النيل والمجتمع المصري – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في سبتمبر 16, 2014 عن طريق - قسم تاريخ اجتماعي دكتور عمرو منير مصر
0 Flares 0 Flares ×

 قاسم عبده قاسم أحد أبرز الوجوه في الثقافة المصرية العربية المعاصرة وصاحب إسهامات بارزة ومهمة في البناء الثقافي والمعرفي وصاحب حس تاريخي يكتب من فيض علمي غزير وعميق وتجربة ضخمة في القراءة والدرس والبحث والتنظير التاريخي ، وكاتب أديب بالدرجة الأولى قبل أن يكون باحثا في علم التاريخ أستطاع أن يحقق درجة من التوازن بين لغة العلم ولغة المجاز الأدبي ، فإذا المجاز يخدم العلم ، وإذا العلم يستنير بالمجاز ، نفس هذا التوازن المذهل في دقته أحدثه في منهجه العلمي الذي كتب به دراسته التاريخية المتميزة  ” النيل والمجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ” – الصادرة مؤخرا عن دار عين بالقاهرة – لتأتي دراسته مثل النيل في فيضانه وجريانه في أحشاء البلاد مؤكدا أن دراما التاريخ الحضاري المصري برمتها وعلى طولها ، يمكن أن تختزل أساسًا في صيغة صراع ملحمي بين المصري والنيل باعتباره كائنا إنسانيًا عملاقًا وأسطوريًا منذ أن أهتم المصريون بقياس زيادة نهر النيل وترقبوها وتتبعوا أحوالها ، حتى إذا أوفى النهر أقيمت الزينات وبدأت مهرجانات العيد القومي احتفالا بوفاء النيل ، وفي كثير من الأحيان كانت مصاريف هذه الاحتفالات تجبى من أبناء الشعب ولم تكن احتفالات الوفاء هى المظهر الاجتماعي الوحيد المرتبط بالنهر العظيم ، بل إن كثيرًا من الأعياد المتوارثة عن قدماء المصريين مثل ” النيروز” ، و”عيد الشهيد” ، و “الصليب” ارتبطت بالنهر وكانت كلها أعيادا مصرية خالصة لم يجلبها العرب الفاتحون .

يرصد الكتاب ما كان للنهر أثر في الناحية السياسية إذ كان الناس – وفقا لمفاهيم ذلك العصر – يربطون بين سنوات نقص النيل وسوء طالع السلطان الحاكم وسوء إدارته وإخفاقه وإفلاسه السياسي ، وكانت تنتج عن نقص النيل حوادث الشغب والاضطراب والفوضى والاعتداء على الحكام ، كما كان هؤلاء بدورهم يستقيلون أو يعزلون في مثل هذه الأحوال .

الكتاب معبأ بالمعاني والأفكار والمعلومات الشاهدة  على وجه مصر الذي يضحك وينزف ، وعلى القامة التي لا تنحنى برغم مطارق الزمن ، ووحشية الغزاة ، وجبروت الطغاة ، على المجاعات والطواعين وأكل الكلاب ، والقطط في “الشدة المستنصرية” ..على “الكُبّة” و”الكوليرا” ..على تمرد وثورات العامة ..وعلى الخيانة وجنون الحكام المفلسين ..على سجون المماليك المرعبة : المقشرة والحجرة وخزانة شمايل ..عن نشر الناس كالأخشاب وسلخ جلودهم كالشياه لأنهم تمردوا وقالوا ما يعتقدون .. على المرأة التي وقفت أمام باب “قصر الزمرد” وصاحت بصوت بين الغضب والبكاء والانهيار :”يا أهل القاهرة ، ادعوا بالنصر لأمير المؤمنين المستنصر بالله الذي أكلنا الرغيف في أيامه بألف دينار .!!”.ويرصد رحلة ارتباط النهر وفيضانه بخطر المجاعة وكارثة الوباء الذي كثيرا ما اجتاح البلاد في عصر سلاطين المماليك باعتبار أن النهر هو قوام الحياة الزراعية وموردها الوحيد ، ولما كانت زراعة مصر تتجه أساسًا لإشباع حاجة البلاد من المواد الغذائية ، فإن أدنى هزة في موارد المياه والزراعة كانت تترك آثارها التخريبية في حياة المجتمع المصري إذ تنشب المجاعات الرهيبة مخالبها في جموع السكان وتطحنهم الأوبئة برحاها الرهيبة لتنزل بأعدادهم إلى درك مخيف من القلة ، وفي هذه الأجواء يتزايد عدد الفقراء ، وتزدحم القاهرة بالقادمين من الريف بحثا عن الأمل في النجاة .

ونتيجة لارتفاع الأسعار وانعدام الأقوات كانت تتوالى بالتداعي أحداث أخرى تزيد من قتامة الصورة إذ ينعدم علف الحيوان فتنفق الأبقار والمواشي التي هى عماد “القوة المحركة” في العمل الزراعي وينعكس ذلك بطبيعة الحال على أحوال البلاد الاقتصادية .

وتشير الدراسة إلي أن الأزمات الاقتصادية والغلاء الذي كانت وماتزال تعيشه مصر لم تكن في كل الأحوال ناجمة عن الكوارث الطبيعية ولكن فساد الحكومة وانعدام نفوذها ، واقتتال طوائف المماليك وحروب الشوارع كثيرا ما كانت سببًا في وجود هذه الأزمات .

يشير المؤرخ قاسم عبده  إلى أن في مثل هذه الظروف كانت الدولة ممثلة في السلطان تقوم بتوزيع الطعام على المحتاجين في بعض الأحيان ، ولكن ذلك الموقف من جانب الحكومة كان ناجمًا عن روح التصدق والإحسان ، ولم يكن تعبيرًا عن إدراك حكام ذلك العصر أو هذا لمدى مسئوليتهم تجاه الشعب وتوفير الرعاية والغذاء لأفراده . بدليل أنه في أثناء بعض الأزمات كان أمراء المماليك يقومون بنقل غلالهم إلى منازلهم في حراسة “المماليك الملبسة” ، وبدليل ما كانت الدولة تلجأ إليه أحيانا من وسائل المصادرة والاستيلاء على أموال الناس لموازنة نفقاتها وإيراداتها التي تختل بسبب وجود الأزمة ، وفي أحيان أخرى كانت الدولة تتخذ بعض الإجراءات الاقتصادية كالتسعير ولا تتركها سداحا مداحا كما يفعل بعض سفهاء الحكم اليوم في مصر ، كما كانت الحكومة تقوم بتحديد المباع من الغلال بحد أقصى تجنبا “للخزن” أو السوق السوداء على حد تعبيرنا المعاصر .

يرصد الكتاب موقف وسلوك بعض حكامنا السفهاء في أثناء هذه المجاعات والأوبئة حين يهرب الحاكم أو السلطان وأمراؤه من القاهرة إلى سرياقوس والطور وغيرهما ويفعل ذلك أيضًا الأعيان ومياسر الناس ويبقى ” العامة ” سواد الشعب غذاء سهلا لهذه الكوارث والنكبات وهذا يعنى أن الأزمة كانت أزمة نظام الحاكم نفسه . أزمة الفساد والاستبداد وهدر الموارد وأزمة اختيار سياسي يصب في خانة الانحياز التام لإخوانهم من أهل الثقة  ، وخلق شريحة ضيقة اجتماعيا تحتل قمة الهرم الاجتماعي لكسب ولاء هذه الشريحة للنظام ودعم استبداده السلطوي سياسيا وحكمه الفاسد ماليا واقتصاديا وإدارياً.

فكان عدم نجاح الحكام  في احتواء ظاهرة الغلاء ومواجهة المجاعات  وعدم اقتلاعها من جذورها ” إعلانا صريحا بفشل الأجهزة المعنية في مواجهة مسئولياتها وشرعية استمرارها في سدنة الحكم وتعطي للشعب شرعية تمرده وخروجه على الحاكم .   وبمعنى آخر فإن توالي أحداث المجاعات من الممكن أن يحدث تغيرات كمية ضئيلة في كل مرة وتتراكم هذه التغيرات الكمية حتى تصل إلى مرحلة تاريخية معينة ، تتحول فيها إلى تغير كيفي ملموس هذا بالإضافة إلى ما كانت فيه المجاعات وارتفاع للأسعار غير مبرر كعامل دفع ساعد على تطور أوضاع بعينها إلى منتهاها.

الكتاب يرصد مكانة النهر العظيم في الأساطير العربية أيضا ؛ إذ درات القصص الخيالية حول محاولات كشف منابعه ومجراه وتعليل ظاهرة فيضانه وإن كان البعض قد اقترب في ذلك من الحقيقة أو كاد كما أن النهر الإله “حابي” في عهود الوثنية قد أصبح نهرًا مؤمنا ومن أنهار الجنة لدى كتاب عصر سلاطين المماليك المسلمين تعبيرا عن مكانة النهر العظيمة في نفوس أهل مصر ومن خالطهم .

وفي الشعر والأدب كان النهر موضوعا مفضلا يلهب خيال الشعراء والأدباء في عصر سلاطين المماليك ، ولم يقصر هؤلاء الشعراء أو الأدباء في التعبير عن مشاعر المصريين تجاه نهرهم المحبوب ، ولا غرو فالنهر قوام الحياة المصرية ، وعليه مدارها فكان مسرحا لخيالات الشعراء والأدباء ومجالا لتفكيرهم ومراحًا لحدسهم .

وفي آخر الدراسة ألحق ثبتًا بالمجاعات والأوبئة طوال عصر المماليك ، ورغم أن كلا منها تفاوتت في مدى خطورتها وحدة فتكها بالناس ، فإنها في النهاية كانت دليلا على أن الشعب الزارع باني الحضارة والمدنية كان فريسة للمجاعات والأمراض الوبائية طوال ذلك العصر الملئ بمظاهر الفخامة والثراء ، وبينما كانت مصر تقسم أرضها إلى أربعة وعشرين قيراطًا يتقاسمها الحكام يظل القيراط الخامس والعشرون “وهو الصبر على البلاء وجهل وجنون الحكام من نصيب الشعب ” في مملكة السماء . كتاب جدير بالقراءة والبحث فيما بين السطور والموضوع جدير بالبحث والنظر في كل حين ؛ فضلا عن أن المشكلات المتعلقة بالعلاقات بين مصر ودول حوض النيل ، ونصيب مصر من مياه النهر العظيم تستوجب إلقاء الضوء على الجوانب المختلفة للموضوع .

Picture 082

التعليقات