عرض كتاب “الأساطير المتعلقة بمصر” – بقلم الدكتورة انتصار وهبة

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم تاريخ شعبي دكتورة انتصار وهبة عرض كتب
0 Flares 0 Flares ×

المؤلف: الدكتور عمرو عبد العزيز منير

دار النشر: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية

في المنطقة الواقعة ما بين الموروث الشعبي والتاريخ تأتي هذه الدراسة الفريدة حول (الأساطير المتعلقة بمصر في كتابات المؤرخين المسلمين) , الكتاب يعيد الاعتبار إلى قيمة ودور الموروث الشعبي  وبحسب رأي الكاتب أن  “ثمة علاقة جدلية بين الموروث الشعبي والتاريخ. فالموروث الشعبي مادة من مواد التدوين التاريخي, التي تساعد على تفسير الظواهر التاريخية وفهمها، والتاريخ بدوره يشترك معه في دعامات ثلاث: الإنسان، الزمان، المكان”.

الكتاب يؤكد على أن مادة المؤرخ ومصادره تشمل فيما تشمل، الموروث الشعبي بكافة أجناسه وإبداعاته التراثية للشعوب.سواء كانت بدائية أو متحضرة، أي كل ما تم إنجازه عن طريق استخدام الأصوات والكلمات, في أشكال غنائية شعرية, أو نثرية متضمنة الاعتقادات الشعبية أو الخرافات والأساطير والعادات والتقاليد والرقصات والتمثيليات وغيرها. مما تنم به عن أساسيات التفكير وما تفصح عنه النظرة إلى علاقة الإنسان مقترناً ببيئته في إطار من المعتقدات والعادات والتقاليد والتي تحمل رؤية العصر الذي يصوره. كما تكشف عن وجدان الإنسان الذي يحيا فيه, كما يصور هذا الإنسان بقضاياه التي يتعامل معها في سياق فني محكم وببساطة وعمق آسرين, وفوق هذا كله فهو يأتي في مواجهة ما يكتبه المؤرخون المحترفون, سواء في العصور السابقة أو في عصرنا الحالي, من مؤلفات تعكس آراء أولئك المؤرخين وتفسيراتهم.

والمؤرخون في هذا الكتاب مكثوا ردحاً من الزمن, يتجاهلون نتاج العامة الثقافي بروح من التعالي والغطرسة, التي جعلتهم يضربون عرض الحائط بما ظنوه ضرباً من العبث والخرافة التي تناسب عقول العامة وإدراكهم. بيد أن التطورات التي ألمت بمجال الدراسات التاريخية دفعت بالمؤرخين إلى الاعتراف المتزايد بما طال السكوت عنه في (الموروث الشعبي) الذي يقدم لنا رؤية جمعية للحقيقة التاريخية. إذ أن الجماعة في رؤيتها للحدث التاريخي تقفز فوق التفاصيل ,وعلاقات الزمان والمكان ,ولا تهتم سوى برسم صورة كلية حُبلى بكل الرموز الاجتماعية والثقافية, كما تحرص على بلورة موقفها التاريخي إزاء الحدث, وهذه الصورة الشعبية غالبا ما تحمل وعي الجماعة بذاتها , وتختزن في طيات أحداثها الخيالية كثيراً من المضامين التاريخية ولهذا تبرز أهمية اعتماد المؤرخ على (الموروث الشعبي). إلى جانب مصادره التقليدية, ذلك أن المزاوجة بين هذين النوعين من المصادر يساعد المؤرخ على استيعاب الظاهرة التاريخية ورسم صورة كلية لها.

هذا الكتاب في رأي المؤلف يحاول أن يملأ فجوات في بنية (المسكوت عنه تاريخياً عمداً أو بدون قصد) في المصادر التاريخية التقليدية, والتي لا تستطيع وحدها أن تقدم لنا الحقيقة التاريخية ,إذ أنه لا يمكن للشهادات الجزئية أن تقدم لنا الحقيقة التاريخية, وإنما غاية ما يمكنها أن تقدم لنا, جانباً جزئياً من تلك الحقيقة التاريخية. فالتاريخ وحده لا يمكن أن يطلعنا على وجدان الشعب ,لأنه يصنف الحوادث ,ويحتفل بالأسباب والنتائج , ويتسم بالتعميم.وقد أخذ هذا التاريخ في صورته الرسمية إلى سنوات قليلة خلت , يقص سيرةبلدان المشرق العربي من قمة الكيان الاجتماعي ويرتب مراحل هذه السيرة بالدول الحاكمة أى تاريخ (القمم) بحيث إنها نادراً ما تطرقت إلي تاريخ الناس العاديين الذين يقبعون في (سفوح المجتمعات) إن صح التعبيرمما جعلنا نستقرأ تراثاً ناقصاً,ولا نلتفت إلى ما أنشاه الشعب لنفسه عن نفسه.

هذا الكتاب المهم والموسوم بـ (الأساطير المتعلقة بمصر في كتابات المؤرخين المسلمين) يأتي اليوم في محاولة لإثارة الوعي أو قل (عودة الوعي) بتراثنا الحضاري, وهو يصدر عن رؤية تلتمس في الماضي التفسير الشعبي للتاريخ. أو ما يمكن أن نسميه بـ (البعد الثالث) للدراسات التاريخية ؛ أي التفسير النفسي والوجداني ورؤية الجماعة الإنسانية لذاتها وللكون والظواهر والأحداث من حولها.والمتأمل في موضوعات الكتاب يلمس خيطاً أو عقداً فريداً يربط فصوله التسعة. إذ أنه يعالج فكرة محددة فحواها أن التاريخ والموروث الشعبي وجهان متوازيان يفهم أحدهما بواسطة الآخر

كما أن مصر في هذا الكتاب ؛ العنصر الثابت في أركان العملية التاريخية (المكان) فضلاً عن أنها اكتسبت في مخيلة الرحالة و المؤرخين والكُتاب أبعاداً ودلالات اقتربت من الأسطورة والخيال , وأخذ هذا التصور يتمتع في تلك المخيلة بصفة تكاد تكون “نمطية ” تنطوي على الصدق حيناً , وعلى الكثير من التصورات والأوهام الغامضة في أحيان أخرى , ولعل هذه التصورات التي راحت تتضخم عبر العصور هي التي اجتذبت باقة من أعلام الشرق والغرب ؛ أدباء ومؤرخين وفلاسفة ورحالة وشعراء وغيرهم. فأقبلوا بأقلامهم وريشاتهم مشوقين إلى روائع الماضي في مصر, بما تحمله من دلالات جغرافية وتاريخية تمثل نمطاً فريداً مفعماً بالعلوم والفنون والسياسة والحكم, ومحوراً للعلاقات القائمة بين أفريقيا وآسيا.. بين أوروبا والشرق بين ذاكرة الماضي والواقع الفعلي ومسرحاً لأهم الأحداث التاريخية العالمية.

هذه الدلالات كلها كانت الأرضية التي استندت إليها موضوعات الكتاب الموزعة على تسعة فصول رئيسية ومسبوقة بمقدمة ومودعة نتائجها في خاتمة تلاها ثبت بالمصادر والمراجع المعتمدة  ؛ حيث أُفرد الفصل الأول للحديث عن أبعاد العلاقة بين التاريخ والأسطورة, وأوجه الائتلاف والاختلاف فيما بينهما, وعرضنا لتعريف كلٍّ من التاريخ والأسطورة ومدلولهما , وجاءَ الفصلُ الثاني منها عن الأساطير والحكايات المرتبطة بأصل اسم مصر , وأصول المصريين أنفسهم, وما حملته تلك الحكايات الخيالية عن اعتزاز المصريين ببلادهم ,وعن تنازع نسبة أصولهم إلى الحاميين , أو اليونانيين أو العرب والكشف عن أن هذه الاتجاهات الثلاثة في “الموروث الشعبي”  كان يرضي حاجة ثقافية/اجتماعية لشرائح بعينها في المجتمع المصري آنذاك .

وخُصصَ الفصل الثالث لعرض المادة الفولكلورية التي تدور حول “فضائل مصر ” باعتباره نوعاً من التأليف نشأ بداية من القرن الثالث الهجري  جمع بين التاريخ والأساطير والموروث الشعبي ,وكان إفرازاً للتفاعل القائم بين ما جاء به الإسلام , واللغة العربية , والموروثات الثقافية المحلية في كل مصر من أمصار دار الخلافة . أما الفصل الرابع فيتناول الأساطير والحكايات التي تناولت الحضارة المصرية القديمة وإنجازاتها والتي تشي بمدى إعجاب أصحاب هذه الحكايات وجمهورهم بإنجازات الحضارة المصرية القديمة التي بقيت رغم عوادي الزمن.وتم تخصيص الفصل الخامس للحديث عن الأساطير والحكايات التي تناولت الدفائن والكنوز المصرية القديمة وفراعنة مصر . والتي كان الحديث فيها عن الكنوز يحمل بعضها ثمة من الحقيقة, علي حين حمل البعض الآخر رائحة المبالغة. كما حاولنا أن نكشف عن صورة ملوك مصر القدامى التي تاهت في كتابات الرحالة والمؤرخين التي حفلت في بعض موضوعاتها بالخيال الواسع .وعرض في الفصل السادس لأساطير أصول المدن المصرية القديمة , بما تحويه من أخبار العجائب والغرائب والذي يدل على مدى إعجاب الرواة وانبهارهم بانجازات الحضارة المصرية القديمة وهو الأمر الذي بدا واضحاً من خلال تلك القصص الخيالية عن الأعمال الإعجازية لملوك مصر القديمة .

الفصل السابع جمع بين الحديث عن عمران مصر وما دار عنه من حكايات شعبية إضافة إلى الحديث عن العجائب الموجودة على أرض مصر على نحو يكشف عن حجم الخيال الذي غلف تاريخ مصر وتكشف عن عجز الرواة عن الوقوف على تاريخها الحقيقي والتي كانت تحاول أن تقدم إجابات “تاريخية ” عن حضارة تليدة مضت ولكن آثارها مازالت ماثلة أمام عيون الناس ,والتي تنسب الكثير من منجزات هذه الحضارة إلى أعمال السحر والخوارق . بيد أن بعض هذه الحكايات كانت تحمل ظلاً, أو نواة من الحقيقة التاريخية في غالب الأحوال.

وعرض المؤلف في الفصل الثامن للأساطير والحكايات التي تناولت النيل ومصادر المياه في مصر. حيث أحب المصريون بلادهم وعشقوا نيلهم, وصاغت أساطيرهم وحكاياتهم الشعبية هذا الحب وهذا العشق صياغة جميلة ومثيرة. أكدت أن حياة المصريين ووجودهم اعتمدت على النهر النبيل اعتماداً مطلقاً, وأن إحساسهم بهذا كان كبيراً للغاية. وأُفرد الفصل الأخير عن الموروث الشعبي المتعلق بالشخصية المصرية التي ظلت عرضة للأخذ والرد وتضارب الآراء والتحليلات عند المؤرخين عبر عهود مختلفة والتي جاءت كتاباتهم متسمة ببعض المبالغة أحيانا والواقع أحيانا أخرى .. عمل رغم تخصصه الدقيق يضمن المتعة حتى لغير المتخصصين.

غلاف الكتابا

التعليقات