المدن المسحورة والبحث عن الجنة المفقودة – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

من البديهي أن التاريخ يسجل الحقائق حول حياة الشعوب والدول والملوك والأحداث ولكن حينما يتعرض التاريخ للأماكن الموغلة في القدم أو المهمشة إذ بالأسطورة تتسرب فيما أورده التاريخ ، فتزيد وتبالغ وتصور ما تعرض له الناس فيها  من أحداث وقد سجل المؤرخون الرحالة ـ على مر العصور ــ في كتبهم التراثية ما شاهدوه أو رأوه رأي العين ، ومن ثم اتصفت كتبهم بالواقعية إلا ما يتدخل فيه اعتقادهم أو ثقافتهم أو فكرهم أو وجهة نظرهم ، فإن ذلك كله يوجههم اتجاها أسطوريا خاصة فيما يتعلق بالمدن المتخيلة أو المؤسطرة والتي تميّزت تلك المدن الخياليّة  بالغرائبية والمسحورة التي تأوي إليها الشياطين والجنّ ربما لتعرض الجماعة الشعبية من خلالها نظرتها إلى المجتمع الإنساني المعاصر فتعرّض بمفاسده وتفضح نقائصه، وتدعو من طرف خفي إلى الحياة الإنسانية الكريمة القائمة على الروحانيّة سمة رابطة بين بني البشر. الأمر الذي يدعونا إلى الاحتفاء بكتاب ( المدن المسحورة ) للشاعر والباحث النابه فارس خضر ، وبتقديم سميح شعلان ، والصادر منذ أيام عن سلسلة الدراسات الشعبية التي أسسها شيخ الحكائيين العرب خيري شلبي .

في الكتاب  نتلمس أساطير الواحات المسحورة تلك التي نقلها لنا الرحالة والمؤرخون في سياق حديثهم عن واحات مصر والواحات سواء أكانت هي التي تحدث عنها الجغرافيون والمؤرخون المسلمون تحتل موقعا على خريطة العالم الحقيقية، أو كان موقعها على خريطة من صنع الخيال الإنساني، فإنها ـ في الحالتين ـ تحتفظ بقدرتها العالية على الاستجابة للمستويات المختلفة للحلم والواقع، فهي في أحد وجوها تعبر عن حلم بمجتمع خيالي يطمح الإنسان لفك ألغازه التي تحول عوامل طبيعية دون معرفتها معرفة يقينية، فالواحات تمثل هامش عالم حضاري معروف لذلك تأخذ ملامحها الجغرافية والسيكولوجية من هذين العالمين. هذا هو بعينه ما نلمسه في رواية المؤرخين أثناء حديثهم عن رحلات الذين قصدوا الواحات المصرية بقولهم: “بلاد الواحات كثيرة التمر والنخل وفيها مدن كثيرة مسورة وغير مسورة.

المتابع  لأساطير المدن المسحورة  يجد أنها تنسب في الأغلب إلى مجهول مبهم وغير محدد مثل  “جماعة من أهل التاريخ” ؛ الذين هم في الحقيقة رواة التاريخ الشفاهي الفولكلوري، الذين تختلط في رواياتهم بقايا المعرفة التاريخية الحقيقية ببقايا الأساطير ,التي تحولت إلى مأثورات شعبية حيث تشكل هذه المأثورات الفولكلورية في بعض جوانبها: “الحجرة الخاصة” للتاريخ؛ وهي الحجرة التي تضع فيها الطبقات الشعبية عواطفها، وتخْزن فيها موروثها التاريخي ـ كما ينبغي أن يكون لا كما كان ـ وتودع فيها تصوراتها ورؤاها وحكمتها العملية، والباحث المدقق في كتاب فارس خضر  عن االمدن المسحورة  سيجد فيها مزجاً أدبياً بين الحقائق التاريخية والمأثورات الشعبية ـ أو أنه بتعبير آخر سيجد صياغة فولكلورية لبعض الحقائق التاريخية القليلة التي وصلت للمؤرخين والرحالة والرواة المحدثين الذين اعتمد عليهم فارس في دراسته القيمة ، وهي صياغة تحاول أن تملأ الفراغات التاريخية بالخيال الأدبي: وهو تقليد عرفه المؤرخون والجغرافيون والعلماء العرب منذ العصور الإسلامية؛ عندما انفتح أمام العرب عالم العجائب والغرائب والحقائق في البر والبحر ، في البلدان الحقيقية والبلدان الأسطورية وكانت فكرة المدن المرصودة والمسحورة والمطلسمة في طليعة تلك العجائب .

خاصة وأن تلك المدن المسحورة تعد تراثا إنسانيا مشتركا عرفته سائر الثقافات الأخرى ، وشواهد ذلك ذيوع هذه الأفكار لدى غالبية المجتمعات الصحراوية كما نجدها متواترة في معظم قرى الواحات الداخلة إلى يومنا هذا . رغم تنوع التركيبة العرقية الموجودة بالواحات من لوبيين وبربر وقبط وعرب .

ويمكن القول ـ  بقدر من المعقولية ـ إن معتقدات هذه المدن هى محاكاة رمزية للمدينة الفاضلة المستحيلة أو لصورة الجنة كما تقدمها الديانات السماوية فيقدم الوجدان الشعبي توحدا رمزيا بين الجنتين الأرضية والسماوية ليصيرا متماثلين في حين تقف معتقدات المدن المسحورة في منطقة وسطى بين الدنيوي والمقدس. وفي الوقت الذي اعتادت الحكايات الشعبية أن تنتقد السلطتين السياسية والدينية انتقادات حادة تصل إلى حد تحقير رموزها ، وتعلى في الوقت نفسه من شأن أصحاب المعرفة البدهية التصوفية نجد أن نصوص المدن المسحورة المدونة والشفاهية لا تقترب من هاتين السلطتين مطلقًا ؛ ليس خوفا من بطشهما ، ولكن لأنها تتجاهل وجودهما ، وتقدم البديل النقدي لهما ممثلا في هذه المدينة المسحورة التي يحكم أفرادها أنفسهم بأنفسهم تلبية لنزوع إنساني ورغبة دفينة عند الجماعة الشعبية في امتلاك العالم عن طريق الحكي وإعادة تشكيله كما تحلم به وتصبو إليه معلنة ثورتها .. ضد القهر ..ضد اللامألوف واللاإنسانى .. ضد الجموح .. الهيمنة .. ضد الطبقية ..حالة الموت ما قبل الموت. لتغيرها، وتعيد الثقة إلي نفسها، وتجسد سياسات بديلة ، وتصحح مسارها، وتعيدها إلي تاريخها، وتبعث روحها، ولتجسد الحلم الإنساني في التحرر الذاتي ، وترد إلي الجماعة الشعبية  وجودهم وثقلهم في التاريخ.من خلال إعادة قراءة الموروث السردي المدون والشفاهي حول هذه المدن ، ورصد الأسس المنطقية التي تجعل الجماعة الشعبية تعتقد في وجودها .الكتاب يمثل احتياجا ثقافيا وعلميا ملحًا عبر كل سطر من سطوره المدهشة سواء بما يحتشد به من معلومات مثيرة ، أم بأسلوبه الأدبي المشرق .

مدن

التعليقات