عرض لكتاب “الدولة العثمانية والعالم المحيط بها” – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم تاريخ عثماني دكتور عمرو منير عرض كتب
0 Flares 0 Flares ×

تأليف : ثريا الفاروقي

ترجمة: د.حاتم الطحاوي

دار المدار الإسلامي .بيروت 2008

تعد ثريا فاروقي من أهم المؤرخين المعاصرين المهتمين بالشأن العثماني عبر تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . إذ أنه بعيداً أطر المنهجية التقليدية في البحث ، فقد اتخذ كتابها المهم (الدولة العثمانية والعالم المحيط بها) منحي أكثر واقعية وصرامة عبر عدم قصر الاهتمام على المصادر التاريخية العثمانية التقليدية التي كتبت بقصد أن تكون تاريخاً ، بل لجأت إلى استخدام المصادر العثمانية غير التقليدية ، ككتابات الرحالة والأدباء والشعراء ، وتقارير القناصل والسفراء ورسامي الخرائط والتجار ، بل وكتابات الأسرى والعبيد والسجناء ، وكذا انطباعات النساء الأوروبيات والعثمانيات عن العالم الآخر المختلف . فالكتاب بذلك يصدر عن رؤية تلتمس في الماضي التفسير الشعبي للتاريخ العثماني. أو ما يمكن أن نسميه بـ (البعد الثالث) للدراسات التاريخية العثمانية ؛ أي التفسير النفسي والوجداني ورؤية الجماعة الإنسانية لذاتها وللكون والظواهر والأحداث من حولها.

كل هذا وغيره مكن فاروقي من الإبحار في التاريخ العثماني ، وتلمس حقيقة تكوين مؤسساته عبر الاعتماد على كافة المصادر العثمانية والأوروبية والعربية المتاحة .

يعالج الكتاب الذي بين أيدينا وضع الإمبراطورية العثمانية والدول المجاورة لها ، كدول أوروبا وإيران الصفوية ، بل وعلاقة العثمانيين بأماكن بعيدة كاليمن والهند ، وكذا المحيط الأطلنطي ، وكل ما أثر في سياسة وتصورات الدولة العثمانية .

وترى المؤلفة أن رؤية العثمانيين لـ ” الآخر ” لم تكن محدودة أو سطحية ، إذ لم تكن مرتبطة بكونه ” داراً للحرب ” . بل أن السلاطين العثمانيين تجاوزوا ذلك المصطلح الفقهي الإسلامي عبر استخدام سياسة ” براغماتية ” مطلوبة من أجل الانفتاح الكامل على جيرانهم الأوروبيين المسيحيين وكذا جيرانهم الإيرانيين الشيعة .

كما استعرضت تكوين النخب العثمانية الحاكمة ، وتأثيراتها ، ومدى رؤيتها لأمور الحرب والسلام مع العالم الخارجي ، ومحاولة الحفاظ على علاقات أكثر ” واقعية ” مع الغرب المسيحي ، وتذكر أن اعتمادها الكبير على مصادر الجيران الغربيين للإمبراطورية العثمانية أكثر من اعتمادها على الجيران الشرقيين أو الجنوبيين إنما يعود إلى ندرة المصادر الأخيرة ، كما ترى دائماً أن أطر التبادل التجاري ، فضلاً عن بعض العوامل الطبيعية قد حافظت على العلاقات بشكل شبه دائم بين العثمانيين وجيرانهم .

وهكذا لم تحاول فاروقي أن تصوغ كتابتها بشكل تقليدي ، عبر متابعة العلاقات السياسية بين النخب الرسمية الحاكمة في اسطنبول والعواصم الأخرى ، لكنها اتخذت طريقاً صعباً يعتمد على رؤى وتصورات غير رسمية تجاه ” الآخر ” . كما رصدت تنامي طوائف التجار المسيحيين من رعايا الدولة ، وكذا التجار المسيحيين الأوروبيين ، فضلاً عن تنامي التجار والتجارة العثمانية ، وما أفضى إليه في النهاية من وجود أسس للعلاقات والتعاون المتبادل بين اسطنبول وكافة العواصم التجارية الأوروبية ، ومما أحدث تواصلاً لا يمكن تجاهله تجاه علاقات العثمانيين بجيرانهم الأوروبيين ، كل ذلك تركيز من المؤلفة على تحقيق رؤيتها في متابعة العلاقات بين العثمانيين والعالم المحيط بهم عن طريق تلمس أساليب ومناهج غير تقليدية ، من أجل خلق تصور جديد للعلاقة ، وهو ما عبرت عنه حسب كلماتها : “إن الكتاب الحالي يحاول خلق نسق متوائم في مجال لا يتاح فيه سوى عدد محدود من الأبحاث . وهذا يعني أننا نحاول عبور نهر سريع التدفق ، ليس فقط بدون جسر ، ولكن أيضاً عبر الاعتماد على قطع صخرية قليلة جداً للمرور فوقها ” .

لقد اعتمدت ثريا فاروقي في معلومات الإمبراطورية العثمانية عن العالم المحيط بها على ما سطره رحالة وأدباء وجغرافيون وسفراء ، على رأسهم جميعاً أوليا جلبي ، الذي ناقشت أعماله بشكل جاد ، وفندت رؤاه القاصرة حول ” الآخر” ، وكذلك حول ما جاء في كتاباته من معلومات إثنوجرافية خاصة أن المفهوم الإنثوجرافي لا يجرد الأساطير تجريداً تاماً من الحقيقة بل يرى أن في كل أسطورة شيئاً من الحقيقة لا يلبث أن ينمو ويتضخم بفعل الخيال الشعبي ، من هنا عدت فاروقي كتابة الأهم في هذه المضمار بعد الاستفادة من الإيجابيات التي وردت به . ثم أولت اهتماماً كبيراً ، لا يخلو من رؤية نقدية أيضاً ، لتصورات كل من يرميسكيز محمد عن العلاقة مع فرنسا ، وأحمد أمري أفندي والعلاقة مع إيران ، فضلاً عن كتابات وأدوار كل من محمد أمني في روسيا ، وأبو بكر راتب في فيينا ، وواصف أفندي في أسبانيا ، وما سطره سيدي علي رئيس عن الهند . كما ناقشت المعرفة الجغرافية للعثمانيين ، وأثر ذلك على علاقاتهم بجيرانهم.

كما تطرقت فاروقي – في دراسة متعمقة – إلى أحوال أسرى الحرب لدى الجانبيين ، العثماني والأوروبي ، وكيفية معاملتهم ، وإحسان وصدقات العثمانيين على آسراهم ، وأحوالهم المعيشية في ربقة الأسر والعبودية ، كما تحدثت عن عذابات الأسرى والمساجين إبان نقلهم على متن السفينة ، وتسخيرهم في عمليات التجذيف بالسفن العثمانية الأوروبية . والحقيقة أن قلة من الباحثين قد تعرضوا إلى أحوال الأسرى والمساجين في أوروبا خلال القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر ، قبل أن تكثر فيما بعد أبحاث المؤرخين الأوروبيين المعاصرين عن أسرى الحربيين العالميتين في القرن العشرين .

وتطرقت أيضاً ببراعة إلى نقاط القوة والضعف في الحروب العثمانية ، ومناقشة الصراع ما بين ” الصقور ” و ” الحمائم ” داخل النخب العثمانية الحاكمة تجاه فكرة الغزو ، وتابعت كيفية تمويل الحروب دون خسائر كبيرة اعتماداً على الضرائب ، فضلاً عن عمليات النقل والإمداد ، كما أنهم لم تغفل عن دور مجتمعات سكان الحدود في الحروب العثمانية الأوروبية .

ونظراً لاستمداد السلاطين العثمانيين لشرعيتهم الدينية والسياسية من كونهم حماة للأماكن الإسلامية المقدسة ، فقد تعرضت فاروقي للعلاقة بين العثمانيين والحجاز ، فتابعت علاقاتهم بالأشراف والبدو ، والتركيز على حماية الحجاج المسلمين . فضلاً عن الحرص على استمرارية التدفق التجاري لسكان الحجاز والحجاج . واعتقد أن المؤلفة قد تعرضت لذلك بتفصيل أكبر فيما سبق عبر كتابها “حجاج وسلاطين ” الصادر أيضاً عن دار توريس بلندن في العام 1994 . وعلاوة على ذلك ، لم يفت فاروقي أيضاً أن تعتمد على كتابات الحجاج الأوروبيين المسيحيين واليهود عن الأماكن المقدسة في فلسطين الخاضعة للحكم العثماني . مما ساعد في إثراء الصورة الأوروبية عن الآخر العثماني ، ومعاملتهم للحجاج الأوروبيين .

وأخيراً وليس آخراً ، لا يملك المرء سوى تقديم الإعجاب والاحترام العلميين للمنهج الذي اتبعته المؤلفة في هذا الكتاب ، وهو الأمر الذي زاد من أهميته . والشكر والتقدير للمترجم الذي عصى قلمه على الإسفاف والهبوط كما عصى منهجه في اختيار المترجمات على الانحراف والزيغ والضلال وهو الذي رد إلى الترجمة اعتبارها بعد ان هبط بها المرتزقة  ولاشك أن إثراء المكتبة العربية بهذا المؤلف الجليل عمل يستحق كل تقدير , فما أحوجنا إلى مزيد من الدراسات الجادة في التاريخ العثماني الذي ارتبط طويلاً بتاريخ الأمة العربية  وفي تصوري أنه على الرغم من الصعوبة التي اكتنفت موضوع ومنهج الكتاب ، فإنه كان يسيراً على الدكتور الطحاوي أن يقوم بالإبحار دون خوف من حبس نفسه في عقل المؤلفة , فقد نجح في تقديم الترجمة للقارئ العربي بأسلوب عربي خالص مع تقديم التعليقات المناسبة عندما يكون هناك ما يستدعي ذلك واستطاع بفضل تمكنه من لغات عديدة ـ كالتركية والفرنسية والانجليزية والعبرية ـ أن يوفق في ترجمة هذا الكتاب المدهش في ثوب يستحقه الكتاب , ويستحقه القارئ.

Picture 005

التعليقات