غياب الديموقراطية وحضور التخلف – علاقة الحب الآثمة فى العالم العربي – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أغسطس 21, 2014 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم فكر
0 Flares 0 Flares ×

 من ينظر إلى المشهد السياسي ، ودرجة التطور الحضاري فى العالم العربي ، منذ النصف الأول من القرن العشرين حتى اليوم – حتى بدون أن يمعن النظر – سوف يستلفت نظره ملمحان واضحان فى صورة هذه المنطقة من العالم : أولهما أن نظم الحكم العربية ، على اختلاف مسمياتها ومواقعها ، كانت ولا تزال تلتحف بالاستبداد السياسي ، وتتمنطق بالحكم الفردي والعائلي . وثانيهما أن شعوب العالم العربي تعانى تخلفا واضحا وتقاسى من تردى المستوى الحضاري للعالم العربي مقارنة ببقية العالم فى أوربا ، والأمريكتين ، وآسيا ، واستراليا .

ومن المؤكد أن الاستبداد والتخلف فى العالم العربي لم ينزلا مع المطر الشحيح فى معظم مناطق المنطقة العربية ، ومن المؤكد أيضا أن هناك علاقة حب آثمة جمعت بين الاستبداد والتخلف فى العالم العربي …. فكيف كان ذلك ؟

كان العالم العربي كله ،  تقريبا ، قد وقع فى براثن الاحتلال الأوربي منذ القرن التاسع عشر بعد الضعف الذى حاق بالدولة العثمانية التى كانت تحكم معظم هذه البلاد . وزاد إحكام القبضة الأوربية فى فترة الحربين العالميتين لأسباب كثيرة ليس هذا مجال الخوض فيها . واقتسمت البلاد الأوربية مناطق العالم العربي فيما بينها باتفاقيات سرية ومعلنة ؛ وبالحرب والقوة أحيانا وباتفاقيات مع حكام منطقة الخليج أحيانا ، وباستخدام عصبة الأمم بدعوى الانتداب والحماية أحيانا … وكانت النتيجة واحدة فى كل الأحيان : الوجود الاستعماري الذى ينهب خيرات البلاد ويتحكم فى مصائر العباد . كما طرحت شجرة الاستعمار الأوربي أولى ثمارها المرة متمثلة فى نكبة فلسطين سنة 1948 م ، التى صارت قاعدة لتدمير مقدرات العرب ، والعمل على بقاء تخلفهم ، وزرع الفساد فى بلادهم من خلال دعم النظم المستبدة ومساندتها .

كان من نتائج الحرب العالمية الثانية خروج القوى الاستعمارية منهكة بحيث لا تستطيع تحمل تبعات الاحتلال فى مناطق مختلفة من العالم ، ومنها المنطقة العربية بطبيعة الحال ، ودخول الولايات المتحدة الأمريكية وريثا للاستعمار الأوربي من ناحية ، وزرع الكيان الصهيوني حائلا ضد التقدم السياسي والاقتصادي فى العالم العربي من ناحية أخرى .ولم يكن العرب خاضعين للاستعمار دون مقاومة فى أي وقت ، ولكن حركات المقاومة الوطنية ضد الاستعمار لم تكن قادرة على التصدى لقوى الاستعمار والقوى المساندة له والمستفيدة من وجوده بمفردها ؛ومن ثم كانت الجيوش العربية – على الرغم من ضعفها – بمثابة الحضانات للقوى الثورية فى بعض الحالات ، كما أن بعض العناصر العسكرية تحالفت مع القوى الثورية فى حالات أخرى . وعلى الرغم من أن الثورات الى نشبت هنا وهناك فى العالم العربي نجحت جزئيا فى إخراج القوى الاستعمارية من بعض مناطق العالم العربي ، وعلى الرغم من أن نكبة فلسطين أفرزت بعض النظم العسكرية التى أطاحت ببعض النظم العسكرية ، وكانت هذه النظم العسكرية الجديدة تستمد شرعيتها من هدفها المعلن بتحرير فلسطين ، فإن هذه النظم تحولت بسرعة من نظم تتدثر بعباءة النضال الوطني يجب أن تعمل من أجل الأرض والناس فى فلسطين ، وتتبنى خطط التقدم والتنمية فى بلادها إلى نظم دكتاتورية عسكرية مستبدة ، تخنق شعوبها بالاستبداد الذى قادها بالضرورة إلى التخلف فى كافة مجالات الحياة . وكانت النتيجة مزيجا من الفشل فى مواجهة العدو الصهيوني ، وعدم القدرة على صياغة نوع من الحكم الديموقراطي وتنمية البلاد ، فضلا عن البحث عن الحماية والدعم لدى العدو الصهيوني / الأمريكي . ومن المثير للسخرية والحزن معا أن النظم الاستبدادية العسكرية دفعها عجزها عن الحفاظ على شرعيتها السياسية بمواجهة العدو إلى التحول لحماية حدود هذا العدو الذى تخشى غضبه وغضب الغرب معه .

وإذا كانت ثورة 1952م فى مصر قد حاولت تصحيح نفسها بسرعة من خلال المشروع الوطني والقومي الذى قاده جمال عبد الناصر ، فإن جوهرها العسكري وبعدها عن الديموقراطية ، أدى إلى سرعة تبخر مشروع عبد الناصر (خاصة بعد هزيمة يونيو الكارثة) من ناحية ، كما جعل الذين جاءوا بعد عبد الناصر ممن زعموا أنهم يستمدون شرعيتهم من ثورة يوليو دون وجه حق يكشفون عن وجههم الاستبدادي القبيح بسرعة . وكان طبيعيا أن يرحب الغرب بهذا النوع من الحكم الاستبدادي الذى يلبى حاجات الغرب ، ولا يعبأ بما تريده الشعوب .وتجلى ذلك واضحا منذ استسلام السادات للمشروع الأمريكي / الصهيوني . وقد زادت ملامح الاستبداد قبحا تحت حكم مبارك الذى جمع بين الجهل والاستبداد على جميع المستويات ، والفساد ، فضلا عن الاستسلام المطلق للعدو . وعندما سقط مبارك سقطت شرعية يوليو . ولا تزال فصول هذه القصة المثيرة تجرى أما عيوننا حتى اليوم.

ولم يكن الأمر ليختلف فى بلاد عربية أخرى ، بل إنه كان أشد سوءا فى بعض البلاد العربية : ففى سوريا والسودان وليبيا والجزائر وتونس واليمن جرت عدة انقلابات عسكرية أدت ، فى تصاعد بشع إلى تشديد قبضة الاستبداد على شعوب هذه البلاد برعاية ومباركة أمريكية وغربية ،ولم يكن من قبيل الصدفة أن تشهد هذه البلاد أعنف ثورا الربيع العربي حتى الآن . فقد ركز الحكام العسكريون الذين ابتليت بهم هذه البلاد وسائل السلطة فى أيديهم فى الوقت الذى فشلوا فيه تماما فى الدفاع عن بلادهم التى تعرضت لعدوان مباشر من العدو الأمريكي والصهيوني أكثر من مرة ، بل إن بعضهم أخذ يعمل على تحويل الجمهورية التى يحكمها إلى ” جمهورية وراثية ” يتوارثها أفراد الأسرة مثلما فعل حافظ الأسد الذي لا يزال ابنه سادرا فى حربه القذرة ضد السوريين ، على الرغم من تفكك البلاد وشقاء العباد . كما أن اكتشاف البترول فى بلاد لم تعرف سوى حكم الأسر والسلالات زمنا طويلا ، ساعد هذه الأسر الاستبدادية على تشديد قبضتها على المواطنين وإبعادهم عن المشاركة فى الحكم . وباستثناء الكويت ذات التجربة شبه الديموقراطية فى الخليج ، كان الحكم ، ولا يزال ، عائليا وفرديا . وكان من طبيعة الأمور أن تلقى هذه الدول المساندة والحماية من الولايات المتحدة الأمريكية ومن الغرب بشكل عام .

أما فى تونس ، فإن بطل التحرير ” الحبيب بورقيبة ” أقام حكما استبداديا فرديا قائما على ما يمكن تسميته ” الأبوية السياسية ” ؛ بيد أنه كان حكما استبداديا بوليسيا كامل الأركان ، ثم وثب “زين العابدين بن على ” ليستولى على كرسي الحكم بعد عزل الزعيم المسن لتشهد تونس فترة مظلمة وظالمة من تاريخها أدت بها إلى نشوب أولى ثورات الربيع العربي التى جعلت الدكتاتور المذعور يفر إلى خارج لينعم بالحماية فى رحاب رعاة التخلف العربي ,

ومن المعلوم أن الدول العربية الأخرى ، التى لم تشهد ثورات الربيع العربي ، تعانى مشكلات جوهرية بسبب طبيعة نظام الحكم وعلاقته بالديموقراطية – قربا أو بعدا –  فالأردن والسعودية وغيرهما تقدم أمثلة واضحة على هذا .

لقد كان حصاد سنوات الاستعمار على المستوى السياسي أن انتشر الاستبداد السياسي فى جميع أنحاء العالم العربي .ومع الاستبداد تراجعت ملامح مشروع النهضة العربية فى الفكر والعلم والثقافة التى كانت قد بدأت على استحياء ، وبشكل فردي وليس اجتماعيا ، فى بعض البلاد العربية . فقد كان عدد الجامعات ما زال يعد على أصابع الي فى العالم العربي كله فى الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين . ومن ناحية أخرى ،  لم تستطع تلك الجامعات أن تقدم سوى التعليم الجيد نسبيا ، وكان أفضل مما تقدمه الجامعات العربية حاليا على أية حال ، ولكنها لم تستطع أن تتقدم بالبحث العلمي . وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة فى أعداد الجامعات  بعد تدفق الثروات البترولية فى أعقاب حرب أكتوبر 1973 م ، فإن زيادتها كانت وبالا على التعليم فى العالم العربي كله ؛ لأنها كانت زيادة اعتباطية لم تسبقها الدراسات والاستعدادات المناسبة . ومن ثم جاءت عبئا ثقيلا على الموارد الضعيفة الموجودة فعلا واستنزفته بدون الإفادة منها.

فقد اعتمدت جامعات الخليج ، التى تكاثرت بسرعة على الأعداد القليلة بالفعل من الأساتذة الموجودين فى جامعات العالم العربي القليلة ؛ وحرمتها من الكفاءات الممتازة ولم تستطع فى الوقت نفسه أن تستثمرهم فى إعداد الأجيال الجديدة من الأساتذة والباحثين لأسباب جوهرية .

أما على المستوى الفكري والعلمي ، فلم تشهد البلاد العربية عامة تيارات فكرية أو ثقافية تعبر عن القوى الاجتماعية الموجودة ، وكان غياب حرية الفكر والرأي بسبب الطبيعة الاستبدادية للحكومات السبب الرئيسي فى ذلك بطبيعة الحال . ومع ذلك ظهر بعض أفراد كانوا مثل الزهور البرية هنا وهناك .. ولعل السبب فى هذا يرجع إلى سيطرة الدول على وسائل النشر والتحم فيها من جهة ، وانتشار الأمية من جهة أخرى . وفى الحياة الفكرية والثقافية والعلمية ظهر نفر غير قليل يرددون أصداء التيارات الأوربية ظنا منهم أنهم يقتربون من التحضر والحداثة … ولا تزال آثار هذه النزعة الدونية موجودة حتى الآن وتعمل فى خدمة النظم الحاكمة بشكل مباشر وبشكل غير مباشر .

ومع زيادة الاستسلام للعدو الصهيوني بعد حرب أكتوبر 1973 م ( على الرغم من النجاح العسكري الجزئي الذى تحقق ) جاءت معاهدة كامب ديفيد  وصحبتها الدكتاتورية العنيفة لأن الشعوب عارضتها بقوة ، وتشددت القبضة الاستبدادية . ولأن الفن والفكر والأدب والعلم لا يزدهر  فى مجتمع يغلفه الخوف وتكبله القيود – وهو ما يصدق على العالم العربي كله – تراجع الفن والفكر واختفى الإبداع ، وظهر حارقو البخور السياسي وجامعو القمامة الثقافية . ولم تكن مصادفة أن تكون ميزانية الأمن عشرة أضعاف ميزانية التعليم ؛ وتتراجع ميزانية البحث العلمي إلى ما يقترب من الصفر . ومع تولى أنصاف المتعلمين والجهلاء الكاملين المناصب القيادية هنا وهناك كان التخلف مضمونا . هل هناك أمل فى أن نرى الطلاق يقع بين التخلف والاستبداد فى العالم العربي ؟؟؟؟

التعليقات