حمامات القاهرة فى عصر سلاطين المماليك – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في سبتمبر 22, 2014 عن طريق - قسم القاهرة تاريخ مدن دكتور قاسم عبده قاسم مصر
0 Flares 0 Flares ×

قال ابن بطوطة الذى زار مصر فى النصف الأول من القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي ، يصف القاهرة فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون :

 ” … ثم وصلت إلى مدينة مصر ، وهى أم البلاد ، وقرارة فرعون ذى الأوتاد ، ذات الأقاليم العريضة ، والبلاد الأريضة ، المتناهية فى كثرة العمارة ، المتباهية بالحسن والنضارة ، ومجمع الوارد والصادر ، ومحط رحل الضعيف والقادر ، وبها ما شئت من عالم وجاهل ، وجاد وهازل ، وحليم وسفيه ، ووضيع ونبيه ، وشريف ومشروف ، ومنكر ومعروف ، تموج موج البحر بسكانها ، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وإمكانها ، شبابها يجد على طول العهد ، وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزل السعد …”

لم تكن هذه العبارة مبالغة من الرحالة المغربي ابن طنجة ، صاحب أطول وأشهر رحلة فى تاريخ البشرية : فقد كانت القاهرة فى عصر سلاطين المماليك ( 1250 – 1517 م ) أكبر مدن العالم المعروف آنذاك ؛ فقد كانت العاصمة المصرية مدينة كبيرة فاقت مدن العالم من حيث اتساع مساحتها وكثرة عدد سكانها . إذ شهدت مصر فى الشطر الأول من عصر سلاطين المماليك نموا سكانيا واضحا كان من بين أسبابه أن البلاد عاشت فترة سلام نسبي امتدت حوالي مائة سنة بعد هزيمة الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا ( 648 هـ / 1250 م ) ؛ ثم هزيمة الجحافل المغولية فى عين جالوت بعد ذلك بعشر سنوات تقريبا . وكان ذلك يعنى أن سكان مصر كانوا آمنين ضد مذابح الصليبيين وهجمات المغول من ناحية ، وأن مصر باتت الملاذ الآمن للهاربين من هول مذابح الكاثوليك فى إسبانيا ضد مسلمى الأندلس ، وللفارين من وجه المغول من أبناء المشرق الإسلامي من ناحية أخرى .  وقد نتج عن هذا أن مصر احتفظت بمعدل مستقر للنمو السكاني زادت من سرعته تلك الزيادة الطارئة التى نجمت عن الهجرة إلى مصر من مشرق العالم الإسلامي ومغربه . كذلك فإن ” السلام المملوكي ” الذى شمل معظم بلاد العالم الإسلامي ؛ وشمل بالضرورة ممتلكات دولة سلاطين المماليك فى مصر والشام والحجاز ، كان من أسباب الازدهار الاقتصادى المتمثل فى تجارة رائجة وزراعة منتجة وصناعة متقدمة .

كان طبيعيا أن يكون نصيب الزيادة السكانية فى القاهرة والمدن المصرية الأخرى أعلى من نصيب الريف لأسباب كثيرة أهمها أن المهاجرين الوافدين على مصر لم يكونوا غالبا من الفلاحين والمزارعين وإنما كان معظمهم من أرباب الحرف والفنون . كما أن ملكية الأرض الزراعية فى مصر وقوانين الإقطاع كانت تحول دون استقرار المهاجرين فى الريف المصري . وفى تقدير بعض الباحثين أن عدد سكان القاهرة حتى مطلع القرن الخامس عشر الميلادي على الأقل كان يزيد على نصف مليون نسمة ؛ على حين يرى البعض الآخر أن عدد سكان العاصمة المصرية فى ذلك الحين لم يكن يزيد عن ربع المليون ، وأن سبب المبالغة التى تفوح من كتابات بعض زوار القاهرة آنذاك يمكن أن يكون راجعا إلى شدة الزحام الذى كانوا يرونه فى شوارع القاهرة . وعلى أية حال ، فقد انبهر بالقاهرة فى ذلك الزمان كل من زارها من المسلمين والأجانب على السواء : بل إن أحد الزوار الأوربيين قال إن جميع سكان إيطاليا لا يصلون إلى عدد سكان القاهرة . كما أن زائرا أوربيا آخر( جاء إلى القاهرة سنة  1481 م ؛ أى بعد تدهورها) إنه لا يكفيه كتاب ضخم لوصف القاهرة التى يبلغ عدد سكانها نصف عدد سكان روما وميلانو وبادوا وفلورنسا وأربع مدن أخرى من كبرى المدن الأوربية مجتمعة ؛ وذكر زائر أوربي زارها قبل سقوطها فى أيد العثمانيين بخمس سنوات ( 1512 م ) إن حجم القاهرة يبلغ ثلاثة أمثال حجم مدينة باريس . والجدير بالذكر أن حجم المدينة العاصمة كان فى تلك الآونة قد انكمش كثيرا بفعل الأسباب اللاقتصادية والسياسية والاجتماعية التى طرأت عليها طوال القرن الأخير من عصر سلاطين المماليك إلى حوالى 1/16 من حجمها السابق …

لقد كانت القاهرة فى ذلك الزمان بمثابة المناظر الخلفية التى جرت عليها وقائع وأحداث قصص ” أـلف ليلة وليلة ” التى كانت تمسك بأيدى السامعين للراوى الذى يحكى هذه الحكايات العجيبة ليطوف بهم الشوارع والأسواق والحارات والرحاب والميادين ويدخل بهم إلى الحمامات والبيوت … وغيرها مما يمس حياة الناس . لقد استحقت القاهرة الوصف الذى أطلقه عليها أحد الكتاب عندما وصفها بأنها ” مدينة ألف ليلة وليلة ” . كان خط الأفق اللا متناهى فوق القاهرة يجمع مابين المآذن والقباب وأشجار النخيل الباسقة ؛ وقد بهرت كل من زارها . وقد كتب زائر أوربي يقول عن القاهرة :

“….لا ضرورة لأن أكتب عن ثروات القاهرة ، لأنه لا يمكن حصرها على الورق ، أو وصفها بالكلام ، فهي تتألف من الذهب والفضة والقماش المنسوج من الذهب والفضة والحرير والقطن والكتان ؛ وفيها البضائع المزخرفة والجواهر اللآلئ وغيرها من الأحجار الكريمة ؛ فضلا عن أوانى الذهب والبرونز الذى لا يضاهى فى زخارفه الإسلامية . وفيها المصنوعات الزجاجية والمزينة بشكل فائق الجمال ، وهي صناعة دمشقية . إلى جانب زيت البلسم ( البلسان ) والعسل والفلفل والسكر , ومختلف أنواع التوابل ؛ وجواهر وأحجار كريمة لا تعد ولا تحصى من كل الأنواع …”

كانت هناك جنسيات متعددة تؤلف نسيج سكان القاهرة فى ذلك الزمان : أبرزهم الشوام والأفارقة والمغاربة والروم والأرمن والأتراك بطبيعة الحال . وكانت شوارعها الصاخبة تردد أصداء اللغات والرطانات المتنوعة والمختلفة ؛ وتفيض أمسياتها بالبهجة والحيوية ما بين الأغانى والموسيقى وحلقات الذكر والمدائح النبوية وما يوجد فى أماكن النزهة الكثيرة فى أنحاء المدينة وعلى شاطئ النيل الذى يحتضنها : الحواة والمشعوذين والسحرة الذين يعرضون مهاراتهم مع الثعابين ، والقرداتية ، ومروضى الحيوانات × فضلا عن أماكن الغوازى وبنات الليل ، والنزهة على صفحة نهر النيل مصحوبة بالموسيقى والمزامير والدفوف فى القوارب والمراكب .

لقد كانت المدن المصرية بشكل عام ، والقاهرة بشكل خاص ، فى ذلك الزمان مدنا كبيرة واسعة ، كثيفة السكان تضم كافة المنشآت ذات الوظيفة الدينية ، أو الاجتماعية ، أو التعليمية ، أو الترفيهية . فقد كانت تحوى الجوامع والمساجد والمدارس ومكاتب تعليم الأطفال ( الكتاتيب ) والأسبلة  وخانقاوات الصوفية ، والمزارات والأضرحة ، والمستشفيات ،إلى جانب الأسواق والقياسر والخانات والوكالات التجارية ، وتضم أيضا أماكن النزهة واللهو والترفيه … والحمامات العامة .

***

لم تكن المدن المصرية فى ذلك الزمان تعرف نظام توصيل المياه أو الصرف الصحي إلى المنازل وإنما كانت تستخدم مياه النيل بشكل مباشر . وتؤكد لنا المصادر التاريخية أن عددا ضخما  من السقائين ومعاونيهم كانوا ينقلون المياه من ساحل النيل عند بولاق إلى بيوت القاهرةعلى ظهور الجمال أو الحمير والبغال أو على أكتافهم . وفى تقدير الرحالة ” ابن بطوطة ” أن عدد السقائين فى القاهرة عندما زارها فى المصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي كان حوالي اثني عشر ألفا يزودون البيوت والمخابز… وغيرها بالماء  . ولما كانت بيوت القاهرة عموما تفتقر إلى الحمامات الخاصة ، التى كانت وقفا على قصور السلاطين والأمراء وكبار التجار ، كان سكان القاهرة يقصدون الحمامات العامة … وهناك يستمتعون بنظافة أبدانهم وتبادل الحديث والأخبار مع رفاقهم من رواد الحمامات العامة.

وفى هذه الدراسة نكتفى بالحديث عن الحمامات العامة فى العاصمة المصرية ، أو ” القاهرة ومصر ” حسب التسمية التى كانت تفضلها المصادر التاريخية المعاصرة . ذلك أنه مع مرور الزمن دخلت الفسطاط وغيرها من العواصم الإسلامية فى نطاق القاهرة التى صارت فى عصر سلاطين المماليك عاصمة عالمية مزدهرة .

وقد أحصى لنا مؤرخ الخطط  المصرية ( أي المتخصص فى التاريخ الحضري على حد تعبيرنا المعاصر ) ، صارم الدين بن دقماق الذى عاش فى القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي ، فى كتابه المهم ” الانتصار لواسطة عقد الأمصار ” خمس وأربعين حماما فى مدينة الفسطاط وحدها ؛ كما ذكر أن عددا منها قد خرب فى أيامه وأمدنا بأسماء إحدى عشرة حمام قديمة : أولها ” حمام الفأر ” التى كانت أول حمام تبنى فى مدينة الفسطاط . وكانت مساحة تلك الحمام صغيرة جدا قياسا على أحجام الحمامات الأخرى التى كان المصريون قد اعتادوا عليها قبل الفتح الإسلامي ( وكانت تتألف عادة من ثلاثة طوابق متصلة) بحيث أن المصريين والروم الذين بقوا فى مصر بعد الفتح الإسلامي عندما شاهدو تلك الحمام الصغيرة سخروا منها ، وقالوا :  إنها لا تصلح إلا للفأر فعرفت بـ ” حمام الفأر ” .

وقد ذكر المؤرخ تقي الدين أحمد بن على المقريزي ، أشهر مؤرخى الخطط المصري ، نقلا عن المسبِحي ، أن الخليفة الفاطمي العزيز بالله أول من بنى الحمامات العامة بالقاهرة كما ذكر نقلا عن مصادر تاريخية قديمة تقديرات متضاربة عن أعداد الحمامات العامة فى الفسطاط ؛ كما نقل عن ابن عبد الظاهر قوله إن حمامات القاهرة كانت حتى سنة 685 هـ كانت حوالي ثمانين حماما عاما . أما المقريزي نفسه ( ت سنة 845 هـ  ) فقد أحصى حوالي ست وأربعين حماما فى القاهرة ؛ وأوضح أن بعض تلك الحمامات كانت مخصصة للرجال والبعض الآخر كانت مخصصة للنساء : مثل حمام البيمارستان المنصوري ( مستشفى السلطان المنصور قلاوون ) ؛ وكانت حماما مشهورة فى القاهرة آنذاك ومن ضمن الأوقاف التى كان ينفق منها على المستشفى بعد وفاة قلاوون . وكانت بعض الحمامات تخصص فترة صباحية للرجال وفترة مسائية للنساء ، مثل حمام خوند التى كانت موجودة حتى سنة 824 هـ .

وكانت بعض حمامات القاهرة تتخذ موقفا متحفظا من غير المسلمين فتفرض عليهم عدم الدخول إلاَ إذا وضعوا علامة تميزهم عن المسلمين ، كما كانت خناك حمامات أخرى تمنع دخول غير المسلمين تماما : مثل حمام الصوفية التى كانت مخصصة لأفراد الطرق الصوفية .

على أية حال ، فإننا لا يمكن أن نعرف كم كان عدد حمامات القاهرة فى ذلك الحين على وجه الدقة بسبب عدم وجود إحصائيات من أي نوع . ومع هذا فإن فارسا ألمانيا ، وهو “يوهان وايلد ” وقع أسيرا فى إحدى المعارك ضد العثمانيين ؛ وتم بيعه فى أسواق النخاسة ؛ وعاش بالقاهرة من سنة 606 هـ / إلى سنة 610 هـ ؛ ذكر أن عدد الحمامات العامة بالقاهرة حوالي مائة حمام . ومن ثم فإن الرقم الذى ذكره المؤرخ تقي الدين المقريزي ( ثمانين حماما ) يبدو رقما معقولا .

ومن ناحية أخرى ، ارتبطت الحمامات فى القاهرة بمظاهر الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد الاجتماعية ؛ كما ارتبطت بالتطورات السياسية والاقتصادية التى جرت على القاهرة طوال عصر سلاطين المماليك . والجدير بالذكر أن معظم هذه الحمامات قد بنيت بأموال السلاطين والأمراء والأثرياء ، وأن بعضها كانت وقفا للإنفاق من عائدها صاحب الوقف وذريته أو على بعض وجوه الخير أو النشاط الديني والتعليمي والعلاجي . كذلك يلفت النظر أن بعض هذه الحمامات قد تعرض للاغتصاب ووضع اليد فى الفترة الأخيرة من عصر سلاطين المماليك التى اتسمت بالفوضى والفساد .

وبطبيعة الحال ، كانت هناك بعض الحمامات فى القاهرة قد بنيت قبل عصر سلاطين المماليك ؛ كما كانت السلطات تقوم أحيانا بترميم بعض الحمامات القديمة ، باعتبارها من المنشآت العامة التى تقدم خدمة صحية مهمة لسكان المدينة . ولم يهتم المؤرخون المعاصرون بوصف الحمامات العامة . وربما كان السبب فى ذلك راجعا إلى أنها كانت من المؤسسات الاجتماعية المألوفة فى مدن تلك العصور ، ولم يكن المؤرخون يرون سببا لوصفها لأنها معروفة ، ولكن وثائق الأوقاف التى بقيت من ذلك العصر قدمت لنا بعض التفاصيل المهمة عن بعض الحمامات ؛ كما أن يوهان وايلد الفارس الألماني الذى قضى فى مصر أربع سنوات قدم لنا وصفا للحمام التى دخلها . ومن ناحية أخرى ، قدم لنا المستشرق إدوارد وليم لين ، الذى زار مصر فى القرن التاسع عشر ، وصفا تفصيليا للحمامات العامة فى القاهرة والتى لم تكن قد تغيرت كثيرا عنها فى عصر سلاطين المماليك .

***

والشكل العام الذي يمكن تصوره للحمام من خلال بعض الحمامات الباقية حتى الآن بالقاهرة أن الحمام كان يشمل ” مسلخ ” : عبارة عن حجرة مكسوة بالرخام ، وبها مصاطب من الرخام أيضا لا يزيد عددها عن أربع مصاطب يستريح عليها المستحمون . وربما فرشت بالوسائد والحشايا ، وربما لم يكن عليها سوى الحصير … ومن هذا المسلخ يدخل المستحم  إلى ” بيت أول ” : وهى أولى الغرف الدافئة بالحمام ؛ وهى أيضا بمثابة غرفة الانتظار ؛ وفيها مصطبتان من الرخام فوق أرضية من الرخام أيضا . وفى هذه الغرفة يلف المستحم نفسه بمنشفة ( فوطة ) تصل إلى الركبتين ؛ فإذا حان دوره  دخل غرفة أخرى أشد َ سخونة تسمى “بيت حرارة ” بها أربعة أحواض من الحجر داخل أربعة أواوين ، وفى وسطها فسقية من المياه الساخنة . وفى هذه الغرفة خلوتنا ومغطس كلها مكسوة بالرخام ” معقود ومطبق بجامات من من الزجاج الملون “. وفى بيت الحرارة يتفصد المستحم عرقا بفعل البخار المتصاعد من الماء الساخن الموجود فى المغطس . وهنا يقوم المكيساتي بتليك جسم المستحم وفرك جلده لإزالة ما قد يكون قد علق فيه من الوسخ حتى تتفتح مسام الجلد تماما ؛ ثم يعود إلى بيت أول حيث يمكث فترة تتوازن فيها درجة حرارة جسمه حتى لا يتعرض للهواء البارد فى الخارج إذا غادر الحمام مباشرة .

وكانت الحمامات العامة تستمد مياهها من بئر تركب عليه ساقية لرفع المياه إلى مستوقد الحمام حيث يتم تسخينها فى مرجل ضخم ، ويتم ضخها إلى أقسام الحمام المختلفة عبر مجموعة من الأنابيب الفخارية ، والصنابير . وربما يكون مناسبا أن نورد الوصف الموجز لتجربة يوهان وايلد عن إحدى حمامات الرجال : ” … أما الرجال فإنهم كانوا يخلعون ملابسهم فى الغرف على جانبي الفناء ، ثم يلفون أنفسهم فى مآزر من القماش الأزرق , ويتركون أنفسهم لترف المتعة ، ويخرج العرق من كل المسام ، ثم يتمددون على المقاعد الرخامية حيث يتم تدليك أطرافهم وطرقعة مفاصلهم . وبع الانتهاء من غسل أجسادهم ، ويجففون أجسادهم بالمناشف التى تلف أجسادهم ، كان يتم قص شعرهم وإزالة الشعر من وجوههم . وكان يمكنهم قضاء الوقت فى الحمامات وهم جالسون حتى أعناقهم فى حوض كبير مستدير تحت القبة ، حيث كانت النافورة تدور والمياه الساخنة والباردة تتدفق عبر أنابيب منفصلة …. لقد كانت الحمامات أماكن يمكن فيها توفير جميع ضروب الراحة والمتعة وسط البخار المتصاعد خلال المهاجع فى الغرف الرخامية …”

والمثير أن هذا الرجل نفسه قدَم لنا وصفا لحمامات النساء وما كان يجرى فيها ؛ ومن المرجح أنه نقل هذه المعلومات عن بعض الناس الذين أخبروه عن مرح النساء أثناء وجودهن فى الحمامات العامة ؛ وعن زينة شعورهن المتقنة ، واستخدام اللدائن المزيلة للشعر من أجسادهن .. وذكر يوهان أنه فى الأيام التى كانت النسوة يذهبن فيها إلى الحمامات العامة كان الأزواج يضطرون إلى الإشراف على إعداد الطعام فى أثناء غيابهن ، حتى لا يعتبر ذلك عيبا كبيرا   الواضح أن الذين أخبروا الأسير الألماني بهذه الأمور قد بالغوا لكي يسترعوا انتباهه ، أو إضفاء قدر من الإثارة على حكايتهم .

من ناحية أخرى ، كان المسئول عن الحمَام يسمى ” الحمَامي ” ؛ وقد حددت كتب الحسبة واجباته الذى كان منها توفير المآزر التى يؤجرها للمستحمين لكي يستروا بها عوراتهم ، وأن تكون هذه المآزر عريضة بحيث تستر ما بين السرة والركبتين . كما كان من واجباته أن يمنع البرصاء والمجذومين والمصابين بالأمراض الجلدية المختلفة من دخول الحمام حتى لا ينقلوا العدوى للمستحمين . ويبدو من كلام كتب الحسبة المعاصرة أنه كان هناك مساعد للحمامي ، وكان يسمى ” الوقَاف ” كانت مهمته حفظ ملابس الناس التى كانوا يخلعونها قبل الاستحمام . كذلك ارتبطت بالحمام مهن وحرف أخرى مثل ” البلآَن ” الذى كان يتولى نظافة أجساد الرجال فى الحمام وإزالة الشعر منها . ويبدو أنه كان غير “المزيِن ” الذى كانت مهمته أحكام الحسبة حلقة شعر الرأس  ، وتهذيب الشوارب والذقون . وقد ذكر ابن الأخوة فى كتابه الموسوم ” معالم القربة فى أحكام الحسبة ” أنه يجب أن يكون “… خفيفا رشيقا بصيرا بالحلاقة …” ؛ وربما تكون وظيفة البلان قد تداخلت مع وظيفة المزين فى بعض الأحيان .

أما فى حمام النساء ، فكانت البلاَنة تقوم بتنظيف أجساد النساء وإزالة الشعر منها ؛ فضلا عن تجهيز العروس ليلة زفافها .

***

لم تكن الحمامات العامة فى القاهرة زمن سلاطين المماليك مجرد أماكن للاستحمام ونظافة الأبدان فحسب ، وإنما كانت مؤسسات تؤدى وظيفة اجتماعية مهمة . فقد كانت تلك الحمامات – فى زمن لم يعرف وسائط الإعلام التى نعرفها حاليا – بمثابة مراكز لتبادل الأخبار وتكوين الرأي العام شأنها شأن الأسواق وغيرها من أماكن التجمعات فى مدن ذلك الزمان . ففى فترة الانتظار فى ” بيت أول ” قبل الاستحمام وبعده ، وفى أثناء عملية الاستحمام نفسها ، يكون الرواد ، رجالا ونساء ، بحاجة إلى قطع الوقت بالثرثرة حول سائر شئون حياتهم وما يجرى فى مجتمعهم . وكان من الطبيعي فى غضون ذلك أن يتم تبادل الأخبار والمعلومات ، وتتلاقى الأفكار والآراء . بل إن بعض الاتفاقات التجارية والاقتصادية وذات الطابع الاجتماعي . ومن جهة أخرى ، كانت حمامات النساء تشهد بعض الترتيبات الغرامية حسبما توحى به حكايات ” ألف ليلة وليلة ” التى تتحدث عن النساء اللتى يبتهجن بخداع أزواجهن , وتتحدث إحدى الحكايات عن ثلاث من زوجات التجار كن يتنافسن على الفوز بثوب من القماش الفاخر المنسوج بخيوط الذهب كان معلقا فى الحمام ليكون مكافأة لمن تفوز منهن بحبك أكثر المكائد براعة وإتقانا وحذقا . وحاولت كل من الزوجات الثلاث أن تتفوق على الأخريات بحكاية عن خداعها لزوجها حتى تمضى الوقت مع حبيبها ؛ وتنتهى الحكاية نهاية وعظية أخلاقية : فقد وصمت الحمامية النسوة الثلاث بالخطيئة والزنا واحتفظت لنفسها بالثون الغالي .

وتكشف أشعار عصر سلاطين المماليك ، وحكايات ابن دانيال فى ” بابات خيال الظل ” ، أن أدباء ذلك العصر المثير وشعراءه كثيرا ما وصفوا الحبيبة فى الحمام بأشعار جمعت بين الغزل العفيف  والغزل الصريح المتهتك . وربما كان ذلك نتيجة الأفكار التى كانت تراود الذكور ؛ وتستثير خيالهم إزاء النساء اللاتى كن واقعات تحت نمط من الحجب الظاهري غير الحقيقي . وقد اعتادت النساء آنذاك الاجتماع فى الحمامات العامة مع صديقاتهن يتناقلن أخبار المجتمع ويحكين لبعضهن البعض الكثير من أخبارهن وأسرار منازلهن حسبنا تكشف سيرة الظاهر بيبرس .

كذلك ارتبطت الحمامات العامة فى القاهرة آنذاك بعادات المصريين وعاداتهم فى عصر سلاطين المماليك . فقد كان من التقاليد المرعية عند زفاف العروسين أن يدخل كل منهما الحمام لأن مناسبة الزواج كانت – ولا تزال –  من المناسبات العائلية المهمة والرائعة : إذ كان من الواجب أن يتوجه العريس إلى حمام الرجال حيث يستحم ويستكمل زينته ؛ ويخرج فى موكب تصحبه الموسيقى والأغانى ودقات الدفوف والطبول ؛ وأمامه الأصدقاء والأقارب … ويقوم الشباب بالرقص بالنبابيت ، على حين تتوجه العروس إلى حمام النساء وتخرج منه فى موكب يضم أهلها من النساء وصديقاتها فى موكب بهيج تصدح فيه النساء بالأغانى التى تصحبها الزغاريد . وفى الحمام تقوم البلانة والماشطة بتجهيز العروس لحفل زفافها تحت إشراف أمها وقريباتها ذوات الخبرة ؛ ثم يعود كل من العريس والعروس إلى مكان الحفل الرئيسي .

كذلك كان من عادة الناس أن تجتمعن فى الحمامات العامة ؛ وقد أخذت كل منهن أفخر ثيابها وحليها لكي تلبسها بعد الاستحمام بقصد التفاخر والمباهاة ، والمبالغة فى إظهار الأناقة . وقد رأى بعض أهل العمامة : مثل ابن الحاج الغربي والسيوطى أنه يجب الحد من ذهاب الناس إلى الحمامات العامة ، أو منعهن إلَ فى حالات خاصة . وقال بعضهم إن ذهاب النسوة إلى الحمامات مكروه . ولكن العادات والتقاليد أثبتت – كما يحدث دائما – أنها أقوى من آراء أولئك المتزمتين باسم الدين .

ومن العادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية فى مصر زمن سلاطين المماليك أن الناس كانوا يعتقدون أن من دخل الحمام أربعين يوما يفتح الله عليه فى الدنيا .كما كان دخول المريض أحد الحمامات العامة بمثابة إعلان بشفائه .

لقد كانت الحمامات العامة  فى القاهرة آنذاك مؤسسات ذات وظيفة صحية /اجتماعية دارت حولها جوانب مهمة من حياة المصريين اليومية ؛ وارتبطت بها بعض عاداتهم وتقاليدهم ، كما تبلورت فى وظيفتها بعض معتقداتهم .وقد أعجب بها من زاروا مصر : إذ قال عبد اللطيف البغدادي الرحالة المعروف إنه لم يشاهد فى جميع البلاد التى زارها ما يضاهى حمامات القاهرة حسنا وبهاء . كذلك ذكر المؤرخ المصري الشهير ابن إياس أن السلطان سليم العثماني ، بعد فتح مصر ، زار إحدى حمامات القاهرة فى بولاق سنة 922 هـ / 1518 م ؛ وأنعم على الحمامي “… وأعجبته الحمام وشكرها …”

لقد كان حظ الحمامات العامة بمدينة القاهرة موازيا لحظ المدينة نفسها . ويمكن أن نقرأ تاريخ القاهرة نفسها من نافذة نفتحها على تاريخ حماماتها …. فمن كثرة وحسن وبهاء إلى تدهور وانكماش … وإذا سقطت المدينة العريقة فى يدي السيد العثماني الجديد ، كان نصيب حماماته الفرجة وعبارات الإطراء الفارغة من السيد الذى امتلك السلطة على القاهرة  حماماتها أو بالأحرى على مصر كلها ….

التعليقات