مكتبة الإسكندرية القديمة.. ما المصير؟ – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في يوليو 23, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم مصر
0 Flares 0 Flares ×

من حق زائر مكتبة الإسكندرية الجديدة أن يلقي نظره على مصير المكتبة القديمة, وأن يعرف من الذي جنى عليها ومن الذي اتهم بحرقها؟

كانت مكتبة الإسكندرية القديمة, التي بناها البطالمة الأوائل, أهم مؤسسة علمية وفكرية في العالم القديم. وقد ظلت المكتبة تلعب دورًا مهمًا في الأنشطة الفكرية والعلمية لشعوب شرق المتوسط على مدى عدة قرون. وكانت مقصدًا للعلماء والفلاسفة الذين قاموا بالدور الأهم في عالمهم عندما تدهور دور بلاد الإغريق في تلك الفترة التي يعرفها المؤرخون عموما باسم العصر الهيللينستي (أي العصر الذي جمع بين التراث الهيلليني, أي اليوناني والتراث الآسيوي), وهو العصر الذي يبدأ بفتوحات الإسكندر الأكبر وينتهي بمعركة اكتيوم في النصف الأخير من القرن الأول قبل ميلاد المسيح, فبعد هذه المعركة التي انتهت بانتحار كليوباترا السابعة ومصرع أنطونيوس بعد هزيمته تحولت مصر إلى ولاية رومانية, وصارت الإمبراطورية الرومانية تحكم حوض البحر المتوسط كله لدرجة أن الرومان أسموه (بحرنا).

وفي تلك الفترة تعرضت مكتبة الإسكندرية لحريق جزئي أثناء حملة يوليوس قيصر على الإسكندرية, لأن النيران التي اندلعت في السفن الراسية بالميناء امتدت إلى بعض أجزاء المكتبة, ولكن المكتبة ظلت تعمل بعد ذلك, بدليل أن استرابون الذي زارها بعد عدة سنين وصف الأنشطة والحياة داخلها. ثم تعرضت المكتبة لحريق يبدو أنه كان مدمرًا بحيث وضع نهايتها المأساوية أثناء حوادث الشغب التي قام بها المسيحيون في الإسكندرية أواخر القرن الرابع الميلادي ضد الوثنية ورموزها, وكانت مكتبة الإسكندرية من بينها بطبيعة الحال.

ثم جاء الفتح الإسلامي لمصر في النصف الأول من القرن السابع الميلادي, وقد عقد عمرو بن العاص اتفاقية مع البيزنطيين حدد فيها شروط جلائهم عن مصر فيما يعرف باتفاقية الإسكندرية الأولى, ثم نقض البيزنطيون اتفاقهم وحاربهم المسلمون وهزموهم مرة أخرى, وتجددت شروط الجلاء في اتفاقية الإسكندرية الثانية.

واللافت للنظر هنا أن كتب تواريخ الفتوح الإسلامية التي تناولت فتح مصر (البلاذري, والطبري, وابن عبدالحكم, ومن نقل عنهم من المتأخرين وأهمهم تقي الدين المقريزي), لم يذكروا شيئًا عن مكتبة الإسكندرية القديمة, سواء ما يتعلق بوجودها, أو وجود أطلالها, حتى أي إشارات عن حرقها وتدميرها, على الرغم من اهتمام هذه المصادر بذكر تفاصيل الحصار لحصن بابليون, والمعارك التي جرت في الإسكندرية وغيرها, بل إن ابن عبدالحكم تحدث عن خطط الإسكندرية ولكنه لم يذكر شيئًا عن المكتبة أو غيرها من الملحقات مما يشير صراحة إلى أنها لم تكن موجودة, كما أن أطلالها كانت قد اندثرت. وهنا ينبغي أن نشير أيضًا إلى أن المؤرخ الأسقف يوحنا النقيوسي, الذي كان شاهد عيان لأحداث الفتح الإسلامي لم يقل شيئًا عن أعمال عنف قام بها المسلمون ضد المكتبة على الرغم من أنه كان قاسيًا في الحديث عن المسلمين, ولم يكن متعاطفًا معهم بأي حال من الأحوال. كذلك لم يشر أي من المؤرخين المسيحيين الذين كتبوا عن تاريخ مصر, في سلسلة تمتد من أوائل الوجود الإسلامي في مصر حتى عصر سلاطين المماليك, إلى شيء يتعلق بمكتبة الإسكندرية القديمة (ساويرس بن المقفع, وابن العميد, ومفضل بن أبي الفضائل وغيرهم).

لكن المدهش أن أول ذكر لهذه القصة جاء على لسان عبداللطيف البغدادي الذي زار مصر سنة 595هـ/1200م في عبارة قصيرة, ثم وردت رواية تفصيلية لدى أحد المؤلفين المسلمين, وهو ابن القفطي الذي كتب في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي يضع مسئولية حريق مكتبة الإسكندرية القديمة على عاتق المسلمين. وقد نقلها عنه باختصار المؤرخ المسيحي (ابن العبري) دونما تعليق بعد عقود قليلة من الزمان.

وقد أثارت رواية ابن القفطي, بتنويعاتها المختلفة, كثيرًا من المناقشات وحفزت كثيرًا من الدراسات والبحوث, فقد أخذها بعض المؤرخين الغربيين وسيلة للهجوم على الإسلام والمسلمين من ناحية, كما أخضعها نفر آخر من هؤلاء المؤرخين للبحث والدراسة وأثبتوا عدم صحتها من ناحية أخرى. وأسهم عدد من المؤرخين العرب المعاصرين في مناقشة الموضوع وبرهنوا على أن الرواية التي ساقها ابن القفطي بعد عدة قرون من الفتح مجرد قصة ركيكة رديئة التأليف ومليئة بالثغرات والثقوب, وبدا الأمر وكأن نار المناقشات حول مصير مكتبة الإسكندرية القديمة قد باتت رمادًا.

بيد أن إحياء مكتبة الإسكندرية في السنوات الأخيرة, وتجسيد الحلم في هذه المؤسسة الرائعة, وأنشطتها الفكرية والعلمية والفنية أعادت لمدينة الإسكندرية قدرًا كبيرًا من بريقها المفقود, وأعادتها قبلة ومصدرًا لأفضل العقول وأجمل المواهب من أركان الدنيا. ولكن هذا الإحياء – من ناحية أخرى – جعل النقاش والجدل يتجدد حول مصير مكتبة الإسكندرية القديمة.

وربما يكون مناسبًا أن نورد رواية ابن القفطي عن مصير المكتبة, ثم نناقشها في محاولة للوصول إلى الصورة الأقرب للحقيقة, وعلى الرغم من أن هذه الدراسة تنطلق من فرضية تنفي التهمة عن المسلمين, فإن حق القارئ يفرض علينا أن تكون المناقشة محايدة وموضوعية بقدر ما تسمح به الطبيعة البشرية.

تقول رواية ابن القفطي إن الحاكم المسلم الأول لمصر بعد الفتح, وهو عمرو بن العاص كان شديد الإعجاب بيوحنا النحوي بسبب حكمته وعلمه, كما كان معجبًا بآرائه في رفض الثالوث, ونهاية الزمان, وكان يحضر مجلسه ويستمع إليه ويتعلم منه!! ويستمر ابن القفطي ليقول إن عمرو بن العاص قال لهذا العالم المسيحي إنه مستعد أن يلبي له أي مطلب, فطلب منه يوحنا النحوي أن يأذن له بأخذ ذخائر مكتبة الإسكندرية من المخطوطات. وأجابه الحاكم المسلم بأنه لا يستطيع أن يفعل هذا دون موافقة الخليفة عمر بن الخطاب. وعندما أرسل للخليفة أجابه بأن (كتاب الله) يغني عما في هذه الكتب, وأمره أن يتخلص من الكتب!! ثم يقول الراوي إن عمرو بن العاص أمر بتوزيع مقتنيات مكتبة الإسكندرية على حمامات المدينة لكي تستخدم وقودًا لتسخين المياه بها, واستغرقت هذه العملية ستة أشهر.

هذه هي رواية ابن القفطي باختصار. وقد تصدى ألفرد بتلر في كتابه (فتح العرب لمصر) سنة 1902م لتفنيد هذه الرواية, وكان أهم ما ذكره أن يوحنا النحوي لا يمكن أن يكون موجودًا أيام عمرو بن العاص لأنه كان نشيطًا قبل هذا التاريخ بمائة سنة, وبذلك هدم الأساس الذي قامت عليه رواية ابن القفطي كما أن د.مصطفى العبادي أثبت أن المكتبة قد حرقت وهدمت مرة أثناء حرب الإسكندرية, ثم امتدت النيران إلى المكتبة, والمرة الثانية عندما قام الأسقف المتعصب ثيوفانس بتدمير السرابيون سنة 391م بأمر الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير.

رواية يعوزها المنطق

بيد أن هناك جوانب أخرى تجعل من هذه الرواية رواية ضعيفة متهافتة:

أولاً – أننا لو سلمنا جدلاً بأن يوحنا النحوي كان موجودًا زمن فتح مصر وأنه كان على علاقة طيبة بعمرو بن العاص, فهل كان يمكن أن يطلب مقتنيات مكتبة الإسكندرية التي استغرق حرقها, في جميع حمامات الإسكندرية, ستة أشهر? وهل كان يمتلك المكان الذي يتسع لكل هذه الكتب?

ثانيًا – لماذا يلجأ عمرو بن العاص إلى إحراق محتويات مكتبة الإسكندرية بهذه الطريقة الغريبة التي استغرقت ستة أشهر – حسبما تقول الرواية – وهو أمر يتطلب متابعة من حاكم كان بحاجة إلى توطيد نفوذه في الولاية الجديدة? ولماذا لم يحرقها مرة واحدة في مكانها?

ثالثًا – إذا سلمنا جدلاً بأن محتويات المكتبة تم إحراقها بهذه الطريقة الغريبة, فماذا عن مبنى المكتبة نفسه? هل تم هدمه? أم ظل باقيًا? ولماذا لم يتحدث عنه المؤرخون المسلمون الذين تحدثوا عن الآثار المصرية القديمة بشكل يشي بالانبهار والإعجاب? وقد كان عمودالسواري بالإسكندرية من أهم الآثار التي كان المؤرخون والرحالة المسلمون يتحدثون عنها, فإذا كانت المكتبة أو أطلالها, موجودة لما أغفلوا الحديث عنها بطبيعة الحال?!

رابعًا – لم يتخذ المسلمون موقفًا معاديًا طوال تاريخهم الثقافي ضد التراث الثقافي والعلمي الإنساني, بل إن حركة الترجمة من تراث الإغريق والفرس والهنود والصينيين تحت رعاية الدولة, تؤكد أن الرواية التي رواها ابن القفطي تقف ضد طبيعة الأشياء وتعادي منطق التاريخ.

خامسًا – التناقض الصارخ في موقف (عمرو بن العاص) – حسب رواية ابن القفطي – لا يمكن أن يكون حقيقيًا, فكيف يمكن لرجل معجب بالعلم والحكمة التي يتمتع بها يوحنا النحوي بحيث يجلس منه مجلس التلميذ والمريد, أن يأمر بحرق الكتب التي تحتضن الحكمة والمعرفة بين صفحاتها?!

ولكن يبقى السؤال الأهم مطروحًا: لماذا يكتب عبداللطيف البغدادي وابن القفطي وابن العبري هذه الرواية التي ينسبون فيها تدمير مكتبة الإسكندرية القديمة إلى عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب?

لابد أولاً أن نستبعد رواية كل من عبداللطيف البغدادي, ورواية ابن العبري, على أساس أن الأول ذكر عبارة قصيرة للغاية عنها في معرض حديثه عن عمود السواري تشي بأنه سمعها من أحد, ولم يحقق فيها, وهو على حال رحالة لم يدقق كثيرًا فيما أورده من أخبار في كتابه (الإفادة والاعتبار), كما أن الثاني أورد رواية ابن القفطي نفسها في صورة مختصرة دون أن يتدخل فيها, وربما يكون قد نقلها عنه أو عن مصدر مشترك لهما.

تفسيرات أخرى للرواية

تبقى رواية ابن القفطي: وهي مركبة من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول منها سبق أن أورده ابن النديم في الفهرست وهو الخاص بتأسيس المكتبة ومن يدعى زميرة المسئول عنها, والقسم الثاني ورد لدى أحد المؤرخين البيزنطيين. وهكذا فإن هذين القسمين ليست لهما أهمية تتعلق بقصة تدمير مكتبة الإسكندرية, أما القسم الثالث, فهو جزء صاغه ابن القفطي صياغة خيالية على شكل حوار بين عمرو بن العاص ويحيى النحوي, وهو ما يشكك في الرواية أصلاً.

فضلاً عن أن القصة نفسها تقريبًا جرت حول فتوح فارس والعراق وبالعبارات نفسها مع تغيير الأسماء, وهو الأمر الذي يشي بأنها كانت نوعًا من الفولكلور المتداول آنذاك, ويذكرنا بروايات أخرى مماثلة في موضوعات متنوعة, كانت من تقاليد الكتابة التاريخية العربية في تلك العصور.

والكتاب الذي وردت فيه هذه الرواية – من ناحية أخرى – وهو الذي يحمل عنوان (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) عبارة عن كتاب تراجم موجزة, فيه الكثير من الأخبار الأسطورية التي أوردها ابن القفطي باعتبارها من الحقائق التاريخية.

يقودنا هذا إلى الإجابة عن السؤال, لماذا أورد ابن القفطي هذه القصة الغريبة?

يرى البعض أن الرجل الذي عمل في خدمة الأيوبيين هو وأبوه, رأى استياء الناس مما فعله صلاح الدين الأيوبي بمكتبة القاهرة حينما باع محتوياتها في مزاد علني كان يعقد مرتين أسبوعيًا, ثم هدم (دار الحكمة) وبنى محلها المدرسة الشافعية في غمرة حماسته لاستئصال المذهب الشيعي من مصر, وأن ابن القفطي أراد أن يقول إن الخليفة العظيم عمر بن الخطاب سبق أن أحرق مكتبة الإسكندرية, فالبيع أهون من الحرق على أي حال.

وهناك رأي آخر يرى أن الشيعة أذاعوا قصة حرق المكتبة على يد عمرو بن العاص بأوامر من عمر بن الخطاب مما يؤكد أن السنّة معادون للعلم والمعرفة, لاسيما أن هذه القصة كانت رائجة في الفترة الانتقالية ما بين نهاية الدولة الفاطمية وبداية الدولة الأيوبية. وقد نقلها ابن القفطي كما سبق أن نقلها عبداللطيف البغدادي دونما تحقيق.

وعلى الرغم من أنني أميل إلى الأخذ بالتفسير الثاني, لاقترابه من المنطق وسياق الأحداث التاريخية, فإنني أرى أن ابن القفطي أورد الرواية دون أن يكون في ذهنه أي رسالة يمكن أن تحملها, فقد نقلها باعتبارها قصة متداولة, ولم يحاول أن يتوقف أمامها كما فعل في الكثير من الأساطير التي دخلت في ثنايا صفحات كتابه.

وعلى أي حال, فإن قصة تدمير مكتبة الإسكندرية القديمة تبقى دليلاً صارخًا على سوء استخدام التاريخ لحساب السياسة في الماضي وفي الحاضر على السواء.

التعليقات