عرض لكتاب “الشرقية بين التاريخ والفولكلور” – بقلم الدكتورة انتصار وهبة

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم تاريخ شعبي تاريخ مدن دكتورة انتصار وهبة عرض كتب
0 Flares 0 Flares ×

المؤلف :دكتورعمرو عبد العزيز منير

الناشر :دار الإسلام للطبع والنشر بالمنصورة

في الشرقية تتسع الرؤية وتضيق العبارة , فالاتساع بحجم التاريخ وعبقرية الجغرافيا  وقراءة الأنثروبولوچية , والضيق بقدر المخزون الموروث منذ آلاف السنين , والذي تختزله الثقافة الشعبية في طيات الجيولوجيا الإنسانية لتعيد إنتاجه في اختزال شحيح , تلك البيئة المعطاءة مازالت ترفد الإنسان لتعيد إنتاجه في اختزال شحيح , تلك البيئة الكريمة المعطاءة مازالت ترفد الإنسان بزاد لا ينتهي وتسقيه من كوثر جنة الثوابت القيمة ـ العربية والإسلامية ـ وتطبع على بطاقته الجينية أبرز الصفات المنتقاة من سلالة الفراعين البنائين المحاربين , والسمات المصطفاة من مجد قبائل عرب الشمال وسؤدد وجسارة عرب الجنوب ونفحة المجاهدين الأوائل في فتوح الإسلام , فرض المكان قانونه , ومارس الزمان سلطته لتتحول التضاريس بدن يكتنز باللحم وينبت بالدم ويسيل من فرط العرق , ويفعل التاريخ فعل الكائن الحي في الواقع والوقائع … في الشرقية فتش عن كل فرد تجد مخاضات السنين في المرآة تسقى بماء واحد يساقط من ذرا البدايات بمجرد هزة فى جزع نخلة أو رعشة فى ساق فسيلة.

 حينما تمشى فى دروبها وبين مراعيها تجد أنك تنتقل بين دفات المعاجم وعجائب الآثار وكتب التاريخ ومرافئ الحكايات الشعبية وساحات الإنشاد الديني , أنت في عاصمة الرعامسة والهكسوس وفى تل بسطة, وحيناً فى قنتير و تانيس وفاقوس والختاعنة وبلبيس أو تسبح فى بحر (مويس) حيث طاف بالصندوق موسى u وأنت في كل الأحيان تحيا وسط الكلأ الآمن لهزيل وتميم وچهينة وبكر وتغلب وقيس وجذام, وتستطيع أن تقفز لأي قرن غابر بمجرد أن تنقل قدميك خطوة أو خطوتين لتشارك في ” هوجة ” عرابي وتؤسس مع طلعت حرب وتكتب مع إدريس وتنشد مع عبد الصبور وتطرب للعندليب وتصيد مع عبد العاطى وتقاوم مع الشرقاوي ..

في محافظة الشرقية “بوابة مصر الشرقية ” والتي استقبلت مواكب الإسلام واستقرت في ربوعها الأصالة العربية , في هذه المنطقة ظل تاريخ وعادات القبائل العربية التي استقرت في ربوعها لفترات متفاوتة مسكوتاً عنه (بقصد أو بدون وعي) في الدراسات العلمية ذات الصبغة التاريخية أو حتى الدراسات الشعبية رغم تزايد الاهتمام بدراسة الفئات والشرائح الاجتماعية داخل مصر وخارجها من جانب علماء الاجتماع والسياسة والقانون والتاريخ والفولكلورهذا ما تؤكده وتكشف عنه تلك الدراسة الفريدة للدكتور عمرو عبد العزيز منير

ومن الكلمات المأثورة للفيلسوف الانجليزي “فرنسيس بيكون” قوله : “هناك كتب تستحق أن يذقها القارئ , وأخرى تستحق أن يلتهمها , وثالثة تستحق أن تمضغ وتهضم” . وفوق راحة اليد الآن كتاب لعله بما حقق لي من فائدة ومتعة   يمكن وضعه بين الكتب التي تمثل حلماَ مهماَ بالنسبة لي على الأقل , وهو حلم “كشف المسكوت عنه تاريخياَ عمداَ أو بدون قصد” .فأي شعب بل وأية جماعة , وحتى أية أسرة تستثيرها جداَ معرفة جذورها وأصولها وماضيها , خاصة عندما لا تتوافر عن هذا الماضي وتلك الجذور والأصول مدونات تاريخية (رسمية على وجه الخصوص) .

فكل سكان مصر – خاصة سكان المحافظات والمراكز والمدن والقرى – يقرأون تاريخ مصر الحديث ممثلاَ فيما يجري في العاصمة “القاهرة” أو في مواقع الأحداث “الساخنة” , وكلما ابتعدنا عن مراكز الأحداث بهتت الصورة التاريخية حتى تتلاشى في مواقع ربما تموج بأحداث شبيهة وإن كانت أقل جسامة.ومن ثم فإن هذا الكتـاب الذي يقدمه الباحث النابه” عمرو عبد العزيز منيـر”يملأ فجوات في بنية ” المسكوت عنه تاريخياَ ” في إحدى محافظات مصر البارزة- الشرقية ـ ذات التاريخ الحافل منذ عصر الدولة القديمة الفرعونية (حوالي القرن الثلاثين قبل الميلاد تقريباَ) غير أن تاريخ الشرقية – شأنها شأن كل محافظات مصر الأخرى – لا يمثل بناء تاريخياَ متماسكاَ متتابعاَ , وإنما مجرد شذرات تاريخية متفرقة. والخدمة الجليلة التي يقدمها كتاب ( الشرقية بين التاريخ والفولكلور)؛ هى جمع هذه الشذرات التاريخية عن تاريخ الشرقية جنباَ إلى جنب , بحيث تمثل تمهيداَ لبناء تاريخ شبه متتابع عن هذه المحافظة , تاريخ يرتكز على ما ورد متفرقاَ في العديد من المدونات التاريخية الرسمية , بنفس القدر الذي يرتكز فيه على الروايات الشعبية .

وحلم  “كشف مناطق الظل التاريخية” الذي أشرت إليه آنفاَ , لا يحلم به الكاتب فيما يخص الشرقية (المحافظة) فحسب , بل أيضاَ فيما يتعلق بكل محافظات مصر , وهو حلم بمشروع “قومي” يجمع تاريخ محافظات مصر – كل على حده – ثم ضمه بعد تصنيفه إلى عصور أو فترات تاريخية , بحيث يشكل في النهاية بنية تاريخية شبه متكاملة لمصر كلها – عاصمة وأقاليم – , على أن تتبنى مثل هذا المشروع / الحلم . هيئات متخصصة مثل الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية  بالتعاون مع ” الجمعية الجغرافية والتاريخية” و”أطلس الفولكلور المصري بوزارة الثقافة” والجامعات المصرية وغيرها من الهيئات المعنية .

في هذا الكتاب المهم أفرد الباحث في دراسته الفصل الأول للحديث عن الثورات الشعبية لأبناء الشرقية منذ الفتح الإسلامي لمصر حتى نهاية العصر الفاطمي وطوال العصور الإسلامية الأولى التي تم الامتزاج فيها بين العرب والأقباط في سلاسة تشهد بأن العلاقة بينهما قديمة ومتفاعلة ويقدم لنا الكاتب مواقف عديدة من عيون تاريخ الشرقية في العصر الإسلامي يضئ جوهر الشخصية المصرية ويلقى الضوء على أبعادها التاريخية الثلاثة :الفرعونية والقبطية والإسلامية , وحاول الباحث الجاد أن يعتني بأمر تلك الثورات التي صنعها أهل الشرقية أو شاركوا فيها فحاول التأريخ لها بشكل تفصيلي , إلا أنه لم يجد بين المصادر التاريخية مصدراً يعنى بأكثر من الأخبار وعلى الرغم من كل هذه المصاعب خرجت الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب بقدر طيب من الثورات الشعبية التي قام بها أهل الشرقية واستطاع أن يؤرخ لها ببساطة وعمق آسرين , ويصف ما أمكنه من تطوراتها , وأن يجعلها أصنافاً مختلفة وأفرد الفصل الثاني للحديث عن الثورات الشعبية في العهدين الأيوبي والمملوكي وسجل كيف كانت تلك الثورات الشعبية مسرحاً تجلى عليه حب المصريين لآل البيت المحمدي وكراهتهم  للطغيان والاستبداد السياسي , وفي الفصل الثالث عرض فيه للثورات الشعبية لأبناء الشرقية في العصر العثماني وخصص الفصل الرابع للحديث عن موقف أبناء الشرقية من الحملة الفرنسية وجاء ذلك الفصل تحت عنوان (نابليون في الشرقية) إذ  أن الشرقية كانت تضم إذ ذاك بين أحضانها زعماء القوم الذين فروا من العاصمة بعد هزيمة إنبابة (إمبابة) فلجأ إليها إبراهيم بك ومعه نحو ألف وخمسمائة من المماليك وصحبهم والى مصر العثماني وهو بكر باشا ونقيب الأشراف وزعيم الشعب السيد عمر مكرم . وحمل أولئك الفارون ما أمكنهم حمله من أموال وتحف وذخائر وعسكروا في مدينة بلبيس فتطلعت إليهم أنظار المصريين وأصبحت الشرقية أحد مراكز المقاومة ضد الفرنسيين لما فيها من مقاومة لم تصل إليها مدافع الفرنسيين فلم يجد نابليون بعد ذلك بُداً من الخروج بنفسه إلى الشرقية (وهو الإقليم الوحيد الذي سار إليه بنفسه ) لملاقاة إبراهيم بك ومماليكه .

وجاء الفصل الخامس تحت عنوان (في الشرقية شوارع وحواري) وفيه يؤكد الكاتب على أن شوارع أي مدينة هى كتاب مفتوح يؤرخ لتاريخ هذه المدينة وربما يؤرخ لتاريخ الوطن كله فيعرض أسماء الشوارع والحواري بالشرقية ويعرج علي بعض الحكايات الشعبية التي نسجتها المخيلة الشعبية حول تلك الأسماء. أما الفصل السادس من الكتاب فيعرض فيه الكاتب كيف كان لابناء الشرقية في ثورة 1919م من دور مشرف سطروه بأحرف من نور لكل شهيد ولكل وطنى من ابناء الزقازيق ومنيا القمح وفاقوس ، وغيرها من المدن والقرى .. راحوا فداءَ لمصر وشرفاًً لها ، واصبحت وقائع ثورتهم واستشهادهم ونضالهم قصصا تحكى بفخر وعزة وكرامة لتكون دليلاً على أن مصر تؤمن بالاستعباد ولكنه استعباد الحرية للإنسان ؛إذ كيف تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً

الفصل السابع عرض فيه الكاتب المتميز للمواويل والأغاني الشعبية في الشرقية وكيف كانت النكتة والأغنية الشعبية أكثر صدقاً وتعبيراً عن تاريخ مصر من الوثيقة التاريخية الرسمية وفي الفصل الثامن الذي جاء بعنوان (الشرقية بين الشين والكاف والعين ) فكان دعوة من الكاتب لاستعادة القيم المنقرضة  التي ظلت لصيقة بالمجتمع الشرقاوي والمصري بدرجة أو بأخرى إلى أن لاحقها التفسخ والتشويه والتغريب وأكد على أن عوائد الكرم وطبائعه الشعبية التى وضحت معالمها فى سكان الشرقية وأقرانهم من أقاليم مصر الأخرى قد ارتبطت بجذورها العربية والوطنية فى آن واحد حين انصهر العنصران على جنبات نهر النيل المعطاء لتنسج وشائج تعكس درجات عالية من السمو الإنسانى الذى يتجه إلى الآخر إما فداء له أو وصلاً ومحبةَ وإكراماَ وحنواَ عليه وكلها وشائج ترتفع بالسلوك الإنسانى وتجعل لوجوده وحياته معنى وقيمة مضافة إلى مجتمعه ناهيك عن أنها تخرجه من منظومة الأنانية والبخل والجشع والتى تطرد تلقائيا كل معانى “القناعة” ولا تدع مجالاَ لمفهوم الكرم والإيثار الذى سيبدو بالنسبة لكثيرين أمراً غير قابل للتصديق

وفي الفصل الأخير قدم لنا الكاتب صورة فريدة وصادقة من واقع صفحات الصحف المصرية كالأهرام والوقائع المصرية وهى صورة تاريخية وشعبية لما كانت عليه الزقازيق عاصمة الشرقية سنة 1938م.

من هنا يحسب للباحث الواعد “عمرو عبد العزيز منير ” جرأته في التصدي لمشروع “جماعي” بشكل فردي شخصي , حتى يصدر مثل هذا الكتاب الذي يمثل ” المحاولة الأولى ” التي تكمن أهميتها القصوى في طرح (المشروع / الحلم) إلى حيز التنفيذ . ولعلها محاولة تسهم في أن نتخلى عن موجات ” التغريب ” المتدافعة والوقوف بثبات ضد مخططات تزييف الوعي وشل الإرادة وإهدار المقدرة والبحث في تضاريس وطننا بواقعه وتحدياته , وطننا بإمكاناته وطاقاته , وطننا في مستقبله , وواقعه الواهن وذاكرته التاريخية والشعبية الدافعة الناهضة والتزاماَ من أبنائه بإحياء كل ما يعينه على البقاء والحياة والصمود

والواقع أننا في أشد الحاجة في مصر إلى مثل هذه الكتب الجيدة التي تكشف لنا عن بعض جوانب حضارتنا النبيلة … فهي تسعد المثقفين , ومحبي التاريخ , وعاشقي الفولكلور , حيث يجدون فيها بعض ما يغذي العقل , ويرهف الحس , ويثير الوجدان , ويثري الفكر , ويحفزهم إلى مزيد  من الاعتزاز بقوميتهم وانتمائهم لوطنهم الحبيب خاصة بعد أن أصبحت فكرة الانتماء تدخل في أولويات ما اصطلحنا عليه بهموم العمل الوطني.

غلاف كتاب الشرقية

التعليقات