التصوف وأيامه الساحرة – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

عالم الطرق الصوفية ..عالم روحي تسكن إليه القلوب فتصل جسور المحبة مع خالقاها ، يتلاشى فيه الإحساس بالزمن ، تتجلى فيه مناجاة المحبين ، وابتهالات العابدين ، فتصفو القلوب وترتقى الأرواح ، تذوب في لحظات من النشوة تنصهر فيها كل معاني القرب ، ومن المؤكد أن أي محاولة لاختراقه والنفاذ إلى صميمه بعين دارسة هى في حقيقة الأمر محاولة لدراسة المجتمع المصري وفهم مكونات شخصية الشعب المصري الذي زهد في الحكم واعتز بالسلطات الحقيقية السلطة الروحية والسلطة الأدبية والفنية .

ومن أسف أن الدراسات العلمية التي تعرضت للطرق الصوفية في مصر قليلة ، ولا نكاد نجد دراسة يعتد بها في مصر ، هناك بالطبع كتابات كثيرة في هذا الصدد ، لكنها في معظمها بعيدة عن المنهج العلمي ، بعيدة عن النظرة الدقيقة الفاحصة ، ومن هنا يحق لنا ان نحتفي بدراسة الباحث النابه محمد صبري الدالي “التصوف وأيامه دور المتصوفة في تاريخ مصر الحديث” ، وهى دراسة اجتماعية تاريخية بذل فيها الكاتب جهدا كبيرا يمكننا من التعرف على كثير من المسائل البحثية التي لا شك يهمنا معرفتها حول قدرة مصر فى تحمل سفاهات وجرائم حكامها وهم يعتلون الكرسي ..دون أن تعير هذا الذي يحدث وأصحابه التفاتا . ولكنها تلتف حول رجل الدين المتصوف الزاهد المعتز بنفسه ، العزيز بإيمانه ، وتسميه ( سلطان العارفين) ، هذا هو السلطان الحقيقي في عين مصر ، فعلت هذا مع (ابن الفارض) سلطان العاشقين ، وفعلته مع الحسين أبي على وهو السلطان أبو العلا ( سلطان العارفين) صاحب المسجد المعروف في بولاق .

عبر هذه الدراسة البديعة حقا سيتعرف القارئ على حيوية الشعب المصري الذي يُعرف على مسار تاريخه كله أنه هو الحاكم الحقيقي من خلال أقطاب علمائه  وأولياء عطائه ، من خلال سخطه ورضاه على السواء ، منحه ومنعه . وفي واقع الأمر ، وبإيجاز شديد ، فإن المعتقد الشعبي الذي يعترف للأولياء وأقطاب التصوف بسلطان المعرفة التي لا حدود لها ، ويضفي عليهم من الصفات المعجزة الخارقة للطبيعة . إنما يجسدون أحلام وآمال واحتياجات الإنسان المصري عبر مختلف العصور ذلك الإنسان الذي يتمسك بموروثه الشعبي بوعي غريزي يصل به إلى جوهره المكنون دون عناء أو تنظير فلسفي !. وتتداخل الأفكار والمعتقدات ، فيشكل الدين الشعبي الممتزج بموروثات تضرب بجذورها في أعماق الذاكرة المصرية التي عرفت فجر الضمير، وابتكرت الذوق وفنون الحياة، لكنها استجابت ومؤقتا لبعض المظاهر غير المصرية، تحت وطأة نفوذ بدوي كاره للتصوف وجوانبه الفنية الثرية من صنع البيارق والأعلام والسيوف والبوذ والشارات وما إلى ذلك ، إلى الموسيقى والغناء المصاحبين لحلقات الذكر ، في تربة تتحدى الزمن بغناء التواشيح والمواويل .

سيتعرف القارئ على القوة الحقيقية للطرق الصوفية في مصر عبر العصور ومحاولات استقطابها بجانب السياسيين خاصة وأن شعب مصر مازال يضم ملايين المناصرين للصوفية ، الذين يعلنون عن أنفسهم بانتظام وفي جماعات ضخمة في مواسم موالد آل البيت والأولياء والاعتقاد الراسخ بأن التصوف هو الذي يقي السياسة من الفساد حيث يوفر لها ثوابت نقية ويسمح بالجمع بين معانقة الحق ومخالطة الخلق أو الربط الروحي والممارسة للسياسة .

ومن هنا تكفي قراءة سريعة لبعض صفحات الحوليات التاريخية المملوكية لنتعرف على سيطرة التصوف على العصر المملوكي وزواج غير شرعي بين السلطة والصوفية اتضحت معالمها منذ عصر الدولة الفاطمية التي قامت على أسس شيعية / صوفية ، مما انعكس في علاقة اتفاق وتعاون بين المتصوفة والحكام الفاطميين ، وقد شهدت هذه المرحلة نشأة مؤسسات صوفية مثل “المصطبة” التي اختفت مع زوال الدولة الفاطمية لأسباب سياسية / مذهبية . كما شهد العصر نشأة إحدى المشاهد العلوية / الصوفية المهمة ؛ وهو المشهد الحسيني الذي أنشئ لجذب الوجدان المصري الشعبي الصوفي للحكم الفاطمي بعد ضعفه ، وبعد انفضاض المصريين من حول الدعوة الإسماعيلية الشيعية ، كما شهدت هذه المرحلة ظهور أول طريقة صوفية في مصر وهى الطريقة الكيزانية ، التي تم القضاء عليها ؛ لبعدها عن التصوف الشيعي والسنى ايضًا .

أما المرحلة الزاهرة في تطور التصوف فعاصرت  الدولة الأيوبية ، واستمرت حتى نهاية الدولة المملوكية وشهدت تحولا كبيرا على يد صلاح الدين الأيوبي الذي حاول القضاء على التصوف الشيعي بتشجيع التصوف السنى على فكر الإمام أبو حامد الغزالي ، فاستقدم بعض صوفية المشرق “السنة” وأقام لهم خانقاة ، ووفر لهم ما يلزمهم ، ورغم نجاح صلاح الدين ومن جاءوا بعده في إضعاف التصوف الشيعي / العلوى بالاستقطاب والبذل والقسوة والقتل ، فإنهم لم يتمكنوا من القضاء عليه نهائيا ، وبقيت بعض مظاهره في عدة صور ، مثل حب آل البيت وإحياء ذكراهم من خلال الموالد ، والاهتمام بمشاهدهم ، والاهتمام بالفكر القريب من دعوتهم ، كفكر ابن عربي والسهروردي وابن الفارض ، كما ظهرت الطرق الرفاعية والأحمدية والشاذلية ، وإن كان مغزى تلك الطرق تطور فيما بعد لصالح التصوف السنى ، فإن التصوف العلوى في مصر لم يندثر وبقى معتنقوه ، وإن اتخذوا في الغالب مبدأ التقية ، بل لقد شهدت مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي قدوم عدد من مشاهير المتصوفة من المشرق والمغرب الإسلاميين ، ممن دعوا لتصوف متأثر بحب آل البيت ، ولقد أحرزت دعوتهم درجة كبيرة من الانتشار على المستوى الشعبي ، على يد عز الدين الصياد وأبو الفتح الواسطى ، وأبو السعود الواسطى ، وأبو العباس الملثم ، وأبو الحجاج الأقصري وأبو الحسن الشاذلي ، وأبو العباس المرسي وأحمد البدوي وغيرهم . وبالإضافة إلى ظهور الخانقاة كمؤسسة صوفية مهمة في العصر الأيوبي ، وبروز لقب شيخ الشيوخ كلقب صوفي لمن يتولى رئاستها ، فلم تعد الخانقاة والزوايا تعبر فحسب عن الزهد والعبادة والتصوف ، بل وعبرت عن معاني ووظائف اجتماعية واقتصادية وفكرية جديدة ، وإن كان قد تراجع التصوف الفلسفي لصالح الطرق والدروشة والجذب والكرامات ، وتغير مفهوم التصوف ولم يعد يعبر عن الزهد والتدين والتقشف ، بقدر ما صار يعبر عن أمور دنيوية أخرى عكستها أيضا طبيعة العلاقة بين المتصوفة والحكام ، لقد كانت علاقة نفعية في كثير من أدوارها منذ صلاح الدين الأيوبي وحتى السلطان الغوري امتدت آثارها إلى اليوم فاستفاد كل طرف من الآخر ، وهو ما كان في النهاية على حساب أوضاع المصريين الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والفكرية .كتاب رغم تخصصها الدقيق إلا أنها تضمن المتعة حتى لغير المتخصصين .

التعليقات