صورة الآخر في الوعي الإسلامي الشعبي – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 25, 2014 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان ظلت أوربا والعالم المسلم بالتبادل أسرى الجهل بالآخر على المستوى الإنساني وعلى الرغم من “معرفة” المسلمين بالمسيحية ؛ فإن ذلك لم يكن يعنى معرفتهم “بالأوربي” في حياته الاجتماعية / الإنسانية ومن ناحية أخرى، فإن الصورة الخيالية التى رسمتها أقلام النخبة الأوربية عن الإسلام والمسلمين كانت تعنى عدم معرفة أوربا بالمسلمين في حياتهم الاجتماعية / الإنسانية  ، تلك الصورة لم تكن نتاجًا لكتابات النخبة فقط ، وإنما كانت ثمرة للخيال الشعبي على الجانبين بكل ما تحمله من مشاعر وأحاسيس وتصورات وجدانية عن “الآخر” كان محلا للخيال العدواني في السير الشعبية العربية اقتحمه بجرأة مدهشة المؤرخ المصري الأمين أبو سعده في دراسته ” بيزنطة في الملاحم العربية قراءة في سيرة الأميرة ذات الهمة” (الصادرة مؤخرا عن دار عين بالقاهرة) لتؤكد الدراسة ؛ سلامة حدسه ، وإحساسه بمدى أهمية الموضوع الذي أقدم بجسارة على الخوض في مجال جديد . جعلنا ننتبه إلى أن المشاعر السلبية التي تسربت إلى الموروث الشعبي في تيار ثقافي تحتي مستمر عبر عشرات السنين قد صارت بمرور الزمن جزءًا من الثقافة السائدة لدى الجانبين تجاه الآخر .

اختار أبو سعده سيرة الأميرة ذات الهمة حقلا لدراسته ؛ لأنها على عكس الملاحم العربية الأخرى، يدور محورها الأساسي وبعداها الزمني والمكاني حول دائرة المعارك الإسلامية البيزنطية على الحدود بين الجانبين، عن بيزنطة، فجاءت الملامح البيزنطية في سيرة ذات الهمة تتسم بالثراء الفاحش وعظمة البلاط البيزنطي، فسرادق ملك الروم وما به من عجائب تلفت نظر كاتب السيرة أكثر من مرة. خاصة تماثيل الحيوانات المتحركة التي تزأر فور دخول الزوار والرسل الأجانب لإبهارهم. مما يعكس الانبهار العربي بزي أباطرة الروم، وما كانوا عليه من مراسم وزينة كان لها سمعتها الدولية في العصر الوسيط دفعت العرب بتقليده دون وعي .

وحظيت الكنيسة البيزنطية ورجالها بنصيب وافر من اهتمام كتاب السيرة، الذين حرصوا على إبراز وصنع دور مهم وفاعل للكنيسة كمؤسسة، ورجال الدين على اختلاف طبقاتهم في الصراع الإسلامي البيزنطي، بصرف النظر عن الدور الفعلي المحدود الذي قامت به تلك الكنيسة في العلاقات الإسلامية البيزنطية. فلا تخلو معركة من رجال الدين من قساوسة ورهبان يباركون الجيوش قبل القتال، ويصلون للفرسان قبل المبارزة، وفي كل الحملات البيزنطية تقريبا يظهر بطريرك القسطنطينية كواحد من الحاشية الدائمة للملك، كما أنه  كان سفيراً إلى المسلمين في الكثير من الحالات. وتعطي السيرة دورا مهما وبارزا للكنيسة البيزنطية ورجالها سواء الكنسيين أو الديريين، في تأجيج نار العداء للمسلمين وحث البيزنطيين على المثابرة في القتال ضد المسلمين.

وأبرز لنا تركيز السيرة بشكل دائم ومتكرر على الجدل الديني بين المسلمين والبيزنطيين، إذ يلمح بين صفحات السيرة الكثير من عناصر هذا الجدل التقليدية، كإلوهية المسيح، ونسب الأبوة لله مع إنكارها للبطريرك والتي تكاد تكون منقولة نصا من محاورات أبى بكر محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني (ت 1013م/ 403هـ) مع رجال الدين البيزنطيين. أما في ميدان القتال فإن الهوية الدينية والحرص الشديد على التمييز بين المسلمين والمسيحيين يبدو جليا في كل وصف تقريبا للجيوش، فالتهليل والتكبير والأعلام المحمدية هم علامات الجيوش الإسلامية، أما الصلبان و ما تطلق عليه السيرة ” كلمة كفرهم” فتصاحب الجيوش البيزنطية.

وحظيت الديرية البيزنطية خاصة والمسيحية عامة باهتمام خاص من رواة السيرة، ففي كل مغامرة تقريبا هناك دير يلجأ إليه أبطال القصة من مسلمين ومسيحيين، ورصد أبو سعدة بعض الظواهر التي تكررت في المصادر العربية الأخرى، مثل احتفالات الأديرة الموسمية والسنوية التي كانت – في حدود العالم الإسلامي- مزاراً لكل من المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

كما أن العين لا تخطئ النظرة الإسلامية المزدوجة للرهبنة والرهبان، والتي تترواح ما بين التقدير والاحترام لمن تفرغوا للعبادة وانفردوا بأنفسهم بعيدا عن العالم، حتى لو كان ذلك تديناً في الاتجاه الخاطئ من وجهة النظر الإسلامية.وفي الوقت نفسه هناك العديد من الأمثلة من الرهبان الذين أسلموا أو كانوا مسلمين في الأصل ولكنهم كتموا إسلامهم وعاشوا متخفين ضمن المجتمع الديرى البيزنطي حتى لا ينكشف سرهم عند مساعدتهم لأبطال السيرة في المواقف المختلفة. والبعض الأخر من رهبان مناطق الحدود نلمس حرصهم الشديد على عدم التورط في الصراع العسكري القريب منهم، لتجنب تبعات ذلك، فأصبحت أديرتهم محطات استراحة ودية لمن يمرون بها من المسلمين والبيزنطيين على حد سواء.

فالكاتب يعكس الانطباع الإسلامي العام الناقد للرهبنة. فالراهب ما هو إلا هارب من تبعات الحياة يخشى من مواجهتها، كما أنه في الغالب شديد التعصب ضد الإسلام والمسلمين، سريع التصديق للكرامات والمعجزات المنسوبة لرجال الدين المسيحيين، تلك النقطة التي استغلها (البطال) – أحد أبطال الملحمة – بشكل خاص مرات عديدة في خداع الرهبان

وعرض المؤرخ الأمين أبو سعده لتمكن رواة السيرة وإلمامهم الجيد بعناصر وفرعيات الجدل الإسلامي البيزنطي، فمعظم النقاط المحورية في الكتابات الإسلامية الجدلية ضد بيزنطة، تظهر بشكل متفرق في أجزاء كثيرة من الملحمة، الأمر الذي نفتقده في المصادر التاريخية العربية التي عالجت تاريخ الصراع بين بيزنطة والمسلمين، بما فيها الطبري، رغم كونه عمدة المفسرين والمؤرخين.

وتكاد تكون أهم هذه النقاط في السيرة – وفي الجدل الإسلامي البيزنطي أيضا- هي مشكلة تأليه المسيح، فرواة السيرة يعرضون بشكل متكرر لوجهة النظر البيزنطية المسيحية حول تأليه السيد المسيح، وفي الوقت نفسه يسعون لتفنيد هذه العقيدة، مرة عن طريق الجدل العقلي، أو عن طريق السخرية اللاذعة أحياناً، ولكن في الغالب يتكرر ظهور السيد المسيح عليه السلام منفرداً أو بصحبة النبي محمد في المنام للكثير من البيزنطيين، وفي تلك الأحلام ينكر المسيح أي تأليه لشخصه، وفي الغالب يحث على اتباع دين محمد باعتباره آخر الأنبياء والمرسلين.

كما أدرك رواة السيرة بجلاء دور تقديس الأيقونات في العالم البيزنطي ومكانتها، وأشاروا إلى ذلك مرات كثيرة، بسخرية لاذعة كعادتهم.

وكما أن قضية التطهر للصلاة والغسل من الجنابة، كانت من أهم محاور الجدل الإسلامي- المسيحي وأفرغ لها راوي السيرة الكثير من الملاحظات الجدلية أحيانا والبالغة السخرية أحيانا أخرى. فهذا ”  راهب له 40 سنة ما غسل وجهه إلا بالبصاق”.

الدراسة التحليلة للسيرة توضح مدى اهتمام الرواة الشعبيون بالمخلفات الدينية  Relics عند كلا الجانبين الإسلامي والبيزنطي على حد سواء، فبردة الرسول (ص) وعمامته هما دائما وقاية وحرز لخلفاء بني العباس في المعارك، كما أن نسخة من المصحف يُقال أنها كُتبت بخط على بن أبي طالب كانت حرزاً للمحاربين المسلمين في مواجهة ما يتخذه أعدائهم من مخلفات دينية. أما على الجانب البيزنطي فإن السيرة تضفي الكثير من المظاهر لأهمية المخلفات الدينية وما ينسب إليها من بركة في العالم البيزنطي .

ومن الغريب – على عكس المصادر التاريخية التقليدية – أن السيرة تقدم دوراً واضحا لخيانة العرب المتنصرة الذي انضموا إلى الجيوش البيزنطية، وشاركوا بفعالية في الحرب ضد المسلمين، وكيف استغلت أسماؤهم ولغتهم العربية ومظهرهم العربي في خداع المحاربين المسلمين أكثر من مرة خلال أحداث السيرة، ويشير المؤرخ الأمين أبو سعدة أن هذا الإشارة  قد تكون انعكاسا لما قام به بنو حبيب المرتدين في الحرب ضد المسلمين في القرن العاشر الميلادي.

وأوضحت سيرة الأميرة ذات الهمة جانبا قلما يظهر في المصادر العربية، وهو السياسة البيزنطية تجاه المسلمين المرتدين وأسرى الحرب المسلمين، من حيث ترغيبهم في الزواج من فتيات بيزنطيات كخطوة للتنصر، أو بوضع التنصر كشرط لهذا الزواج، ومن المعلوم أن السلطات البيزنطية وضعت عددا من الإعفاءات الضريبية والامتيازات للعائلات البيزنطية التي توافق على زواج بناتها من المسلمين المرتدين

أشارت الدراسة إلى أحد الشخصيات المستقطبة في حياتنا العربية وهو القاضي عقبة بن مصعب السلمي، المسلم ظاهرا، المسيحي باطنا والذي يعيش متنقلاً ما بين بغداد حيث بلاط الخلفاء متخفيا في مظهر قاضي ورع عظيم التقوى، وما بين بلاط إمبراطور القسطنطينية حيث يحظى بمكانة ربما تفوق مكانة البطريرك البيزنطي نفسه، وفي الوقت نفسه فإنه قد كرس حياته ومكره لخداع المسلمين وإيقاع الفرقة في صفوفهم. وفي واقع الصراع البيزنطي الإسلامي كله على مدي عدة قرون لا نكاد نجد أي شخصية تاريخية تقارب أو حتى تحمل بعضا من سمات شخصية القاضي عقبة، فهو في الوجدان الشعبي ليس شخصا حقيقيا بقدر ما هو رمز وتجسد لشخصيات ما تزال تعيش بيننا إلى يومنا هذا .!

وأخيرا فإنه من المثير للدهشة حقا أن يستعير كاتب السيرة قصة من ملحمة هوميروس “الأوديسا”، حين يتحدث عن وادي في بلاد الروم حيث الموسيقي والغناء التي تذهب الإنسان عقله. أما نهاية الملحمة فتبدو غريبة حقا، فيروي كتاب السيرة أن الجن شارك مع المسلمين لإحراز النصر النهائي على الروم، لتتحول القسطنطينية إلى اسطنبول  كمجرد ولاية تابعة للخلافة في بغداد! .

دراسة بمثابة إضافة مهمة لتطوير الدراسات التاريخية وفاتحة لمجموعة من البحوث والدراسات التى يحتاجها هذا التخصص المهم الذي بدأ بالكاد في العالم العربي ، ورصيد يضاف إلى أهل التخصص من المؤرخين والباحثين في علم الفولكلور .

Picture 167 Picture 168

التعليقات