من تاريخ حركة الترجمة … لقاء الثقافات – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أغسطس 20, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم فكر
0 Flares 0 Flares ×

تبدو حركة الترجمة التى شهدها التاريخ الباكر للحضارة العربية الإسلامية ، مرحلة من مراحل عملية أكبر كثيرا فى تاريخ لقاء الثقافات . وتعتبر حركة الترجمة من اليونانية والسوريانية مرحلة أخرى من مراحل هذه العملية الكبيرة فى لقاء الثقافات .

وهماك زعم بأن ذلك اللقاء الواضح بين ثقافات الشرق والغرب تمثل فى إضفاء الصبغة الهللينية على العالم الإسلامي . ولكن حقائق التاريخ تخالف هذا الزعم من ناحية ، كما أن الحضارة الهللينية نفسها كانت تعبيرا عن ثقافات يونانية وغير يونانية من ناحية أخرى .

كما أن كافة مراكز النشاط الفكري فى غرب آسيا إبان الفترة التكوينية فى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية – أي مراكز التعليم الطبي ، والفلسفي ، والمنطق والتاريخ …. وغيرها ، فى الرها ، ونصيبين ، وقنسرين ، وجنديسابور ، وحران ، وفارس وبلخ – كلها كانت تحمل التراث القديم لهذه المنطقة بألوانها المسيحية والمجوسية والبوذية . وهو التراث الذى أفادت منه حركة الترجمة العربية التى لم تعتمد على التراث اليوناني وحده بطبيعة الحال.

فقد سادت الحضارة العربية الإسلامية البازغة على أراضى الإمبراطورية الساسانية الفارسية التى تفككت تحت وطأة الفتوح الإسلامية ؛ كما فرضت سيادتها كاملة على السواحل الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط ( بلاد الشام ومصر والمغرب لعربي) التى كانت ولايات بيزنطية سابقة ، كما استوعبت أعدادا كبيرة من غير المسلمين :مسيحيين ويهودا وبوذيين ومجوسا ووثنيين ، عتنقوا الإسلام وذابوا فى النسيج الاجتماعي للعالم الإسلامي ، وعاش الذين بقوا منهم على دينهم وفق الوضع القانوني لأهل الذمة .

ولم يكن ممكنا لهذه الحضارة الناجحة أن تستبعد التراث العلمي والثقافي لأولئك وهؤلاء فى الأراضي المفتوحة ؛ واستوعبت ما كان موجودا من هذا التراث ولم ترفض سوى ما كان يتعارض مع بنية الإيمان الإسلامي خاصة بعض المدارس الفلسفية اليونانية ( وإن افادت كثيرا من تراث أفلاطون وأرسطو وأمثالهما ) . وكان مجمل هذه الحركة الشاملة لترجمة علوم اليونان القدماء انفتاحا هائلا فى القرون الأولى من التاريخ الإسلامي ، ولم يكن انفتاحا سلبيا ، ولا غير موجه ،وإنما كان مدفوعا منذ البداية ببحث نشيط وذكي عن حلول لمشكلات واقعية ونفعية .

وتحت حكم العباسيين الأوائل ، كان هناك اتجاه قوي لدمج غير العرب وغير المسلمين فى دولتهم ؛ باعتبار أن هذه مهمة مركزية للخلفاء العباسيين . وتعكس العنارية والرعاية المنظمة لحركة الترجمة ، والمترجمين ، من اللغة اليونانية فى أثناء تلك المرحلة سياسة الخلافة العباسية الموجهة نحو تبنى ما كان الخلفاء يرون أنها العناصر الأكثر فائدة فى الثقافات السابقة على الإسلام باعتبارها مسألة ضرورة .

فعندما وضع الخليفة العباسي ” المنصور ” (136 – 158 هـ / 754 – 775 م ) أساس مدينة بغداد سنة 146 هـ / 762 م ، كان معه اثنان من علماء الفلك هما : النوبخت الفارسي الذى كان زرادشتيا واعتنق الإسلام ، وما شالله الذى كان يهوديا من بلخ .

وقد كتب نوبخت ، الذى كان يترجم من اللغة الفارسية البهلوية إلى العربية ، مؤلفات عن التنجيم وما يتصل به ، على حين كتب ماشالله عن تناسق النجوم . وكان هناك قدر كبير من الاهتمام باختيار ساعة وضع حجر الأساس عند بناء أي مدينة جديدة ؛ ولم تكن بغداد استثناء فى ذلك بطبيعة الحال . ولم يستشعر الخليفة المنصور العباسي غضاضة فى استخدام علوم من أصل عربي ، ومقدمات منطقية وثنية ، ومعارف فلكية غير عربية ، وهو يبنى عاصمته الجديدة . فقد كان وزيره ” خالد بن برمك “ينحدر من سلالة من الرهبان البوذيين ، ثم تحولوا إلى الإسلام بعد فتح بلادهم ، وصار البرامكة وزراء وقادة وولاة ؛ بل إنهم كانوا أهم أسرة فى الخلافة العباسية بعد أسرة الخلفاء بطبيعة الحال ، حتى نكبتهم الشهيرة سنة 187هـ  / 803 م .

على أية حال ، كانت الترجمة فى زمن الخلفاء العباسيين الأوائل نشاطا منتظما للدولة نفسها . وفى تلك الأثناء نشط السعي للحصول على المخطوطات . كما أن التعديلات الحرة التى شهدتها عملية الترجمة أمام الشرح والتعليق ، وتحكم القياس الموضوعي ومنهج فقه اللغة فى عمليات الترجمة . بيد أنه فى البداية كانت معظم أعمال المترجمين بمثابة السعي نحو الفهم الشامل الذى اعتبر فيما بعد مدخلا إلى حركة الترجمة : فعلى سبيل المثال تمت ترجمة السيدذاتنا ( وهى مقالة فلكية وجداول فلكية ) كتبها عالم الرياضيات الهندي ” براهما جوبتا ” الذى عاش فى النصف الأول من القرن السادس قبل الميلاد . وتمت الترجمة فى عهد الخليفة المنصور ، ولكنه وجد أن الترجمة صعبة تماما بالنسبة للذين كان الكتاب موجها لهم ، والذين كانوا يأملون فى تطبيقه على حسابات النجوم وغيرها من الحسابات العملية .

كذلك ، فإن جعفر البرمكي نصح الخليفة هارون الرشيد بأن يتولى رعاية ترجمة كتاب “العناصر ” لإقليدس ، وكتاب ” المجسطي” لبطليموس تمهيدا لانطلاق حركة ترجمة واسعة فى هذا المجال . وعلى الرغم من أن غيوما من الشك تدور حول هذه القصة ،فإنها تشى بالطبيعة الاستكشافية لحركة الترجمة الباكرة من أجل حل المشكلات العملية .

لقد كانت حركة الترجمة فى جوهرها بالنسبة للعالم الإسلامي آنذاك نوعا من توسيع الأفق؛ إذ كانت مؤسسة الترجمة الرسمية فى بغداد تسمى ” بيت الحكمة ” كما كانت المكتبة الملحقة بها تسمى “خزانة الحكمة ” . وكان المفهوم السائد بين جدران ” بيت الحكمة ” أن التعليم جدل مستمر لذاته فى بداية الأمر .

وثمة مثال رائع يجسد فكرة لقاء الثقافات من خلال حركة الترجمة فى عصر الخلافة العباسية كا يتمثل فى مدينة جنديسابور التى ازدهرت فيها العلوم الطبية . فقد كان المسيحيون النسطوريين الهاربين من الاضطهاد البيزنطي المسيحي فى القرن السادس الميلادي قد أقاموا هذه المدرسة / المستشفى تحت حماية الإمبراطورية الفارسية الساسانية ، وكان ذلك النموذج الذى بنى عليه المسلمون فكرة المستشفى ( البيمارستان) الذى جمع بين جدرانه تراثا عالميا فى العلوم الطبية يمثله العلماء الإغريق والسوريان والفرس والهنود فى ظل الحضارة العربية الإسلامية وحمايتها . وفيما بعد ، كانت النصوص اليونانية ، والملخصات السوريانية المستخدمة فى جنديسابور ، النماذج التى احتذاها المترجمون العرب . وفى سنة سنة 148 هـ / 765 م دعا الخليفة المنصور مدير هذا المجمع التعليمي الطبي ” جورجيس بن جبريل بن بختيشوع ( ت . 154 هـ / 771م ) ليعالج معدته . ونجح العلاج وبقي الطبيب فى بلاط الخليفة عدة سنوات ، تاركا المستشفى / المدرسة تحت إدارة ابنه بختيشوع (ت . 185 هـ / 801 م ) . وقد خدم هذا الأخير الخليف الهادى ، أخا هارون الرشيد وسلفه على كرسي الخلافة …. واستمرت ذرية هذه العائلة فى خدمة السلالة العباسية عدة أجيال ؛ وكتب أحدهم قاموسا طبيا فلسفيا . لقد كان الفكر الطبي اليوناني أول الموضوعات التى نالت الاهتمام فى الترجمات العربية ، بيد أن الفضول كان دافعها الأساسي .

ويعتبر “محمد بن عبد الله بن المقفع ” من بين أوائل المترجمين الذين ترجموا الكتب اليونانية فى المنطق والطب إلى اللغة العربية فى عهد الخليفة المنصور العباسي .ولكن ابنه ، الأكثر شهرة ، عبد الله بن المقفع ” كان أحد أعضاء طبقة الكتَاب وكان ذا خلفية زرادشتية ، كما يبدو واضحا من ترجماته المشورة للكتب الفارسية ، وتعديله كتاب ” كليلة ودمنة “من اللغة الفارسية البهلوية . وفى عهد الخليفة المنصور العباسي ، ترجم ” أبو يحيى بن البطريق (ت .182 هـ /806 تقريبا )مؤلفات هيبوقراطيس وبطليموس … وغيرهما من الكتابات بناء على طلب الخليفة . ثم جاء اهتمام الخليفة هارون الرشيد بالفلك من منطلق عملي نفعي : إذ كانت النظرة إلى العباسيين ترى أن عهدهم اقترن بظهور علامات فى السماء … وقد كان الحكام شغوفين على الدوام بمعرفة نصيبهم فى التاريخ عن طريق الفلك والتنجيم .. وكان التنجيم يلبى هذا الطلب ، ويستند التنجيم إلى الفلك . وقد ترجم ابن البطريق ما كتبه بطليموس عن التنجيم الشرعي ( أي حساب الفترات الزمنية والمواريث ) وهي الترجمة التى علَق عليها ” عمر بن الفرخان الطبري ” وذيَلها ” محمد بن إبراهيم حبيب الفزاري “بترجمة كتاب ” السند هند ” عن اللغة السنسكريتية .

ومن الواضح أن محمد بن حبيب الفزاري (ت . 191ه ـ / 806 م ) قد واصل عمل أبيه إبراهيم الفزاري الذى كان خبيرا فى الفلك والتقويم قد بدأه دون أن ينهيه .وكان هو أول مسلم يبنى الاسطرلاب . وفى القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي تمكن العلماء المسلمون من تصحيح الجداول الفلكية وبذلك وقف علم الفلك العربي على أرض راسخة .

ومن ناحية أخرى ، قام الخليفة هارون الرشيد بتنظيم حركة الترجمة وتوسع فى نشاطها . ولا شك فى أن تعليم الخليفة نفسه قد أسهم فى هذا . وساعدت على هذا مجموعات المخطوطات الثرية التى غنمها من عمورية وأنقرة فى أثناء حملاته العسكرية ضد الأباطرة البيزنطيين . وقد كان الخليفة المنصور قبل ذلك قد طلب كتاب إقليدس ومجموعة من الكتب اليونانية فى العلوم الطبية من الإمبراطورية البيزنطية عن الطريق الدبلوماسي . كذلك كانت المكتبة التى تم جمعها فى بغداد المرجع للأطباء وعلماء الفلك . وكانت مكتبة كبيرة بحيث استدعت وجود أمين مكتبة لرعايتها . وعين الخليفة هارون الرشيد مترجما للكتب الفارسية هو ” الفضل بن نوبخت ” الذي كان جده قد خدم فى تأسيس بغداد .

ويتضح من الروايات المتواترة أن الاهتمام بترجمة هذه العلم كان بهدف إيجاد طبقة من المتخصصين من ناحية ، كما أن إنتاجهم جلب المزيد من التقدم المعرفي والمساندة الكافية من رعاة هؤلاء المتخصصين من ناحية أخرى .

ومن الواضح أن ترجمات ” يحيى بن بطريق “عن السوريامية شملت كتاب ” الساسة ” لأرسطو وكتبا أخرى . لقد كان المترجمون مهتمين بكل نوع من المعرفة المفيدة ، كما كانوا يميزون بين الفكر النقدي والفكر الشعبي من بين الركام الطافي الذى قذفت به أمواج الدوامة الآخذة فى التوسع لاهتماماتهم …. لقد كانت مرحلة أولية فى لقاء الثقافات وأعقبتها مراحل أخرى .

التعليقات