عرض لكتاب “المسلمون وأوربا” – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 16, 2014 عن طريق - قسم أوربا و الإسلام دكتور عمرو منير عرض كتب
0 Flares 0 Flares ×

المؤلف: دكتور قاسم عبده قاسم

الناشر: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية

يأتي كتاب (المسلمون وأوربا التطور التاريخي لصورة الآخر) للمؤرخ العربي قاسم عبده قاسم (دار عين للدراسات , القاهرة 2008م) ليكشف لنا أن إشكالية التعامل الغربي مع الإسلام والمسلمين بكل ما تستثيره من تحيزات أو إخفاقات أو صناعة للقوالب الذهنية تثير مفارقة واضحة ؛خاصةً لدى من يحاولون استلهام الإدراك الحقيقي لمعنى الأمة الإسلامية أو حتى لمعنى الإسلام من خلال الغرب , ففي الوقت الذي نجح الغرب فيه في استلهام أسس نهضته الحضارية من خلال استكشاف أصوله الإغريقية واللاتينية عبر الحافظة العربية والإسلامية التي نقلت صوراً صادقة للتراث الإغريقي إلى الغرب في بواكير مرحلة نهضته من دون إسقاط أو تغيير مخل , نجد أن كثيرين ـ من أبناء الأمة الإسلامية والعربية ـ ممن يحاولون استجلاء أسس النهضة العربية والإسلامية من خلال الحافظة الغربية ومن بطون كتب المستشرقين , ينتهون إلى ما يزهدهم تماماًَ في تراثهم الحضاري أو ما يعمق قطيعتهم مع جذورهم الثقافية والدينية والتاريخية .

ويؤكد الكاتب على أن تبنى الخطاب الغربي عن الإسلام عادة ما ينتهي بالمرء إلى حالة من التشكك في بعض الأحيان أو المعادة في أحيان أخرى , أما مجرد ترديد هذا الخطاب والترويج لمفاهيمه يفضي إلى حالة من التشتت التي تفتقد إلى أي مدلول ؛ وبخاصة بعد أن انتهى الخطاب الغربي إلى هذه الحالة من التعقد والتعدد والتشابك , والتي تتضاد نتائجها إلى درجة التعارض الكامل .

وما أن يفرغ القارئ من قراءة كتاب (المسلمون وأوربا) حتى يجد أمامه حقيقة جلية؛ وهى أن الخطاب الغربي عن الإسلام والعرب يحوي في داخله كل الثنائيات المنطقية التي يمكن استخلاصها , فهو قد اثبت للإسلام والمسلمين والعرب العديد من الصفات كما أثبت عكسها تماماً أيضاً بحيث لا يمكن في النهاية أن نحاكمه بناء على أي منها على حده من دون أن نقع في مشكلة التحليل الانتقائي , فهو قد أثبت للإسلام صفة التهديد ونفاها عنه في ذات الوقت , وأقر أن المسلمين يشكلون أمة ثم أنكر أن المسلمين يمثلون شيئاً متجانساً , وأقام بنياناً معرفياً قائماً على التعامل مع الشعوب الإسلامية وفقاً لمنهجية ثقافية تؤمن بخصوصية المكون الإسلامي لدى هذه الشعوب , ثم عاد لكي ينكر أن يكون لاستخدام الإسلام كعنصر تفسيري أي دلالة تحليلية , وأعلن أنه يقيم فصلاً بين الإسلام من حيث هو دين عالمي مرموق ومتسامح وبين ما يرتكب تحت ستاره من أعمال إرهابية , ثم توصل إلى أن الإرهاب يمثل صفة متأصلة في الإسلام من حيث هو دين وفي المسلمين والعرب بالتبعية لا فرق في ذلك بين الجماهير العريضة وبين الجماعات المسلحة ولا فرق أيضاً بين الأنظمة المعتدلة والأخرى الراديكالية .

ويؤكد الكاتب أن هذه الرؤى المتنوعة فضلاً عما تؤدي إليه من ارتباك , فإنها تجعل البعض يتصور أن صياغة رؤية ذاتية مستقلة بعد ذلك هي أمر من الصعوبة بمكان , فالغرب لم يدع لنا شيئاَ لكي نقدمه أو نقوله عن أنفسنا , ومن هنا تكمن خطورة الثنائيات التي يقدمها الخطاب الغربي عن عالمنا الإسلامي والعربي , فهي تدع المتهم بهذا الشأن بين خيارات كلها مرة , فهو إما أن يؤمن بخطورة التهديد الذي يمكن أن تستثيره الأمة ومن ثم بخرافة ما يثار عن التهديد الإسلامي , وبمعنى آخر , إما أن يقرأ الأحداث قراءة أيديولوچية  وإما أن يتعامل معها بشكل واقعي لا مجال فيه لغير الاحتمالات الملموسة , وما يقال عن سائر القضايا الأخرى , والتي يمثل الإسلام والمسلمون والعرب القاسم المشترك فيها.

وعالج الكتاب أيضاً الأفكار والمداخل التي تصلح كمعايير للنظر والتحليل والتي أقرها الإسلام نفسه فإنها لا تحتل أي بعد من أبعاد التعامل الغربي , في معظمه مع الإسلام , فمعنى الوسطية الدينية وتكامل الديني مع الدنيوي ومحورية العقيدة في حياة البشر وعدم الاستسلام للحتميات الاقتصادية والارتباط المعنوي الذي يلم المسلمين في شتاتهم , وروح الجماعة التي تبرزها كافة الشعائر الدينية الإسلامية , وارتباط المعاداة والمسالمة بمدى سريان منهج الله في الأرض والتعايش مع الآخر طالما لم يبدأ بعدوان ؛ كل هذه الأفكار وغيرها تخلو منها معظم الرؤى الغربية التي تتصدى لدراسة العالم الإسلامي والتي تنطلق من قناعات وافتراضات مغايرة . فالخطاب الغربي يتعامل في مجمله مع الإسلام وأتباعه على أنه ظاهرة غربية أو شمولية تحاول أن تمد نطاق سيطرتها إلى كل جوانب حياة المرء , فالإسلام وفق الفهم الغربي يحاصر الإنسان بشكل كامل ؛ مرة من داخله : بتنظيم انفعالاته وتوجيه قيمه ومرة من خارجه : عبر صياغة شبكة من التفاعلات الشرعية التي لا ينبغي له أن يحيد عنها وفوق هذا وذاك يحدد له مقاصده العامة وأهدافه التي ينبغي أن يسعى لإدراكها في حياته القصيرة . والإسلام بهذا المعنى هو شئ غير موجود في الغرب الذي يعتبر أن محركه الأساسي يتمثل في اللاقيود والتحلل من كافة الآثار الموروثة . التعامل الغربي مع العالم الإسلامي ؛ وفقاً للرؤى السابقة ؛ يثير إشكالية التطرق إلى دراسة قضايا الإسلام  من خلال مداخل غير ملائمة , أو انطلاقاً من قناعات بحاجة إلى برهان .

هذه الدراسة المتميزة حاولت من خلال أقسامها الثلاثة أن تلقى أضواء كاشفة على تلك الرؤية ؛إذ تتناول في شق منها التطور التاريخي لموقف المسحيين الشرقيي عامة من حركة الفتوح الإسلامية , والتعامل مع الدين الإسلامي والمسلمين وحرص الكاتب على وضع نصوص كاملة أو شبه كاملة لكي يقف بنا على ملامح الصورة لدى الذين كتبوا آنذاك . واشار إلى أن هذه النصوص تعبر عن آراء رجال الكنيسة وليس بالضرورة أن تعبر عن النفسية الجمعية والتصورات العامة لدى الناس العاديين الذين لا نملك من المصادر ما يرشدنا إلى موقفهم الحقيقي.

وفي الشق الثاني من الكتاب يتناول التطور التاريخي لصورة الآخر في كل من أوربا والعالم المسلم مؤكداً أن ثمة علاقة متعددة الجوانب بين العالم المسلم وأوربا تغيرت على مر القرون حسب الظروف وتركت بصمات على صورة الآخر لدى كل منهما . ومن ناحية ثالثة تحاول الدراسة أن تبرز الاختلاف بين مفهوم (التسامح) في الثقافة الغربية عموماً , وفي الثقافة العربية الإسلامية قديماً وحديثاً , موضحة كيف أن اختلاف مفهوم التسامح على هذا النحو قد ترك تأثيراً واضحاً على صورة الآخر في كل من الثقافتين , وكيف أنه مازال يحكم موقف كل منهما من الآخر في أيامنا هذه أيضاً.

المسلمون وأوربا

التعليقات