مصر والنيل بين الحبشة وأوربا في العصور الوسطى – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم أوربا و الإسلام تاريخ دكتور عمرو منير مصر
0 Flares 0 Flares ×

تشير الدلائل التاريخية التي وصلتنا من العصور الوسطى إلى وجود جالية كبيرة من الأحباش تقيم إقامة دائمة في بيت المقدس ، ووجود دير لهم في المدينة المقدسة على اتصال دائم بمملكة الحبشة ، كان من شأنه إطلاع ملوك الحبشة على أخبار الحروب الصليبية أولا بأول ، ولم يغب عن البابوية وأصحاب المشاريع الاستيطانية بالقدس فكرة الإفادة من الحبشة المسيحية في حرب المسلمين وبخاصة في الطور الأخير من الحروب الصليبية ، بعد طرد الصليبيين نهائيا من الشام في أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر الميلاديين ، فأرسلت البابوية سفارات عدة في ذلك القرن إلى ملوك الحبشة ؛ لحثهم على المشاركة في حرب المسلمين ، وشجع البابوية على ذلك ما سمعته عن ملوكها من اضطهادهم للمسلمين ، وكان أشهر هؤلاء الملوك آمادا سيون الأول Amda syon  (1312 – 1344م) الذي امتد حكمه اثنين وثلاثين عاما ، وما أدخله من التنظيم على شئون الدولة ، وتمكنه من بسط نفوذه على مقاطعة جوجام Gojam  التي يحيط بها النيل الأزرق ، وتخطى نفوذه هذا النهر إلى إقليم بيجمدير Begemder  ، وبذلك وطد أقدام مملكة الحبشة ، وحدد معالمها ، ووحدها تحت حكم أسرته ، وأصبح بذلك قادرا على مواجهة أقدام التقدم  الإسلامي الذي بدأ يظهر في الجنوب وامتدت حروبه إلى سائر الممالك التي تحيط بمملكته من الشرق والجنوب ، واستمرت تلك الحروب طوال القرنين التاليين ، ومن هنا كان الصدام المملوكي المصري بالحبشة مباشرا ، بدأ بتعاون حبشي مع الغرب الأوربي وأذنابها ، أما عن مسلمي الحبشة فقد قاموا بإرسال سفارة إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون تهدف إلى حثه على التدخل لحماية مصالح المسلمين هناك ، فطلب السلطان من بطريرك الإسكندرية أن يكتب رسالة لملك الحبشة في هذا الصدد ، ومنذ ذلك الوقت تطور العداء الحبشى للمسلمين الأحباش ، وتجاوز ذلك إلى مصر المملوكية نفسها ، وبدات محاولة ملك الحبشة لتحويل طريق التجارة بالاتفاق مع الغرب الأوربي بهدف إحكام حصار مصر اقتصاديا ، والقضاء على مواردها التجارية ؛ وبهذا أصبحت الفكرة الصليبية المتأصلة تماما عند الأحباش المسيحيين دافعا لهم إلى أن يوجهوا عدوانهم وجهتين في آن واحد : وجهة تستهدف إبادة العناصر الإسلامية في الحبشة ، ووجهة تستهدف محاربة مصر راعية مصالح المسلمين الأحباش .

ونتيجة لذلك بدأت تظهر أفكار لبعض الدعاة الصليبيين تدعو لإشراك الأحباش في القضاء على سلطنة مصر المملوكية ، واقترنت هذه الأفكار بفكرة أخرى طالما نادى بها دعاة الحروب الصليبية والمشاريع الاستيطانية ، هى تجويع مصر بتحويل مجرى النيل في الحبشة ، وهناك من المصادر ما يشير إلى أن ملوك الحبشة هددوا بهذا أكثر من مرة . ورأى بعض الرحالة الأوربيين أن باستطاعة ملوك الحبشة فعل هذا ، ومنهم جوردان سيفراك ، ويوحنا ماريجنولي ، واشار سيمون سيجولي Simone Sigoli   وبرتراند دي لابروكيير Bertandon de la Broquiere  وبيرو طافور pero Tafur أن باستطاعة القديس يوحنا تحويل مجرى النيل عن مصر والقضاء على رخائها .

وعلى الرغم من أن تحويل مجرى النيل عن مصر أمر تقف أمامه عقبات عديدة : منها عقبات الموقع والتاريخ والبشر والمبادئ والأهداف والمثل العليا . فإن العقلية الصليبية في العصور الوسطى اعتقدت إمكانية حدوثه آنذاك ، واتخذ سلاطين المماليك من جانبهم بعض الإجراءات للحيلولة دون ذلك ؛ فحظروا على الأوربيين الإبحار عبر أعالي النيل أو البحر الأحمر ، وكان مرد ذلك القلق التاريخي الدائم من نوايا ملوك الحبشة العدائية تجاههم ، وما يترتب على الاتصال بين الغرب الأوربي أو عملائهم وملوك الحبشة من نتائج وخيمة على سلطنة المماليك ، شرها أن يعملا سويا على تحويل شريان مصر المائي ، ثم يهاجم الحليفان مصر للقضاء عليها ، وقد اشار فليب دي ميزيير philippe de Mezieres  – صاحب المشروع الصليبي الكبير في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي – إلى إمكان تحويل مجرى النيل للقضاء على قوة مصر الاستراتيجية في المنطقة قضاءً تاما . ويرى أحد المؤرخين الغربيين أن ما جعل ملك الحبشة يُعرض عن تنفيذ ذلك ، أن المسيحيين في مصر جميعا سيهلكون جوعا إن فعل . تلك كانت رؤية الغرب الأوربي لمملكة الحبشة المسيحية ، تلك رغبته في التحالف مع تلك المملكة المسيحية ، الت يتكاد تتحكم في مدخل البحر الأحمر من ناحية الجنوب لتحقيق مآربه ؛ فهى قادرة على غلق الباب الجنوبي للبحر الأحمر ، ومنع تجارة الشرق عن مصر ، مما يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة لسلطنة المماليك ، ثم يستطيع الغرب الحصول على هذه المنتجات عن طريق آخر ، وبعد القضاء على قوة مصر الاقتصادية يمكن الاستفادة من تلك الدولة عسكريا بأن تهاجم مصر من الجنوب ، في الوقت الذي يشن فيه الغرب الأوربي حملات عسكرية بحرية عليها من الشمال ، وتتحقق في النهاية آمال الصليبيين في إعادة الكيان الصليبي في الشرق .

من هنا بلغ الوعي المصري بالحبشة أعلى درجة أو درجات من الوعي ببقية المناطق الأفريقية وانعكس ذلك في الكتابات التفصيلية عن بلاد الحبشة في المؤلفات ذات الطابع التاريخي والشعبي مثل سيرة ( سيف بن ذي يزن) التي جسدت العلاقة بين مصر والحبشة في فترة من فترات تصادمها في عصر سلاطين المماليك في مصر فجاءت السيرة الشعبية تعبيرا عن الصراع الحبشي المصري به وتعبيرا عن الواقع المصري سياسيا واجتماعيا وثقافيا ومثل هذا التهديد وغيره هو الذي عكست السيرة في ضوئه خوف مصر البالغ على نيلها الذي جعلت تدفقه إلى الوادي تدفقا علويا قدريا ، أي منحة إلهية لا تخضع لإرادة بشر مهما كان جبروته ، ولكنه الخوف من الجغرافيا السياسية التي يمكن – في تصور المجتمع الشعبي – أن تحول دون مجئ مياه النيل إلى أرض مصر ، بفعل فاعل حاقد أو متربص على حدودها ، ومن هنا تبتدئ السيرة بنصيحة مبكرة على لسان وزير الملك ذي يزن نفسه :”واعلم يا ملك الزمان أن هؤلاء الحبشة والسودان لابد أن تنفذ فيهم دعوة نوح عليه السلام ..وأنهم يخافون على مجرى النيل من نزوله إلى الأرض الوطيئة خوفا أن ينزل إلى مصر ، فهم جاعلوه على قدر أرضهم ، وإذا فاض يجعلون له تصاريف فيها إلى الربع الخراب ، لا يعملون عملا إلا بإذن الحكماء السحرة وهذا هو الصحيح والأمر الرجيح “.  وتشير نبوءة ميلاد البطل “سيف” إلى دوره الملحمى في السيرة – من بين ما تشير – إلى أن “على عهده يكون عمار مصر ..إذ يجري بها بإذن الله النيل المبارك على يديه ..وأن إقليمها يبقى مدى الدهر عامرا ، وسوف يسكنها العرب “.

وإذا ما لاحظنا أن عصر المماليك كان عصر تجمع للقوى العربية والإسلامية في مواجهة قوى أوروبا الموحدة تحت راية “الصليبية”وأحسسنا أهمية ما لجأ إليه مؤلف سيرة سيف بن ذي يزن من رمز ، حين جعل لبطله ولدين : أحدهما هو “مصر” الذي حكم مصر بعد جريان ماء النيل ، والثاني هو ” دمر” الذي يملك الشام ويعمرها “.وكأنما أراد كاتب السيرة المصري أن يضع أمام الشعب العربي كله صورة رمزية لمعنى وحدته وكأنما أراد أيضا أن يجعل من وحدة الدم سندا للوحدة السياسية ووحدة التاريخ والكفاح المشترك ضد العدوان الخارجي على ارضهما المشتركة وهذه الفكرة – مرة أخرى – تؤكد معنى الوحدة السياسية والعسكرية باعتبارهما ضرورة وجود لمواجهة الغزو الصليبي في العصر المملوكي ، الأمر الذي تؤكده في عمق ونضج كبيرين بعد ذلك في سيرة الظاهر بيبرس . ومن اللافت للنظر أن  مصر في هاتين السيرتين كانت هى حامية الدين ( الإسلامي) ، وبؤرة الإشعاع الثقافي ، مثلما كانت عاصمة النضال السياسي ، وقاعدة الدفاع العسكري عن العروبة والإسلام ، فيما يبدو أن هذا هو قدر مصر بين جيرانها وقدرها في آن .

التعليقات