أسماء بيت المقدس عبر العصور المختلفة – بقلم صلاح شهاب

نشرت في أغسطس 25, 2014 عن طريق - قسم تاريخ مدن
0 Flares 0 Flares ×

تعددت الأسماء لواحدة من أهم المدن التاريخية على الاطلاق فبيت المقدس أو القدس أو حتى أورشاليم – فهذه كلها أسماء عدة لمدينة واحدة اكتسبت أهميتها بموقعها الجغرافي المتميز وتفردها الديني الخاص – هذه الأهمية التي اتضحت من خلال النزاعات المتكررة عليها فنحن هنا سنفرد مساحة ونوضح الأسماء المختلفة للمدينة وسنعرض بعضا من تاريخ واسباب تلك التسميات مع المرور لتوضيح أهمية المدينة سواء من الجانب الديني أو الإقتصادي أو السياسي .

 تعتبر مدينة بيت المقدس من أهم المدن التي تم إنشاؤها عبر التاريخ لكونها المدينة الأكثر نزاعاً على مدى التاريخ القديم والحديث – لم تشهد مدينة ما شهدته بيت المقدس من النزعات على يد الطوائف المختلفة قط – ولقد تغيرت مسمياتها عبر العصور التي مرت بها , فبدايتاً تم

اطلاق اسم  ( يبوس  ) عليها أول الامر –  وهو نسبة الى اليبوسيين (1) , وهؤلاء يعتبروا بناة القدس الأوائل  , ثم تسمت باسم آخر وهو اوروسالم – أي مدينة السلام – أطلقه عليها الكنعانيون وهو الاسم التي تحور من الكنعانية القديمة إلى عدة لغات نذكر منها اليونانية التي سمتها ( بيروساليم ) والعبرية التي حولته إلى ( أورشاليم ) – هذا الاسم هو الاشهر للمدينة في التاريخ القديم كله وفي اوربا بعصرها الوسيط  – و كذلك عرفت باسم ( إيليا كابيتوليا ) الاسم الذي اطلقه عليها الإمبراطور الروماني هادريان , وكذلك اسم (  بيت المقدس ) (2) الذي كان يطلق على المدينة في العصر الإسلامي كله حتى وصلنا إلى القدس وهو الإسم التي تعرف به حتى الآن .

الأهمية الجغرافية للمدينة تتضح من طقسها الفريد التى أثر فيه موقعها , حيث يظهر من خلاله ان المدينة تقع بين البحر الميت من الشرق والبحر الابيض المتوسط من الغرب , كذلك هي مدينة جبلية قائمة على خمسة تلال وهي كالآتي : } موريا – اوفل – صهيون – عكرة – بيزيتا { يحدها جبال أخرى منها جبل الزيتون وجبل المشارف , ايضا من المعروف أن مياة المدينة قليلة , ولا يوجد أنهار فيها , حيث جل اعتمادها على الآبار وعلى امطار الشتاء (3)

ولمدينة بيت المقدس تاريخ طويل امتد منذ تم إنشاؤها على ايدي اليبوسيين – اوضحنا ان اول اسم للمدينة كان يبوس نسبة إليهم –  حتى الفتح الإسلامي لها عام 15 هجريا (4) , فأول من اختط

المدينة وبناها هو ملكي صادق ( الملك اليبوسي ) الذي اطلق عليه اسم ملك السلام وذلك لورعه وتقواه التي اشتهر بيهم ولعدم إراقته للدماء , ومنهم ايضا سالم اليبوسي الذي زاد عليها في البناء وحصن المدينة للدفاع عنها(5) .

كانت مدينة يبوس ذات اهمية تجارية حيث انها واقعة على طريقين من اهم الطرق التجارية احدهما يربط البحر بالصحراء كذلك لها اهمية من الناحية الحربية لكونها واقعة على تلال مرتفعة وهذا ما جعلها ميدانا للصراع عليها بين اليبوسيين والعبرانيين , فقد حاول العبرانيون غزوها أكثر من مرة مما جعل حاكمها عبد حيبا اليبوسي بطلب العون من تحتمس الاول (6) .

اشتهرت المدينة قديما باسم أورشليم وهو اسم عبري محرف عن ( أوروسالم ) وذلك الاسم قيل ان الكنعانيين – سكان المدينة قبل العبارنيين – هم من سموها به وهو يعني مدينة السلام , كما انه قيل أن ( أوروسالم ) بابلي الاصل و على العموم سواء كان هذا او ذاك هو يعتبر اسم مشتق من اللغة الارامية القديمة .

وعندما خرج بنو إسرائيل من مصر في عهد النبي موسى – عليه السلام – حاولوا دخول المدينة , ولكنهم تاهو في صحراء سيناء اربعين عاما , وبعد موت النبي موسى خلفه القائد العبراني يوشع بن نون الذي قاد الحرب ضد الكنعانيين وحاول اقتحام المدينة , وظلت المدينة صامدة حتى غزاها النبي داود , وأنشأ مملكته بالمدينة وسماها مدينة داود (7) .

خلف داود في حكم المدينة ابنه سليمان واقام اتحادا بين مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا وظل هذا الاتحاد طيلة حياته حتى حدث الانفصال في عهد ابنه رحبعام الذي اقتتل  هو واخيه يربعام الذي كان يحكم الشطر الثاني (اسرائيل ) التي كانت عاصمتها شكيم وظلت اورشايم بعد ذلك اربعة قرون يحكمها اليهود حتى غزاها نبوخذ نصر الملك البابلي وخرب المدينة وقاد اليهود الى الاسر البابلي (8) .

وعندما تغلب قورش ملك الفرس على البابليين (593 ق . م ) جهز حملة بقيادة غوبرياس لاحتلال القدس وهناك تنفس اليهود الصعداء , وزاد من ذلك تزوج قورش نفسه من يهودية , مما ادى بعدها الى عودة اليهود الى اورشليم التي ظلت تابعة لملوك الفرس تدفع لهم الضرائب والعوائد حتى احتلها الاسكندر الاكبر عام ( 332 ق . م ) (9) .

ثم وقعت المدينة في ايدي الرومان – أطلق الرومان على المدينة اسم سوليموس – فعندما احتل بومبي المدينة عام 63 ق . م بعد حصارها ثلاثة شهور واقام اسكورس حاكما عليهم , ولم يكن تاريخ المدينة هادئا في عصر الرومان و بل كان مضطربا اشد الاضطراب , حيث زادت الأنقلابات والثورات , مثال ذلك الحرب التي حدثت بين الإمبراطور هادريان والثوار من اليهود , وهي الثورة التي انتهت بتخريب المدينة القديمة , وبناء مدينة جديدة اسماها ” إيليا كابيتولينا ”  – تم حظر دخول اليهود في تلك المدينة – لشغبهم المستمر وإثارة القلائل بالمدينة  , فلقد اطلق الإسم عليها عام 139 م , وهو الإسم التي ظلت تعرف به حتى الفتح الإسلامي  لهاوقام بتكريس المدينة كلها لالهة الكابيتول الثلاثة , ولقد عرب المسلمون هذا الإسم إلى إيلياء فيما بعد (10 ) .

هذا بجانب اننا وجدنا انه عند إنقسام الإمبراطورية الرومانية إلى شرقية وغربية كانت أورشليم تابعة للدولة البيزنطية – القسم الشرقي –  وتميز تاريخها فيعهد تلك الدولة بالصراع بينها وبين الفرس و حيث صراع مرير بين فارس وبيزنطة على المدينة , لدرجة أقتحام الفرس للمدينة وآخذ صليب الصلبوت , الذي ظل في المدائن حتى استطاع الإمبراطور هرقل الذي أحدث صيحة بالدولة لإستعادة الأراضي المأثورة , فقد استطاع استرداد المدينة عام 629 م , ودخلها حاملا على كتفه خشبة الصليب بعد استعادتها من الفرس (11) .

وبعد سنوات قلائل من هذا الإنجاز الذي استحدثه هرقل بالدولة استطاع المسلمون الذين كانوا قد أقاموا دولة ناشئة بالجزيرة العربية فتح بيت المقدس بعد مقدمات لسلسلة من الفتوحات الكثيرة التي حدثت في زمن الخليفة الثاني للمسلمين – عمر بن الخطاب – حيث توسعت الدولة في عهده شرقا وغربا (12) .

الحقيقة تقتضي بأن نقول بصلات العرب التاريخية التي كانت بالمدينة قبل الفتح الإسلامي لها , فقد تعددت الهجرات إليها من البطون العربية المختلفة و كما أنه يعتقد أن اليبوسيين – وهم أول قوم نزلوا بالمدينة –  هم بطن من البطون العربية القديمة , ساعد على هذه الصلات التاريخية أن المدينة كانت ملتقى تجارة العرب في الرحلة المعروفة تاريخية بالصيفية وكان طريقها إلى بلاد الشام , كما أننا لابد ان لا نغفل إسراء النبي إليها في صدر الدعوة , وهو الأمر الذي أوضحه الله بأن إسراء نبيه ومعراجه إلى السماء كان بتلك المدينة المقدسة .

الهوامش:

=========================

(1)   عارف باشا عارف : تاريخ القدس , الطبعة الثالثة , دار المعارف , ص167

(2)   ياقوت الحموي  : معجم البلدان , المجلد الاول , دار صادر _ بيروت ص 293

(3)   عارف باشا العارف و نفس المرجع ص167

(4)   الطبري , تاريخ الأمم والملوك و الجزء الثالث , بيروت ص 607

(5)   عارف باشا العارف : نفس المرجع ص 167

(6)   عارف باشا : نفسه ص 12

(7)   كارين ارمسترونج : القدس مدينة واحدة , مكتبة الاسرة 2009 ص 79

(8)   السيوطي : إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الاقصى , الهيئة العامة للكتاب ص 13

(9)   عارف باشا : نفس المرجع ص 25

(10) ارمسترونج : نفس المرجع ص 277

(11)  عارف باشا : نفسه ص 40

(12)  البلاذري : فتوح البلدان , دار الكتب العلمية , بيروت 1403 ص 144

التعليقات