الحروب وصراع الكلمات من أجل البقاء – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير فكر
0 Flares 0 Flares ×

إن تعرض الإنسان للعدوان كان من أسباب تقوية بدنه وشحذ ملكاته وصقل ذكائه وتدريب عضلاته على الحركة ، والطبيعة في ذاتها لا تعرف الخير أو الشر. فالسباع تعيش على آكلات العشب التي تقدر عليها ، وهى إذ تفترس أرنباً أو غزالاً لا تقترف جريمة وإنما هي تعيش ، ومن فراخ الطير الخارجة من بيضتها ما يبدأ الصراع بعد ساعات من مولده وقبل أن تنفتح عيناه أو ينبت له ريش ، فإذا أحس بكائن حي آخر في العش فلا يزال يتحرك نحوه ويحصره ثم يرفعه حتى يلقى به من العش لكي يفوز بالطعام وحده، وهو بعد أشبه بقطعة لحم ذات فم ومنقار بشعين.

والحروب ـ على ضراوتها وما تسببه من خسائر وضحايا ـ لا تخلو من فوائد، فإذا أخذنا الحرب العالمية الثانية مثلاً وجدنا أنها أهلكت الملايين وخربت عشرات المدن والقرى، ولكنها في النهاية قضت على عصر الطغاة المستبدين بأمر الناس، وأثبتت أن نزوع فرد واحد إلى التحكم في مصائر أمة أو أكثر لا يمكن أن يؤدى إلى خير، ثم إن تلك الحرب زعزعت قواعد الاستعمار الغربي ووضعت نهاية لاستبداد الغرب بالبشر، فتداعت  الإمبراطوريات الاستعمارية وأخذت أمم العالم تستقل واحدة تلو الأخرى.

إضافة لذلك فالحروب نفسها تسرع بتقدم العلوم والمخترعات فمعظم ما تم من تقدم للطيران أثناء هذه الحرب، والصواريخ الصاعدة فى الفضاء والذاهبة إلى القمر والكواكب من ثمرات تلك الحرب العالمية الثانية المرة، فقد فكروا فيها أول الأمر لتكون أدوات إهلاك ودمار.

وعندما نتعمق الأمر أكثر نجد أن هذه الحروب كانت في حركة دائمة، والحياة تولد وتنمو ثم تموت بفعل الزمن ، أي بفعل حركة الكون، وإذا نحن تأملنا ما حولنا لرأينا أن كل شيء في تغير بسبب حركة الزمان هذه، حتى الكلمات تتحلل وتنشأ عن تحللها حياة لكلمات جديدة،  وإذا نحن تأملنا قول الله سبحانه {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} تبينا فى النهاية أن حركة الزمن تشمل الجمادات والأموات أيضاً.[1]

الأمر ذاته نجده في الألفاظ التي يوجدها الإنسان لسد حاجاته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فتولد ثم تشب وتشيخ ، فتتجمد، ثم يصيبها الفناء كما يصيب الناس فتزول ـ إن كانت غير مسجلة ـ أو تحتفظ بها الكتب بين دفتيها كشاهد على عصر، ولى أهله ، وولت معهم ألفاظهم.

ويوجد اللفظ عندما يحتاج إليه الإنسان ، وحاجات الإنسان متجددة على الدوام وقد تدفع الحروب إلى ميلاد أو إيجاد ألفاظ جديدة فالحروب التي لها تأثيرها في شدة الحاجة إلى الاختراع والإسراع فيه والابتكار لمواجهة العدو، ومحاولة الانتصار عليه مما يحتم إيجاد ألفاظ جديدة، تعبر عما يجد من مخترعات وابتكارات ، ومنها على سبيل المثال كلمة Guerre بمعنى حرب ، وقتال في اللغة الفرنسية، وترجع في أصلها إلى اللغة الألمانية، أحضرها الغزاة الألمان، ودخلت اللغة الفرنسية عن طريق جموع الفاتحين الذين كانوا سادة البلاد تبعاً لهذه الفتوحات.[2]

ونجد كلمة Camp بمعنى (معسكر) و(مخيم) أخذت عن الكلمة الإيطالية Campo التي جاءت في نهاية القرن الخامس عشر[3]عن طريق العناصر الحربية التي قامت بالحملات الإيطالية.

كما نجد حركة (السلام الأخضر Green Peace) المقاومة للتجارب الذرية.كما أوجدت الحرب بين العراق وإيران بعض المصطلحات الجديدة ، ومنها: هدف بحري كبير ، بمعنى: ناقلة نفط ، و هدف بحري كبير جداً، بمعنى: ناقلة نفط عملاقة، كما عرفت اللغة ما يسمى بـ (حرب المدن) وتقوم على ضرب الأحياء الأهلية بالسكان لإحداث أكبر خسائر بشرية ممكنة لدفع الناس إلى الثورة على حكوماتهم[4]

ويكفى أن نذكر أن سلاح الطيران البريطاني دمر مدينة كاملة سكانها مائتا ألف نسمة – هى درسدن – فى ليلة واحدة، في أثناء الحرب العالمية الثانية وانتهت الحرب باستخدام الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة الذرية ضد اليابان، فقتلت في هيروشيما في ليلة واحدة فوق المائة ألف إنسان وأصابت العاهات عشرات ألوف أخرى ، وتلتها قنبلة على نجازاكى ألحقت من الدمار والموت والخراب مثل سابقتها.[5]

ونجد أن اللغة تعرفت على مصطلح ” حرب المخيمات” بين ميلشيات حركة أمل والمقاتلين الفلسطينيين ، واقترح مجمع اللغة العربية بالقاهر، لفظ ” راصد” والجمع: رواصد[6] لكلمة ” الردار” ولكن هذا  الاقتراح لم يحظ بالقبول وعاشت كلمة ” الردار” Radar وترجع فى الفرنسية لسنة 1944م وهى كلمة انجليزية ، و معناها: “نظام أو آلة للكشف، تبث حزمة من الموجات الكهربية والمغناطيسية القصيرة جداً، وتستقبل صداها، وبهذا تتيح تحديد اتجاه الشىء وبعده”[7]

أما فى العامية المصرية فنجد كلمة مترليوز Mitrailleuse المأخوذة عن الفرنسية،  وهى تطلق على نوع من البنادق، تطلق عدة رصاصات متوالية دفعة واحدة، أشبه برش الماء على الأرض فى تفرقها وترجع الكلمة فى اللغة الفرنسية إلى 26 من مارس 1867م [8]وهو سلاح آلى للإطلاق السريع للنار.[9]

ولقد وافق المجمع اللغوي بالقاهرة على لفظة (رشاش)[10] وإن كانت لفظة (مترليوز) مازالت تحيا فى ريف مصر إلى جانب ” مدفع رشاش” أو (الرشاش).

وعرفت اللغة من ألفاظ الحروب كلمة سبوتينك [11] Spoutnik وترجع الكلمة للخامس من أكتوبر 1957م وهى كلمة روسية وهى اسم لأوائل الأقمار الصناعية التي أطلقها الاتحاد  السوفيتي في خضم صراعه الفضائي مع أمريكا.

ومن ألفاظ الحروب أيضاً نجد كلمة كوماندو Commando وهى كلمة برتغالية الأصل، أدخلت للمرة الأولى فى فرنسا ”  أثناء حرب البوير ، ثم عادة مرة أخرى عن طريق الألمان والإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية .[12]

ولعلنا نلحظ أن الألفاظ هنا بتنازعها عاملان : عامل التجديد وعامل المحافظة وقد يكتب لعامل المحافظة النصر، فتعيش الألفاظ وتعيش اللغة أو يسيطر عامل التجديد فينأى بها عن أصلها، وقد تحل لغة أخرى أو ألفاظ أخرى محلها لا تنتمي إلى الألفاظ واللغة الأصلية من قريب أو بعيد [13] ولعل هذا هو ما اعترى مصطلح ” الحركة الصليبية” في العصور الوسطى لاسيما وأن المصطلح ذاته يحمل تناقضاً بين دلالته اللغوية وحقيقته  التاريخية. لقد ارتبط اسم هذه  الحركة بالصليب بعد حوالي قرن ونصف قرن من دوران عجلة أحداثها. والناظر في مجريات وقائعها يجد مزيجا من  القسوة والوحشية والتدين العاطفي الذي يشوبه التعصب ويكتشف في ذلك كله تناقضاً مع الصليب رمز الفداء والتضحية بالنفس في سبيل الآخرين ولم يكن الصليب أبداً رمزاً للحرب والقتل والعدوان.

ومن المهم هنا أن نشير إلى أن الرجال الذين قاموا بالجملة الصليبية الأولى لم يستخدموا ” مصطلح الحملة الصليبية” أو ” الصليبيين” إذا لم يحدث سوى فى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي أن ظهرت الكلمة اللاتينية Crusesignati ومعناها (الموسوم بالصليب) لكي تعبر عن الصليبيين، لأنهم كانوا يخيطون صلبان القماش على ستراتهم. [14]ولم يحدث حتى أوائل القرن الثالث عشر الميلادي أن كانت هناك كلمة لاتينية تعنى ” الحركة الصليبية” وفى البداية كان من يشاركون في الحملة الصليبية يوصفون بأنهم (حجاج) Preregrini وغالباً ما ابتكرت وشاعت عدة تعبيرات ومصطلحات وألفاظ ناتجة عن الاحتكاك الحربي آنذاك مثل Peregrinatio ومعناها (رحلة الحج) وكذلك استخدمت كلمة (Expeditio) التى معناها (الحملة) وعبارة ” الرحلة إلى الأرض المقدسة) (Iter in terramsanctiam) واصطلاح “الحرب المقدسة” كما استخدمت عبارات ومصطلحات جديدة مثل الحملة العامة Passagin general أو (حملة الصليب) expeditio curcis أو “مشروع يسوع المسيح Negotium Jhesus Christi.[15]

وفى وسعنا أن نسوق عشرات الأمثلة المستقاة من كتابات المؤرخين اللاتين الذين عاصروا الحركة الصليبية  ولاسيما فى أطوارها الأولى بل أنه مما يلفت النظر حقا أن عناوين مؤلفاتهم جميعا خلت من ذكر كلمة (الصليبيين) أو الحملة الصليبية وإنما دارت حول ” الحملة” و ” حجاج بيت  المقدس والفرنج” وكلها كلمات وجدت طريقها إلى دفات كتب اللغة فى خضم الصراع الإنساني آنذاك.

ومن المهم أن نشير إلى أن الكلمة الانجليزية Grusade والكلمة الألمانية Kreuzzag قد ابتكرتا في القرن الثامن عشر فقط.

وعلى الرغم من الفشل النهائي الذي منيت به الحركة الصليبية فإن كلمة (الصليبي) تحولت بمرور الوقت – تحت تأثير وسائل الإعلام التي عملت في خدمة الأهداف الاستعمارية الأوربية – إلى مثال يوحى بالشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المثل الأعلى واستقر في الوجدان الشعبي الأوربي والأمريكي أن ” الحملة الصليبية Crusade لابد أن تكون بالضرورة حملة خيرة نبيلة القصد والهدف منزهة الغرض مثل: رعاية المرضى  أو مساعدة المنكوبين أو جمع التبرعات وما إلى ذلك. وربما يكون الموروث الشعبي المتداول حولها في ” أغنيات الحروب الصليبية Les chanson des Groisades التى راجت في ذلك العصر ، واستمرت موجودة بعد ذلك تحكى قصة الحروب الصليبية شعراً وغناء للجماهير الأوربية الجاهلة باعتبار ذلك بديلاً من كتب التاريخ التي سجلت قصة الحروب الصليبية. نقول: أن هذا الموروث الشعبي الذي حملته الأغنيات الشعبية عن الحروب الصليبية ربما كان وراء هذه الصورة الأخاذة التي ارتسمت فى أذهان الناس في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية حيث ترن فى آذانهم عبارة الحروب الصليبية التي استدعى صورتها الرئيس الأمريكى جورج بوش فى سياق حديثه عن ما استحدثه من لفظة (الحرب على الإرهاب) فى أعقاب (قارعة سبتمبر الشهيرة) وظهور معاني جديدة مثل (محور الشر).

ومن هنا نجد أن بعض الألفاظ بل واللغات تواجه النقص في مصادرها الذاتية للتعبير بمفرداتها الخاصة عن الأشياء والأحداث إما بالاستعارة من اللغات والألفاظ الأخرى وإما بتضمين كلماتها القديمة بعض المعاني الجديدة ولهذا فإن اللغة والكلمات فى حاجة إلى تيار التجديد الدائم.

والحروب كانت فى مقدمة عوامل هذا التجديد فنجد مثلاً أن الجيش يؤثر في تطور معاني بعض الكلمات بالتوسع فى معناها.[16]، أو بحصر ذلك المعنى كما وجدنا آنفاً فى مصطلح ومعنى الحروب الصليبية وكذلك استعارت الفرنسية كلمة Camarada من الأسبانية ومعناها الحرف هو مرقد الجنود [17]ثم توسع فيها للدلالة على الرجال الذين ينامون فى مرقد واحد واختفت فكرة المرقد، وأصبحت الكلمة تدل على زملاء السلاح، وأخيراً انتشرت الكلمة خارج الجيش للدلالة على أولئك الذين يوجدون فى مجموعات كالطلبة والعمال وغيرهم.[18]

وأخذ الجيش ألفاظاً وجعلها قاصرة عليه ومنها ” فرقة Brigade ورقيب Sergent وضابط Officier وسرية Escadron وامدنا سلاح البحرية ببعض الألفاظ الخاصة به وذلك مثل لفظ Piloter بمعنى قائد سفينة ثم استعيرت هذه الكلمة وتوسع فى معناها وأصبحت تطبق على غير السفينة ، مثل السيارة. كما أخذت كلمة Equiper بمعنى (أعد) و (زود) من لغة البحارة النورمانديين.[19]

ومن الأمثلة الأخرى التي أضفت عليها الحرب معنى جديدا الكلمة الإنجليزية To realize بمعنى: أن يحقق و ” أن ينجز” أضفت عليها لغة الاتصالات الحربية فى الحرب العالمية الأولى معنى Comprendre أي: أن يدرك وأن يفهم. وانتقل هذا المعنى الجديد إلى الفرنسية ودلت عليه كلمة Realiser.[20]

وعندما خاض المسلمون حروبهم انطلاقاً من شبه الجزيرة العربية إلى شتى أنحاء العالم حملوا معهم اللغة العربية التي احتكت بلغات كثيرة [21] مثل اللغات الفارسية والهندوستانية والتركية والمالاوية ولغة الهاوسا والسواحلية وبعضها لغات بادلتها اللغة العربية التأثير والتأثر في معترك الحرب والفتح حيث تسربت بعض الألفاظ من هذه اللغات إلى اللغة العربية كما تأثرت هذه اللغات بألفاظ اللغة العربية.

ففي هذه اللغات نجد الألفاظ الخاصة بالعبادات وبالسلوك اليومي للمسلم مثل: صلاة وزكاة , وحرام, وحلال, وعيد, وحج مستعارة من العربية .وفى الفارسية نجد أن كلمة”حاجى” بمعنى حاج ونجد كلمة عيد عندما يقولون ” عيد نوروز وهو رأس السنة الإيرانية ونجد كلمة حرام في قولهم: حرام توشه : المعيشة من الحرام.[22]

واستحدث الإسلام بعض التراكيب الجديدة في الحروب مثل قوله صلى الله عليه وسلم: الآن حمى الوطيس، وقوله: مات حتف أنفه وقوله: لا ينتطح فيها عنزان وقوله : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين وقوله:  الحرب خدعة وقد شاعت هذه العبارات على ألسنة الناس وجرت مجرى المثل.[23]

إضافة لهذا نجد أنه لا يوجد شعب تقريباً لم يغير لغته مرة على الأقل وأكثر من مرة في العادة بفعل عوامل عديدة أهمها الحروب وعلى سبيل المثال فإن الجزائر في العصر الحديث كانت اللغة العربية منتشرة بين أهلها قبل استعمار فرنسا لها عام 1830 م . ثم انتشرت اللغة الفرنسية بين أهلها أثناء الاحتلال الفرنسي وبعد استقلالها عام 1962 نشرت اللغة العربية مرة أخرى.

ومن أمثلة الصراع بين الكلمات واللغات ما حدث بين اللغة العربية واللغة القبطية فى مصر، فعندما بدأت حروب الفتح العربى لمصر سنة 20هـ / 640م أخذت اللغة العربية تحل محل القبطية وفى عام 87هـ/ 706م أصدر والى مصر إذ ذاك عبد الله بن عبد الملك بن مروان أوامره بإحلال العربية محل القبطية.[24]

وأدى التطور فى التسليح إلى موت كثير من الكلمات التي كانت تطلق على أدوات الحروب وأصبحت غير مستخدمة الآن ومنها فى العربية المنجنيق والترس والقوس والنبل  والحربة وذلك بعد اختراع الأسلحة الدفاعية والهجومية وعدم الاكتفاء بتسليـح الأرض ولكن امتد التسليح إلى القضاء بما يعرف الآن بحرب الفضاء والنجوم

ومن الأسلحة القديمة ” الجنبية” وهى اسم كان أهل مكة يطلقونه أيام ابن بطوطة.(1303 – 1377). على نوع من الخناجر المعقوفة والكلمة مستخدمة في صنعاء حتى الآن بهذا المعنى. (والقذافة) وهى آلة من آلات الحرب القديمة وهى قوس كبير لقذف السهام والكرات والحجارة وغيرها.[25]

ونجد” جنوى” بالبربرية أجنوى: سيف و”أجنوى”: سيف قصير[26] ولم نعد نسمع الآن لفظة ” الجنق” وتعنى أصحاب تدبير المنجنيق .. وحجارة المنجنيق.

إذن للحروب أثرها في القضاء على اللغات والكلمات أيضا: ففي اللغة الانجليزية نجد أن أحد العصور الغنية بالتغيرات كان في القرن الرابع عشر والخامس عشر حيث الحروب مع فرنسا والطاعون الأسود الذي قتل ثلث الشعب[27] وقد تؤدى الإبادة الجماعية إلى القضاء على اللغة كما حدث للتماسمانية وتامسانيا جزيرة تقع فى جنوب شرق استراليا ، حيث اكتشفت سنة  1642م واستقبلت جالية من المهاجرين عام 1803 وفى سنة 1904 نشب نزاع بين السكان الأصليين  والمهاجرين الذين شرعوا بعد ذلك فى سنة 1825م فى إبادة السكان الأصليين إبادة منظمة حيث انخفض عددهم سنة 1830 إلى 203 فرداً هاجروا من تاسمانيا إلى جزيرة فنلدرز في الشمال الشرقي ولم يبق سنة 1854 إلا ثلاثة رجال وإحدى عشرة امرأة وولدان ومات آخر تاسمانى سنة 1865 وماتت أخر تاسمانية سنة 1877 وفى هذا التاريخ ماتت التاسمانية نهائيا.[28]

وبزوال السكان تزول اللغة , وذلك مثل زوال بعض السكان الأصليين من أمريكا علي يد سكان الولايات المتحدة الأمريكية ذات التجربة الرائدة في إبادة الهنود الحمر الحلول محلهم وتصويرهم على أنهم همج كنسهم التاريخ في ترابه. ولعلنا نتذكر زوال سكان اليونان القديمة وحل محلهم الصقالبة .[29]

ناهيك عن أن للاستعمار في بعض الأحيان دورة في القضاء على لغات الشعوب المهزومة ونشر لغة المنتصر كما حدث عندما انتشرت اللغة الأسبانية في أمريكا الجنوبية (ما عدا البرازيل فلغتها الرسمية هي البرتغالية. وفى أمريكا الوسطى والجزء الأكبر من جزر الأنتيل والمكسيك) [30]التي تسيطر عليها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وهولندا ومثلما حدث عندما انتشرت اللغة الانجليزية واللغة الفرنسية.

وتتداخل عوامل متعددة في سيادة لغة المستعمر, أو سيادة لغة الشعوب المغلوبة على أمرها : فإذا كان عدد الغزاة قليلاً فإنهم يستطيعوا نشر لغتهم ,وسينصهرون في الشعوب المغلوبة وسيتعلمون لغتهم , وإذا كان الغزاة أكبر ثقافة من الشعوب المغلوبة , فإن هذه الشعوب تقلد الغزاة , وتستفيد من ثقافتهم .والشعوب المغلوبة في أغلب الأحوال , هي التي تستفيد من الشعوب الغالبة . وإذا كانت لغة الغزاة أكثر نفعاً فإنها ستؤثر في الشعوب المغلوبة التي ستتكلم بلغة الغزاة . أما إذا كانت لغة الغزاة أقل نفعاً فإن هذا يعجل بزوالها بسهولة , كما زالت ” اللغة الفرنسية النورماندية من إنجلترا”[31] ونجد في شيلي في أمريكا اللاتينية قد فقدت لغاتها الهندية , وأصبحت لا تتكلم “إلا باللغة الأسبانية “.

واستعمار الرومان لبلاد الغال”La  Gaule”  أسهم في القضاء على اللغات السلتية”لأنه قد سمح بنسبة مرتفعة م الزواج الخارجي والدمج الاجتماعي” . وقد نجد بعد ذلك جيلاً , أو أكثر ,مزدوج اللغة , ثم يأتي جيل , ولا يستخدم إلا لغة الغزاة , وينقلها إلى أبنائه من بعده .

ونجد أن لغة السكان الأصليين قد انتصرت على لغة الفاتحين , وهذا ما حدث مرة بعد مرة في عصور التاريخ الحافلة بجرائم البشر .

فإن الفرانك The franks  الذين هزموا الجول الروماني , وأطلقوا اسمهم على البلاد الفرنسية “فقدوا لغتهم الألمانية , واتبعوا اللغة الرومانية , لغة رعاياهم الذين سموا من الآن فصاعداً ,فرنسيين”[32] .والنورمانديون فقدوا اللغة الاسكندنافية القديمة في خلال أجيال قليلة , واتبعوا الفرنسية. [33]

وقد يحدث أن يتبع الفاتحون لغة الشعوب المغلوبة على أمرها أما إذا كان الفاتحون لهم دين كالمسيحية أو الإسلام مثلاً فإنهم سيحافظون على اللغة التي يحافظ هذا الدين عليها كاللاتينية بالنسبة للألمان وكالعربية بالنسبة للمسلمين.. وأخيراً تظل الحروب لها آثارها الجسيمة على مسيرة الإنسان في الزمان والمكان التي كانت بلا شك عبئاً على المسيرة الحضارية للإنسانية , خاصة وأن العالم دفع ثمناً غالياً لهذه الانقسامات والحروب خاصة بعد أن جنحت ودخلت في مناطق الصدام العسكري المسلح بين الحضارات والأفكار والمعتقدات التي تعد أخطر مناطق الانقسام في تاريخ الإنسانية خاصة إذا اتخذت طابعاً دينياً هي أبعد ما تكون عنه الأمر الذي يجعلنا أن نلح في السؤال الصعب .. قابيل ماذا فعلت بأخيك هابيل؟

——————————————————————————————–

أسانيد المقال:

[1]- حسين مؤنس: الحضارة دراسة فى أصول وعوامل قيامها وتطورها (سلسلة عالم المعرفة ، الكويت 1998م) ص100.

[2]- Meillet “A”, Linguistique historique, et Linguistique generale. (Paris 1921), P. : 252

[3]- Dauzat (Albert), et autres, Nouveau dictio nnaire etymologique et historique (Paris 1971), P: 128. Robert (paul) le pet it Robert (Paris 1970), P: 218.

[4]- إبراهيم خليفة شعلان: حياة الكلمات (الدار الأندلسية , الأسكندرية 1992م), ص31

-[5]حسين مؤنس : مرجع سابق , ص346.

[6]- محمود تيمور : معجم الحضارة (القاهرة 1961م), ص86

[7]- Robert (Paul), Le Petit Robert, (Paris 1970), 1446.

[8]- Robert (Paul), Le Petit Robert, (Paris 1970), 1096, Dauzat (Albert), et autres, Nouveau dictionnair etymologique et historique (Pais 1971), P: 469

[9]- إبراهيم خليفة شعلان: مرجع سابق، صـ32

[10]- مجمع اللغة العربية بالقاهرة: المعجم الوسيط (1972-1973) رش ش

[11]- Robert (Paul), Le Petit Robert, (Paris 1970),1689

[12]- Dauzat (Albert), et autres, Nouveau dictionnaire etymolgique et historique, (Paris 1971), P: 181

[13]- إبراهيم خليفة شعلان: مرجع سابق، صـ50.

[14]- قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية (عين للدراسات والبحوث، القاهرة، 1993م)، صـ14.

[15]- قاسم عبده قاسم : الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية دراسة عن الحملة الأولى (دار المعارف , القاهرة 1983م),ص10

[16]- إبراهيم خليفة: مصدر سابق، صـ 57 .

[17]- Huguet (Edmond), Levolution du sens de mots, (Gen e ve 1967) P:300

[18]- إبراهيم خليفة: مصدر سابق، صـ 57

[19]- Whitney (W.D.) La vie du. Langage (Paris 1985) P: 292

[20]- إبراهيم خليفة: مصدر سابق، صـ 57

[21]- محمود فهمى: اللغة العربية عبر القرون (القاهرة، 1978) صـ12

[22]- محمد موسى: المعجم فى اللغة الفارسية (القاهرة، 1952م)، صـ124

[23]-إبراهيم خليفة : مرجع سابق , ص76.

[24]- المقريزي : الخطط (المطبعة الأميرية , القاهرة 1270هـ),1/98

[25]- رينهارت دوزي : تكملة المعاجم العربية (بغداد 1980م)2/295

[26]- المرجع السابق نفسه2/314

[27]- سعد الخادم : الفن الشعبي والمعتقدات السحرية (سلسلة الألف كتاب , العدد488), ص21

[28]-Idem,t:1,p;711

[29]- حسين مؤنس : التاريخ والمؤرخون (دار المعارف , القاهرة 1984م),ص145

[30]-إبراهيم خليفة :مرجع سابق , ص117.

[31]- BUCK.(CARL  Darling),comparative  grammar  of greek  and latin(Chicago 1933),p:7.

[32]- BUCK.(CARL  Darling),comparative  grammar  of greek  and latin(Chicago 1933),p:64؛. وانظر دراسة إبراهيم خليفة : مصدر سابق ,ص119.

[33]- Idem , p:64

التعليقات