حلم الديمقراطية عند الجابري – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 21, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير فكر
0 Flares 0 Flares ×

يقرر محمد عابد الجابري أن شعار الديمقراطية هو أكثر الشعارات الرائجة اليوم في ساحة المطالب الشعبية في الوطن العربي ويتعامل الجابري مع هذه الظاهرة من خلال ثلاثة أطراف يرى أنها مكونة لها ؛ الطرف الأول : المتحدثون باسم الديمقراطية ، في هذا الصدد يؤكد الكاتب أن كل من يقع خارج السلطة وكل لا يمارس الحكم يطالب بالديمقراطية إلا أن من يطالبون بها حقيقة متخذين منها قضية ملحة هم فئة صغيرة تشكل أفراد النخبة العصرية في الوطن العربي أولئك الذين يشكل احتكاكهم مع الغرب الليبرالي عنصرا أساسيا من عناصر وعيهم السياسي والحضاري . ويؤكد الكاتب أن هذه النخبة لا تمثل الجماهير الشعبية فالركن الأساسي المفتقد فيها هنا هو ” غياب العلاقة العضوية بينها وبين جماهير الشعب غيابها في كافة الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية وكذلك الميادين الروحية والدينية ” ، الطرف الثاني  :الصورة التي يكونونها عن الديمقراطية . ترى النخبة العصرية أن هذه الديمقراطية لا بد أن تشمل حرية الفكر وحرية التعبير وحرية الانتماء السياسي وتشكيل الأحزاب السياسية وحرية الانتخاب ، الطرف الثالث : الواقع العربي الراهن .

يؤكد الجابري أن الديمقراطية مطلوبة اليوم في الوطن العربي أكثر من أي وقت مضي ليس من أجل التقدم ولكن من أجل الحفاظ على الوجود العربي ذاته ويستعرض الكاتب التطور نحو الديمقراطية في الوطن العربي حيث يرى أن الحضارة العربية الإسلامية ظللا الحكم فيها مطبوعا بطابع واحد لم يتغير فقط هو الحكم الفردي فالحاكم سواء كان ملكا أو خليفة أو أمير كان دائما حاكم فرد سواء تولي الحكم عن طريق الرضي والبيعة أو عن طريق القوة والغلبة وكان القيد الوحيد الذي يمكن أن يخفف من شططه هو الوازع الديني والأخلاقي ومن هنا كانت الأدبيات السياسية في الإسلام لتتعدي ذلك النوع المعروف ” بنصيحة الملوك ” ووفقا للكاتب فالنصح وليس الرقابة ولا الحد من السلطة هو الموضوع الرئيسي في الفكر السياسي والحاكم الفاضل هو من كان يقبل النصح ويعمل بشئ منه . ويورد الكواكبى نفس المعنى بقوله”  من أسباب فتور المسلمين تحول نوع السياسة الإسلامية فلقد كانت نيابة اشتراكية أي ديمقراطية تماماً فصارت بعد الراشدين ملكية مقيدة ، ثم صارت أشبه بالمطلقة ، ولقد أثبت الحكماء أن المنشأ الأصلي لشقاء الإنسان هو وجود السلطة القانونية منحلة ولو قليلاً لفسادها أو لغلبة سلطة شخصية ، ومن أعزم أسباب فقر أمتنا أن شريعتنا مبنية على أنه في أموال الأغنياء حقاً معلوماً للبائس والمحروم ، ولكن حكومتنا قلبت الموضوع ، فصارت تجبي الأموال من الفقراء والمساكين وتبذلها للأغنياء ، وتحابي بها المسرفين والسفهاء “

 المطالبة بالديمقراطية انقلاب تاريخي :

يذكر الكاتب أننا حينما نطالب بالديمقراطية في العالم العربي فإننا نطالب في الحقيقة بإحداث انقلاب تاريخي لم يشهد عالمنا الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي مثيلاً له ، إذن فلابد من نفس طويل ولابد من عمل متواصل ولابد أيضاً من صبر أيوب ، ويؤكد الكاتب على ضرورة التمسك بالديمقراطية مهما كانت العثرات والاهتزازات وإذا ما حدث وفشلت تجربة أو تجارب فلا ينبغي علينا أن نفكر بالديمقراطية ذاتها ” فالأم التي ترغب في مولود يخرج من رحمها محكوم عليها أن تتحمل غثيان الوحم وضربات الجنين وتقلباته ”

الديمقراطية : الهدف والوظيفة :

الهدف المباشر عند الكاتب هو جعل الحاكمين خاضعين لإرادة المحكومين خضوعاً منظماً مقنناً تسهر عليه وتجعله فعلياً أجهزة ومؤسسات بحيث تكون النتيجة النهائية هي الفصل فصلاً تاماً ونهائياً بين الوحدانية في ميدان الألوهية وإشراك والتعدد في ميدان الحكم والسياسة .

الديمقراطية والوحدة العربية :

انطلاقاً من أهمية الديمقراطية يصفها الكاتب بأنها ضرورة وطنية قطرية وأيضاً ضرورة قومية عربية ، ويصف الوحدة العربية بأنها أصبحت تفرض نفسها في عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية الدولية كضرورة حياتية للعرب ، ولا تتحقق هذه الوحدة بطريق آخر غير الديمقراطية . من خلال قراءتنا السابقة لهذه النصوص حول الديمقراطية يمكن للباحث استنتاج الاتجاه الانتشاري للديمقراطية عند الجابري ، فهو انتشار من الداخل للخارج يتحقق أولاً عبر ” دمقرطة ” الدولة القطرية ثم ينشر أثره خارج الحدود ليجعل كلمة الجماهير هي العليا ويحقق أملها في الوحدة ، هذا الضغط الجماهيري على الحكام سيقلص من أثر وقوفهم في وجه الوحدة المنشودة التي يتمتعون بدونها بوضعية الحاكم المطلق حتى وإن كانوا يحكمون الدولة المدنية . والرأي عندي :إن وظائف الديمقراطية عند الجابري تمثل برنامجاً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً يحقق الآتي :

تغيير البنية الذهنية العربية عبر إحداث انقلاب تاريخي فيها ., تحقيق اشتراكية الحكم ، ومنع ” خصخصته ” ، فالواقع أن خصخصة الحكم واحتكاره حتى بعد ثورات الربيع العربي ما زالت السمة الأولى المميزة للحكم في الوطن العربي ., شق الطريق نحو وحدة عربية ذات أسس متينة تبدأ من القاع وتنتهي بالقمة هذه الوحدة ليست هبة من الحاكم كما تتشدق وسائل الإعلام الآن وكما تشدقت في الماضي (الدستور المصري في عهد الخديوي إسماعيل) وإنما هي نتاج عمل متواصل من الجماهير العربية لنيل حقوقها الشرعية .

التعليقات