البيزنطيون والمحاولات الباكرة لترجمة القرآن الكريم – بقلم الدكتور محمد فوزي رحيل

نشرت في أغسطس 20, 2014 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ دكتور محمد رحيل
0 Flares 0 Flares ×

ولد محمد (صلى الله عليه وسلم) عام 571م، في وقت كان العرب فيه لا قيمة لهم ولا ميزان، يسكنون بقاع قاحلة فقيرة لا تجتذب أحداً لغزوها طمعاً في غنيمة، ولا تخش قوة من بأسها فتهاجمها دفعاً لخطرها، وأقصى ما سمحت به الدول الكبرى المعاصرة للعرب هو استغلالهم كدولاً حاجزة على الحدود المشتركة بين الإمبراطوريتين الكبيرتين فارس وبيزنطة أو الروم كما تسميها المصادر العربية.

وفي غفلة من القوى الكبرى نزل القرآن الكريم من الله عز وجل على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ودعي لدين الإسلام، وبعد معاناة النبي مع قومه قريش في مكة انتقل للمدينة لتبدأ نواة دولة الإسلام الأولى، وخلال سنوات عشر وعدة شهور تمكن من توحيد الجزيرة العربية، وبوفاته صلى الله عليه وسلم لم تتوقف الدولة أو الدعوة بل بدأت حركة فتوح هائلة أدت لدمار دولة فارس بالكامل واجتياح بلاد الشام ومصر وشمال افريقيا لتنكمش الإمبراطورية البيزنطية في أسيا الصغرى، وبعض جز البحر المتوسط، وأجزاء من شرق أوربا.

هذا التحول الخطير الصادم؛ أدى لحركة فكرية واسعة في أوربا والدولة البيزنطية للتعرف على أسباب فشل القوى الكبرى في التصدي لهؤلاء البرابرة حسبما وصفتهم المصادر الاوربية والبيزنطية، ومن بين العوامل التي لمسها مفكرو أوربا وبيزنطة هو وجود القرآن الكريم في يد المسلمين كدستور وأساس للتشريع، ومن هنا بدأت حركة واسعة لفهم ما يحتويه هذا الكتاب. ولأمد طويل شاع بين المتخصصين في الدراسات التاريخية والقرآنية أن أول ترجمة للقرآن الكريم كانت في غرب أوربا في دير كولوني عام 1143م على يد روبرت كيتون بدعم من الأب بطرس المبجل رئيس دير كولوني Coloni، حيث كان يري بطرس أن الإسلام من وجهة نظره هو واحدة من الهرطقات المسيحية ومن شانها أن تشكل خطراً على المسيحية الكاثوليكية، وقد طبعت هذه الترجمة عام 1543م وكتب مقدمتها مارتن لوثر وفيليب ميلاختون. وقد امتلأت هذه الترجمة بالأخطاء، وهو ما ندد به جورج سال وقال إنها لا تستحق أن تسمى ترجمة.

وفي عام 1647م ظهرت ترجمة فرنسية لمعاني القرآن قدمها أندرو دو ريور وقد طبعت عدة مرات، كما ظهرت ترجمة لاتينية عام 1698م قام بها إيطالي يدعى لودفيك مركي. بالرغم من كل هذه المحاولات إلا أن رأياً جديداً ظهر من خلال دراسة جديدة قام بها الأستاذ الدكتور طارق منصور أستاذ التاريخ البيزنطي بكلية الآداب جامعة عين شمس، والأستاذة الدكتورة نهى عبد العال سالم مدرس الحضارة الأوربية بنفس الكلية وعنوان الدراسة هو:” البيزنطيون وترجمة القرآن الكريم إلى اليونانية في القرن التاسع الميلادي: الجزء الثلاثون نموذجاً” وقد نشرت ضمن العدد الثامن من حولية التاريخ الإسلامي والوسيط، التي يصدرها منتدى التاريخ الإسلامي والوسيط بجامعة عين شمس. وتلقى هذه الدراسة أضواءً كاشفة على المحاولات البيزنطية الباكرة لترجمة القرآن الكريم، بحكم أن البيزنطيين هم أول من اصطدم به المسلمون من الأوربيين بحكم الجوار الجغرافي. وتشير الدراسة إلى أن بعض رهبان الروم بدأوا فور انطلاق حركة الفتوح الإسلامية في تعلم العربية، وفي مقدمتهم يوحنا الدمشقي (650-749م) الذي كان له قصب السبق في تعريف البيزنطيين ببعض آيات القرآن الكريم.

وفي مطلع القرن التاسع الميلادي ظهرت محاولة شبه متكاملة لترجمة معاني القرآن الكريم للغة اليونانية البيزنطية وقد قام بهذه المحاولة مجهول سعياً لتعريف الدوائر البيزنطية الارثوذكسية بمحتويات القرآن الكريم. ويوضح كل من منصور وسالم أن الترجمة وعن عمد قد أساءت إلى الإسلام، ودفعت اللاهوتيين البيزنطيين لتفنيده؛ بسبب سوء الترجمة وعدم فهم المترجم لكثير من التعبيرات الواردة في القرآن الكريم؛ ومن ثم ترجمها ترجمة غير سليمة أو ترجمها بشكل صوتي، دون إدراك لمعنى ما يترجم، ومن ثم سقط في خطأ شائع بين المترجمين يسمى Cultural Gapأو الفجوة الثقافية،  التي كثيراً ما تؤدى لإشكاليات عددية في الترجمة بين مختلف اللغات. ومن أمثلة الكلمات التي عجز عن ترجمتها كلمات: القارعة والكوثر والصمد وغيرها من الكلمات التي عجز عن نقلها على نحو صحيح فاتخذها اللاهوتيين البيزنطيين حجة للهجوم على الإسلام دون فهم لحقيقته. ولم يقف المترجم عند هذا الحد بل لاحظ الباحثان تصرفه في ترجمة بعض الآيات القرآنية بشيء من التصرف لتتناسب مع الخلفية الدينية المسيحية.

وقد حفظ لنا هذه الترجمة نيقتاس البيزنطي. وقد حفظت مخطوطة هذه الترجمة في مكتبة الفاتيكان، وهي مكونة من 239 ورقة تحوي كل ورقة سبعة عشر سطراً، كما استهلت بعض الفقرات بحروف حمراء اللون، وقد نشرت هذه الترجمة اليونانية ضمن مجموعة كتابات الإباء اليونان Patrologia Graeca عام 1863م. وكل ما نعرفه عن نيقتاس البيزنطي أنه من الكتاب اللاهوتيين البيزنطيين وأنه قد عاش في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي وكانت كنيته الفيلسوف المعلم. وقد كلفه الامبراطور ميخائيل الثالث (842-867م) بالرد على رسالتين أرسلتا من قبل المسلمين تتضمنا مسائل تتعلق بالعقيدة. وقد ترك نيقتاس عدداً من المؤلفات من بينها كتاب تفنيد القرآن الذي من خلاله تظهر معرفة نيقتاس الدقيقة بالقرآن، حيث تضمن عدداً كبيراً من الاقتباسات القرآنية باللغة اليونانية ويؤكد الباحثان أن نيقتاس ليس هو مترجم الآيات التي احتوها كتابه ويستشهدان برؤية الأستاذ كييس فيرستييغ Kees Versteegh بأن نيقتاس البيزنطي لم يكن يملك حال تأليفه لمؤلفاته المتعلقة بالإسلام نصاً عربيا للقرآن لكنه اعتمد على ترجمة لمعاني القرآن ربما أعدها شخص ما لنيقتاس ليستفيد منها في مؤلفاته، ويعضد راي كييس رأس الأستاذ  كريستيان هوجل Christian Hogel الذي يعتقد أن المترجم ربما كان مسلماً من أصل أموي، أي أن الترجمة تمت في بلاد الشام.

وقد أكد الأستاذ مانوليس أولبريخت رأي القائلين بأن نيقتاس البيزنطي لم يترجم النصوص القرآنية التي ساقها في مؤلفاته لكنه نقلها عن مترجم آخر، حيث قام مانوليس بدراسة البنية اللغوية لكتابات نيقتاس وبنية النصوص القرآنية التي اقتبسها، وبتحليله للغة نيقتاس اتضح رقي لغته وفصاحتها، في حين أن النصوص القرآنية المقتبسة تتسم بالطابع العامي حيث أنها تحمل نفس سمات اليونانية الدارجة ويؤكد أن نصوص القرآن الواردة في كتابات نيقتاس البيزنطي هي كنز نادر يمكن من خلاله استخلاص كثير من سمات اللغة اليونانية المتداولة بين عامة الإمبراطورية. وبعد نقاش طويل خلص الباحثان إلى نسبة الترجمة لمجهول حتى لا تنسب الترجمة لغير أهلها وانتظاراً لكشوف وبحوث المستقبلية ربما تسفر عن أدلة يقينية تجزم بنسبة هذه الترجمة لشخص بعينه. ويتكون كتاب نيقتاس البيزنطي “تفنيد القرآن” من مقدمة وتقريظ للإمبراطور البيزنطي المعاصر له، والذي كلفه بعمل هذا المصنف، ويلي المقدمة فهرس لمحتويات الكتاب ثم شرح مفصل لمفهوم الله في العقيدة المسيحية الأرثوذكسية وبعد ذلك لخص نيقتاس حجج المسلمين ضد المسيحية من وجهة نظره اللاهوتية.

ويمكن القول إن نيقتاس قد اقتبس من الترجمة اليونانية للقرآن الكريم وتناول بقية القرآن تناولاً عابراً في إطار منهج عام وضعه لتفنيد القرآن. وقد ذكر نيقتاس خطأً أن سور القرآن الكريم 113 سورة فقط وسبب ذلك عدم ترقيم نيقتاس لسورة الفاتحة معتقداً أنها مقدمة للقرآن وليست سورة مستقلة. وللتدليل على عدم دقة الترجمة اليونانية للقرآن ساق الباحثان عدداً من النماذج وبالتحديد من الجزء الثلاثين من القرآن حيث وضعا النص اليوناني للترجمة متبوعاً بترجمة انجليزية للترجمة اليونانية ثم النص العربي، وذلك سعياً لتأكيد وجهة نظرهما، ومن الجدير بالذكر أن نصوص الجزء الثلاثين هي وحدها ما بقي من الترجمة اليونانية الباكرة للقرآن الكريم. ومن النصوص التي ساقها الباحثين “منصور وسالم” بداية سورة النازعات الآيات من 1-7 فالنص اليوناني ترجمته الإنجليزية :”By Those that send out shots and remove by removal , swim by swimming that gain advantage and direct a matter on the day in which the tremor trembles” أما النص القرآن العربي فهو “وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١ وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢ وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣ ؤفَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤ فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥ يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦  تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧” وقد استعان الباحثان بعددٍ من كتب التفسير لمقابلة تفسير الآيات القرآنية بالترجمة اليونانية المغلوطة للنص العربي ومن بين هذه الكتب: تفسير البغوي وتفسير الثعلبي وتفسير القرآن العظيم المشهور بتفسير ابن كثير وغيرها. ومن خلال هذه الكتب أوضح الباحثان الأخطاء الخطيرة في الترجمة حيث لم يفهم المترجم اليوناني معنى “النازعات غرقا” وما تلاها من آيات ولم يقترب من المعنى الصحيح سوي ترجمة الآية الأخيرة “يوم ترجف الراجفة” حيث ترجمها فيما معناه أنه اليوم الذي تهتز فيه الأرض اهتزازاً لكنه لم يفهم معنى كلمة الرادفة أي ما يتبع الارتجاف أي النفخة الثانية.

ومن النماذج التي ساقها الباحثان:” وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ١ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٢ ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ ٣ إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ ٤” وجاءت ترجمتها كالتالي:”By the heaven and the altarikon . How do you know what the altarikon is? It is the piercing star, for to every soul of the living bengs there is a guardian it”    ومن النظرة الأولى يتضح أن المترجم لم يفهم كلمة الطارق، ومن ثم نقلها نقلاً صوتياً لليونانية دون ترجمة، حيث أنه لم يفهم أن الطارق هو اسم نجم يظهر بالليل في السماء ويختفي بالنهار، كما يتضح من الترجمة حسبما أشار الباحثان إلي تمكن المترجم من فهم كلمة نفس Soul، وفسرا ذلك لورود هذه الكلمة في الانجيل ومن ثم لم يكن من العسير على المترجم فهمها. وفي نهاية الدراسة أوضح الباحثان أن ترجمة المجهول للقرآن لليونانية البيزنطية لم تكن المحاولة الأولى لكنها الأكمل سبقتها عدداً من المحاولات من بينها محاولة الراهب يوحنا الدمشقي الذي خدم في دواوين الامويين قبل رهبنته والذي كان: “بيزنطي الفكر أرثوذكسي المذهب شامي المولد”. كما خلص الباحثان إلى أن نيقتاس لم يترجم القرآن لكنه استعان بترجمة مجهول كان يعرف اللغة العربية كلغة ثانية كما لم يستبعدا أن يكون المترجم قد استعان ببعض المرتدين عن الإسلام، أو ببعض الاسرى المسلمين لفهم النص العربي.

وقد رجح الدكتور طارق منصور والدكتورة نهى سالم أن مترجم النص القرآن لليونانية كان :”مسيحياً شامياً ممن يعرفون العربية كلغة ثانية أكثر من كونه مرتداً عن الإسلام وهذا يفسر عجزه عن إيجاد مقابل يوناني لعدد من الكلمات العربية وعدم فهمه المقصود منها وعدم إدراكه أيضاً المحسنات البديعية الواردة في القرآن الكريم بكافة أشكالها، مما أوقعه في أخطاءٍ كثيرةٍ”.

  • فيما يتعلق بالنص القرآن ورسم المصحف العثماني تم استعارته من موقع مجمع الملك فهد على هذا الرابط إذا كان هناك مشكلة تتعلق بذلك

http://fonts.qurancomplex.gov.sa/?page_id=42

التعليقات