السلام على الحدود وفى الداخل وتشجع النشاط الاقتصادي بكل فروعه …. وهو ما كان قائما حتى السنوات الثمانين الأخيرة من ذلك العصر المثير . ومن ناحية أخرى ، كان الناس يتولون إنتاج الحضارة بجناحيها المادي واللامادي . كان الناس منصرفين إلى إنتاج تلك الفنون الرائعة التى تشهد عليها الآثار الموجودة فى عواصم تلك الدولة فى مصر وفلسطين والشام والحجاز … وغيرها وما تضمه متاحف العالم الحديث من مقتنيات أنتجها فنانو ذلك الزمان .

كان السلاطين يؤمنون البحر الأحمر ومسلمى القرن الأفريقي ، ويضمنون السلام لأهل الشام فى مواجهة بقايا الصليبيين الذين اتخذوا من جزر البحر المتوسط مستقرا ومقاما واحدة تلو الأخرى ؛ ويؤمنون حدودهم فى الشمال مع الدولة البيزنطية ، وأرمينيا الصغرى – التى قضوا عليها فى نهاية الأمر . كانوا يحرسون أيضا رحلات الحج البحرية والتجارة الآتية بنفائس ذلك الزمان من بلاد الشرق والمحيط الهندي ، ويتولون حماية الحرمين الشريفين والقدس الشريف وطرق الحج …. ونجحوا فى هذا طوال الشطر الأول من ذلك العصر على الأقل .

وقد ارتبط هذا بنهضة غير مسبوقة – ولا متبوعة – فى مجال العمارة الإسلامية تمثلت فى ذلك العدد الكبير من المباني ذات الوظائف الدينية / الاجتماعية ( المساجد الجامعة ، والمدارس ، والأسبلة ، ومكاتب تعليم الأطفال … وغيرها ) ، والمبانى ذات الوظيفة الاقتصادية مثل الحمامات العامة والقياسر والخانات والأسواق التى ذكرتها المصادر التاريخية فى استفاضة وفخر . وكان من الطبيعي أن ترتبط  بهذه المنشآت حرف وفنون عديدة مثل هندسة البناء ، والزخرفة على الحجر والخشب والمعادن ، وأعمال الزجاج الملون فى النوافذ ، وتكفيت المعادن .

وعلى مستوى آخر ازدهرت المنسوجات وصناعة الزجاج ، والسجاد ، وغيرها من المصنوعات اليدوية من الخشب والمعادن … وما إلى ذلك . وكانت منتجات العالم المسلم يتم تبادلها فى الأسواق المحلية فى القاهرة ودمشق وحلب وحواضر الحجاز وغيرها من عواصم تلك الدولة . لقد كان الاستقرار السياسي مصحوبا بالرواج الاقتصادي والأمن الاجتماعي . لقد كانت المجتمعات العربية الخاضعة لسلطة المماليك – فى دولتهم الأولى على أقل تقدير – فى حال من التوافق والتفاهم ونجحت السلطة فى كسب ود الناس بفضل نجاحها فى حماية العالم الإسلامي ، وإحياء الخلافة العباسية فى القاهرة بعد سقوطها المروع فى بغداد تحت وطأة هجوم

الجيوش المغولية ، ورعايتها للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي ، وتحقيق الأمن وحماية الناس . بيد أن الحال تبدل فى السنوات الأخيرة عندما أخفقت السلطة فى القيام بواجبها ، وتحولت من حماية الناس والدفاع عنهم إلى سلطة نهبية  ترهقهم بالضرائب و” المغارم والكلف والمظالم ” …. وكرهها الناس ، ورأوا فيها وحشا لا يستحق الإنقاذ ، وبدأت رحلتها صوب الأفول والغروب .

الفكرة الثالثة  تتحدث عن النتاج الفكري والإبداع الأدبي الذى خلفه عصر سلاطين المماليك ؛ فقد كان عصر سلاطين المماليك فى مصر وفلسطين والشام والحجاز عصر الموسوعات الكبرى ( نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى – مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار للعمرى – صبح الأعشى فى صناعة الإنشا للقلقشندى – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزى –  تاريخ بغداد لابن الخطيب – تاريخ دمشق لابن عساكر فضلا عن مقدمة ابن خلدون الشهيرة ) والمعاجم والقواميس ” لسان العرب لابن منظور …. وكتب أخرى عديدة فى كافة أنما المعارف الإنسانية .

ومن ناحية أخرى ، كان ذلك العصر المظلوم عصر المراكز العلمية الرئيسية التى يشد إليها الرحال فى جميع أنحاء العالم الإسلامي : ففى القاهرة ، ودمشق وبيت المقدس والمدينة المنورة ومكة المكرمة ، ازدهرت المدارس العلمية فى الفقه والحديث النبوي والتاريخ وتقويم البلدان ( الجغرافيا ) وغيرها من فروع المعرفة الإنسانية فى ذلك الزمان بحيث يعتبر عصر سلاطين المماليك بمثابة متحف مفتوح للتاريخ الثقافى للعالم الإسلامي آنذاك . وفيه تجلت وحدة المعرفة الإسلامية وتجسدت فى عدد من  الشخصيات التى يتألق بها التاريخ الثقافي للحضارة العربية الإسلامية فى ذلك الطور الأخير من حياتها .

لقد كان ذلك العصر أيضا عصر الرحلة فى طلب العلم ، والهجرة فى طلب الأمن والحماية فضلا عن رحلة الحج والرحلة التجارية برا وبحرا . لقد كانت المدارس على اختلاف مسمياتها تجتذب العلماء والطلاب من كافة أرجاء العالم الإسلامي . وقد لعبت الأوقاف الإسلامية دورا مهما فى تمويل العمل الفكري والثقافي ، وفى الحفاظ على تلك المؤسسات التعليمية والبيمارستانات ( أي المستشفيات ) ، ونعمت المنطقة العربية بالثمار الحلوة للسلام الذى ساد فى الفترة الأولى من عصر سلاطين المماليك : فقد زادت حركة السفر والرحلة فى طلب العلم ، وتبادل العلماء الأفكار والخبرات والآراء .

لقد كان الشطر الأول من ذلك العصر ، وهو الشطر الذى انتهى بنهاية حكم أسرة قلاون ، عصر صعود وازدهار وتألق على جميع المستويات فى جميع أنحاء المنطقة العربية . ولكن الحال تبدل فى الشطر الثانى الذى انتهى بسقوط هذه الدولة بعد معركتين فقط ، فلماذا ؟

التدهور والذبول … السقوط

عاشت دولة سلاطين المماليك حوالى مائتين وسبعين سنة من 1250 م إلى 1517 م . وقصة عصر سلاطين المماليك قصة متعددة الألوان : الزاهية منها والقاتمة على السواء … غنية بالأضواء المتضاربة أحيانا … إنها قصة الحرب والسياسة ، والعدل والظلم ، والفن والتجارة ، والتدين الشكلى ، قصة الفن والأدب والعلم ، قصة الحكم الرشيد والحكم الأخرق ، السلاطين العظام والسلاطين الذين لا يستحقون الذكر … قصة الناس الذين يبنون الحضارة ويبدعون ، ويقاومون الظلم ،  ويساعدون العدل …قصة العلم والتجارة ، والمجد والعار ، الازدهار الاقتصادى والاستقرار الاجتماعي ، والمجاعات والأوبئة ، وتدهور المدن الزاهرة وانحسار الريف …

إنها قصة جرت فصولها على مدى ما يقرب من ثلاثة قرون ، ومسرحها الجغرافي يشمل المنطقة العربية كلها ، ويتخطاها إلى مياه البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي  والبحر المتوسط والجزر التى يضمها .

لم يكن انهيار هذه الدولة مفاجئا ، وإنما كان حصيلة عوامل كثيرة أهمها أن النظام السياسي الذى قامت عليه دولة سلاطين المماليك كان النظام الإقطاعي العسكري : بمعنى أن أرباب السيوف ، وعلى رأسهم السلطان ، كانوا يعتمدون على ناتج الأراضى الزراعية للحفاظ على جيوشهم . وتم تقسيم الأرض الزراعية فى البلاد التى يحكمونها على هذا الأساس . وكان كل منهم يأخذ إقطاعا يناسب رتبته العسكرية . وفى البداية كانت الأرض تنتج ما يكفى بسبب الاهتمام بوسائل الري والصرف . ولكن الفساد الذى بدأ فى عصر الجراكسة جعل إنتاجية الأرض تنخفض ، ومن ثم بدأ البحث عن موارد أخرى لسد نفقات المماليك الذين كانوا يجلبون كبارا ( الجلبان ) والذين لم يعودوا يسكنون القلعة وإنما اختلطوا بالناس … وبدأ فرض الضرائب والمكوس بصورة تعسفية على التجار وأرباب الحرف … واختفت حرف كثيرة بسبب هرب الحرفيين . وفى الريف دفع الظلم بالناس إلى الهرب وترك أراضيهم لينضموا إلى عصابات اللصوص ، وأخذ العربات يهاجمون قوافل الحجاج فى الحجاز … وانعدم الأمن بسبب

مهاجمة المماليك للأسواق ونهبها … إلخ ، وزاد معدل وقوع المجاعات والأوبئة فى مصر والشام وتناقص عدد السكان وانكمشت مساحات المدن ، واختفت الأسواق التى كانت عامرة بكل أنواع البضائع من جميع أنحاء الدنيا ، وصار الحكم مهمة ثقيلة يتهرب منها الجميع ( حتى إن السلطان قانصوه الغورى كان يبكى ويمتنع عن الجلوس على العرش حتى حلف له الأمراء ألا يخونوه أو يغدروا به )

وزادت مقاومة الناس للسلطة ، وزادت أخبار الاغتيالات المجهولة لمماليك السلطان فى التواريخ والحوليات المعاصرة . ويبدو أن الناس كانوا يهينون المماليك كثيرا بحيث أضطر السلطان أكثر من مرة إلى إصدار الأوامر بـ ” ألا يبهدل أحد مماليك السلطان ” . ومن ناحية أخرى ، زاد معدل تعاقب السلاطين على العرش لدرجة أن أحدهم عرف باسم ” سلطان ليلة ” لأنه جلس على العرش وقتل خنقا فى أناء الليل وفى الصباح كان جثة هامدة .

من ناحية أخرى ، تفشى الفساد فى الإدارة الحكومية لدرجة إنشاء (ديوان البذل والبرطلة) لتحصيل الرشاوى . لقد سقطت الدولة من الداخل أولا قبل أن تقضى عليها الجيوش العثمانية فى معركتين : مرج دابق فى بلاد الشام حيث مات السلطان قنصوه الغوري تحت سنابك الخيل ؛ والريدانية قرب القاهرة ، وبعدها شنق طومانباي  آخر المماليك على باب زويلة عنوانا على بداية حزينة لدولة عظيمة .

التعليقات