الترجمة وسؤال الهوية الثقافية – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم         

نشرت في يوليو 23, 2014 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم فكر
0 Flares 0 Flares ×

قد يبدو الحديث عن «الترجمة والهوية الثقافية» حديثا يحمل من دلائل التناقض قدر ما يحمل من الرغبة في الكشف عن العلاقة التي تجمع بين أمرين يبدوان متناقضين عند النظرة الأولى؛ فالترجمة في معناها البسيط نقل من ثقافة إلى ثقافة أخرى، من هوية ثقافية بعينها إلى هوية ثقافية مختلفة. ومن ناحية أخرى، فإن الهوية الثقافية في معناها البسيط عبارة عن كيان معنوي متجانس ومترابط في بنائه الداخلي وتجلياته الخارجية.

بيد أن النظرة المتأنية تكشف عن اتساق جوهري في هذه العبارة لأن الترجمة قد تكون، في بعض الأحيان، من مكونات الهوية الثقافية لدى بعض الأمم أو الجماعات البشرية. وقد تتراوح أهمية الترجمة هنا بين ثقافة وأخرى بحسب درجة انفتاحها على العالم.

ومن المهم هنا أن نضع في اعتبارنا أن الهوية الثقافية لجماعة ما، أو أمة ما، تصنعها عوامل ومكونات عديدة: بعضها موروث عن الماضي والبعض الآخر من نتاج الحاضر، وبعضها ناتج عن الاحتكاك بالأمم والجماعات البشرية الأخرى.

ويمكن أن نضع تقسيما آخر لمكونات الهوية الثقافية؛ فهناك المكونات المادية للهوية الثقافية، وهناك المكونات اللامادية للهوية الثقافية. والمكونات المادية للهوية الثقافية تتمثل فيما اصطلح المتخصصون على تسميته «الثقافة المادية»؛ التي تشمل جميع أنماط النتاج المادي الذي يعبر عن الهوية الثقافية في جوانبها المادية، المتمثلة في الفنون التشكيلية، والحرف والصناعات اليدوية والملابس وأدوات الزينة وسائر ما يستخدمه الناس في حياتهم اليومية.. وما إلى ذلك. وهذه الورقة لا تهتم بهذا الجانب من جوانب الهوية الثقافية على الرغم من أهميته الفائقة.

ومن ناحية أخرى، هناك الجوانب اللامادية في تكوين الهوية الثقافية؛ وهى تتضمن كل ما هو غير مادي من صنوف الإبداع الأدبي والفكري، والفلسفة التي تقوم عليها حياة الجماعة, ورؤية الجماعة لذاتها وللآخر، والعادات والتقاليد، وحكمة الماضي الموروثة، فضلا عن النظام القيمي والأخلاقي… وما إلى ذلك.

وعلى الرغم من أن الهوية الثقافية تتألف من مجموع الموروثات الثقافية والفكرية، والعادات والتقاليد، والنظام القيمي والأخلاقي، ونتاج الحاضر العلمي والفكري والفني؛ فضلا عن الروافد والمؤثرات الناجمة عن التفاعل المتبادل مع الأمم والجماعات الأخرى، فإن الهوية الثقافية لكل أمة من الأمم, أو جماعة من البشر، تتخذ سمات عامة وملامح كلية مختلفة عن السمات والملامح التي تتسم بها الهويات الثقافية الأخرى. وهو ما يجعلنا نفرق بسهولة بين الهوية الثقافية للأمة والهويات الثقافية للأمم الأخرى. ومن ناحية أخرى، فإنه على الرغم من الوحدة الظاهرية للهوية الثقافية لأمة من الأمم، فإن هذه الهوية الثقافية التي تبدو واحدة تنطوي على عدد من الهويات الثقافية الفرعية التي تصب في المجرى العام للهوية الثقافية الكلية. وتتوازى هذه الثقافات الفرعية مع الخصائص السكانية والاجتماعية لكل بلد من البلاد.

مكونات الهوية الثقافية

إذ إن الهوية الثقافية تتألف من مجموع الموروثات الثقافية، والنظام القيمي والأخلاقي، والنتاج العلمي والفكري والفني، فضلا عن الروافد والمؤثرات الناتجة عن التفاعل المتبادل مع الجماعات والأمم الأخرى. وتتخذ الهوية الثقافية سمات وملامح عامة تجعلها تتمايز مابين أمة وأمة غيرها؛ بيد أن هذه الهوية الثقافية تنطوي على جميع ألوان الطيف الثقافية التي تتوازى مع مكونات البناء الطبقي من ناحية، وخصائص الشرائح الاجتماعية من ناحية أخرى، داخل البناء الكلي لكل جماعة أو أمة. وهذه التنويعات الثقافية داخل الهوية الثقافية هي ما أصطلح على تسميته «الثقافات الفرعية» التي تصب في المجرى العام للهوية الثقافية الكلية.

ومن هنا، فإن التراث، بكل ما يحمله من ثقل الماضي وحكمته وتجلياته في الحاضر، إلى جانب النتاج الثقافي للجماعة، أو الأمة، بتنويعاته المادية واللامادية، يشكل الشطر الأكبر من ملامح الهوية الثقافية للجماعة البشرية بطبيعة الحال. أما الروافد والمؤثرات الخارجية؛ فإنها تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بالنخبة الثقافية وممارساتها الثقافية، ولكن النظرة المتأنية تكشف عن أن هذه الروافد والمؤثرات الثقافية الخارجية ومن بينها الترجمة بطبيعة الحال تعتبر من العوامل المهمة في تشكيل الهوية الثقافية.

وبالإضافة لذلك هناك الروافد والمؤثرات التي تنتج عن الاحتكاك مع الأمم والجماعات الأخرى. وقد تكون هذه الروافد والمؤثرات الخارجية ناتجة عن الجوار الجغرافي، أو التبادل التجاري، أو الفاعل السياسي والاقتصادي، أو حتى نتيجة الحروب والصراع العسكري…. أو غيرها من العوامل. بيد أن هناك نمطا آخر من الروافد والمؤثرات الخارجية التي تسهم في بناء الهوية الثقافية يتمثل في التفاعل العلمى والأدبي والفكرى مع الآخر. وعلى هذا المستوى نجد أن التواصل قد يتم على مستويات فردية وشخصية حقا؛ ولكنه يؤدى بالضرورة إلى نتائج جماعية يتمثل في انتقال العناصر الثقافية من جانب إلى آخر على نحو يكاد يكون تلقائيا وبسيطا. ذلك أن الأفراد الذين ينتقلون للعيش في رحاب ثقافة أخرى قد ينقلون خبراتهم الثقافية إلى مجتمعاتهم بطريقة أو بأخرى؛ وقد يكون النقل عن طريق الترجمة. وقد تحدث عملية التفاعل والنقل عن الآخر على مستوى جماعي أو شبه جماعي.

وهناك مستوى آخر هو  المستوى الذي تتم فيه عملية نقل بعض النتاج الفكري والعلمي والأدبي والفلسفي من لغة ما إلى لغة أخرى عن طريق الترجمة لمصلحة جماعة ثقافية أخرى. ومن المثير أن هذا يحدث أيضا نتيجة التفاعلات الإنسانية المباشرة، أو بسبب الجوار الجغرافي، أو التفاعل والتبادل الاقتصادي والسياسي، بل حتى بسبب الحروب ومتطلباتها والصراع المسلح وضروراته. ويمثل حوض البحر المتوسط والدول المحيطة به نموذجا فذا في هذا المجال؛ سواء على المستوى التاريخي أو في الوقت الراهن. فقد كانت هذه العوامل كلها موجودة دائما على مدى العصور التاريخية، كما أنها موجودة شاخصة وماثلة أمامنا في أيامنا هذه. لقد نقل الإغريق القدماء عن المصريين القدماء، ونقل الرومان عن الإغريق، ونقل العرب عن هؤلاء وأولئك وغيرهم. وكانت الترجمة الوسيلة الناجعة في هذه النقول من ناحية، كما كانت الترجمة رافدا مهما من روافد تكوين الهوية الثقافية لكل حضارة من ناحية أخرى. ومع أن تلك النقول كانت من العوامل المهمة في تشكيل الهوية الثقافية لكل حضارة من هذه الحضارات، فإن الهوية الثقافية لكل من هذه الحضارات كانت متمايزة تماما عن الأخريات.

الترجمة والفجوة الثقافية

ولاتزال عملية الترجمة تجرى حول سواحل المتوسط اليوم، وللأسباب نفسها تقريبا. ولكن الفجوة بين السواحل الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط من ناحية، والسواحل الشمالية لهذا البحر من ناحية أخرى تزداد اتساعا لمصلحة أهل الشمال؛ وهو ما يعنى بالضرورة أن الترجمة ستكون لمصلحة الجنوب في محاولات سد الفجوة ذات المستويات المتعددة بين الجانبين. وبينما يحتاج العالم العربي إلى الترجمة، وغيرها، لسد الفجوة بينه وبين العالم المتقدم، تحتاج أوربا والغرب عموما إلى الترجمة لأسباب أخرى. وهنا يجدر بنا أن نلاحظ أن الهوية الثقافية لكل من الجانبين تبقى بعيدة عن المخاطر الوهمية التي قد يراها البعض من منظور الحفاظ على الهوية الثقافية.ذلك أن الهوية الثقافية لأية جماعة بشرية تتكون عبر أجيال عديدة، وعلى امتداد فترة زمنية طويلة من ناحية، وتكون العناصر التراثية في هذه الهوية الثقافية أقوى من غيرها وأشد رسوخا من العناصر الجديدة؛ ومنها تلك العناصر الناجمة عن الترجمة بطبيعة الحال.

ومن هنا، يمكن القول إن الترجمة عن اللغات الأخرى تثري الهوية الثقافية وتقويها، ولا تضعفها أو تشوش خصائصها، ولا تشدها إلى أغلال التبعية الثقافية كما قد يتوهم البعض. كما أنها لا تدخل أبدا تحت مصطلح «الغزو الثقافى»؛ بكل ما يحمله هذا المصطلح السخيف من سذاجة وسطحية وما يكشف عنه من التربص والشك غير المنطقي. إذ إن الترجمة عامل فاعل بناء في إثراء الهوية الثقافية حقا، ولكن نتائج عملية الترجمة تمر بعمليات تنقية وتصفية متعددة، بدءا من مرحلة فعل الترجمة الفردي ووصولا إلى وصول نتائجها غير المباشرة لتصب في المجرى الثقافي العام الذى يشكل الهوية الثقافية.

حقا إن الترجمة ترتبط في مراحلها الأولى بالنخبة ارتباطا مباشرا، ولكن عائدها الفعلي، على المستوى الثقافي العام، يكون في مصلحة المجتمع كله. ومع أن الترجمة فعل نخبوي، فإن نتائجها ليست نخبوية بالضرورة ويعني هذا أن الذين يقومون بالترجمة في مراحلها الأولية المختلفة (من اختيار النصوص وترجمتها ونشرها والتعليق عليها ومناقشتها…. إلخ)، ينتمون إلى النخبة في مجتمعاتهم. وعلى المستوى المباشر يتعامل هؤلاء مع الأعمال التي يتم نقلها من اللغات الأجنبية إلى لغتهم الأم مع ناتج الترجمة. ثم يعيد هؤلاء إنتاج ما جاءت به الترجمة من فكر لمصلحة الجماعة الأكبر التى يعيشون في رحابها. ولما كانت الترجمة تتناول بالضرورة موضوعات متنوعة مابين فروع العلم الطبيعى، والرياضيات، والهندسة والفيزياء، والطب.. وغيرها من ناحية، وفروع الدراسات الإنسانية والفنون والدراسات الاجتماعية والآداب. وما إليها من ناحية أخرى، فإن نتاجها غير المباشر يصب في النهاية لمصلحة تقوية الهوية الثقافية وإثرائها في نهاية المطاف. وهكذا تسهم الترجمة إسهاما إيجابيا في بناء الهوية الثقافية على الرغم من أن هذا الإسهام يتفاوت من حيث تأثيره بين ثقافة وأخرى بطبيعة الحال، كما أن هذا التأثير لايكون مباشرا في كل الأحوال.

وبقدر ما تكون درجة انفتاح الأمة، أو الجماعة البشرية، على الثقافات الأخرى على أساس من الاعتماد المتبادل والمصالح المشتركة، بقدر ما تتحدد وتيرة حركة الترجمة من اللغات الأخرى وسرعة إيقاعها؛ وهو ما يحدد بدوره درجة الاندماج مع العالم، والتواصل مع الأمم والشعوب الأخرى، والإسهام في صنع هذا العالم. وعلى العكس من ذلك، كلما لجأ المجتمع إلى قوقعة الذات وانكفأ في داخله، خرج من العالم الذي يحيط به وضعفت هويته الثقافية نتيجة الانغلاق والانسحاب. وباختصار، فإننا نرى أن الترجمة عامل إيجابي من عوامل بناء الهوية الثقافية في كل الأحوال.

تأثيرات إيجابية للترجمة

وإذا كان هناك قدر من الشك لدى البعض في أن الترجمة يمكن أن تكون من عوامل التأثير السلبي على الهوية الثقافية؛ فإن التجارب التاريخية المعروفة عن تاريخ الترجمة وتأثيراتها في التراث الإنساني بشكل عام تؤكد أن الهوية الثقافية للحضارات التي مرت بتجارب واسعة النطاق في مجال الترجمة تبلورت بشكل أقوى وأكثر وضوحا عن ذي قبل. فقد أفادت الحضارة العربية الإسلامية كثيرا من حركة الترجمة الهائلة، التي واكبت بناء الدولة والمجتمع وجوانب البناء الحضاري الأخرى، في بلورة هويتها الثقافية منذ السنوات الباكرة في التاريخ الإسلامي. ذلك أن هذه الحضارة أفادت كثيرا من عمليات الترجمة التى شكلت عوامل إضافة مهمة للهوية الثقافية؛ فقد ساعدت الترجمة المسلمين على الإفادة من تراث الحضارات السابقة؛ وهى الحضارات التي كانت تنتمي إليها الشعوب التي اعتنقت الإسلام دينا واتخذت العربية لغة. لقد نزل الإسلام في منطقة من العالم القديم كانت مهدا لحضارات الإنسان الأولى، وكانت لشعوبها لغاتها القديمة بآدابها وعلومها وفكرها وفلسفاتها؛ بل ودياناتها. وكان طبيعيا أن يفيد المسلمون من موروثهم الثقافي. وإذ تم المزج بين موروثات هذه الشعوب العريقة من خلال عمليات الترجمة واسعة النطاق لمنجزات الحضارات القديمة في شتى المجالات الفكرية والمعرفية والفلسفية – وما جاء به الإسلام والعروبة؛ فضلا عن إبداعات الحضارة العربية الإسلامية نفسها؛ ومن هذا المزيج خرجت لنا هوية ثقافية قوية متماسكة زادتها ترجمة تراث الحضارات السابقة ثراء وقوة.

وإذا كانت الحضارة العربية الإسلامية قد أفادت من الترجمة في بناء هويتها الثقافية على نحو ما؛ فإن الحضارة الأوربية لم تستطع أن تتخلص من معوقات التقدم التي زرعتها الكنيسة الكاثوليكية بفعل العزلة التي فرضتها على أوربا من خلال الوصاية التي فرضتها لنفسها على العقول والضمائر وبسبب الطبيعة الممزقة للمجتمعات الإقطاعية التي عاشت أوربا الغربية تحت وطأتها في الغالب؛ فضلا عن وسائل الكنيسة وأدواتها التي تمثلت في محاكم التفتيش وغيرها أقول إن الحضارة الأوربية في الفترة المعروفة باسم «العصور الوسطى» لم تستطع أن تشكل هويتها الثقافية العامة إلا من خلال حركة الترجمة والنقل عن ميراث الحضارة العربية الإسلامية التي وفرت الشروط المناسبة للنهضة الأوربية في أواخر العصور الوسطى بالتفاعل مع عناصر أخرى من داخل الغرب الأوربي نفسه بطبيعة الحال؛ وكانت النتيجة أن وفرت الترجمات التي تمت في صقلية وإسبانيا وغيرهما من مراكز الترجمة،بالإضافة إلى العوامل والعناصر الأخرى. وعلى الرغم من إفادة الغرب الأوربي من التراث العربي الإسلامي عن طريق الترجمة، فإن أوربا خرجت من عصر النهضة لتشق طريقها بهوية ثقافية جديدة وقوية اتسمت بالثقة في النفس، كما كانت أساسا للتفوق الذي وفر لها السيادة على العالم على مدى فترة طويلة من الزمان.

وما يصدق على التجارب التاريخية في الترجمة يصدق بالضرورة على الترجمة في هذا العصر، فالفجوة المعرفية التي تفصل بيننا نحن العرب والعالم المتقدم كبيرة وعميقة، ويمكن أن تزداد عمقا وخطورة إذا ما تمت الاستجابة لدعوات الانكفاء على الذات والانسحاب من العالم بزعم الحفاظ على الهوية الثقافية.

***

الخلاصة أن الترجمة والهوية الثقافية ليسا على طرفي نقيض، وإنما تجمع بينهما علاقة وطيدة أشبه ما تكون بالعلاقة العضوية؛ فالترجمة في رأيي من العوامل المهمة في تشكيل الهوية الثقافية لأي جماعة بشرية تريد لنفسها مكانا في العالم الذي تعيش في رحابه.

التعليقات