بكاء رحالة هندي في روضة رسول الله – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 20, 2014 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين الشرق الأقصى دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

 تعود علاقات العرب بالهند لفترات موغلة في القدم إذ نشأت في كلاهما حضارات عريقة وأصيلة ، ومما يدل على ذلك تماثل الأوجه الحضارية بين الطرفين . وبعد ظهور الدين الإسلامي في القرن السابع للميلاد ، شهدت العصور الوسطى الإسلامية اللاحقة تطوّر صلات الهند بالعرب والمسلمين ، كما شهدت أيضا ترسيخ مبادئ الإسلام ونظامه السياسي هناك ، ومن ثم تعزيز تراثها المحلي بالتراث العربي الإسلامي الذي يعد بحق مفخرة للعرب والهنود على حدِ سواء.

والواقع أنه لا يمكن تقييم تلك العلاقة دون قراءة واعية  لنصوص السفر والحج الهندية إلى مشارف مكة والمدينة, وبيت المقدس والناصرة وبيت لحم  وضفاف النيل وطور سيناء إلى ما يحف بهذه الأصقاع من آثار قدسها الله, وأضفى عليها سحراً من الجلال, فكان الكثير من هؤلاء الحجاج  والرحالة الهنود حريصين على إلزام أنفسهم بما توحي إليه مشاعرهم وأحلامهم في أرض الأديان والرؤى والماضي العريق.. حتى إذا ما رووا ظمأ نفوسهم وخلوا إلى أقلامهم وريشاتهم, جرت انطباعاتهم السحرية خبباً على أفراس الرواية والوصف والملاحظة والمدونات اليومية التي شكلت اللبنات الأساسية لأدب الرحلات الهندي .

وقد ساعدت رحلات الحج الهندية إلى الديار المقدسة على الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكَّل عن طريق الرحلة والحج ، والأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرَّحالة والحجاج الهنود ، والانتباهات التي ميَّزت نظرتهم إلى الدول الإسلامية العربية والناس والأفكار. مما شكِّل ثروةً معرفيَّةً كبيرةً، ومخزناً للقصص والظواهر والأفكار، فضلاً عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف والغريب والمُدهش مما التقطته عيون هندية تتجوّل وأنفسٌ تنفعل بما ترى، ووعي يلمُّ بالأشياء ويحلِّلها ويراقب الظواهرَ ويتفكَّرُ بها من هنا تكمن أهمية (رحلة الخواجة الهندي حسن نظامي الدهلوى ) إلى مصر وفلسطين والشام والحجاز في أوائل القرن العشرين والتي صدرت في ترجمتها العربية عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة .

ويزيد من أهميتها مكانة مؤلفها بين أدباء شبه القارة الهندية الباكستانية إذ قام برحلته في موسم حج عام 1911م .  حين تاقت نفسه إلى زيارة موطن الوحي ليعبر عن تجربته من زاوية “مشكلة تكوين صورة“..ليقوم بدور المصور الفوتوغرافي الذي أراد التقاط صورة للأشياء على نحو ما هي عليه بالضبط “للآخر نفسه في واقعه الفعلي والحيوي”. فطاف بنا بين جنبات دهلى مرورا بسقطرى وعدن والسويس والقاهرة وطنطا والإسكندرية وبورسعيد وبيت لحم وفلسطين ودمشق وفي خضم هذا دون يومياته في مذكراته عددا ضخما من الأخبار والملاحظات عن بلدان المشرق العربي بأنماطها الثقافية والحضارية وتقاليد أهلها وملابسهم وطعامهم فقرائهم وأغنيائهم مبانيهم ومؤسساتهم ، وقد غلبت عليه نزعة المقارنة بين ما يشاهده وبين ما هو موجود في بلده ، ونجد أكثر من يهتم بذكرهم الرحالة الدهلوى من سكان المدن بخاصة جماعات الهنود وربما كان ذلك راجعا لرغبته فى تقصى أماكن تجمع بنى جلدته خاصة في الحرم النبوى :”فحيثما ألتفت وجدتهم ، فجميع حراس بوابات الحرم النبوي من الهنود ، ومن يقوم على السقاية وغيرها داخل الحرم من الهنود ..لقد سررت كثيرا بعد مشاهدة هذه الأمور فلك ألف شكر ياإلهى فأهلنا من الهنود أخيرا وجدوا القبول على عتباتك !” .

وهو إلى جانب اهتمامه بالمشاهد والمزارات  ومجالس العلماء ، ووصفه المفصل للحرم المكي  والمسجد النبوي ، يبدى اهتماما مماثلا بالعمران في مختلف أشكاله فى هذه المنطقة فيتحدث عن المدن والقرى ومراكز الاستيطان الصغيرة على طول طريق الرحلة .وتحظى المدن من بين كل هذه المعالم بقدر كبير من اهتمامه ، ولعل نشأته الحضرية من ناحية ، وتنوع وتعقد ظاهرات المدن من ناحية أخرى ورؤيته للمدن والحواضر الإسلامية بعين مسلم جياش العاطفة كانا سببا فى هذه الخطوة .

ولكن المدينة المنورة كانت لها مكانة خاصة في قلبه شعرنا بلسان حاله في وصفه لها بأن لكل بلد فجر وللمدينة فجران : الرسول وهو نور متجدد بدد الظلم والظلام وفجر النهار .هذه هى المدينة كما يصفها الدهلوى ..وهذا هو الحرم النبوي يسير فيه المسلم طويلا في كل اتجاه ثم لا يبلغ نهايته من أي ناحية أتاه ..إنه مدينة النور كما يصفه الحجاج.. ومدينة الناس هامش له وخلفية صورة عميقة الأبعاد ، كل شئ فيه يبدو للعين المشوقة صيغ من نور ..الأعمدة البيضاء الملساء نور ..الأعمدة الوردية تزيد النور نورا ..كل شئ يروع ويأسر..ليلتقى على محبته وإجلاله (ص)  الحاكم والمحكوم وقلما يلتقيان .

دلف الرحالة الدهلوى إلى الروضة الشريفة حيث مثوى الأعظم العطرات فكان لا يدري بنفسه وهو يفضي إليه خفيف الخُطى كأنه يطير حتى وقف في ساحته فقابله غارق الدموع ..من خشيته بكى ومن هيبته بكى ومن محبته بكى ..وأبكانا معه كأننا لم نبك من قبل ..بكى الدهلوي على أمته المسلمة وعلى الخلافة الإسلامية التي سقطت وعلى ما آلت إليه حال المسلمين في الهند ، وتركيا ، ومصر ، سوريا ، وإيران التي تترنح سفينتها وسط الطوفان ومراكش التي قُطعت رقبتها بدم بارد وأفغانستان الواقعة بين فكى كماشة فهنا صراع وهناك صراع ..بكى على حال اقتصادنا الإسلامي وكيف تتحكم العملة الأجنبية في مصيرنا ، وكيف أننا لا نرتدي إلا المصنوعات الأجنبية ..ولسان حاله : من لا يملك خبزه لا يملك حريته ” وبكى في حضرة المحبوب على حرية القلم والصحف القومية في بلده  مثل “وكيل وملت ، وبيسه أخبار ، وكامريد ، والبشير ، ونظام المشايخ ” وبكى على حال أمراء دهلى الهندية وما آل لهم حالهم وحال حكامنا من تشرذم وشك فيما بينهم ..بكى على ما يقوله أعداء الإسلام :”إن الدين الإسلامي هو المسئول عن هذا التراجع والتوقف الحضاري ، فتتمزق أفئدتنا …ويتسائل : إذا كان الإسلام هو السبب فلماذا كنا في البداية أفضل من الغرب ؟!” لقد أسلم الناس في كل مكان لا في دهلى وحدها انشراحا للإسلام وإيمانا بعدله واقتناعًا ببساطته وعمقه وصدقه معا.

بكى الرحالة الدهلوي في روضة النبي الكريم فكانت دموعا عذبة بلا عذاب ..دموعًا ندية فيها شوق وحنان وإيمان ..رأى الناس يملأون المكان على سعته الوسيعة أتوا إلى النبي الهادي أفواجًا ومن كل بقعة إليه انتهوا من غربة وشتات ؛ لأنه كريم ..داره للغريب واللائذ والزائر ..ما طلب بناء ولا قصورا ولا ملكا ولا سلطانا وباسمه عاش الملوك وبهديه عاش شعوب ..رآهم قياما وقعودا من كل سن ولون كم هى راضية مرضية الصلاة في رحابه ..الكل تتعلق عيناه ويداه ورجاؤه ودعاؤه وهيبته ولوعة دموعه من كل طريق إليه ..ومن كل فج عميق إليه يهرعون مهرولين وزاحفين .بكى الدهلوى في الحرم الزاهي بهالات النور وهذا الجمع الطهور وعرف أنه مهما كانت ذنوبه من قبل فإن دموع توبته بين يدي رسول الله تغسل بحرا من الآثام ..يكفى أنه صادق.. بمحض إرادته جاء وبملء حبه جاء غير مساق غير مدفوع غير كاره بل مشوق وملهوف ..طاف بالحرم وطاف دعائه طالبا السكينة وإصلاح حال المسلمين.

من أجل هذا كله كانت دموعه نهرا يجري.. روى المقاصر وهى بالأرواء والأنداء  مقاصير ليست من الأرض بل من سماء ما طاولتها سماء في جنة الروضة الشريفة التي تميزت عن الجنة بأنها اقترنت به وانتمت إليه دينا وشخصا صلى الله عليه وسلم .

Picture 058

التعليقات