تمارين لاصطياد فريسة – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم أدب دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

عندما قرأت مجموعة شعرية نشرت منذ شهور للشاعر على عطا ، فتنت بأفكاره وبطريقته في الكتابة فبحثت عن أعمال سابقة له ، ووجدت له مجموعتين أخريين ، فإذا قرأتهما لم يتغير رأيي بل زاد تعلقي بشعره وأدبه ، وخطر لي أن أجلس لأكتب تفسيرًا لهذا الإعجاب آملا أن يغفر لي تطفلى باقتحامى ميدانا ليس ميداني .

كان أول ما قرأت له ديوانه الثالث الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية للكتاب و الموسوم بعنوان ” تمارين لاصطياد فريسة” والديوانين الآخرين هما “على سبيل التمويه” و”ظهرها إلى الحائط”. فاتضح لي على الفور أن على عطا مهموم بما نحن مهمومون به ، ففي كثير من قصائده تعبر عن الإحباط الذي نشعر جميعا به بصورة أو بأخرى ، ولسبب أو لآخر .

ولعل إهداء الشاعر ديوانه “تمارين لاصطياد فريسة”  هذا إلى الروائى الكبير الراحل الأستاذ إبراهيم أصلان له دلالة كبيرة و اختصار لتجربة أصلان فحضوره يكثف تجربة أصلان ليس فقط في أدب أصلان بل في تجربة حياته  الشخصية فأثر أصلان كبير على الشاعر علي عطا و قد قضى معا وقت طويل لأكثر من عشرين عاماً، عملا خلالها معاً في مكتب جريدة (الحياة) اللندنية ويختتم القسم الأول من الديوان بقصيدة بعنوان (مشهد أخير) تصف آخر لقاء جمع الصديقين في إحدى مستشفيات القاهرة .

إن اختيار العنوان للديوان لا يدل على طريقة اعتباطية و إنما يشير لتناغم بين الديوان وما تحتويه من قصائد شتان بين اللذة و الألم فتتنوع اتجاهات الديوان حيث يعبر عن نسقين، الأول نسق الالم و الأسى فنجده يعبر عن ذلك منذ عنونه ” أرنو بعينين دامعتين أشدو بصوت حزين” و النسق الآخر معبر عن الرومانسية و السعادة فعنونه “تدفقي فليس هذا أوان حبس الماء” و هي نصوص تهتم بالخيال أكثر من اهتمامها بالعقل والواقع .

فالقسم الاول و قد ضم قصائد تكثر فيها الشكوى والحزن والألم والحنين والحرمانوهي ” فيما المخالب مستكينة في غمدها” و ” بانتظار زائر سخيف”

و تنتشر روح الألم  في القسم الأول و الخوف من المجهول والأسى على ما يضيع فيطلق الشاعر على الموت «الزائر السخيف»، ويتعجب ممن يتصرفون وكأنهم باقون إلى الأبد: «ثم رحت فجأة أتعجب/ من أولئك الذين لا يمهدون لموتهم/ فهم مثلا لا يقولون لأصدقائهم بوضوح/ إنهم بانتظار ذلك الزائر السخيف/ ويتصرفون وكأنهم ليسوا على وشك الغياب». ويتكرر الأمر فى قصيدة أخرى تقول: «يكفى أنك قد تشعر فجأة/ بأنك لست على ما يرام/ لتدرك على الفور/ أن الموت ربما لن يمهلك/ لتمد يدك إلى كوب الماء القريب جدا». أما الانخراط فى الواقع فيدل عليه دوما فى القصائد ذكر الأماكن التى يرتادها الكاتب، وشرح حالاته النفسية المتقلبة بين بهجة عابرة وحزن مقيم.

و قد حضر العنوان طي المتن في عدة قصائد مقدمًا للمتلقي صورة مختصرة عن مضمون القصيدة  ” إنه مفتاح تقني يحس به السميولوجي نبض النص و تجاعيده و ترسباته البنيوية و تضاريسه التركيبية على المستويين الدلالي و الرمزي”فالعنوان هو مجموعة علامات لسانية توضع في صدارة نص كي تعينه و تحدد محتواه الإجمالي و تلفت انتباه الجمهور المعني” فنجد عدة قصائد حضر عنوانها كما هو دون اجتزاء في متن القصيدة مثل قصيدة ” فيما المخالب مستكينة في غمدها” و قصيدة ” قبل أن تغلق الماسنجر” و قصيدة “فيما الحراس نائمون” و قصيدة “بانتظار زائر سخيف” ام قصيدة ” هل قالت يا حبيبي “ جاء مجتزءً ” ” مع السلامة يا حبيبي” .

و تظهر في  الديوان الذاتية وعمق المعاناة في التجربة الشعرية تللك الذاتية التي تمتع بها الشعر خاصة دونا عن بقية فنون الأدب فقد ذكر الشاعر ضمير المتكلم ” أنا “ ثمانية عشرة مرة في قصيدة “سوق البرتقال” و قصيدة “مرسوم بدقة” و قصيدة “خارج نطاق الخدمة” و قصيدة فيما المخالب مستكينة في غمدها” بالتحديد ذكر فيها ضمير المتكلم أنا ثمانية مرات

فأنا مثلك مملوء بالأسئلة

أنا الذي لا يصلح لتحمل

أنا طفلك المولود للتو

أنا الموئود من قبل

أنا فارسك والجوادُ أنا

أنا المثقلُ بالحب

أنا التوَاق إلى التخفف

يعبر الشاعر عن أفكاره وصوره من خلال ما يثير مشاعره الذاتية ، وليس شرطا أن يعيش التجربة بصورة فعلية وإنما ينفعل معها وجدانيا بحيث يمتزج معها بشعوره وإحساسه ، فيعبر عنها بصدق.

حيث يقول بوجوفتش المستشرق اليوغسلافي “كان شيئاً ممتعاً وحافزاً على الدوام تجريد وإضاءة شخصية الفنان، هذا المبدع الذي يثير عمله الفني الأحاسيس الرقيقة والحادة. لذا يرغب – أي الباحث أو القارئ – في أن يغوص في شخصيته وروحه…

تمتلك الحروف والألفاظ هويّة دلالية تجسّد أحاسيس وأفكارا وسلوكات مسبّقة لذاكرتها قبل توظيفها في النص ، فالكلمة بشكلها ومقاطعها الصوتية.

فالألفاظ مشحونة دوما بدلالات حيوية تنجذب نحو التحقق في المستقبل.

إنّ المعاني التي تطرحها الألفاظ تساعد الدلالة على مغادرة جسدها لتتوحّد في الآخر أو في الأشياء الكونية الأخرى .

وإذا كانت الحروف ذواتا حسب تعبير ابن عربي ،فقد اعتمدنا على ضمير المتكلّم ” أنا ”  ؛ يمتاز الضمير ” أنا ” من الناحية السيميائية بعلاقة ارتباطيه عضوية مع الذات المتكلّمة الفاعلة والمنتجة للفعل ، مشكلا بنية كبرى تتألّف من محورين أساسيين في العملية التخاطبية / أنا/ الذات المتكلّمة، والآخر الذي يأتي في درجة تراتبية أقل من الذات مصدر الخطاب .

أنا فارسك والجوادُ أنا

أنا المثقلُ بالحب

أنا التوَاق إلى التخفف

ولعلّ وظيفة ” الضمير أنا ” تتداخل مع الوظيفة الإيحائية التي تشير للمحتوى كقطب يمثّل نواة دلالية رئيسية متعالية بعلو ألف المدّ ” أنـ(ـا) ، فشكل الضمير يحيل إلى صاحبه كذات موازية لهذا الألف الواقف والمعانق للسماء .

و تكرار الضمير ” أنا ” في الشعر العربي الحديث أمر معتاد حيث ذكرت نازك الملائكة في قصيدتها ” أنا” هذا الضمير ثلاثة عشرة مرة

الليلُ يسألُ من أنا

أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ

أنا صمتُهُ المتمرِّدُ

أنا من أكون?

والريحُ تسأل من أنا

أنا روحُها الحيران أنكرني الزمانْ

أنا مثلها في لا مكان

والدهرُ يسألُ من أنا

أنا مثلهُ جبّارةٌ أطوي عُصورْ

وأعودُ أمنحُها النشورْ

أنا أخلقُ الماضي البعيدْ

والذاتُ تسألُ من أنا

أنا مثلها حيرَى أحدّقُ في ظلام

لا شيءَ يمنحُني السلامْ

البعد الدلالي للضمير ” أنا ” يلغي الآخر أو ينزل من قيمته ، ويجعله في موقع المتلقي المستسلم والمؤمن بما يصله ، وكأنّ الظلال الخفية للآخر تختفي مع وجود ضمير المتكلّم الذي يكبرها شكلا ومضمونا ومكانة وموقعا ، لأن بؤرة الإبلاغ متعالية .

فألف ضمير المتكلّم هو الصفة الأيقونية للذات المتكلمة ، والمشابهة مع الموضوع في التعبير والمحتوى لأنّ “ألف المد” أصبحت علامة تمتلك نفس خصائص الموضوع الممثّل وحين نبحث عن أصول تشكيل هذا الضمير “أنا” والبحث عن صفاته وأوضاعه وإيماءاته نجده ينطبق على الذات المتكلمة والفاعلة التي تمتلك قدرة عجيبة وخارقة في توجيه الرأي العام ، لعله الإنسان الكامل أو الأعلى ومن هنا كان ضمير المتكلّم هو الأعلى بألفه ، ويبقى ضمير المتكلم في اللغة العربية أعلى من بقية الضمائر الأخرى شكلا ومحتوى ،وكيف لا وهو الفاعل والمؤثّر والمعانق للسماء

على الرغم من طغيان حالة حضور (الأنا) الفاعلة في مسار القصيدة من أولها إلى آخرها بشكل مزدحم ومفرط في الذاتية ويدل على نرجسية مطلقة واعتداد شخصاني وثقة لا نهائية بالنفس مبالغ فيها وقد لا تكون مسوغة، كذلك فإن ضمير المتكلم الغائب يندغم بضمير الحاضر المخاطب أو ينحرق فيه تعبيراً عن تداخل الصورة ـ الواقع، بالصورة ـ الحلم، والشعورية باللاشعورية، والسلب بالإيجاب، والداخل بالخارج،

تساهم الموسيقى في صنع المعنى فموسيقى  القصيدة السابقة عنصر مهمّ فهي إحدى المقوّمات الفنّيّة الضروريّة له، وإحدى خصائصه البنيويّة الأساسية التي تميّزه عن غيره. وهي التي تحمل مضمونه وتحقق غايته من التأثير وإثارة العواطف والانفعالات، ولذا فقد عدّ بعض الباحثين الموسيقى أهم العناصر الشعريّة، إذ إنّ “الإيقاع هو قوّة الشعر الأساسية، هو طاقته الأساسية، وهو غير قابل للتفسير”. فالكلمة بحروفها هي ماض مكتمل وحياة مازالت تتخلّق في رحم الكتابة

وقدّمنا قراءة لهذا الضمير مركّزين على ماهيته وصفاته، وإظهارها كعلامات سيميائية تسمح ببناء التأويل .

حاولنا في هذه القراءة ضرورة الإفراج عن الخيال والإنصات إلى الذات وإلى الضمير المعبّر عنها من خلال العلاقة بين الحرف خطّا والمعنى من جهة ، وبين الشكل والمحتوى .

الشعر على حيطان الفيسبوك، ظاهرة حقيقية، تستحق أكثر من وقفة تأمل في شكل القصيدة ومدى تأثرها بتفاعل المتلقي المباشر وكتابتها المستجيبة بصدق لوحي اللحظة، حيث يكتب القول الشعري ويلقى الكترونيا أمام الملأ في فضاء “الفيسبوك” حيث ساحة التفاعل وحصد الإعجاب أو التعليق. هكذا إذن هو الشعر، يحضر أيضاً بلغته البديعةِ،

كما تنوع فضاء الشاعر بين الحقيقة و الافتراض حيث شملت عدة أماكن واقعية مثل الإسكندرية و الفيس بوك و الماسنجر فنجد قصيدتين تدور أحداثهما في الفيس بوك و الماسنجر و هما ” قبل أن تغلق الما سنجر” و قصيدة ” تكرهينني الآن”.

فجاءت هذه النصوص بعيدة عن قبضة الخطية الصارمة التي فرضتها جمود الواقع و ثبوت الأدب المطبوع فجاءت القصائد متخذة لها تكنولوجيا المعلومات فضاء لها و تنوع الفضاءات يؤل لتنوع المتلقي و اتساع قاعدته و شموليتها لمجموعة كبيرة من القراء  .

و تنتشر الروح الحزينة في الديوان و أيضا الرومانسية فحزن و أسى الشاعر يعبران عن مرحلة زمنية قاصية في عمره وقد ذكر في نهاية الجزء الأول من الديوان تاريخ التجربة و هو 28/1/2012 ويتضح منها كتابة الديوان على فترتين زمنيتين مختلفتين تغير فيهما مزاج الشاعر بين الأسى والرومانسية واستخدم على عطا موهبته للتعبير بطريقته الخاصة عن هذا المناخ فنجح في رأيي نجاحًا باهرًا ولا أظن أنني من الآن فصاعدًا يمكن أن أجد شعر على عطا في مجلة أو ديوان أو كتاب دون أن أقبل بلهفة على قراءته .

تمارين

التعليقات