الاضطهاد في الذاكرة الشعبية المصرية – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم تاريخ شعبي دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

دروس إسقاط نظام الإخوان  في مصر  كثيرة، تختفي منها مقاربة الذاكرة الشعبية المصرية ، التي بقيت أسيرة لمعطيات ثقافية متعددة وأسيرة خيال شعبي يقدس القوة وتأسره الشجاعة الشخصية الخارقة .. بغض النظر عن النتائج التي قد تقود إليها تلك البطولات . وأتحدى أن يُدرس المزاج الشعبي المصري اليوم دون أن يكون أسيراً لذاكرة تبحث عن رمز أو بطل أو إطلالة زعيم…وكم في تاريخنا من نماذج غيبها التاريخ واكتفى بنصف سطر لتأريخها :”كان حاكمًا ضعيفا لم يقو عوده عبء الإمارة”.  ولكن لا يجب أن نغفل قوانين الذاكرة الشعبية المصرية التي تتعاطف مع كل مظلوم ومضطهد إذ من شأن العامة الميل إلى أشكالها والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالمًا !.

فالجماعة الشعبية المصرية من خلال بعض منحنيات التاريخ  تعاطفت مع المسيحيين الذين اضطهدهم الرومان ، خصوصًا حين طورد رجال الدين الجديد واختفوا في كهوف صحراء مصر ، فالتف حولهم الناس و كان صوت العامة أعلى وحسم الذاكرة الشعبية منذ الوهلة الأولى لصالح هذه الجماعة الأضعف  ، ووضعوا من بعضهم (مصدات) ثورية وأيدوهم والتفوا حولهم ، وصنعوا منهم أبطالاً وثوارًا . ، فآمن أغلب الجماعة المصرية بالعقيدة المسيحية وشكلتها على نسق وعيها المصري ، فجاء تصورهم المصري يخالف التصور الغربي للدين المسيحي فحدثت لهذا الاختلاف الحروب الكثيرة . وظل صراع دام قرنين من الزمان ولم تظهر بعد فواتح انتهائه.

وبعناد وإصرار معادي مضاد للرومان الأقوياء ، مارسوا طقوسهم الجديدة المصرية الملامح في السر والعلن. وخلال هذه الممارسات تطورت الأحداث من مرحلة إلى ثانية وخصوصًا في مراحل وأشكال المقاومة السلبية ، فانتقلوا بسرعة من مجرد إطلاق النكات والحكايات إلى خلق المصدات والأبطال ، إلى ابتكار (الأيقونات) ، ثم الهجرة حول وخلف البطل والمصد ، فتكون عالم النساك المعتزل والمعتكف ، وخلال هذا التصادم المستمر تطورت المقاومة وانتقلت من السلبية إلى المقاومة الفعلية ،وكان السبب للتطور استمرار وضع اضطهاد الحكام الرومان للجماعة الشعبية المضطهدة .

وعندما حاصر وطارد آل أيوب السنية الفاطميين الشيعة ، تكرر نفس المشهد بصيغ جديدة ومعدلة ، فتعاطفت الجماعة الشعبية مع الفاطميين الذين سبق وقاوموهم في وقت وجودهم كحكام فوق قمة السلطة ، أما عندما صاروا معزولين ومضطهدين ومطاردين ، أيدوهم ، فتحولت الجوامع الصغيرة ، والزوايا إلى بؤر شيعية تمارس فيها الجماعة الشعبية علنًا وسرًا كل ما هو ضد الجماعة السنية ، ورغم هذه المواقف العنيدة ضد كل حاكم ، فسوف نجد لهم مواقفًا وأخرى تكشف عدم اهتمام الجماعة الشعبية بالأفكار السنية أو الشيعية ، فكل اهتمامهم ينصب على الموقف السياسي لا العقائدي ، والذي يعتني عناية خاصة بخلق كل ما هو (ضد) يقف بأي شكل من الأشكال ضد النظام الحاكم لا غير . والسؤال كم في ذاكرتنا التاريخية من أساطير الاضطهاد المزعوم من هذا النوع.. لم تتح الفرصة لاكتشاف كذبها وادعاءاتها ولذلك تحولت مع الزمن الى أبطالٍ من ورق  ربما كان الاقتراب منها اليوم دراسة ونقداً وبحثاً يبدو من المحاذير الكبرى.

التعليقات