القراءة اليهودية للتاريخ – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في سبتمبر 22, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم كتابة تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

بين القراءة الأسطورية للتاريخ والقراءة الدينية للتاريخ خيط رفيع للغاية . ذلك أن القراءة الأسطورية حاولت تفسير الماضى لصالح الجماعات الإنسانية المختلفة منذ البدايات الأولى ؛ فتحدثت عن الخلق والتكوين وأنشطة الآلهة التى تخيلوها ، وعن العالم الآخر ( أو العالم السفلى فى بعض الحضارات ) ؛ كما حاولت القراءة الأسطورية تفسير الظواهر الطبيعية ، والنظام الأخلاقي ، والقيم ، والمؤسسات الاجتماعية ، وما إلى ذلك . هذه الأمور تناولتها أيضا القراءة الدينية للتاريخ ولكن من منطلق مختلف . ومن ناحية أخرى ، فإن القراءة الدينية للتاريخ تنحاز دائما إلى جانب أتباع الدين الذى تصدر عنه هذه القراءة . ولكن القراءة الأسطورية للتاريخ ، والقراءة الدينية للتاريخ ، تتفقان فى أنهما تحاولان تفسير الظواهر والوقائع بما يناسب الجماعة التى تخاطبها الأسطورة أو الدين .

ويمثل العهد القديم من الكتاب المقدس ( الذى يضم التوراة اليهودية مع عدد من الأسفار الخاصة بالديانة اليهودية ) أقدم نمط من أنماط القراءة الدينية للتاريخ . إذ إننا عندما ننظر إلى ما جاء بالعهد القديم باعتباره تاريخ لليهود ، نجد العناصر الأسطورية والغيبية تمثل لحمة هذه الكتابات اليهودية وسداها من ناحية ، ولكن هذه الكتابات تقدمت خطوة بالفكر التاريخي عندما عدلت العناصر الأسطورية والغيبية بحيث تناسب القراءة الدينية اليهودية للتاريخ . لقد كان التراث الأسطوري موجودا فى المنطقة التى عاش فيها اليهود قبل وجودهم ؛ وانتحلوا هذا التراث ونسبه لأنفسهم فى فترات زمنية لاحقة حسبما يشير المتخصصون فى هذه الدراسات .

لقد كانت الأساطير ، والطقوس المرتبطة بها تشكل كونا وسيطا يمكن من خلاله ربط الإنسان الفرد بالكل الكوني ؛ ذلك أن وظيفة الأسطورة أن تجعل النظام الاجتماعي الإنساني متوافقا مع النظام الكوني الإلهي : لأن الحياة على الأرض ينبغى أن تكون انعكاسا صادقا لنظام الكون . ومن هنا نجد فى هذه النوعية من أساطير الأصول والخلق سمات تاريخية واضحة ؛ كما نجد فيها تشابها واضحا مع القراءة الدينية للتاريخ يجعل منها مرحلة انتقالية بين القراءة الأسطورية والقراءة الدينية . وفى اليهودية تمثل الأعياد اليهودية تجسيدا لهذه المرحلة الانتقالية لأنها كانت فى أصلها الأسطوري أعيادا ترتبط تتعلق بمظاهر هذه الطبيعة ، ودورة فصول السنة ، كما كانت مرتبطة بالطقوس التى كانت تأكيدا على ضمان أمن الجماعة الإنسانية فى الكون الطبيعي . ولكن القراءة اليهودية للماضى ، كما يجسدها العهد القديم ، بدأت عملية فصل تلك الأعياد القديمة عن أسسها الأسطورية / الطبيعية لكي تعيد تأسيسها باعتبارها أعيادا يهودية .

ومن ناحية أخرى ، فإن القراءة اليهودية للتاريخ متمثلة فى العهد القديم – والتوراة بأسفارها الخمسة على وجه التحديد –  قراءة ذات فلسفة غائية كان هدف الذين قاموا بها  بث َ الأمل فى نفوس اليهود حول المستقبل . ومن الثابت علميا أن القراءة اليهودية للماضى استولت لنفسها على التراث الأسطوري القديم فى المنطقة وأفادت منه كثيرا .

ومن الممكن تتبع ظهور العبرانيين فى المنطقة العربية من خلال نصوص سفر التكوين التى تتحدث عن موجات ثلاث من هجرات العبرانيين : أولاها هجرة النبي إبراهيم عليه السلام ( وهو الجد الأعلى حسب رؤية سفر التكوين ) من مدينة “أور ” الكلدانية فى العراق القديم ، إلى أرض كنعان فى فلسطين حيث استقر به المقام فترة من الزمن ؛ والهجرة الثانية قادها إسحق حفيد إبراهيم ؛ وكانت الهجرة الثالثة هى التى قامت بها جموع اليهود الفارين من مصر بقيادة النبي موسى عليه السلام ( وربما تكون هذه الهجرة الأخيرة قد حدثت أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد ) . هذه الأحداث التاريخية قدمتها لنا التوراة فى سياق قراءة دينية يهودية للتاريخ تشى بالغاية التى تنشدها والهدف المقصود من ورائها : فمن المعروف أن ثمة إضافات وتعديلات كثيرة جرى إدخالها على نصوص التوراة على مدى عدة قرون بحيث تناسب القراءة اليهودية لتاريخ المنطقة العربية القديم ؛ وتكرِس مفهوم شعب الله المختار والأرض الموعودة … وهنا نكتشف أن هذه القراءة لم تختلف عن القراءة الأسطورية السابقة لتاريخ المنطقة ، وإنما ألبست ثوبا دينيا يهوديا يتجلى واضحا فى نصوص التوراة اليهودية .

هذه النصوص التوراتية تحكى لنا قصة التطور ” التاريخي ” لبنى إسرائيل فى تفصيل كبير : فتحدثنا عن هجراتهم وخروجهم من مصر ، وتسربهم إلى أرض كنعان ( فلسطين ) ؛ ثم هزيمتهم على أيدى الفلسطينيين ؛ وقيام مملكة داود ؛ ثم الانقسام الذى حدث بين اليهود ووجود إلهين ومملكتين ( إسرائيل ويهوذا ) … وغير ذلك من الحكايات الدينية اليهودية . ولكن تلك الحكايات تختفى منها العلاقة السببية التى يفترض أنها تربط بين الأحداث التاريخية التى مرت باليهود ، أو مروا بها ، فلا نعرف سبب أسباب قوتهم فى الفترة الباكرة من تاريخهم من تاريخهم الذي ترويه التوراة ؛ أو الأسباب التى أدت إلى خضوعهم للقوى الأجنبية فيما بعد . كما أننا نجد فى حكايات التوراة أيضا نوعا من التناقض بين معاملة الإله  ” يهوه” التفضيلية  لبنى إسرائيل ، وسلوكهم الذى يتسم بالتمرد والعصيان تجاهه .إذ إننا لا نجد قانونا معينا يتبعه ” يهوه ” فى معاملة اليهود مثل الثواب والعقاب . بل إن تقلبات أحوال اليهود التاريخية لا تخضع لسنة أو نظام سوى إرادة إلههم ” يهوه ” بغض النظر عن سلوكهم . وتركز التوراة على فكرة أن اليهود هم “الشعب المختار ” لهذا الإله الذى يدللهم . ولهذا فإن ربهم يحيد عن طريقه لكي يوطنهم فى فلسطين على الرغم من عصيانهم المستمر وسلوكهم الشرير . بل إن التوراة تكشف لنا أن هذا الرب اليهودي يلطخ قداسة اسمه بعدم عدالته لكي يظهر لسائر البشر ” الأغيار” مدى ما يمكن أن يسبغه على شعبه المختار  من نعم وأفضال على الرغم من رفضهم إطاعة أوامره وعصيانهم لأنبيائه.

هذه القراءة اليهودية للتاريخ تشى بالانحياز حقا ولكنها ، من ناحية أخرى ، سارت بقراءة التاريخ خطوة أبعد نحو توضيح الدور الإنساني فى فى صناعة الأحداث التاريخية . بيد أن اعتقاد اليهود بأنهم ” شعب اتلله المختار ” جعلهم يقرءون التاريخ على أنه أخبار عن أفعال الرب من أجلهم ، وتدخله لتوجيه حركة التاريخ لصالحهم وحدهم . ولأن فكرة التاريخ اليهودية تتمحور حول فلسفة غائية هدفها طمأنة اليهود ووعدهم بأمل الخلاص فى المستقبل  ولأن فكرة التاريخ اليهودية تدور حول بنى إسرائيل أولا ؛ ثم ” الأغيار ” من البشر جميعا بعد ذلك ، فإن القراءة اليهودية للتاريخ كما يجسدها العهد القديم قد طورت منهجا يسعى إلى رسم صورة مثالية للتاريخ الكوني بحيث يتوافق مع فلسفة التاريخ اليهودية الغائية . وكانت نتيجة ذلك بالضرورة أن خرجت إلى الوجود ” قراءة دينية ” للتاريخ تتواءم مع النموذج الذى يؤكد باستمرار أن الرب يتدخل لصالح شعبه المختار ؛ وهو ما يعنى فى التحليل الأخير أنه قد تمت قولبة التاريخ د\اخل هذا القالب المنحاز  بغض النظر عن الحقائق التاريخية الفعلية .

فالحروب التى يشنها اليهود ، كما تصورها التوراة ، حروب ” يهوه ” ؛ وكل ما يقع من أحداث إنما هى تنفيذ لإرادته . ومن الواضح على أية حال أن محتوى الحوادث التاريخية فى العهد القديم يؤكد هذا المفهوم العنصري ؛ كما يؤكد على أن هدف التوراة برواية الحوادث التاريخية لم يكن العبرة والعظة ، أو طرح الدروس الأخلاقية والدينية …. ولا حتى مجرد سرد الأحداث والوقائع ذات الطبيعة التاريخية ؛ أو البحث عن الحقيقة التاريخية المجردة ، وإنما كانت محاولة تفسير الحوادث التاريخية ، أو قراءتها ، فى إطار منظور مستقبلي يؤكد التداخل بين أفعال الإله اليهودي وشعبه .

ومرة أخرى ، نجد أنفسنا أمام الخيط الرفيع الذى يفصل بين القراءة الأسطورية والقراءة الدينية للتاريخ .إذ يرى البعض أن كل القصص الواردة فى العهد القديم من الكتاب المقدس أساطير : سواء تعلقت بالتاريخ وأحداثه أم لا . لأن عدم عقلانية الأساطير فى رأيهم تمثل جوهر العقائد الدينية ؛ وتفسير ذلك أن الدين يتطلب الإيمان المطلق الذى يؤدى إلى توقف ممارسة العقل للشك النقدي . وإذا طبقنا ذلك على العهد القديم من الكتاب المقدس ، وجدنا أن الأساطير كانت بمثابة الأرضية التى قامت اليهودية عليها . ويرى المتخصصون فى دراسة العهد القديم أن مفهوم الأسطورة ، باعتبارها شرحا وتفسيرا لأصول كل ما فى الكون ، ينطبق تماما على سفر التكوين والقصص الواردة فيه ؛ لأن اليهود أخذوا عن شعوب المنطقة مفهوم اعتبار الطبيعة كيانا مبجلا يحترموه ، ولم يتعاملوا مع الطبيعة على أنها كيان غيرعاقل .

وهناك من الباحثين من يرى أن اليهودية تطورت بفضل التراث الثقافي القديم للمنطقة العربية ؛ وربما كانت عبادة ” آتون التوحيدية ” قد أعطت اليهودية دفعتها الأولى . ولا شك فى أن أقدم ما جاءنا عن عبادة ” يهوه ” فى التوراة عبارة عن مجموعة من القصص ذات المسحة الأسطورية ؛ وهي قصص تستمد أصولها من الأساطير المصرية ، أو الأساطير الآشورية أو البابلية القديمة : مثل قصة الخلق ، وقصة الطوفان ، وأسطورة برج بابل … وغيرها . ومع مرور الزمن (الذى تجلى تأثيره فى النعوت والأوصاف المتناقضة التى وصفت بها التوراة ” يهوه ” ) تكونت صورة هذا الإله اليهودي من خليط من مجموعة العقائد السامية القديمة .

لقد تأثرت الديانة اليهودية منذ عهد النبي موسى ، عليه السلام ، بالتطورات الدينية التى جرت فى المنطقة قديما ؛ إذ بدأت فى ذلك الحين درجة تقديس البشر للعناصر الطبيعية التى كانوا يعتقدون من قبل أنها تملك قوى معينة ، وبدأ الإنسان يفكر فى البحث عن القوة الحقيقية التى تتحكم فى الطبيعة وعناصرها . وظهرت بوادر هذه التطورات عند الساميين الذين انتقلوا من الإيمان بعناصر طبيعية جسدوها فى آلهة متعددة ، إلى الإيمان بعنصر طبيعي واحد ؛ وهو ما حدث عند المصريين والآشوريين والبابليين القدماء . وتجلى ذلك فى الديانة اليهودية حيث صار ” يهوه ” يوصف بأنه الإله الخالق ، وتحولت عناصر الطبيعة من قوى خالقة إلى قوى مخلوقة . واللافت للنظر هنا أنه على الرغم من أن يهوه لم يكن من عناصر الطبيعة ، فإن الإيمان به كان ما زال قائما على أساس بتعدد الآلهة . وكان هذا الموقف نتيجة اعتبار اليهود أن ” يهوه ” إله خاص باليهود وحدهم ، ومجال سلطانه قاصر عليهم دون سواهم . ومن هنا كان اعتراف اليهود بوجود آلهة أخرى ، ولم يعارضوا عبادة هذه الآلهة  داخل منطقة نفوذ يهوه على الرغم من تحريم عبادتها على اليهود أنفسهم . ويعنى هذا أن اليهودية ( وربها يهوه ) كانت تطورا طبيعيا لما كان سائدا فى المنطقة العربية القديمة من عقائد وديانات …

من ناحية أخرى ، يرى أحد المتخصصين أن التوراة التى تنسب إلى موسى عليه السلام كانت غير التوراة العبرية الموجودة الآن . إذ إن التوراة التى تنسب إليه لم تكن باللغة العبرية التى لم تكن قد وجدت بعد ، ، ولم يكن النبي موسى يعرفها هو أو بنو إسرائيل ؛ إذ إن موسى ولد وعاش فى مصر وتربى فى قصر فرعون ، وتسمى باسم مصري حسبما ذكرت المصادر اليهودية نفسها وتهذب بحكمة المصريين القدماء ؛ وهو الأمر الذي ينطبق أيضا على الإسرائيليين الذين عاشوا فى مصر قبل ذلك بعدة أجيال . ومن المرجح أن بقاء التراث اليهودي ، على الرغم من اختفاء أصوله القديمة ، إنما يرجع إلى أن تدوين هذا التراث قد ارتبط بتطور الديانة اليهودية نفسها ؛ ثم ظهور اللغة العبرية التى اعتبرها اليهود لغة مقدسة من ناحية ، ثم ارتباط العهد القديم فى مرحلة لاحقة بالكتاب المقدس عند المسيحيين ، وارتكاز الحضارة الغربية الكاثوليكية بالكتاب المقدس الذي يضم العهد القديم والعهد الجديد . فضلا عن أن التراث الثقافي للمنطقة العربية القديمة توارى فى ضبابية الأساطير وارتباطه بالديانات الوثنية التى كانت سائدة فى هذه المنطقة والتى حاربتها الديانات السماوية الثلاث ، وأهمها الإسلام .

لقد استخدمت اليهودية هذا التراث الأسطوري فى خدمة القراء اليهودية الدينية الذى تصوره التوراة تاريخا حافلا بالحروب ، والدماء ، والكوارث . وعلى الرغم من أنه يمكن تفسير ذلك فى ضوء أخطاء اليهود أنفسهم ؛ فإن الذين كتبوا التوراة وضعوا أحداث التاريخ فى إطار تفسيري يخدم الغايات الدينية اليهودية . ومثل هذه النصوص الواردة فى أسفار العهد القديم تنفى مفهوم السببية عن الأحداث التاريخية : ذلك أن الأفعال التاريخية أفعال بشرية لها أسبابها ونتائجها ؛ وهناك ” حكم التاريخ ” الذى يهتم بالحياة الجماعية للأمم والشعوب . بيد أن القراءة اليهودية للتاريخ تجاهلت ذلك . وبعبارة أخرى ، فإن القراءة اليهودية للتاريخ تقول إن مصير الإنسانية فى الكون ليس محكوما بأخلاقيات الجماعات والأمم حسبما تتجلى فى المسار الفعلي للأحداث ، وإنما هو محكوم بالعلاقة الخاصة بين بنى إسرائيل وربهم يهوه . ويعنى هذا أن فكرة ” شعب الله المختار ” تنفى فكرة السببية فى تحليل أفعال البشر التى تشكل التاريخ . . وعلى الرغم من هذا ، فإنه سيكون من الخطأ تماما أن العهد القديم يتضمن فكرة بدائية عن الأسباب الأخلاقية التى تفعل فعلها فى مجريات التاريخ ؛ لأن هذه الفكرة غامضة وتائهة فى ارتباطها بفكرة أن رب اليهود يوجه التاريخ لصالح شعبه المختار .

من هذا المنطلق حاول الذين كتبوا سفر الرؤيا ، مثلا ، أن يبثوا الطمأنينة فى نفوس أتباعهم ؛ وكان طبيعيا أن يقدموا لليهود الوعد بالنجاح فى المستقبل حين يتدخل إلههم لكي ينقذهم . وتتخذ الرؤيا شكل الحلم ليناسب هدفها النهائي : التنبؤ بالنصر النهائي ” للشعب المضطهد ” لكي تواسيه فى بؤسه . وكان العراف الذى كتب سفر الرؤيا يتستر وراء اسم معروف جيدا حتى يجعل الأمر جديرا بالاهتمام ، ثم يختفى اسمه وراء حجب السرية والغموض . وأشهر رؤيا هى تلك التى وردت فى العهد القديم مرتبطة باسم “دانيال ” . وقد جعل كاتب هذه الرؤيا دانيال يعيش فى فترة الأسر البابلي ، فى عصر الملك داريوس ملك ميديا ( وهو شخصية وهمية لا وجود لها فى التاريخ ) الذى يعطيه دور الملك اللطيف الذى يحكم اليهود . وتتناول الرؤيا التى تنسب إلى دانيال قصة الوحوش الثلاثة التى رآها فى حلمه تبرز من البحر ( أسد ، ودب ،  ونمر له أربعة رؤوس ) ؛ ثم يبرز من الماء وحش رابع أقوى من الثلاثة وأكثر إثارة للرعب ، فيمزق الوحوش الثلاثة الأخرى بأسنانه الحديدية ، ثم يسحقهم بأرجله . وفى رأس هذا الوحش عشرة قرون ، ثم يظهر قرن حادى عشر أصغر من القرون العشرة ؛ بيد أنه ما لبث أن سيطر على القرون جميعا . وأخيرا ، رأى دانيال ” القديم الأيام ” ( أي الرب ) جالسا على عرشه ليأمر بتدمير الوحش بالنيران [ سفر دانيال : الإصحاح السابع ] .

وربما كان العراف الذى كتب سفر دانيال يقصد بوحوشه الأربعة الممالك التى عرفها اليهود : وهى بابل ، وميديا ، وفارس ، ثم مملكة المقدونيين التى شادها فيليب وابنه الإسكندر الأكبر . وكان  بذلك يتنبأ بأن الرب اليهودي سيهدم المملكة الأخيرة وينقذ شعبه المختار . لقد تمرد التاريخ على هذه النبوءة عندما حلت الإمبراطورية الرومانية الظافرة بقوة محل الممالك الهللينستية التى أقامها خلفاء الإسكندر …. وهنا كان لابد من تعديل تفسير رؤيا دانيال لتشمل الإمبراطورية الرومانية ؛ وهو ما يعنى أن الوحش الرابع كان يرمز إليها ، على حين اقتضى الحفاظ على رقم أربعة دمج الميديين والفرس معا فى مملكة واحدة .

هكذا ، إذن ، اقتضت القراءة اليهودية للتاريخ وضع تصور للتقسيم الزمني يخدم أهداف هذه القراءة . ولا ضير فى أن نكرر أن الانحياز الواضح فى القراءة اليهودية للتاريخ يتجسد فى اعتبار التاريخ كأنه تاريخ اليهود وحدهم من ناحية ، كما يتجسد فى تقسيم الزمن إلى فترات توافق الممالك التى احتك بها اليهود من ناحية أخرى . فضلا عن اأن التقسيم الزمنى كما وضعه مفسرو سفر الرؤيا كان يخدم الفلسفة الغائية التى قامت عليها القراءة اليهودية للتاريخ . فقد قامت هذه الفلسفة لتفسح المجال واسعا أمام دور الرب اليهودي فى توجيه أحداث التاريخ لصالح شعبه المختار . ومن هنا فإن المادة التاريخية الواردة فى أسفار العهد القديم لا تقدم الحدث التاريخي فى إطاره الوضعي ؛ وإنما تصوغه فى القالب الذى ينبغى أن يتقولب فيه بحيث يتفق مع الغايات الدينية التى حكمت تاريخ اليهود . ومن ناحية أخرى ، فإن المادة التاريخية فى أسفار العهد القديم لا ترى التاريخ بوصفه تاريخ البشرية ، ولكن باعتباره تاريخ اليهود . وقد جاء تقسيم الزمن الذى وضعه مفسرو سفر الرؤيا ليؤكد هذا الاتجاه .

ويرى بعض الباحثين أن الأسفار التاريخية فى التوراة تحدد بداية ظهور القصص التاريخية فى تاريخ التاريخ ؛ وأن سفر الملوك ، خاصة ، يمثل فكرة التاريخ عند اليهود خير تمثيل . إذ إن كاتب هذا السفر ( أو كتَابه ) يهدفون إلى إقناع اليهود بأن الإخلاص الديني ليهوه له قيمته وفائدته : وذلك من خلال وضع أمثلة تاريخية عن المصائب التى حلت باليهود عندما تخلوا عن دينهم . وفى رأينا أن ” الكتابة التاريخية ” ، التى بدأت بالقراءة الأسطورية للتاريخ ، قد تركت بصماتها على المادة التاريخية التى تحملها أسفار التوراة والعهد القديم ، والتى كانت بدورها ” قراءة دينية ” لصالح اليهود . فقد سربت أساطير الخلق والأصول والتكوين فى المنطقة العربية القديمة الكثير من تفاصيلها وعناصرها إلى التوراة على نحو ما ذكرنا فى السطور السابقة . وقد أخذ الذين كتبوا التوراة وبقية أسفار العهد القديم يعدلون من صياغتها ويضيفون إليها ، أو يحذفون منها ، بحيث تناسب القراءة اليهودية للتاريخ ، وفكرة شعب الله المختار ، والوعد الإلهي لبنى إسرائيل بالأرض المقدسة وخلاص بنى إسرائيل فى المستقبل .

فالقراءة اليهودية للتاريخ ترى فيه مجرد تاريخ بنى إسرائيل ؛ كما أن عامة اليهود يعتقدون أن الهدف النهائي للتاريخ تشييد مملكة الرب على يد ” المخلِص ” الذى سوف يأتى فى آخر الزمان ليشيد مملكة الرب فى أرض الميعاد . هذه القراءة تتعامل مع تاريخ اليهود وحدهم : وهو ما يعنى أن من الصعب أن نستخرج من هذه القراءة أي قوانين تحكم حركة التاريخ البشري كله ؛ لأن أية فلسفة للتاريخ ينبغى أن ـاخذ فى اعتبارها أحوال البشر جميعا ، لا أن تقتصر على جماعة بشرية بعينها دون غيرها . بيد أن هذا الموقف اليهودي من التاريخ يمكن تفسيره فى إطار الحقيقة القائلة إن القراءة اليهودية للتاريخ كانت مجرد مرحلة انتقالية بين القراءة الأسطورية للتاريخ من جهة ، والقراءة الوضعية للتاريخ بوصفه فعاليات بشرية من جهة أخرى . ومن ناحية أخرى ، كانت هذه القراءة اليهودية قراءة محلية محدودة فى حدود جماعة بشرية واحدة .

والأساس الذى قامت عليه هذه القراءة اليهودية للتاريخ هو رؤيتها لكل ما جرى ، ويجرى ، فى الكون على أنه استجابة لكلمة ربهم وطاعة لهذا الرب المنحاز لشعبه المختار . وكان هدفها الأساسي تأكيد القوانين الربانية التى يؤدى فهمها إلى إمكانية التنبؤ بالمستقبل . هذا على الأقل ما يشى به العهد القديم من الكتاب المقدس ، والذى يضم كتب النبوءات التى كتبها أولئك الذين سمعوا كلمة الرب … فعرفوا ما يجرى ، وما سوف يجرى .

التعليقات