حكايات الجان وفقراء خاتم سليمان – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

يقول الموروث الشعبي :إن سليمان سخر الكثير من الجان كعقاب لهم لخدمة بعض الأدوات كعبيد أو خدام يلبون رغبات من يملك هذه الأداة , من ذلك اللوح الذي يتحكم في الجني (عيروض) الذي يخدم سيف بن ذي يزن في سيرة سيف , وكذلك الخادم الموكل بالسوط المطلسم , والطاقية المخفية , والجراب الذي لا نفذ ما فيه , وكثيراً ما يتردد في ألف ليلة وليلة تلك الأقسام التي وضعها سيدنا سليمان الحكيم لقهر الجني ـ كما يقول الموروث الشعبي ـ يردد هذه الأقسام الكاهن أو الساحر لإرغام الجني على الطاعة وتنفيذ الأوامر. فذلك كله حلم ومنى ليس لهما من الواقع أصل. فكل مجهول لدى العامة من الناس , وكل عقبة كئود , في بطن الأرض أو خرابها أو موحشها , وفي تلك الأوضاع الاجتماعية شديدة الوطأة ؛ يتولد الوهم وتنسج الأسطورة وتغذيها وتقوم الأوضاع الاجتماعية الضاغطة بحماية هذا المعتقد وتعضد فكرة التعلق بأهداب الجان والعفاريت التي تمتلك القدرة على فتح الكنوز لما يتمتع به الجن من قوة خفية تفوق قوة الإنسان مرات ومرات مما جعل الإنسان يفكر في كنه هذا الوجود ، وحقيقته وأشكاله ، وتأثيره ، الأمر الذي أثرى فولكلور الشعوب بحكايات الجان والتي يفسرها  البعض أن شيوع مثل هذه المعتقدات تمثل شكلاً من أشكال (الاختراق) الذي يستهدف التأثير على المجتمع , و تدلنا قراءة التاريخ ـ فضلاً عن دواعي المنطق ـ أن حالات الهروب من الواقع وثيقة الصلة بوطأة أو قسوة الظروف المعيشية , فحين تتزايد الضغوط على الناس , تتجه فئات منهم إلى الانسحاب والفكاك إلى عوالم أخرى.

هذا الهرب نجده سائداً في القصص الشعبية حيث يرسم القاص البطل وقد حصل على المال بغير جهد فهو يلقاه كل صباح “تحت سجادة الصلاة” أو الوسادة , شأنه شأن البطل الذي يقطع الآماد على بساط سحري حين كان الانتقال من بلد لآخر  مشقة عظيمة .أو أن يحقق الإنسان كل ما يتمنى بحصوله على خاتم سليمان وهو الخاتم الذي استطاع سليمان به أن يستخدم الجن ويسخره , فحملت له البساط , وقطعت له الأحجار , وبنت له القصور , وفجرت له الأنهار والآبار وصورت له التماثيل من خشب ونحاس ومعادن أخرى كأنها الحياض التي تروي الأرض لطولها وعرضها وبواسطة هذا الخاتم ـ كما يقول الموروث الشعبي ـ ملك سليمان البلاد.

من هنا يستطيع قارئ كتاب ( حكايات الجان ) للباحث المصري إبراهيم سلامة – والصادر منذ أيام عن سلسلة الدراسات الشعبية – التي أسسها الحكاء  خيري شلبي – أن يقوم برحلة شديدة الحيوية والاستنارة يلم فيها بهذه الأفكار والحكايات وما دار حولها من نظريات عديدة وأن يجمع محصولا وفيرا – هو أحوج ما يكون إليه – عن حكايات الجان التي تدور أحداثها دائما في بلاد بعيدة بعيدة جدا ، يخرجها هذا البعد السحيق في تصور الناس عن عالم الواقع لتدلنا في المحصلة النهائية عن نص دال على فكر جماعي يتحرك عبر الزمان يؤثر في بقاء ما يمكن أن يبقى واختفاء ما يمكن أن يختفى  منذ شغل الإنسان بالعالم الغيبي بكل ما فيه من  جان وعفاريت وكائنات خارقة حبيسة الفولكلور دون خلفية علمية ، فاستيقظ فيه النبل الإنساني الباعث على الرغبة في التواصل مع هذا العالم المجهول واستكشاف مجاهله والوقوف على أسراره وخوافيه ، ورغم أننا أصبحنا اليوم في زمن المادة والتقدم التكنولوجي فإن سحر هذا العالم الخفي والغامض لم ولن يفقد بريقه وحميميته وإثارته .

ومما يعطى لهذه الدراسة أهمية إضافية أنها حرصت على الكشف عن المؤثرات الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في صياغة تلك الحكايات وتتعرض لموضوع حكايات المعتقد هذه الحكايات التي ترسخ لوجود الكائنات الغيبية – شخوص الجان – وتفصح عن أشكالها والأدوار التي تؤديها في حياة الناس ، ومدى النفع والضرر الذي يترتب على وجودها بينهم ، والتي لم يتم التعرض لها من قبل ولم تتم دراستها كبنية مختلفة عن الحكايات الأخرى .

كما نجحت الدراسة في عرض البنية الأساسية المكونة لهذه الحكايات والتي تميزها عن الأنواع الأخرى من الحكايات الشعبية وطرق السرد المرتبطة بهذا النوع من الحكايات وتأثيرها على المتلقى وأفصحت الدراسة  عن فضاءات الجن والعفاريت وما لها من صفات ووظائف مغايرة تماما للفضاءات الجغرافية / الطبيعية ذات الطبيعة المرجعية ، وعلى الرغم من أن هذه الفضاءات تمتاح الكثير من الصفات والخصائص المميزة للفضاءات المرجعية في التشكيل والبناء ، إلا أن لها خصائص تجعلها عجيبة ، بحيث تبدو وكأنها أو هى بالفعل فوق طبيعية ، ولا ترجع عجائبية هذه الفضاءات لوجودها المكاني فقط ، بل وأيضًا لأن من يسكنها ويعمرها كائنات ذات قوة خارقة وفوق طبيعية .

حكايات الدراسة عن الجان والعفاريت لم تكن نابعة من فراغ ، وحتى إذا كانت محض خرافة ، فإن التمعن فيها بهدوء وروية تكشف لنا عن جوانب متعددة في البناء التاريخي للشخصية المصرية ، وفي بنائها الوجداني ، خاصة وأن هذه الحكايات لا زالت تؤدي وظيفة وتعمل السيدات العجائز على ترسيخ تلك المفاهيم من خلال وظيفة كامنة في الحكايات بغرض تحذير وابتعاد الأطفال عن أماكن خطرة غير أن استقبالهم لم يعد بنفس الدرجة من القبول حيث أنه قد تغيرت مفاهيم الناس في مجتمعات الدراسة الميدانية ، وذلك من خلال ما تبثه وسائل الإعلام المختلفة من معلومات وما قام به التعليم من تغيير لبعض المفاهيم لديهم ، الأمر الذي لم يعد يؤدي بهم إلى القبول التام لتلك الحكايات ، إلا أن هذه الدراسة المتميزة بتميز صاحبها قد رصدت بقاء واستمرار القبول لمثل هذه الروايات والحكايات عند بعض الأطفال حيث إن المخيلة لديهم أكثر قبولا وأنشط استقبالا للحكايات المرتبطة بالكائنات الغيبية . دراسة تضمن للقارئ التجوال في عالم شديد الثراء قوي غنى بالإيحاء .

Picture 027

التعليقات