عبقرية الشر – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في سبتمبر 7, 2014 عن طريق - قسم أدب دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

  “عبقرية الشر” للكاتب الشاب أحمد عبد العليم رواية صغيرة رقيقة تكاد تشف كأنها البلور . روح الكاتب فيها ثائرة صافية تتطلع من موقع إنساني ممتاز إلى الحياة والكون ، يراقب الزمان ويستخرج الثورة وروح التمرد من المكان والبشر . تحركه قضايا اجتماعية وسياسية واضحة تكاد روايته تتطابق مع التاريخ الاجتماعي لبلادنا في الثلاثين عامًا الماضية. “مصرحية”، “ثورة السلاحف” تجاربه الأولى التي حققتا له الشهرة وهما تجربة الاعتقال والاضطهاد والمطاردة لنظام بوليسي ظن أنه حكم وتسيد واستعد لتوريث الملك الرئاسى ناسيا أو متناسيا عبارات خالدة أطلقها الزعيم أحمد عرابى “لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا..فو الله الذى لا إله الا هو إننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم”. وهما تصوير للاختناق النابع من تجربة العمل السياسي المحبط الذي يدور في دوائر مغلقة .

ثم هناك بعد ذلك تجربته “مائة يوم من الثورة” التي سجل فيها تجربة ثورة الكلمات التي بدأها الشعب بالكلمة..كلمات من هنا وهناك تعبر عن نبض هذا الشعب الذي ظن البعض أنه مغلوب على أمره..لا يجرؤ على الهمس وإذا ما جرأ على الكلام فإما بالشكوى أو بالرجاء ظانين أنه يكرر ملهاة الفلاح الفصيح الذى لم ترق مستوى آماله إلا لكتابة الشكاوى إلى الفرعون الواحدة تلو الأخرى.

“عبقرية الشر” روايته الأخيرة عمل سياسي يسجل العالم الفريد الذي خلقته سنوات الانفتاح وما نتج عنه من اختلاط واضطراب في القيم ، وفي معاني الحرية والتقدم وسنوات الانتصار والانكسار والتحولات الاجتماعية والسياسية وصعود تيارات الهوس الديني الكاذب مع تصدعات في جسد مجتمع تبدو معظم طبقاته، في حالة من اللهاث وعدم اليقين، فالتمست الراحة الكاذبة بوهم التدين الشعبي .مستعينًا ببطل الرواية خالد المنبئ عن التمدد الجغرافي للسلفية الدينية. حين كان خالد يساريا ماركسيا كما كان كثير من أبناء جيله، وتصمد قناعاته الماركسية حين مات الأب ولحقته الأم، حتى إذا مات أخوه وتوأم روحه رضوان أدار خالد ظهره لليسار فأحرق كتبه القديمة، وأقبل على كتب الدين يشتريها ويقرأها ويفسرها لنفسه وللآخرين ويطلق لحيته !.  استوقفني في الرواية نضوج الروح ، وجمال الموقف الإنساني وعذوبته ، والقدرة المكتملة على التعبير الدقيق الخالي من الحشو . الجمل كأنها أغصان أُحسن تهذيبها موجزة تعرض أفكارها سريعاً دون إسهاب. والحبكة تتكون في بطء وأستاذية دون أن تفقد صلتها بتيار الحياة والواقع كأنها في النهاية كيان غير منفصل . “عبقرية الشر” حاولت قراءة واقع ثورة يناير، ورمزية الانتصار، من خلال أحداث الماضي القريب. معلنة أن أى إنجاز ليس حمّال خير بالضرورة، فمنه قد تنبثق شرور كثيرة. كالفساد، وتحالف أصحاب النفوذ مع رجال المال والدين ، وتربص الإخوان المتأسلمين منتظرين أن تسقط الثمرة الناضجة الملوثة في حجورهم ، بلا جهد ولا تضحيات. ولعل تجربة صعود تيار اليمين المتشدد  الذي كادت معه مصر أن تصبح مزدهرة كأفغانستان ، ومتحدة كالسودان ، وشبعانة وفي تخمة مثل الصومال ، وديمقراطية مثل إيران أبلغ نموذج لتلك الفكرة ! التي منحت للتيارات الإسلامية الحق في التأويل والتفسير وخلط الدين بالسياسة متحتكرة الحديث عن شرع الله!.

أما الإنجاز الذى تحكى عنه الرواية هو انتصار أكتوبر 1973 الذى استرد لمصر جزءا من أرضها، لكنه لم يغير شيئا من أحوال البلدة مسرح أحداث الرواية على امتداد الفترة الزمنية التى يسلط عليها الكاتب الضوء وتلك هى الممتدة بين عامى 1977 و1981. لم يتغير حال البلدة التى لم يُسمها الكاتب ؛ لأن الناس ظلوا على فقرهم وبؤسهم وعبوسهم، كما أن الفرعون أيضا ظل على جبروته وانتهازيته وعنفوانه. وفرعون البلدة هو حمزة ، التاجر الوحيد فيها، الذى يشترى من الناس كل شئ لأنهم يضطرون لبيع كل شيء مقابل المال، ثم يعودون فيشترون بالمال بضاعة مغشوشة من حمزة!. يمر بنا أحمد عبد العليم على الوضع الاجتماعي والسياسي لمصر فى تلك الفترة الحرجة من تاريخها ، طارحًا مشاهد قصيرة بإسقاطاتها أمام عين القارئ، ومحاولة الإجابة عن تساؤلات مصرية مؤجلة منذ سبعينيات القرن الماضى عن قيمة الانتصار، وجدوى الثورة، ومعنى الإنسان وسط مطرقة الاحتكار وسندان الاحتقار، وحيوات الإنسان المصرى مع تصاعد حالة الغليان الشعبي ضد النظام ، ووجود فرص جيدة لبث الروح الثورية في المشهد السياسي ، والجسد المصري العليل فلم يعد مستحيلا إذن أن تعود مصر إلي روحها. فهي ليست استثناء في التاريخ. ولا هي أول مرة تغفو فيها. فطالما مرت عليها فترات مشابهة إلي أن يظهر فيها روح مصرية تثور .. ضد القهر ..ضد اللامألوف واللاإنسانى .. ضد الجموح .. الهيمنة .. ضد الطبقية ..حالة الموت ما قبل الموت. لتغيرها، وتعيد الثقة إلي نفسها، تجسيدًا لسياسات بديلة ، وتصحيحًا لمسارها، لتعيدها إلي تاريخها، وتبعث روحها، ولم لا ؟ الرواية هنا لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تحاول طرح تساؤلات عديدة عبر مشاهد قصير محتفظة بوحدتها .

بطل الرواية خالد هو الشخصية المحورية المؤمن بفكر الثورة ، أيمن صديق خالد وخليل سيجارته الزرقاء، الواقع في مشكلات دائمة مع زوجته ، الشيخ محمد رمز الإسلام الوسطي البعيد عن أهل القرية وحيد وتشعر أن وراءه سر كبير ويحاول أن ينصح خالد دائما بالصلاة ولكنه يرفض ذلك ، آمال الراقصة عشيقة خالد يحبها كثيراً ولكن كلما حاول الاقتراب منها يراها في هيئة الشيخ محمد ويرتعد ، رضوان أخو خالد المغترب وحبيبه الأقرب لقلبه ، موت أيمن يجعل خالد يتحول من أقصى اليسار لأقصى اليمين، ويربي ذقنه ويصاحب الشيخ محمد ، ويحاول خالد أن يقنع الغازية آمال التى عاشرها سنين فى الحرام وظل يخشى منافسة ذكر آخر فى حبها، فإذا هو بعد رضوان يتزوجها وقد اشترط عليها النقاب ، وتقبل! .. الشيخ محمد الذى عانده خالد ذات يوم وأبى ألا يحفظ القرآن على يديه وترك الكتاب بسببه، حتى إذا رحل رضوان أصبح الشيخ صديق خالد الصدوق ، والشيخ محمد نفسه هو من يقتل حمزة لأنه يوما ما منع عنه بعض المال فماتت زوجته، خالد يحلم بأنه يسيطر على القرية لأنه الأحق ولأن لحيته أطول ويعد الناس بالجنة في الأرض وف السماء، ورضوان رمز الأمل المنتظر بعد انتصار أكتوبر وبعد موته، تحول خالد رمز الثورة والتغيير إلى الأسلمة وهو ما فعله السادات بفتح الباب أمام تيارات التأسلم السياسي والهوس الديني الكاذب  ، حمزة فرعون القرية وأهلها الذي يعايرهم بالانتصار ، الشيخ محمد في اغتياله لحمزة أو قل في اغتياله للسادات، أحلام خالد أو قل : أحلام المتأسلمين بإقامة إمارة إسلامية بعد اغتيال حمزة/ السادات ، الإسقاط على ثورة يناير بانتصار أكتوبرغير المكتمل ، وموت الأمل بتحييد الثورة عن أهدافها وتطلعاتها.

هذه الراوية لشاب شيخ ، فيها من روح الشباب وحماسه وإبداعه ، وفيها أيضًا من حكمة الشيوخ ورصانتهم وفيها من قدرتهم على التأمل وإمعان النظر . ومن المؤكد أن القراء سوف يستخلصون منها أشياء أخرى كثيرة ، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمناخ الاجتماعي السياسي والثقافي الذي يعيشه المصريون اليوم ،وأن أحمد عبد العليم قد استخدم موهبته للتعبير بطريقته الخاصة عن هذا المناخ فنجح في رأيي نجاحًا باهرًا .

وهذه هى الطبعة الثانية التي صدرت للرواية عن دار نشر “أكتب للنشر والتوزيع” التي تحاول أن تقدم للشباب أعمالا جديدة وهامة للقارئ المصري بسعر في متناول القارئ الحقيقي ..الذي عزلته أسعار الكتب النارية .

1059181_10200900768014201_1157329586_n

التعليقات