عرض كتاب “التأثير العربي في أوربا العصور الوسطى” – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 23, 2014 عن طريق - قسم أوربا و الإسلام دكتور عمرو منير عرض كتب
0 Flares 0 Flares ×

أغرت الأمة الإسلامية ؛ في وضعيتها الراهنة ، الكثيرين بتشريحها وتحليلها ، يفعل ذلك من يفعله من داخلها رغبة في إحيائها أو بعثها أو بث الفاعلية فيها من جديد ، ويفعل ذلك كثيرون ممن يكتبون عنها من خارجها لاستطلاع إمكانيات هذا البعث ومدى تأثيره على الاستقرار العالمي الراهن ومدى مساسه بمصالح القوى المهيمنة فيه . فالغرب ماتزال ذاكرته محتفظة بحجم وأهمية الدور الذي لعبته هذه الأمة قبل أن تدخل في سباتها العميق ، ومدى ارتباط هذا الدور بوجوده ومصالحه وأهدافه ، ولذا فإنه لا يتردد من خلال مدارسه المختلفة وتياراته الوافرة ؛ في دراسة كافة الجوانب الحضارية المرتبطة بهذه الأمة وهذا ما طرحته أبحاث كتاب مؤتمر قسم الدراسات الخارجية بجامعة أوكسفورد الصادر مؤخرًا في القاهرة تحت عنوان “التأثير العربي في أوربا العصور الوسطى ” الذي حرره ديونيسيوس آجيوس و ريتشارد هيتشكوك وترجمه وقدمه في ثوب عربي رصين المؤرخ المصري قاسم عبده قاسم بسلاسة وبساطة محببة تكشف عن جهد كبير بذله في الترجمة دون أن يحبس نفسه في عقل المؤلفين .ليسهم بدروه في تنمية الوعي بتاريخنا وبدورنا في خدمة الإنسانية .

أهمية الكتاب أنه لا يفترض أو يدعى أن امتلاك الغرب لرؤى متعددة ووفيرة تجاه عالم المسلمين يعد أمرًا مدهشًا في ذاته ، فالغرب يمتلك رؤى متعددة تجاه كل الجماعات الثقافية والقومية المنتشرة في العالم ، كما أن الأمة الإسلامية القائمة أو المحتملة لاتحتل أولوية اهتماماته التي يستفرغ فيها طاقاته وجهده فاهتمام النخب الغربية على تنوعها بالإسلام والمسلمين وحضارتهم يدخل في إطار التكوين الطبيعي للسياق الفكري والسياسي الغربي الذي تتسع أجندته لتضم قضايا العالم بأسره ، بعد أن انتقل إلى الغرب مركز التأثير الحضاري ، وتشكل النظام العالمي على نحو تنفرد فيه قوى الغرب بصياغة ملامح الخريطة الدولية السياسية والفكرية أيضًا.

ولكن القراءة المتأنية لهذا الكتاب تحيلنا إلى علاقتنا الواهنة بأصولنا وإلى علاقتنا الغافلة بواقعنا ، والجمع بين علاقات التمكين وعلاقات التفعيل بأصول الواقع ، وواقع الأصول وموضعنا منها لا يتأتى إلا بالاعتبار التاريخي خاصة أن التاريخ يحمل في داخله نوعًا من الإنذار المبكر لمن يعرفون كيف ينصتون إليه أو يحسنون قراءته..فلنقرأ ..

ضم الكتاب سبع دراسات متنوعة بقدر تنوع جوانب الحضارة العربية الإسلامية نفسها ، وقام بهذه الدراسات عدد من الباحثين المتخصصين في جوانب مختلفة من جوانب الحضارة العربية الإسلامية في محاولة لتشريح وتحليل تأثيرات هذه الحضارة على أوربا الكاثوليكية في العصور الوسطى .

الدراسة الأولى عن “دور التجارة في الاتصال الإسلامي / المسيحي في العصور الوسطى ” قدمها داود أبو العافية ؛ وهى دراسة جديدة ترصد النشاط التجاري الأوربي في عالم البحر المتوسط ومشاركة المسلمين نشاطهم فوق مياه هذا البحر مبينًا أن هذا النشاط قد زاد وتصاعد بعد سنة 1000م ـ أي منذ القرن الحادي عشر فصاعدًا ـ وكيف تطور هذا النشاط بحيث صارت هناك مراكز تجارية أوربية في بلدان البحر المتوسط يقيم بها القناصل لرعاية مصالح مدنهم وبلادهم ورغم إدعاء الباحث الحيادية فإن محاولته أن يركز الضوء على اليهود ودورهم في هذا النشاط التجاري ـ دونما مبرر علمى واضح ــ تلقى ظلالا من التحيز على البحث وهو يرصد فكرة قيام التاجر المسيحي بعبور الأراضي الإسلامية لا بوصفه جنديًا وإنما بوصفه تاجرًا . ويناقش التأثيرات الثقافية للتجارة مع المسلمين على أوربا وكيف أن التبادل التجاري ترك تأثيره على الصناعة وازدهرت بفضل تقليدها للمنتجات الواردة من العالم الإسلامي إلى جانب تفاصيل كثيرة مثيرة في هذا البحث .

أما الدراسة الثانية فيقدمها دونالد هيل بعنوان “التكنولوجيا العربية الراقية وأثرها على الهندسة الميكانيكية الأوربية ” وفى هذه الدراسة الجديدة في بابها يقدم هيل عرضًا للآلات التي تمثل التكنولوجيا العربية الدقيقة ويؤسس دراسته على التراث الهللينستي والكتب الباقية من ذلك العصر ، ويشير الباحث في لمحة ذكية إلى التراث التكنولوجي الذي كان سائدًا في المنطقة العربية قبل العصر الإسلامي ، وبعد أن يستعرض المؤلفات المتخصصة في هذا المجال ، يستعرض أهم ملامح تكنولوجيا الآلات عند العرب ، وكيفية صناعتها والمواد المستخدمة فيها مع وصف دقيق لكيفية عملها . ثم تأثير ذلك كله على الهندسة الميكانيكية الأوربية في العصور الوسطى . وتضم هذه الدراسة القيمة عرضًا للمسار الذي سلكته الأفكار العربية في مجال التكنولوجيا العربية الراقية وتأثيرها على صناعة الساعات الميكانيكية الأوربية وتطوراتها .

والدراسة الثالثة اهتمت بالمشغولات المعدنية العربية وقدمها لنا “جيمس ولان ” بعنوان ” تأثير الأعمال المعدنية في منطقة البحر المتوسط العربية على مثيلاتها في أوربا العصور الوسطى ” وهذه الدراسة تقوم على عقد المقارنات بين الآثار الإسلامية العربية الباقية من أشغال المعادن في المنطقة العربية ، والمشغولات المشابهة التي تمثلها الآثار الباقية من شتى أنحاء أوربا العصور الوسطى . وتؤكد الدراسة وجود الدليل العلمي على أن أشغال المعادن الإسلامية قد وصلت إلى أوربا فترة العصور الوسطى . بيد أن أهم ما تبرزه هذه الدراسة الفذة هو تأثير أشغال المعادن الإسلامية على الخزف ذي البريق المعدني في تصميماتها الأوربية وهذه الدراسة القيمة تكشف عن جانب مهم من جوانب تأثير الحضارة العربية الإسلامية ، وهو جانب تأثير الفنون التشكيلية الإسلامية على الفنون التشكيلية الأوربية في العصور الوسطى .

الدراسة الرابعة تناولت التأثير المحتمل من الأدبيات الإسلامية على الكوميديا الإلهية التى ألفها كينيدي بعنوان “تساؤلات حول الأصول الإسلامية للكوميديا الإلهية لدانتى ” وفي هذه الدراسة يصف الباحث في البداية وبشكل موجز وسريع مكونات هذه القصة الرمزية المسيحية التي الفها دانتي في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي .وتنتهى دراسته بعد مناقشة رصينة لأراء المستشرقين  السابقين  إلى ان دانتى  ربما يكون قد عرف نصًا واحدا على الأقل عن قصة الإسراء والمعراج هو هذا الكتاب ، وعلى اية حال ، فللدراسة قيمتها العلمية والأدبية الكبرى التي لا يمكن تجاهلها في مجال البحث عن جوانب العلاقة بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الأوربية الكاثوليكية في العصور الوسطى .

أما الدراسة الخامسة فكتبها “إدورارد مانزانو مورينو” بعنوان “الحدود المسيحية في الأندلس : الفكرة والحقيقة” ، وهى دراسة جديدة في بابها ؛ إذ يرى أن الحدود بين الإسلام والمسيحية كانت حدودًا أيديولوجية ولم تكن حدودًا حقيقية ، وقد أوضحت الدراسة أن الحقيقة التاريخية لم تكن منسجمة مع الفكرة القائلة بأنه كان هناك خط فاصل بين عالم الإسلام وعالم المسيحية في الأندلس ؛ ذلك أن “الثغور” الإسلامية مثلاً كان سكانها في كثير من الحيان من المسيحيين ، كذلك عاشت أعداد من المسلمين في مناطق خاضعة للحكام الكاثوليك ، وقد اظهرت الدراسة بشكل واضح جلى أن قراءة المؤلفات التاريخية العربية والأوربية قراءة عابرة غير متعمقة هو السبب وراء فكرة “الحدود” هذه . بيد أن إعادة القراءة التاريخية في ضوء الحقائق الموضوعية تكشف عن أن الأمر لم يكن بهذه الصورة على الإطلاق ” فالحدود ليست واضحة بقد ماكنا نتوقع” على تعبير المؤلف .

الدراسة السادسة غير اعتيادية وطريفة في بابها وتكشف عن مدى عمق التأثير الإسلامي على أوربا العصور الوسطى فهى تتناول التأثير الإسلامي في المعتقدات الشعبية الأوربية لا سيما فيما يتعلق بقراءة الطالع أو التنجيم ، بقصد معرفة ما يخبئه المستقبل وفي هذه الدراسة يقدم لنا “تشارلز بورينت ” إحدى وسائل قراءة الطالع لدى المسلمين وتأثيرها على المسيحيين في أسبانيا العصور الوسطي بعنوان “طريقة إسلامية في التنجيم بأسبانيا العصور الوسطى ” ويعرض في هذه الدراسة القيمة كيفية قراءة  الطالع من خلال لوح الكتف فى الخروف بعد ذبحه وسلقه فى المياه التي تصل درجة حرارتها إلى درجة الغليان ..ويشرح لنا كيفية اختيار الخروف وكيفية ذبحه وسلقه في الماء المغلى حتى يسقط اللحم عن عظام الحيوان الذبيح ويبين العلامات التي يمكن “قراءتها” على لوح الكتف بحيث يمكن من خلالها معرفة الحوادث التي يخبئها المستقبل والمدهش في هذه الدراسة انه الحق بها نصًا كاملا يوضح كيفية قراءة لوح الكتف والعلامات التي يحملها هذا الجزء من عظام الخروف ويكشف الباحث من خلال دراسته ومن خلال النص الذي ألحقه بالدراسة عن حقيقة تاريخية بالغة الهمية مؤداها أن التأثير الإسلامي على أوربا العصور الوسطى قد تغلغل في أعماق المجتمع الأسباني بحيث وصل إلى المعتقدات والعادات والتقاليد الشعبية ؛ وذلك بحكم الجوار الجغرافي والاحتكاك الثقافي على مدى عدة قرون من الزمان .

الدراسة السابعة والأخيرة كتبها “دافيد ولستان” تحت عنوان “الغلمان والنساء والسكارى :هل هناك تأثير أسباني موريسكي على الأغنية الأوربية” وعلى الرغم من أن عنوان الدراسة يحمل إنحيازًا واضحًا ضد العرب المسلمين لأنه ينكر “التأثير العربي” لكي يفسح مكانًا لليهود ودورهم الوهمي في هذا الجانب من التأثير الثقافي ، فإن حقائق الموضوع التي فرضت نفسها على الدراسة أجبرت المؤلف على بيان التأثير العربي الأندلسي على الأغنية الأوربية ، وبغض النظر عن محاولة إقحام اليهود في الموضوع ؛ فالدراسة تمتاز بالدقة العلمية وتناقش الجوانب المختلفة لتأثير الموشحات والأزجال الأندلسية على أغنيات الكانتيجا الأسبانية بأنواعها المختلفة .

هذه الدراسات السبع تشكل في مجموعها قوائم هذا الكتاب المهم الذي يتناول جوانب جديدة من جوانب تأثير الحضارة العربية الإسلامية على الحضارة الأوربية في العصور الوسطى وهو موضوع قديم متجدد بيد أن هذه الدراسات السبع تكشف عن جوانب من هذا التأثير لم يسبق الكشف عنها من قبل  وفي رأيي أن مشروعية إعادة قراءة هذا الكتاب اليوم تقوم على أساس محاولة إخماد نيران العداوة والكراهية التي يؤججها الآن فريق من الغُلاة والمتطرفين على كلا الجانبين : المسلم والغربي ؛ وعلى الرغم من أن التاريخ المشترك بينهما امتد منذ القرن الهجري الأول / السابع الميلادي حتى الآن فإن أولئك المتطرفين يتجاهلون الكثير من تفاصيل هذا التراث المشترك ، فهم ينظرون إلى الغرب باعتباره كتله واحدة من ناحية ، وعلى الجانب المقابل ينظرون إلى العالم المسلم باعتباره كتلة واحدة من ناحية وعلى الجانب المقابل ينظرون إلى العالم المسلم باعتباره كتلة صماء بلا تفاصيل من ناحية أخرى ، رغم أن هذه النظرة السطحية تتجاهل حقائق تاريخ العلاقات بين المسلمين والغرب.

غلاف التأثير العربي

التعليقات