المقريزي.. شاهد عصره – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في يوليو 23, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم شخصيات تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

هناك نفر من الناس يتركون بصمتهم على جبهة الزمان, بحيث تبقى هذه البصمة مضيئة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وهو خير الوارثين. ومن هؤلاء المؤرخ تقي الدين المقريزي الذي ولد بحارة برجوان فى القاهرة سنة 766 هجرية-1364 ميلادية, وعاش حياة حافلة امتدت حوالي ثمانين عامًا.

كان المقريزي تجسيدا لنمط من المفكرين الموسوعيين الذين أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية, فقد كان الرجل مؤرخا عارفا فاهما, وكان من النمط الذي يمكن أن نسميه المؤرخ المتفرغ: ولا تعني هذه التسمية أنه كان يتخذ من كتابة التاريخ مهنة يكسب منها عيشه, فالواقع أن ظروف ذلك العصر لم تكن تتيح مثل هذا الترف لمن اتخذوا الكتابة مهنة لهم. ذلك أن المؤرخ أو غيره من أصحاب الممارسات الثقافية كان بحاجة إلى مصدر رزق ثابت, أو رعاية أحد السلاطين أو الحكام, لكي يتمكن من الكتابة والعيش فى آن معا, ومن ناحية أخرى, كان الكاتب يكتب مؤلفه بخطه أو يمليه على أحد الناسخين. وفي كل الأحوال لم يكن المؤلف يكتب لجمهور من القراء, وإنما كان يكتب لجمهور من السامعين. ذلك أن صعوبة إعداد النسخة الواحدة من جهة, وارتفاع تكاليف الورق وأسعار النسخ, لم يتح إنتاج عدد كبير من النسخ في حياة المؤلف. وهو ما يعني في التحليل الأخير أن المؤرخ – وغيره من الكتّاب – لم يكن قادرا على اتخاذ مهنة الكتابة مصدرا لرزقه. ومن هنا فإن المؤرخ المتفرغ  هو الذي تفرغ للكتابة التاريخية لسبب أو لآخر.

والمقريزي قرر التفرغ للبحث والدراسة والتأليف بعد سنوات طويلة قضاها ما بين طلب العلم والدراسة, والعمل في الوظائف العامة في الدولة المملوكية في مصر والشام والرحلة إلى الحجاز والمجاورة في مكة المكرمة, والتدريس بمدارسها, ثم الانقطاع للبحث وكتابة التاريخ, حتى وافته المنية بحارة برجوان أيضا سنة 845 هجرية -1442ميلادية.

وتقي الدين أحمد بن على المقريزي نموذج فذ للعلماء والمفكرين الذين أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية, إذ كان رجلا موسوعي المعرفة غزير الإنتاج.

ويتمثل البناء المعرفي لمؤرخنا في محاور ثلاثة أساسية: أولها تعليمه الذي شكل أساس هذا البناء المعرفي, وثانيها خبرته التي اكتسبها من الوظائف العامة التي تولاها, وثالثها أنه كان شاهد عيان على أحوال دولة عظمى تنتقل إلى طور الأفول والتدهور ومحاولته تفسير ذلك.

فقد تلقى المقريزي العلوم والمعارف التي كان يتلقاها أبناء الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها, وهي شريحة تقف في منتصف السلم الاجتماعي بين الحكام والرعية: فقد كان واحدا من أرباب الأقلام الذين احتاج إليهم أرباب السيوف في إدارة شئون دولتهم. درس المقريزي علوم القرآن الكريم وأصول الدين والفقه والتفسير, فضلا عن علوم الحديث واللغة والأدب والحساب والتاريخ طبعًا.

معرفة موسوعية

وتكشف كتاباته عن أنه كان رجلا موسوعي المعرفة, ملما بمعظم علوم عصره: إذ قال عنه السخاوي (…كان ملمًا بمذاهب أهل الكتاب, حتى كان أفاضلهم يترددون عليه للاستفادة منه….). ومن ناحية أخرى تتلمذ المقريزي على عبدالرحمن ابن خلدون عندما جاء إلى القاهرة فى أواخر القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي, وهناك عقد ابن خلدون حلقاته الدراسية التي طرح فيها آراءه وأفكاره حول التاريخ, والتي جمعها فى مقدمته الشهيرة.

لقد تأثر المقريزي بآراء ابن خلدون, ووصفه بأنه أستاذه, ويتضح هذا التأثير في كتابات مؤرخنا التي تعلو فيها النغمة الاقتصادية والاجتماعية, كما تتجلى فيها الرؤية التحليلية الناقدة للأحداث التاريخية.

أما الخبرة التي اكتسبها المقريزي بفضل الوظائف التي تلقاها فى مصر وبلاد الشام والحجاز, فتشكل المحور العملي من محاور بنائه المعرفي. فقد عمل الرجل فى ديوان الإنشاء الذي كان يشبه وزارة الخارجية في عصرنا الحالي, كما عمل بالتدريس فى القاهرة, وفي مكة المكرمة, وتولى القضاء وتولى وظيفة الحسبة التي كان لصاحبها الإشراف على الأسواق العامة, وعلى الحمامات, والموازين والمكاييل, والنظافة والآداب العامة… وغيرها من شئون الحياة اليومية في المجتمع, وهو ما سهل له التعرف على طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وأسعار السوق ومشكلاته, وطبيعة النظام القضائي والمشكلات القانونية التي كان الناس يواجهونها.

وتحت وطأة الظروف المعاكسة رأى المقريزي أن يتفرغ لتأمل أحداث عصره, وأن ينصرف عن المناصب والوظائف الحكومية, ويكرس نفسه للكتابة التاريخية فى زمن كان يشهد أفول دولة وذبول حضارة, ومغيب شمس ثقافة. فهاهو النظام الإقطاعي العسكري, الذي قامت عليه الدولة المملوكية يتداعى, وها هي القاهرة تترنح تحت وطأة الظلم السياسي, والخراب الاقتصادي والتراجع الثقافي.

ولم يتبق من الممارسات الفكرية والثقافية سوى لملمة الذات وتجميع التراث في موسوعات وقواميس, وليس هناك إبداع جديد: ولكن هناك عملية إعادة إنتاج مشوهة لما أبدعه العلماء المسلمون من أبناء الأجيال السابقة على شكل مختصرات موجزة. وكان على المقريزي أن يكون شاهد عيان على زمن التراجع والأفول, وإن كان هو نفسه رمزًا لعظمة الثقافة العربية الإسلامية.

لقد قال أستاذنا الدكتور محمد مصطفى زيادة إن المقريزي (…عميد المؤرخين السالفين جميعا من ابن عبد الحكم إلى الجبرتي….). والواقع أن مؤلفات هذا المؤرخ الفذ من جهة, وفكرة التاريخ عنده من جهة ثانية, ورؤيته التحليلية للظواهر التاريخية, ومنهجه في الكتابة التاريخية من جهة ثالثة, تجعله جديرًا بهذه المكانة حقا. كان مؤرخا موهوبًا, ومفكرًا فذًا لاذعًا في تعليقاته على أحوال البلاد والعباد في ذلك الزمان. كما كان على وعي كامل بما طرحه ابن خلدون من أفكار في فلسفة التاريخ, وقد تمكن المقريزي من تطبيق آراء ابن خلدون على نحو لم يستطع ابن خلدون نفسه أن يفعله.

ترك المقريزي حوالي مائة كتاب من مؤلفاته, تنوعت مابين الكتب التاريخية الشاملة, وكتب البلدان والخطط, والكتب التي خصصها لدراسة دولة بعينها, والرسائل ذات الموضوع الواحد, وكتب التاريخ الإسلامي العام. بيد أن أهم كتب المقريزي هو كتاب (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) المشهور بعنوان: (الخطط المقريزية), وقد ألفه المقريزي بدافع من حبه لمصر حسبما قال في مقدمة هذا الكتاب الفذ – ووصفها بأنها منشأ صباه وملعب أترابه. وفي صفحات الخطط نجد التاريخ والموروث الشعبي, إلى جانب الجغرافيا وعلم السكان والديانات, فضلا عن الأنثروبولوجي …….وما إلى ذلك.

القراءة الواعية للتاريخ

ومن هذا السفر الرائع, خرجت بقية كتب المقريزي لتؤرخ للفتح الإسلامي لمصر, ولتؤرخ في الوقت نفسه لتاريخ العالم العربي والإسلامي منذ حركة الفتوح الاسلامية, حتى منتصف القرن التاسع الهجري – الرابع عشر الميلادي. فقد كتب هذا المؤرخ الذي أدرك أهمية القراءة الواعية لتاريخ الأمة مؤلفات عدة, مازال البحث التاريخي المعاصر يعتمد عليها. كتب المقريزي عن الرسول وبيته, وكتب عن (النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم), وكتب عن الدول الإسلامية في القرن الإفريقي (الإلمام بمن بأرض الحبشة من ملوك الإسلام), وكتب عن الأوبئة والمجاعات, وتأثير الحكم الفاسد على الأحوال الاقتصادية والاجتماعية.

وقدم المقريزي تاريخا فريدا للدولة الفاطمية وحكمها في مصر والشام, كما حدثنا في كتابه العمدة (السلوك لمعرفة دول الملوك), عن تاريخ المنطقة العربية, في لحظة فارقة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية, وهو مصدر مهم من مصادر تاريخ الحروب الصليبية, وتاريخ الغزو المغولي وهزيمة المغول في (عين جالوت), ثم تحول الجيل الثاني من هذه الأقوام الغازية التي أرعبت العالم إلى الإسلام, وشيدوا حضارة زاهية لاتزال شواهدها المادية واللامادية ماثلة إلى اليوم في شبه القارة الهندية.

على أن أهم ما يميز المقريزي عن معاصريه, وعمن جاءوا بعده, هو منهجه في عرض الأحداث التاريخية, وقدرته التحليلية الرائعة: فقد وصف لنا الحوادث التي عاصرها بعبارة حية, وأسلوب بديع زاده جمالا إدراكه للعلاقة السببية بين الظواهر التاريخية. فقد كانت ملاحظاته الذكية على الحياة اليومية في القاهرة زمن سلاطين المماليك, وموقفه المنحاز إلى الناس – صناع الحياة الحقيقيين – سابقة بعدة قرون على ما نسميه اليوم التاريخ الاجتماعي.

لقد كان المقريزي مثالا متكررا للمثقف الموسوعي الذي أنجبت الحضارة العربية الإسلامية المئات من أمثاله.

التاريخ والرواية… تفاضل أم تكامل؟

التاريخ والرواية يتفقان في هدفهما العام وسعيهما إلى إفهام الإنسان ماهيته ورصد حركته في المجتمع.

يكتسي هذا العنوان – السؤال – مشروعيته من طبيعة العلاقة الجدلية بين التاريخ والأدب – والرواية من ضمن فنونه – بشكل عام. ويكتسي هذا العنوان – السؤال – مشروعيته بشكل خاص من خلال الحقيقة القائلة إن هناك تشابهات بين الرواية التي يكتبها الروائي الأديب, وبين التاريخ, في معناه العام من ناحية, وتناول المؤرخ لمادة التاريخ من ناحية أخرى. وتتأكد هذه المشروعية بفضل حقيقة مؤداها أن أوجه الاختلاف بين التاريخ والروايات كثيرة أيضًا, سواء من حيث تركيب كل منهما, أو من حيث منهج المؤرخ أو أسلوب الروائي, وطبيعة بنية الرواية وبنية التاريخ.

والرواية, بكل مفاهيمها الأدبية, وخصائصها الفنية, وجوانبها الاجتماعية والفكرية محل احتفاء حقيقي من الأكاديميين والنقاد المحترفين, ومن القرّاء العاديين على حد سواء.

والتاريخ, بكل خصائصه الماضوية, ودلالاته الآتية, ووعوده المستقبلية, محل اهتمام ورغبة معرفية, تكاد تكون غريزية, على مستوى عامة المثقفين وجمهور الباحثين الأكاديميين على السواء.

كما أن التاريخ, في شكل من أشكاله, نوع من (الرواية) لأحداث وقعت في الماضي, ونمط من (الحكاية) عن الأشخاص والظواهر الاجتماعية بكل تجلياتها الثقافية والاقتصادية والسياسية.

والرواية, على نحو ما, تسجيل (تاريخي) – سلبي أو إيجابي – لظواهر اجتماعية تحمل دلالات متنوعة يسجلها الروائي, أو يحتج عليها, أو يريد إصلاحها, أو يحملها رسالته وهدفه الذي يريد للقراء أن ينتبهوا له.

والإنسان, صانع التاريخ وصنيعته, يتحرك في التاريخ في إطار زمني محدود وصارم, وفق شروط المكان, ولا يمكن تصور حركة الإنسان التاريخية خارج إطار الزمان أو حدود المكان, وهذا الثالوث (الإنسان والزمان والمكان) هو الذي يضفي على الظاهرة التاريخية (تاريخيتها), أما الإنسان في الرواية, فهو صانع أحداثها حقًا, ولكنه يحمل رسالة الروائي وهو يتحرك أيضًا وفق شروط الزمان والمكان حتى وإن كانت الرواية تحفل بالكثير من الخيال الذي يحاول الروائي به أن يتحرر من شروط الزمان والمكان.

ومن الناحية (التطبيقية) نجد أن المؤرخين ظلوا زمنًا طويلاً يتعاملون مع التاريخ على أنه فرع من فروع الأدب, في تراثنا العربي وفي تراث الأمم الأخرى على السواء, ولهذا حفلت كتب التاريخ القديمة بأمثلة التداخل بين الأدب والتاريخ (بل إن كرسي التاريخ ظل ملحقًا بقسم الأدب الإنجليزي في الجامعات البريطانية حتى السنوات الأولى من القرن العشرين, أو الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر). ومَن ينظر في كتب المؤرخين العرب فسيجد مزيجًا مدهشًا من الأدب والتاريخ, منذ كتابات مؤرخي السيرة الأوائل حتى ابن إياس, بل وحتى الجبرتي.

وعندما كانت وظيفة المؤرخ أن يحكي (ماذا حدث?) كان الحكي والرواية جزءًا أساسيًا من أسلوب المؤرخ في أداء وظيفته, وربما يكون هذا – ضمن أسباب أخرى – هو السبب في أن كتب (التاريخ) في تراثنا, وتراث غيرنا, تحفل بمفردات وكلمات مثل (روى) و(حكى) و(أخبرني) و(ذكر) و(قال)…وما إلى ذلك من مفردات وكلمات تشي بوظيفة الحكي والرواية. بل إن عددًا كبيرًا من الكتب التي تم تدوينها بـ(رواية فلان) تبدأ فقراتها بعبارة (قال الراوي), ومن ناحية أخرى لا تخلو كتب التاريخ نفسها من حكايات يحمل بعضها طابع الخيال والأسطورة, وبعضها حكايات قصيرة وبعضها (روايات) طويلة. وهي مع هذا لا تخلو من الحبكة الفنية والإثارة (تأمل مثلاً روايات المؤرخين المسلمين عن سقوط بغداد على أيدي المغول في منتصف القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي, أو ما كتبه المؤرخون من روايات عن النبوءات حول مستقبل السلطان سيف الدين قطز, أو السلطان الظاهر بيبرس, وتأمل روايات ابن عبدالحكم والمقريزي عن الروايات المتعلقة بفتح مصر, أو ما كتبه مؤرخو الأندلس عن فتح المغرب والأندلس). ويصدق هذا على ما كتبه المؤرخون الأوربيون في العصور القديمة والعصور الوسطى من مؤلفات تحفل بالخيال.

مادة واحدة وأشكال متعددة

وقبل أن يتطور علم التاريخ على النحو الذي صار عليه الآن بحيث صار دراسة منهجية ذات وظيفة استردادية, وبحيث لم تعد وظيفة المؤرخ أن يحكي (ماذا حدث), وإنما أن (يفسّر لماذا حدث ما حدث), ويستخدم أدوات البحث العلمي والصرامة المنهجية – كانت مهمة التاريخ أن يحكي وأن يسجل وأن يجمع. وكان على المؤرخ, بالتالي (أن يكون راويًا يحكي ما حدث. وهو هنا أقرب ما يكون إلى الروائي. وكانت الاختلافات محدودة وغير جوهرية, فلا عبرة هنا بواقعية المؤرخ والتزامه بالحقيقة, وحرية الروائي وأسلوبه الفني الذي يستدعي الخيال, فالأصل أن مادة كل منهما واحدة, وهي الإنسان في سياقه الاجتماعي, وأسلوب التناول والعرض متشابه – وليس متماثلاً – من حيث إنه يقوم على السرد والحكاية.

وكثيرًا ما حدث أن استعان المؤرخون القدماء بالخيال لترقيع النقص في الذاكرة (انظر الروايات الأسطورية عن البدايات في كل كتب التاريخ القديمة), وكثيرًا ما لجأ المؤرخ إلى الخيال لكي يضع خطبة بليغة على لسان أحد أبطال روايته التاريخية, لأنه يعتقد أن هذا ما كان يجب أن يكون (انظر مثلا ما فعله ثوكيديديس المؤرخ اليوناني وهو يتحدث عن قادة أثينا في الحرب البلوبونيزية بين أثينا واسبرطة, أو ما فعله المؤرخون المسلمون حين نسبوا خطابات أدبية بليغة إلى عمرو بن العاص, وهو يصف أرض مصر في فصول السنة, أو ما وضعه المؤرخون على لسان طارق بن زياد أثناء فتح الأندلس), بل إن مؤرخًا في وزن ابن إياس صاغ رواية متكاملة عن الأيام الأخيرة في حكم سلاطين المماليك والتي انتهت بجثة طومانباي معلقة على باب زويلة في مشنقته. وما كتبه ابن زنبل الرمّال بعنوان (آخرة المماليك), عن الصراع بين السلطان سليم العثماني والسلطان قايتباي, آخر سلاطين المماليك, ليس سوى رواية متكاملة الأركان بأحداثها وحواراتها التي تخيلها ابن زنبل.

لقد كانت الظروف الموضوعية آنذاك تستدعي أن يكون التاريخ نوعًا من الرواية, وأن يكون المؤرخ راويًا بشكل أو بآخر. فقد كانت وسائل النشر محدودة في إطار النسخ اليدوي للكتب من ناحية, والرواية الشفاهية من ناحية أخرى, ولما كانت الرواية الشفاهية هي الأصل في انتقال المعارف والعلوم, فإنها في مجال التاريخ كانت محمّلة بكل عناصر (الرواية) من الحبكة والإثارة الفنية والخيال بقصد الاستحواذ على اهتمام جمهور السامعين, وهو أمر لا يمكن أن يكون واردًا عند مَن يكتب للقرّاء, ولهذا كان التداخل بين التاريخ و(الرواية) (ليس بمواصفاتها الفنية الحالية) كبيرًا وملموسًا.

على الجانب الآخر نجد كثيرًا من الروائيين يستخدمون التاريخ ليكون بمنزلة (المادة الخام) لرواياتهم. وهذا النوع من الروايات التي تسمى الروايات التاريخية معروف في أدبيات كثير من الأمم, ومن المؤكد أن له وظيفة ثقافية/اجتماعية مهمة و(الروايات التاريخية) – بشكل عام – تستند إلى التناول (التاريخي) لأحداث حقبة تاريخية مضت سعيًا وراء أهداف فنية, أو ثقافية, أو حتى سياسية. وقد برزت أسماء كثيرة في مجال (الرواية التاريخية) في الأدب العربي الحديث, من أشهرهم جورجي زيدان والعريان, وسعد مكاوي, ومحمد فريد أبو حديد, وباكثير…وغيرهم.

معنى الرواية التاريخية

لكن ما حدث في مجال التاريخ بعد ظهور الطباعة, وتطور الفكر التاريخي, لم ينل من تاريخية الروايات, مثلما نال من روائية التاريخ, فقد ظلت (الرواية) تحمل بصمات تاريخية مهمة على الرغم من أن موضوعها المباشر لم يكن هو التاريخ بمعناه التقليدي, فهل يمكن اعتبار روايات نجيب محفوظ خارجة عن إطار الروايات التاريخية? أو ليست هي نوعًا من التاريخ محكيًا بشكل ما? بل إن روايات نجيب محفوظ كلها, وليست الثلاثية فقط, تعتبر (روايات تاريخية) بمعنى يختلف عن التعريف المعلب الجاهز لـ(الرواية التاريخية). وفي ظني أن هذا يصدق على كل الروايات التي كتبها آخرون, فإن جمال الغيطاني كتب روايات تاريخية مهمة (ولست أقصد الزيني بركات فقط), وكذلك كتب يوسف القعيد روايات تاريخية بهذا المعنى. بل إن رواية علاء الأسواني (عمارة يعقوبيان), رواية تاريخية أيضًا, وكذلك روايات محمد مستجاب…وغيرهم ممن كتب الرواية في العالم العربي.

وما أقصده بالرواية التاريخية هنا, هو أن الرواية تسجيل (تاريخي) لحال المجتمع الذي يعيشون في رحابه بشكل أو بآخر, ذلك أنه يتم في فترة (تاريخية) ويسجل صورة فنية تعكس رؤية الروائي للموضوع أو للظاهرة, ويقودنا هذا إلى بحث أوجه الاختلاف بين (التاريخ) و(الرواية) بشكل حتمي. ذلك إنه قد يُفهم من الكلام السابق أن التاريخ والرواية متشابهان متماثلان, وهو مالا أقصده على الإطلاق. صحيح أن هناك قدرًا من (التاريخية) في أي رواية, وأن هناك قدرًا من (الرواية) في أي كتابة تاريخية. وصحيح, أيضًا, أن هناك قدرًا من الاشتراك في الهدف وفي المادة الخام لكل منهما (أي الإنسان في سياقه الاجتماعي), ولكن الصحيح كذلك أن بينهما اختلافات عدة تتمثل أهمها في وظيفة المؤرخ ووظيفة الروائي من ناحية, وأسلوب كل منهما في عمله من ناحية أخرى. فضلاً عن أن الفن هو الإطار الذي يحكم عمل الروائي, على حين يجد المؤرخ نفسه مقيدًا داخل حدود المنهج العلمي, فضلاً عن أن الروائي يستخدم خياله بطريقة إبداعية حرة للوصول إلى ما يسميه النقاد (الصدق الفني): أما المؤرخ فلا يمكنه أن يستخدم خياله إلا في إطار الاستنتاج والاستنباط والمقارنة التي تستند إلى حقائق تاريخية موضوعية لايد له في صنعها.

فالمؤرخ, أو الباحث في الدراسات التاريخية, لم يعد ملزمًا بأن (يحكي) وإنما صار مطالبًا بأن (يفسّر): وفي كل من الحالتين يقوم بالبحث في مادة جاهزة هي ما نسميه أحداث التاريخ, أو ظواهره, أو شخصياته. ويستخدم أدواته البحثية وفق منهج استردادي صارم يحاول استرداد موضوعه من ذمة الماضي لكي يعيد قراءته لمصلحة الحاضر والمستقبل (وحتى عندما كان المؤرخون (يحكون) ما حدث: كانت تحكمهم فكرة معرفة سيرة الأولين للاسترشاد بها, والتأسّي بما هو حسن, ونبذ ما هو غير ذلك, ومن هنا جاءت فكرة هيرودوت عن أهمية تدوين أخبار الناس في الماضي انعكاسًا للفكرة الإغريقية عن التاريخي وتراث التدوين التاريخي الأوربي, كما أن المؤرخين المسلمين حكمتهم مفاهيم العظة والعبرة). وفي هذا السياق, لا يستطيع المؤرخ أن (يبدع) حادثة تاريخية, أو يختلق شخصيات, أو أن يخرج عن إطار الزمان وحدود المكان. فالتاريخ, في التحليل الأخير, علم يقوم على أسس (ثلاثة ثابتة) هي الإنسان والزمان والمكان. والتفاعل بين هذه العناصر الثلاثة هو الذي يصنع الحادثة التاريخية من ناحية, وهو الذي يُلزم المؤرخ بالتعامل مع هذه الثلاثية – كما هي – من ناحية أخرى. ذلك أن المؤرخ مطالب دائمًا بالصدق العلمي.

عناصر متشابهة وأهداف مختلفة

أما الروائي, فهو أسير فنه, لأنه (يحكي) وليس عليه أن يفسّر ما يحكيه. كما أنه من ناحية أخرى, ليس مضطرًِا إلى التعامل مع حركة الإنسان في الكون باعتباره مادة جاهزة, وإنما باعتبارها مادة خاما يستطيع تشكيلها كما يريد, وحسبما يسمح له خياله وقدرته الفنية). وكل ما عليه أن يكون قادرًا على تحقيق (الصدق الفني), ويمكن للروائي – حتى إذا كان ممن يكتبون (الرواية التاريخية), بمعناها الاصطلاحي – أن يقدم موضوعه التاريخي بشكل فني يلعب الخيال دوره فيه, فيمكن ابتداع بعض الشخصيات الفنية لتقوم بدورها الفني إلى جانب الشخصيات التاريخية الحقيقية, كما يستطيع أن يختلق بعض الأحداث الفرعية – التي لا تؤثر في السياق التاريخي الذي اختاره موضوعًا لروايته – لخدمة الأغراض الفنية للعمل الروائي. كذلك يمكن للفنان أن يتحرر قليلاً من قيود الزمان والمكان, ولكنه لا يستطيع أن يقيم عمله خارج حدودها, أو دون الإنسان. وهذا هو الفرق الجوهري بين (التاريخ) و(الرواية التاريخية). فالتاريخ يقدم لنا الماضي في صورة أكاديمية تناسب المثقفين والمتخصصين, ولكن الروائي يستطيع أن يقدم لنا التاريخ في صورة حيوية تجتذب كل شرائح المجتمع, فإذا كان المؤرخ يقدم لنا (جثة) التاريخ ويحاول تشريحها وفهمها, فإن الروائي هو الذي يجعل هذه الجثة تتحرك وتجري الدماء في عروقها في عمل فني يعيش بين الناس ويتفاعلون معه.

وعلى الرغم من هذا كله تبقى العلاقة بين التاريخ والرواية علاقة تكامل واعتماد متبادل, فالرواية مصدر مهم من مصادر المؤرخ الذي يريد أن يفهم مجتمعًا ما في فترة تاريخية ما. فالرواية – التي لم تكتب بقصد أن تكون تاريخًا – تظل من أهم المصادر (التاريخية) لمعرفة النظام القيمي والأخلاقي, والعادات والتقاليد, والمشاعر والأحاسيس, ورؤية الناس لدورهم وعلاقتهم بالآخرين داخل مجتمعهم وخارجه, فضلاً عن أنماط الملابس, وأنواع الطعام, ورأيهم فيما يدور حولهم من أحداث, وفيمن يحكمونهم, وهي كلها أمور لا يجدها الباحثون في المصادر التاريخية التقليدية – التي كتبت بقصد أن تكون تاريخًا أو تسجيلاً للتاريخ – ولا يمكن لباحث أن يزعم أنه فهم مجتمعًا, في فترة تاريخية ما, دون أن يكون عارفًا بآدابه وفنونه, ومن بينها الرواية بطبيعة الحال.

كما أن التاريخ – من ناحية أخرى – مورد لا ينضب بالنسبة للروائي بشكل خاص والأدباء بشكل عام, إذ إن التاريخ هو سيرة الإنسان في الكون تحمل كل تجاربه وكل آماله وتطلعاته وإنجازاته وإحباطاته, ملامح الرقة والدماثة الإنسانية ووحشية الحرب والعدوان, وما إلى ذلك. وفيه شخصيات من كل الأنماط البشرية, علماء وشعراء وصوفية, وسياسيين وقادة ومغامرين, عاشقين ومجانين وفلاسفة, وسفلة ومجرمين وخونة, رجالاً ونساء وأطفالاً, كلهم يصلحون شخوصًا يمكن للروائي أن يوظفها في عمله الفني, والتاريخ في هذه الحال أشبه بنهر متدفق منذ المنبع (بداية الوجود الإنساني), يحمل كل التفاصيل والملامح التي تميز التجربة الإنسانية, وكما يختار المؤرخ (عينة) من محتوى هذا النهر لتحليلها, يمكن للروائي أن (يغترف) من النهر ما يشاء ليعيد تشكيله وفق شروط عمله الفني.

تبقى هذه الكلمات مجرد قراءة أولية في صفحات العلاقة بين الرواية والتاريخ, وأتصوّر أنها علاقة محكومة بالتكامل والاعتماد المتبادل أكثر من التفاضل والتباعد.

التعليقات