زمن الحصار يعيد الأندلس إلى الحياة – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 30, 2014 عن طريق - قسم الأندلس دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

المبدع حين يختار التاريخ مجالا لعمله الفنى يضع نفسه رهن أغلال الحقيقة التاريخية في إطارها العام ، ولكنه في حل من القيود التي يفرضها المؤرخ على نفسه فالمبدع يرى في الحقيقة التاريخية شيئا أشبه بالهيكل العظمى فيكسوها بخياله لحما ، وينفخ فيها من روحه الإبداعية ، فإذا الحدث التاريخي قد استوى كائنا حيا جاءنا عبر العصور ، ليس على صورته التاريخية الدقيقة ، ولكن في الإطار العام للحقيقة التاريخية وفي الصورة الفنية التي أبدعها الفنان وإذا بالتاريخ ، بشخوصه وأحداثه ، قد صار يعايشنا في حاضرنا وهو ما يستشعره المتلقى في كتابات أحمد سراج  وهو يعبر عن هذا الحاضر حين بنى جسرا بفنه فجعل الماضي والحاضر يتداخلان تداخلا يصعب تحديد مداه كأنه يتتبع في ذلك خطى جلجامش وهو يبني أوروك ؛ فقد أوضح في أكثر من حوار أن مشروعه المسرحي يقوم على ثلاثة أسس؛ الأول- التاريخ وتكون مسرحياته على النمط الكلاسيكي، ثلاثة فصول، بالعربية الفصحى، وقد أنجز من واقع ثلاث مسرحيات مسرحيتين هما القرار وزمن الحصار. والثاني- التخيل، وتكون مسرحياته مشهدًا واحدًا، بالعربية الفصحى، وتقوم في عالم افتراضي بالكامل، ومنها مسرحية القلعة والعصفور. والثالث- الشارع، وتكون مسرحياته فصلا واحدًا، وتكتب بالعامية المصرية، وقد أنجز منها مسرحية فصول السنة المصرية.

هذا من ناحية الشكل ولغة النص ومادة النصوص، أما سبب التناول فيكاد يكون واحدًا: أن يظل الدم النقي حيًّا، وأن يبرز للقارئ أين المقاوم، وأين الخائن، فيما ترتبط النصوص بعدة قواعد أخلاقية منها: أنه حيثما كان شعب حر؛ فهناك نصر أو مقاومة، وأن الحكام الخونة هم سبب نكبات الشعوب وليس العكس.

وعن التاريخ يتضح من قراءة مسرحيتي زمن الحصار والقرار أن سراج، يقوم بتحديد لحظة موارة – لحظة ماقبل البركان بقليل – ويجعلها بداية كتابته بعد قراءة متمهلة لعدد من المصادر التاريخية التي تتناول الحدث؛ ففي زمن الحصار كان اختيار الأيام الأخيرة لحكم غرناطة، وفي القرار كان اختيار ما بعد وقعة حرة واقم وحتى مرج راهط، وهي الفترة الحرجة التي تم فيها القضاء على مقاومة المدينة المنورة، ثم القضاء على أكبر الجيوش المعادية للأمويين، فيما كانت لحظة انفجار البركان هي رفض معاوية الثاني توريث الحكم.

يعتمد سراج في كتابته هذا النوع على استثمار الحدث التاريخي من خلال التفكيك وإعادة التركيب بمهارة ، ومحاولة الإجابة عن كل ما يفيد التطور الدرامي فيه، ففي مسرحية القرار يأتي البحث عن دافع قرار كل شخصية داخل النص من خلال إبداع خيط درامي لكل شخصية؛ بما يؤدي في النهاية إلى تكوين كرة ثلج مشتعلة كبيرة تدفع النص بكامله إلى نهايته الدرامية: ساحة حرب مليئة بالجثث والخيبات.

فيما تأتي روايته “زمن الحصار” الصادرة حديثا عام 2013 عن دار هيباتيا ،  لتغوص في التاريخ العربي لتخرج لنا واحدة من أكثر صفحاته شجنًا، الصفحة التي شهدت السقوط الأخير وإطفاء آخر مشاعل الوجود العربي في أوروبا، حين تعرض المشاهد الأخيرة لغرناطة، آخر المدن الأندلسية التي شهدت أننا كنا هناك ذات يوم.

فمن خلال خمسة عشر مشهدًا ومداخل ثلاث، انطوت جميعها في كنف ثلاثة فصول، يكشف النص خبايا الصراع الأخير، وكيف تحالف الخنوع مع الأطماع في مواجهة البسالة والحمية التي بدت غريبة في هذا العصر، فنرى عبد الله الأحمر، آخر ملوك غرناطة، ومعه كبير وزرائه يوسف بن كماشة، وأبو القاسم بن عبد الملك حاكم غرناطة وكذلك شيخ تجارها، يزينون له الاستسلام الذي لم يكن بعيدًا عن نفسه، منذ أن حالف عدوه لينزع الحكم من عمه على أن يسلم المدينة. ذاك الخنوع الذي وقر في النفس وتمكن منها لم تستطع أمه الحرة عائشة الحرة أن تهزمه، ولا أن تحيي في نفس ابنها الملك مروءة العربي الذي لا يستسلم لعدوه ويفضل الموت على الانسحاب أو الانكسار أمامه: ثم مَنْ قال إنك أُكلت؟ (يزداد صوتها قوة) .. قاوِم .. ليس من عارٍ في الهزيمة .. هزيمة جولة ليس معناها خسارة معركة، سقوطك من على جوادك بداية لحياة أخرى .. قنديل يضيء لمن خلفك بزيت دمائك الزكية طريق الصمود والنصر.

وفي نفسفسطاط هذه الأم نجد موسى بن أبي الغسان قائد فرسان غرناطة، ذلك المتسلل من زمن الفاتحين الأول، عقبة بن نافع وطارق بن زياد وعبد الرحمن الداخل، وسميه موسى بن نصير، يعمل في عزم وبسالة، ينفخ الروح في نفوس جنده، ويصر على الصمود والمقاومة حتى آخر رمق: لِيَكُنْ .. سَأُسَلِّمُ معكم بهذا .. لم يعد لدينا سوى أنه لم يبقَ لنا غير هذه الأرض .. آخر أرض صلبة نقف عليها .. سوى هذه السماء .. آخر سقف يظللنا .. لِنَمُتْ على جِيادنا شاهرين سيوفنا رافعين أعلامنا أشرف ألف ألف مرة من أن نعيش وأيدينا ملوثة بمفاتيح التسليم .. لا .. لن نحمل هذا العار أبدًا.

لكن تآمر العدو الذي أدرك أن هذا الفارس لن يُهزم إلا من الداخل الذي كان مستسلمًا مهيأ للخيانة، هذا التآمر أحكم حوله «الحصار» لتضيع المدينة، وتنزوي آخر أنوار  العرب في الضفة الأخرى للبحر المتوسط فيرفع الخائن أبو القاسم معاهدة التسليم: كفى، لم يعد لدينا وقت لهذا الهراء (يرفع الورقة في وجوه الجميع) بهذه الورقة التي سيوقعها مولانا الملك .. سنضمن سلامًا عادلاً شاملاً كاملاً .. سلام الشرفاء .. سلام الفرسان النبلاء .. سلام الشجعان.

فيما يدفع الخائن يوسف بعدم جدوى المقاومة: (يتدخل بصوت هادئ) هَوِّن عليك يا موسى .. جيوشهم تفوق جيشنا .. مددهم لا ينقطع .. نحن لا نحارب قشتالة وحدها .. ينتهي مدى البصر ولا تنتهي خيول أعدائنا .. ثم مَنْ .. مَنْ نحن الآن؟ بقايا أمة؟ حفنة من الكهول والأرامل والعجزة؟ نحارب جيشًا جرَّارًا بالكلمات البراقة .. العرب الشرف .. الأرض .. الكرامة .. الحق .. العدل .. كلمات يا موسى .. كلمات .. ما تلك في موازين القوى؟

ويضيع الصوت الصارخ في البرية بالمقاومة: وما علاقتنا بهذا؟! علينا أن ندافع عن أرضنا ولا ننتظر ما قدَّم الآخرون .. لقد خسرنا حقًّا حين وضعنا أيدينا في أيدي العدو .. قَبَّلْنا أطراف ملابسه .. أكلنا من فُتات طعامه جلسنا على بُسُطِه .. عانقناه خِلْسة .. وبصقنا على وجهه الغائب أمام شعبنا .. من كنا نخدع؟! ولماذا؟!

بعدها يأتي المشهد الأخير، ومن خلال صبية، قد يكونون هم جند الغد،  يلتقون بالفارس المغدور، ليشيروا لنا إلى موضع الضوء، عسى أن يخرج من بيننا يومًا من يريد، ويقدر، على حمل مصباحه لإدراك بعض ما فات والحفاظ على البعض الذي بقي. بيد أن  التجربة التاريخية التي يوظفها سراج وينادي بها النص تلك التجربة  اللازمة للأمة العربية ، تجربتها الراهنة مع الحضارة المعاصرة ، لا يكفي فيها استلهام نموذج السلف الصالح وحده ، فهذا النموذج إنما كان كافياً لنا يوم كان التاريخ هو تاريخنا ، يوم كان العالم كله يقع في عقر دارنا . زمن الحصار  قناع للجرح العربي الممتد من القدس إلى بغداد ، إنه قناع لما يجري الآن من تمزق وتشتت ، ورغم ذلك فالنص يعيد الأندلس إلى الحياة.!!.

Picture1 (1)

التعليقات