العثور على سيرة شعبية عن نسب النبي في مخطوطة نادرة لم تنشر من قبل – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ شعبي دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

كنت كثيرًا ما أتساءل عن سر خلو تراثنا الشعبي من قصص وسير شعبية تسجل حياة النبي ونسبه وبطولاته ومعاركه التي خاضها صاحب الدعوة الجديدة، وهو يواجه قوى الظلام ـ ـ  أم أن الرواية الرسمية عقلت جناح الخيال الشعبي فلم يحلق بحرية في هذه المجالات إلى جاء مخطوط نسب سيرة نسب النبي  – الذي ظل حبيسا في إحدى المكتبات الألمانية لسنوات طوال – ؛  ليرد على العديد من التساؤلات ويقدم نصًا شعبيا يتناول تأصيل نسب النبي إلى أغوار سحيقة من الزمن تصل به إلى آدم عليه السلام بحثًا عن السطور المفقودة في حياة أجداد النبي  وتنقب عن الشخصيات الثانوية كي تكتمل الحبكة الفنية تخليدا لبطولات أخرى تحتذي البطولة المثالية من ناحية ، وتأخذ على عاتقها الإبقاء على شعلة الدين الإسلامي متوهجة من ناحية أخرى ، بخاصة في الظروف التاريخية التي يكون فيها الإسلام مهددًا ، والدولة الإسلامية مهددة في تناول يمزج بين الحقيقة والخيال ، لتحرره من قيود التاريخ وصرامته وانطلاقه في رحاب الإبداع الفولكلوري بشكل واضح وصريح .

الملاحظ أن إفراد سيرة شعبية حول نسب النبي  r تجسد رد الفعل التخيلي للجماعة الشعبية لطبيعة نبوة محمد  r ، وتأكيدًا ليقين تلك الجماعة الشعبية المسلمة أنه هو من تاقت إليه الأمم ، وترقب الجميع من أهل الكتاب مقدمه البهي . بناء على نبوءات شاعت في الجزيرة العربية  .

نجد أن مخطوط (سيرة نسب النبي صلى الله عليه وسلم) ينسب إلى مؤلف مجهول فالرواية نفسها تتكون من طبقات أدبية تشبه تلك الطبقات الجيولوجية بسبب أن الرواة الذين تناقلوها شفاهًا كانوا باستمرار يعدلون ويزيدون أو يحذفون من الراوية الأصلية تلبية لحاجة جمهور المستمعين ، حتى تم تسجيل الرواية في أحد أشكالها على صفحات المخطوط .

وحين نتصفح مخطوط سيرة نسب النبي كما وصلت إلينا – يمكننا أن نلمس بوضوح النسبة للمجهول في أكثر من مكان، ممَّا يشير إلى أنها خرجت من إطار الدقة التي يتمسك بها المحدثون في أحاديثهم، ولا شك أن عدم التمسك بمعايير علم الحديث فتح الباب لشيء من الخيال، وأضاف سمات بنائية أقرب إلى الأدب الشعبي منها إلى القالب الحديثي المحكم، يمكننا أن نرصد ملامح سيرة نسب النبي r على النحو التالي:

تبدأ السيرة النبوية قبل ميلاد النبي صلَّى الله عليه وسلم بالحديث عن آبائه وأجداده، وتتحدث عنهم جيلًا بعد جيل، ومن المعروف أن التاريخ الإسلامي بدأ بوضع هيكل – وإن كان قصصيًا – لتاريخ النبوة منذ بدء الخليقة حتى ظهور الإسلام وقد اضطلع بهذا الدور الكثير من الكُتاب في مقدمتهم وهب بن منبه (654 – 732م) وأمثاله ، وقد تأثر بهم بعض الرواة و المؤرخين الذين جاءوا من بعده .

فالراوي في سيرة نسب النبي  يبدأ سيرته بقوله :” قال سعيد بن عمر الأنصاري – رضي تعالى عنه – قَالَ : حدثنا كعب الأحبار عن صفات رسول الله r ونعته وشمايله وجميع أحواله من مبتداه إلى منتشاه . فأقبلنا إليه ، وحلفنا بحقه عليه ، وكان قد أسلم t على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t ، فأجاب إلى ذلك” ، ثم يذكر اسم المؤرخ البكرى ( …ـ 250هـ) في ثنايا حديثه للتأكيد على صحة ما يروى ، ولعل الراوي أو الرواة ، أراد أن يضفي على روايته المصداقية والجدية التي تتميز بها المؤلفات التاريخية التقليدية ، فذكر هذا النص في صدر روايته للإيهام بأنها اعتمدت على مصادر تاريخية معتمدة ، ولكننا نعتقد أن هذا النص قد وضع بقصد إحداث التأثير على السامعين , وعلى الرغم من هذا فإنه من المحتمل أن يكون الراوي أو الرواة ، يستخدمون أسماء مؤرخين حقيقيين للإيهام بصدق ما يُروى  .

والواضح أن (مخطوط سيرة نسب النبي  r)  قد نهل من كتب المؤرخين التي قامت على أساس من الصرامة التاريخية ؛ ولكنه مع مرور الأيام ، وتعدد الرواة ، وانتقال النسب والسيرة بالرواية الشفوية ، دخل على السيرة الكثير من عناصر الخيال الشعبي وتعانق الوعي واللاوعي واحتوت صفحاتها قدرًا من الحقيقة وقدرًا من الخيال ، وزاد كل راو من عنده على القصة ما تفتق عنه خياله ، ولعل هذا ما جعل الذهبي (1274 ـ1348م) يقول عن البكري أنه : “واضع القصص التي لم تكن قط” وينعته بالكذاب الدجال.

السيرة الواقعة في خمسة تستهل الجزء الأول – الذي انتهينا من تحقيقها وتروي قصة حياة الرسول على النمط الشعبي وصولا إلى زواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها والمتوفاة عام 619. والمنسوب إلى أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن محمد البكري ، وتاريخ نسخها سنة ١١٧٠ هـ- تبدأ بذكر نَسَب النبيِّ حتى آدم عليه السلام ،  فإذا وصل إلى إسماعيل تمهل، وذكر أولاده واحدًا واحدًا، حتى نصل إلى عبد المطلب الجد المباشر للنبي صلَّى الله عليه وسلم، ثم والده: عبد الله، وأمه: آمنة، مبيِّنًا سلسلة النسب، وعلو الآباء الذين ينحدرون من سلالة نبوية، باعتبارهم أولاد إبراهيم عليه السلام، مع ذكر القصص المثيرة التي تجعل السيرة جذابة ومشوِّقة، كصراع شيبة الحمد مع اليهود والحماية الربانية له وهو طفل وكيف واجه اعتداء اليهود عليه بجسارة وتنتهى السيرة في الجزء الأول مع قصة قسم جد النبي صلَّى الله عليه وسلم (شيبة الحمد الملقب بعبد المطلب) بأن يذبح أحد أولاده إذا هو أنجب عشرة أولاد، فقد رأى حين اشتدَّ عود أبنائه أن يَبِرَّ بقسمه، فذهب لمَن يضرب بالقداح، وهي شيء أشبه بالقرعة في زماننا، لكنها كانت شيئًا مقدَّسًا، يظنون أن الآلهة هي التي تقوم بالاختيار فيها، ووقعت القداح على عبد الله من بين كل الأبناء، وحينئذٍ رفض القرشيون ذبح عبد الله، وبحثوا عن مخرج من هذه السنة التي لو اتبعها الناس لأفنوا أولادهم،  وانتهى أمرهم بأن أشاروا على عبد المطلب بأن يذهب لكاهنة في الحجاز يبحث عندها عن مخرج، ولم يجد عبد المطلب الكاهنة، بل أخبروه أنها تقضي بعض حاجتها ، وحين قابلها وبات ليلته عندها أصبح ليجد لديها الحل “.

وخلال هذا كله نكاد نلهث من حيوية الراوي وقدرته الفائقة على الانتقال من حادثة إلى أخرى ، تجعلك مشدودًا إلى أحداثها ، منفعلاً بها ، متعاطفًا مع أبطالها ، أو مدهوشًا بمواقف هؤلاء الأبطال وحركاتهم ، لتجد نفسك كقارئ / مستمع بشكل من الأشكال ، مشاركًا لأبطال هذه السيرة في أحلامهم وطموحاتهم ومعاركهم مع اليهود ، لأنهم يحققون لك – على مستوى الحلم والتخيل – ما عجزنا عن تحقيقه في واقعنا العربي البائس أو المحُبط. تجعلنا في شوق وتلهف عما قد نجده عند راوي سيرة نسب النبي r في الجزء الثاني . إنها قصص مثيرة، ذات طابع فني، قادرة على الجذب والتشويق بصرف النظر عن أي شيء آخر.

ولا تَقِلُّ أمهات النبي شرفًا عن الآباء ، إذ يصفها الراوي  بأنها “فأودعها الكرام الأصلاب ، والطاهرين الأنساب “، “وميثاقى ألا تودعه أنت وأولادك الأخيار إلا في الأصلاب الطاهرة والأرحام الزكية . ” “فقال يعقوب : بخٍ بخٍ لم يكن الله يجري هذا النور الشريف إلا في الفتيات العربيات “. وعمومًا فإن الحديث عن آباء النبي وأجداده يهدف بالدرجة الأولى إلى تعظيم أصله من ناحية أبويه.

تدور النبوءات حول البطل قبل ولادته لتضفي عليه طابعًا غير عادي منذ اللحظة الأولي لوجوده في هذا العالم وترتبط السيرة بالخوارق من قبل أن يُولَد عليه السلام، وتسبق ميلاد النبي r نبوءة تبين أن المولود القادم سيكون له شأن عظيم، يقول الراوي “قال كعب الأحبار : فمن حينئذ عرفت الملايكة فضل محمد r قبل خلق آدم u بعشرة آلاف عام .  فلما خلق الله I آدم u سمع من أسارير جبهته نشيش كنشيش الذر . فقال : يا رب ما هذا الذي اسمعه ؟ .  قَالَ الله تعالى : يا آدم هذا تسبيح نور محمد خاتم النبيين ، وإمام المرسلين ، وسيد ولدك أجمعين ، فخذه يا آدم بعهدي ، وميثاقى ألا تودعه أنت وأولادك الأخيار إلا في الأصلاب الطاهرة والأرحام الزكية “.

وفي موضع آخر يقول الراوي :”ونشأ عبد المطلب بين عمومته في الحرم ، وهو في كل يوم يزداد حسنًا ، وجمالا ، وكمالا ، وبهاءًا ، ونورًا ، وتباركت به قريش . وكان إذا نابها نائبه ، ووقعت بهم واقعة يتوسلون به إلى الله تعالى ، فيكشف الله تعالى عنهم ما قد اعتراهم . وإذا قحطوا كانوا به يستسقون ، فيسقون ، كل ذلك إجلالا ، وإكرامًا لنور سيدنا رسول الله r وصارت العرب كلها إذا مرض أحد منهم ، يتوسلون إلى الله تعالى بنور رسول الله r فيعافي الله تبارك وتعالى مريضهم ، بيركة أنوار نبيه r “.

ويتتبع الراوي مسيرة نور النبي في السيرة  خطوة فخطوة، ويسوق أحيانًا بعض الرؤى التي صاغها الخيال لتكون نبوءة بولاية العهد وميثاق الأنبياء متمثلا في نور النبي :” فانطلقْ من وقتِكَ هذا إلى شجرة الوعد ، فنم تحتها ، وافعل ما تؤمر به في منامك . فرد قيذار باقي الغنم إلى أماكنها ، وأقبل إلى الشجرة ، فنام في أصلها ، فأتاه آتٍ في المنام . وقال له : يا قيذار . اعلم أن هذا النور الشريف الذي في وجهك هو نور من لا خلق الله – تعالى – جميع الموجودات إلا لأجله”.

وترتبط طفولة البطل دائمًا بكَسْر المألوف، فإذا كان بطلًا مقاتلًا وجدناه يأتي بأفعال تدل على الشجاعة، وإذا كان بطلًا روحانيًّا وجدناه يأتي بأفعال تدل على طابعه الروحي.

ومن نماذج البطل الشجاع في طفولته شيبة الحمد ومواجهته اليهود ومنازلته لفرسانهم لوحده وبراعته في حمل قوس إسماعيل والضرب به .

وتتوالى الأخبار، لكن الراوي لا يقوم بتقسيم السيرة إلى أبواب أو فصول، أو أي تقسيم يراعي وحدة الموضوع ويجمع المتشابهات معًا تحت عنوان واحد. ومعظم الأخبار في سيرتنا ذات طبيعة واقعية لا خيالية، وهي تتعلق بكل تفاصيل انتقال النور المحمدي من نبي إلى آخر ومن وريث إلى الذي يليه حتى يصل في الجزء الأول إلى عبد الله بن عبد المطلب والد النبي  r .وكأن الراوي يشير إلى ضرورة  أن يكون بطله سليل أسرة عريقة، تجري في عروقه الدماء النبيلة الطاهرة النقية .

ولا بد أن نضيف إلى نسب النبي  سمة مهمة ترتبط بالطبيعة العربية، وهي سمة الاستشهاد بالشعر، ففي كل مناسبة نجد أحد الأبطال المساهمين في الحدث يلقي شعرًا حول المناسبة، وسواء أكان هذا الشعر قيل أم لا ممَّن يُنْسَب له، فالمهم أن الجمع بين الشعر والنثر يُعتبَر سمة من سمات السيرة.

أما اللغة فهي لغة لا تكلُّف فيها ولا صنعة، بل هي لغة مرسلة فيها الطبيعة العربية المناسبة للعصر النبوي. ولا تزال السيرة النبوية حتى اليوم تحتل مكانة رفيعة بين المسلمين في أنحاء الدنيا، بل لعلها من أوسع الكتب انتشارًا بعد القرآن الكريم، وهذا يدل على قدرة فن السيرة على التأثير. الأمر الذي يوضح إلى أي مدى انشغل الوجدان الجمعي بسيرة النبي r  التي ظلت سيرته r أبرز شخصية أساسية في الآداب الشعبية العربية لكونه البؤرة النورانية المباركة , التي يلتقي عندها العديد من فنون الأدب الشعبي،والواضح أن الكثير من الروايات التي صاغها الوجدان الشعبي حول سيرة النبي  r ظلت مجهولة إلى الآن  لدى كثير من عامة المسلمين  إذ تزخر المكتبات الأوربية بالعديد من المخطوطات العربية التي تروي سيرة النبي الأكرم برؤية شعبية .. وهي مخطوطات تأتي على قدر كبير من الأهمية توضح لنا مدى انشغال العامة بسيرة نبيهم الكريم ورؤيتهم له وصياغتهم لتاريخه الزاخر .وكيف هى أعمال تمزج بين الأدب والتاريخ في تركيزها على البطل المنتظر. وهي مستوى من مستويات انشغال الثقافة العربية بالبطولة والقادة لا يقل شأنا عن غيره.

ومن هنا تأتي أسباب اختيارنا لمخطوط ( سيرة نسب النبي صلى الله عليه وسلم)  والذي يساعدنا  على  رصد ملامح السيرة النبوية في المخيال الشعبي الذي أعاد إنتاج النسب النبوي بشخصيات رئيسية وأخرى ثانوية وفرعية بحثا عن أصول تاريخ بطله الأعلى (الرسول صلى الله عليه وسلم) الذي كثيرا ما يمحو فواصل تاريخه بين الحقيقة الموضوعية والحقيقة المتخيلة وقد يحتاج في بحثه المستميت عن الحقيقة إلى ترميمات لا يقربها منه إلا المتخيل الذي يرتكز على القرابة مع التاريخ .

وهو ما يدفعنا إلى إدراك حقيقة مهمة حينما نتعامل مع التاريخ من موقع السيرة الشعبية وهى أن كل حقيقة تاريخية ما أو غير تاريخية تخبئ وراءها حقيقة أو حقائق لا يقولها المؤرخ أو التاريخ ، وهذا المجهول تذهب نحوه السيرة الشعبية بدون سوابق للحفر بعمق والبحث عن إجابات هى نفسها لا تعرفها سلفًا ولكن تنشئها من نظمها ، وقد يلبس الراوي قناع المؤرخ مؤقتا أو بشكل أدق قناع القارئ المحترف للتاريخ الذي يحفر بعمق في الأشياء بحثًا عن إجابات لفرضيات تشغله ، ويحاول أن يجد مكانا في الأشياء المنسية في صلب التاريخ وهو ما تحقق في سيرة نسب النبي وحين اختلف المؤرخون على النسب بعد عدنان بدأ دور الراوي الشعبي متقنعًا بقناع المؤرخ وقام بمحو الحدود والفواصل ليؤسس لعالم ينتقى فيه التاريخ كحقيقة وتحيل السيرة بذلك إلى ذاتها على الرغم من حفاظها على بعض علامات التاريخ كإحالات ومراجع إيهامية في الأغلب الأعم تقرب القارئ أو السامع من عالم هو يعرفه أو يحسه أي التاريخ الذي لم يعد تاريخًا بالمعنى العلمي للكلمة بل ترك ثوابته وصرامته عند عتبات السيرة الشعبية ، وللأسف لم نعير هذا التاريخ قيمته الحقيقية  ولم نبرز دلالات ما حمله من أخبار وحكايات لا نزال نرفضها في البحث التاريخي, ولا نعتمد عليها بالرغم أنها كانت هي التاريخ الذي يصدقه آلاف وآلاف من الناس – عامة وخاصة – والتي كانت هي التاريخ الذي عاش ولا يزال يعيش عليه الكثير ممن يفوقون قراء الكتب العلمية عدداً وإيماناً بصدق التاريخ!.

1 of 2

2 of 2

التعليقات