المجلات التاريخية في الوطن العربي – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم كتابة تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

 هل أسهمت «المجلات التاريخية» في إثارة الوعي وشاركت في تحريك الساحة الفكرية التي عانت الركود زمنًا طويلاً في العالم العربي؟

هذا السؤال أول ما يطرأ على الذهن عندما يرد الحديث عن المجلات التاريخية في العالم العربي. ويستدعي هذا السؤال، بالضرورة، أسئلة أخرى جوهرية عن مدى ما حققته هذه المجلات والدوريات المتخصصة في الدراسات التاريخية في مجال تقدم هذه الدراسات على المستوى الأكاديمي، ومدى ما قدمته للباحثين والمؤرخين من خدمات لتطوير مجال دراستهم. المهم أن نشير هنا إلى عدة حقائق أساسية تتعلق بهذه المجلات: أولها أن «عمر» هذه «المجلات التاريخية» في الحياة الفكرية والثقافية العربية عمومًا قصير بالقياس إلى «السوابق» و«النماذج» الأوربية التي حاولت هذه المجلات تقليدها، وثانيتها: أن التوزيع المحدود جدًا لهذه المجلات والدوريات كان مقصورًا، في أحسن الأحوال، على الدوائر العلمية والأكاديمية في مجال البحث التاريخي، وثالثة هذه الحقائق، أن هذه المجلات والدوريات – حتى بعد تكاثرها – ظلت رهينة المحبين: ضعف الإمكانات المادية وضآلة عدد الجمهور الذي يطلبها.

وإذا كان من المتفق عليه بصفة عامة أن مهمة المؤرخ أن يحاول العثور على إجابة السؤال الذي يبدأ بالكلمة السحرية «لماذا؟» فإن محاولة تطبيق هذه الفكرة أيضًا تستوجب النظر إلى المجلات والدوريات ذاتها في الوطن العربي من ناحية، ومدى وعي الناس بحقائق تاريخهم – في خطوطها العريضة على الأقل – من ناحية أخرى. بيد أن الإجابة على السؤال المطروح، والأسئلة التي تولدت عنه، تستحق منا أن نلقي نظرة على المسرح الذي ولدت فيه أولى «المجلات التاريخية» في العالم العربي، والتي باتت «السابقة»، و«النموذج» الذي قلدته المجلات التاريخية الأخرى التي ظهرت وكأنها من أفراخ المجلة الأم، مع استثناءات قليلة هنا وهناك.

كان ذلك المسرح الذي وُلدت عليه فكرة «المجلة التاريخية المصرية»، وتجسدت على خشبته واقعًا حيًا ملموسًا، يتسم بالإثارة والصخب من حيث الأحداث التي تجري ومن حيث الإطار العام أو المشهد العام الذي جرت فيه هذه الأحداث على السواء. وكان ذلك كله من نتائج الظروف التاريخية الموضوعية التي جرت على العالم العربي طوال القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين. إذ كانت حركة الاستعمار الأوربي قد أحكمت قبضتها على سائر مناطق العالم العربي وأقاليمه إبان ذلك القرن. واقتسمت عدة دول استعمارية أوربية كعكة العالم العربي فيما بينها، وأعادت تقسيمها وتوزيعها فيما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.

لقد كان الاحتلال واقعًا جديدًا غريبًا ومثيرًا بالنسبة لأبناء الوطن العربي، وكان الأمر بالنسبة لهم يختلف بشكل جذري عن الواقع الذي ألفوه في ظل الحكم العثماني منذ القرن السادس عشر. إذ إن قوى الاحتلال الأوربي كانت «العدو» التاريخي الذي عرفه التراث التاريخي العربي متراجعًا ومهزومًا إبان حركة الفتوح الإسلامية، وفي غمار أحداث الحروب الصليبية، وكان انتصاره في الأندلس قريب العهد، وفي مناطق نائية. ومن ناحية أخرى، كان ذلك الاحتلال الأوربي حدثًا غير مسبوق بالنسبة لأبناء المنطقة العربية، ومنذ بداياته الأولى في القرن التاسع عشر حرّك المياه الراكدة في بحيرة الثقافة العربية. وقد تمثل صدى هذا في شتى صنوف الاستجابات الثقافية والفكرية. ولم يكن التاريخ استثناء من ذلك الحال، بل ربما كانت الكتابات التاريخية هي الأبرز من بين هذه الاستجابات بسبب طبيعة التاريخ ذاته، وعلاقة الإنسان بالتاريخ.

فالتاريخ ممارسة ثقافية مفتوحة أمام الجميع. ودراسته لا تحتاج إلى تدريب خاص أو تمرينات معقدة، وإنما تحتاج إلى مهارات بسيطة يمكن لأي إنسان اكتسابها بقليل من الجهد الذاتي، ودون مساعدة خارجية متخصصة (ويبقى أن ما يميز مؤرخًا عن آخر هو الموهبة والقدرة على تلمس الحقائق من بين المصادر».

ولعل هذا كان السبب في أن الكتابات التاريخية التي ظهرت آنذاك كانت كلها مكتوبة بأقلام مفكرين لم يتخصصوا – بشكل أو بآخر – في الدراسات التاريخية.

وهكذا، كانت أحداث الاحتلال في كل بلد من البلاد العربية، وما أدت إليه من نتائج والمقاومة التي كانت ردود أفعال لممارسات الاحتلال، وللاحتلال ذاته، والأفراد العاديون والقادة والزعماء الذين انخرطوا في أعمال المقاومة، والإدارة الاستعمارية، وما جرى في شتى مجالات الحياة من جراء وجود الاحتلال الأوربي، وما إلى ذلك – كلها فتحت مجالات جديدة للكتابة التاريخية العربية، وأفرزت موضوعات جديدة لم يعرفها تراث التدوين التاريخي في العالم العربي من قبل. بيد أن أهم ما حدث في هذا المجال تمثل في «الدهشة» و«الصدمة» التي عبّرت عنها كتابات عبدالرحمن الجبرتي عن الحملة الفرنسية على مصر (1798 – 1801م)، وعلى الرغم من المبالغات المتكررة عن تأثير الحملة الفرنسية على الجانب الفكري والثقافي في مصر، فإن استمرار الهجوم الاستعماري النشط، ثم نجاح الاحتلال منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر في المغرب العربي (فرنسا)، ثم ما حدث في بلدان المشرق العربي (إنجلترا وفرنسا وإيطاليا)، كان هو الذي ترك الأثر الثقافي الخطير في العالم العربي ضمن التأثيرات الأخرى.

من جهة أخرى، كان النشاط الصهيوني المحموم في فلسطين منذ بدايات القرن التاسع عشر على الأقل، وثورات الفلسطينيين المتكررة، وممارسات سلطات الانتداب البريطاني لصالح المشروع الصهيوني، طوال الفترة السابقة على «النكبة الكبرى» وإعلان قيام دولة إسرائيل على الأرض العربية في فلسطين – كل هذا كان من عوامل حفز البحث التاريخي ضمن الحركة الفكرية والثقافية العامة التي هبّت رياحها على كل مناطق العالم العربي.

باختصار، كانت الظروف التاريخية الموضوعية التي تعرض لها العالم العربي منذ القرن التاسع عشر وراء الحركة الفكرية والثقافية التي أفرزت في نهاية الأمر – ضمن إفرازات أخرى كثيرة على عدة جوانب – الدراسة التاريخية الأكاديمية التي استوجبت بدورها ظهور المجلات التاريخية في معظم مناطق العالم العربي. فقد كانت الدولة العثمانية «الرجل المريض» في العيون الأوربية الاستعمارية النهمة، ولم تنتظر القوى الأوربية وفاة المريض لاقتسام تركته، بل استولت على أملاكه قبل الوفاة بزمن طويل. ومن هنا جاءت «صدمة الاحتلال» موازية لصدمة أخرى على المستوى الثقافي تعرض لها العرب الذين تم احتلال بلادهم في مشرق العالم العربي ومغربه. وقد تمثلت أهم نتائج هذه الصدمة الثقافية والفكرية بشكل إيجابي عندما انتبه العرب إلى أن هزيمتهم العسكرية والسياسية كانت نتيجة للفارق الحضاري الذي يفصل بينهم وبين الدول الاستعمارية الأوربية التي احتلت بلادهم.

كما أدركوا أن العالم الذي ألفوه وعاشوا في رحابه تحت الحكم العثماني قد ولّى زمانه إلى غير رجعة، وأن الأوربيين سبقوهم في مضمار الحضارة والتقدم بفارق كبير.

كان طبيعيًا أن يحاول أبناء النخب العربية في المشرق والمغرب سدّ الفجوة الحضارية بينهم وبين الغرب الأوربي، مستفيدين من تجارب مهمة في هذا السبيل جرت في مصر والشام في عصر محمد علي باشا، ثم محاولات حفيده الخديو إسماعيل، والمحاولات الأخرى الموازية التي جرت في تونس أو سورية ولبنان أو العراق… أو غيرهما. ولأن أبناء النخب العربية أدركوا أن موازين القوة العسكرية، والتوازنات السياسية، والقدرة الاقتصادية، لم تكن في مصلحتهم (على الرغم من أن ذلك لم يمنع حركات الكفاح المسلح، ومحاولات تنمية القدرات الاقتصادية، ومناورات الحركة السياسية) فإن فريقًا منهم اختار النضال في مجال الفكر والثقافة والعلم. وعلى الرغم من أن النضال السياسي والكفاح العسكري كان الأعلى صوتًا، فإن نضال أبناء النخب العربية في مجال الفكر والثقافة والعلم كان أبقى أثرًا من ناحية، كما كان دعمًا وسندًا للكفاح المسلح والنضال السياسي من ناحية ثانية، فضلاً عن أن نتائجه ظلت قائمة على الأرض العربية حتى بعد رحيل الاستعمار من ناحية ثالثة.

لقد كان النضال الثقافي والفكري  والعلمي من جانب أبناء النخب العربية في جوهره بحثًا عن الخلاص، وسعيًا وراء الحل لأزمة التخلف العربي. ولكن اللافت للنظر أن هذا البحث وهذا السعي وراء الخلاص من السيطرة الأوربية كان في رحاب الفكر والثقافة الأوربية ذاتها. لقد كان بحث «المغلوب» عن حل أزمته عند «الغالب». فالمغلوب دائمًا مولع بتقليد الغالب، وهذه سنة تاريخية راسخة وحقيقية أيضًا. وكان طبيعيًا أن يحاول الباحثون عن الحل لأزمتهم أن يجدوا هذا «الحل» لدى أوربا. ومن هنا ذهبت البعثات، والأفراد، وأقيمت المؤسسات العلمية والثقافية – بل والسياسية – على غرار مثيلاتها في أوربا. فقد كانت المجلات والصحف، والمسارح ودور السينما، والندوات والمؤتمرات والاجتماعات، والجمعيات العلمية بشتى أنواعها، والجامعات – كلها تقليدًا محمودًا لنماذج أوربية. وتشهد مذكرات الرواد من المفكرين والباحثين والأدباء والفنانين العرب، ويومياتهم، عن الرحلة إلى أوربا بهذا القدر الكبير من الافتتان بالحضارة الأوربية، وتجليات الحياة الفكرية والثقافية هناك، ومدى الولع بتقليدها باعتبارها طريقًا للخلاص. كانت هناك – بطبيعة الحال – مظاهر سلبية عديدة لتقليد أوربا، ولاسيما في مجال السلوك الاجتماعي لأبناء الشرائح العليا في المجتمعات العربية، ولكن هذا ليس مجال اهتمامنا في هذه الورقة على أي حال.

كان أهم هذه التجليات الفكرية والعلمية والثقافية لنضال الشعوب العربية، إنشاء الجامعة المصرية في العقد الأول من القرن العشرين. وفي ظني أنه كان أهم حدث في التاريخ الفكري والثقافي في العالم العربي في العصر الحديث (لأن الجامعة المصرية كانت بؤرة التفاعل الثقافي العربي، كما تربت فيها أجيال من المفكرين العرب، فضلاً عن أنها صارت نموذجًا أنشئت على مثاله الجامعات العربية الأولى في بغداد ودمشق وغيرها، كما أنها خرجت أجيالاً من الأساتذة والمفكرين الذين ساعدوا على إنشاء جامعات كثيرة بعد ذلك في مصر وغيرها من البلاد العربية) لقد تأسست الجامعة المصرية، بمبادرة أهلية وباعتبارها أداة نضال ضد الاستعمار البريطاني في مصر سنة 1908م، ثم تحوّلت إلى جامعة حكومية سنة 1925م، ويهمنا هنا أن نركز على مدى تأثير الجامعة على الدراسات التاريخية بصفة خاصة، مع اعترافنا بأهمية ما قدمته في المجالات الأخرى بطبيعة الحال.

كانت كلية الآداب في الجامعة المصرية، ثم جامعة فؤاد الأول، من أولى الكليات التي قامت الجامعة عليها، ومنذ بداية هذه الكلية حظيت الدراسات التاريخية فيها بحظ وافر، فقد كان قسم التاريخ واحدًا من الأقسام الخمسة التي ضمتها الكلية عند نشأتها. فقد ضمت كلية الآداب خمسة أقسام: التاريخ، واللغة العربية، واللغات الشرقية، واللغات الأوربية والفلسفة.

ويهمنا في هذا المجال أن نشير إلى أن الدراسة التاريخية الأكاديمية، بمعناها الحديث قد نشأت للمرة الأولى في العالم العربي، بقسم التاريخ بالجامعة المصرية (جامعة فؤاد الأول ثم جامعة القاهرة)، وهو ما جعل الدراسات التاريخية تنعطف منعطفًا جديدًا في القرن العشرين. بيد أن أهم نتائج هذا التحول الجديد في اتجاه الدراسات التاريخية، في رأيي، تمثلت في ظهور المؤرخ المحترف (أي الذي يتخذ من البحث التاريخي وتدريس التاريخ مهمة يكرّس حياته لها، ويكسب عيشه منها)، وعلى الرغم من أن هذا لم يمنع ظهور مؤرخين موهوبين ممن لم يتخذوا التاريخ مهنة لهم، فإن ظهور «المؤرخ المحترف» للمرة الأولى في الحياة الفكرية العربية أدى إلى نتائج غاية في الأهمية. فقد بدأ يظهر بين صفوف المؤرخين المحترفين شعور بالذات جعلهم يتطلعون إلى تأكيد هويتهم من خلال الجمعيات التاريخية، والمجلات التي تحمل ثمار عملهم في مجال تخصصهم، رغبة منهم في التمايز عن زملائهم المتخصصين في فروع المعرفة الأخرى.

وربما يكون من المهم أن نشير هنا إلى أن ظهور المؤرخ المحترف في الفضاء الفكري العربي لا يعني بالضرورة أن المؤرخين من خارج الأكاديمية كانوا من الهواة حسبما ظن البعض. فالمؤرخ هو المؤرخ بغض النظر عن  مهنته، وقدراته العلمية ومواهبه هي المعيار الوحيد لتميزه عن غيره.

من ناحية أخرى، كانت إسهامات المؤرخين العرب، من غير المحترفين (بالمعنى الذي أشرنا إليه في السطور السابقة) في النصف الأول من القرن العشرين، والمصريون منهم بوجه خاص، قد حملت بصمة المؤثرات الأوربية في الفكر التاريخي. ولكن كتابات أولئك المؤرخين لم تخضع تمامًا لهذه المؤثرات لأن أنفاس التراث العربي في مجال الكتابة التاريخية كانت مازالت تتردد في ثنايا كتابات أولئك المؤرخين، الذين كانوا بمنزلة الجسر الواصل بين أصحاب الكتب والمؤلفات التاريخية في القرن التاسع عشر، من أمثال عبدالرحمن الجبرتي، وعلي مبارك، ورفاعة الطهطاوي، وفيليب جلاد، ويعقوب آرتين، وسليم نقاش (في لبنان)، وميخائيل شارويم، ونقولا الترك.. وغيره من ناحية، والمؤرخين الذين تتلمذوا على أيدي الأوربيين من ناحية أخرى.

وربما يكون مفيدًا في هذا السياق أن نشير إلى أن بداية الدراسة الأكاديمية للتاريخ في العالم العربي كانت موصومة في بعض الفترات بتبعية هذه الدراسة لفكرة التاريخ الأوربي، وتقسيم الزمن التاريخي حسب الرؤية الأوربية. فقد ظل قسم التاريخ بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) تحت رئاسة الأساتذة الأجانب، وتوجيههم، حتى سنة 1936م، وإن ظلت بصمتهم باقية حتى الآن في تقسيم العصور التاريخية، وتنظيم مناهج الدراسة. وما نتج عن هذا، بطبيعة الحال، من مشكلات مازالت الدراسات التاريخية تعاني منها في شتى أنحاء العالم العربي.

ومن ثم جاءت الدراسة التاريخية في مصر، وفي العالم العربي عمومًا، وكأنها فرخ من أفراخ الدراسات التاريخية الأوربية. وبغض النظر عن النتائج والآثار السلبية العديد لهذه الحقيقة «التاريخية»، فإن تأثير الأساتذة الأجانب كانت له جوانبه الإيجابية أيضًا.

فقد ظهرت في الأجيال التالية محاولات جادة لتعريب «التاريخ»: أي محاولة «قراءة» التاريخ من وجهة نظر عربية ومصرية أسهم فيها المؤرخون المحترفون وغير المحترفين معًا. وظهر عدد من المؤرخين الذين كان طموحهم يدفعهم إلى محاولة بناء «مدرسة تاريخية» عربية يكون قوامها ذلك العدد المتزايد من المؤرخين العرب «المحترفين» الذين تخرجوا من أقسام التاريخ في الجامعة العربية المتزايدة في كل قطر من أقطار العالم العربي إلى جانب نفر من المؤرخين الذين كانت كتاباتهم تجديدًا مثيرًا ومفيدًا أفادت منه الدوائر الأكاديمية في مجال الدراسة التاريخية كثيرًا. وحاول الكثير من المؤرخين العرب تصحيح الأخطاء والخطايا الناجمة عن اتباع خطى المؤرخين الأوربيين، والأخذ بمفاهيمهم، وعدم فهم انحيازاتهم التاريخية.

كان إنشاء الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (الجمعية التاريخية الملكية) في النصف الأول من القرن العشرين بالقاهرة أولى الخطوات الجادة والناجحة في هذا السبيل. وقد كان الفضل في إنشاء هذه الجمعية راجعًا إلى عدد من رواد الدراسات التاريخية المصريين ولقوا مساندة مهمة من أبناء النخبة المصرية ولاسيما من أبناء الأسرة الملكية الحاكمة آنذاك. وكانت أهم أهداف هذه الجمعية ترقية البحث التاريخي، والعمل على تطور الدراسات التاريخية في العالم العربي. ومن الطبيعي أن تضم هذه الجمعية في عضويتها، على مدى أجيال متعاقبة، عددًا كبيرًا من المؤرخين العرب، والمهتمين بالدراسات التاريخية العربية. ومن ناحية أخرى، أصدرت الجمعية المصرية «المجلة التاريخية المصرية» لتكون أول مجلة مصرية عربية تحتضن جهود المؤرخين العرب في تطوير البحث التاريخي في العالم العربي من ناحية، ونشر ثمار الدراسة الأكاديمية من ناحية ثانية، وإثارة وعي النخبة بتاريخها من ناحية ثالثة. وقد لعبت هذه المجلة دورًا مهمًا في ميدان الدراسة التاريخية وفتحت صفحاتها للدراسات الجديدة في فروع الدراسات التاريخية الجديدة التي ارتادها المؤرخون والباحثون العرب.

ويكشف أي جهد إحصائي في فهارس الأعداد التي صدرت من «المجلة التاريخية المصرية» عن أن كتّابها من الباحثين العرب، على مرّ الأجيال، قد طرقوا أبواب البحث في التاريخ السياسي، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الاقتصادي، والتاريخ العسكري، وتاريخ الفن، والتاريخ الفكري.. وهلم جرا. بل إن صفحات المجلة استضافت البحوث التي تتناول الآثار على اعتبار أن مجال التاريخ ومجال الآثار مرتبطان ارتباطًا عضويًا. وبالإضافة إلى هذا التنوع المثير في الموضوعات التي ضمتها صفحات المجلة المصرية التاريخية، فإنها كانت تقيم في كل سنة حلقة نقاشية حول أحد الموضوعات المهمة ويتم نشرها في كتاب مستقل، ومن أهم ما أصدرته «الجمعية التاريخية المصرية» في هذا الصدد تلك المجموعات من الدراسات عن المؤرخين العرب عن الكتابة التاريخية العربية بشكل عام: فقد صدرت مجلدات مهمة عن ابن عبدالحكم، والمقريزي، وابن إياس.. وغيرهم. كما أن الدراسات التي تتناول مناطق التداخل بين التاريخ وغيره من فروع المعرفة، مثل الاجتماع، والسياسة والاقتصاد والفن والآثار وغيرها، لقيت المزيد من اهتمام المجلة التاريخية المصرية بحيث ضمت أعدادها على مر السنين بحوثًا ودراسات كثيرة في هذه الميادين، بل إنها ضمت دراسات عن العلاقة بين الشعر والتاريخ، والأدب والتاريخ بشكل عام بدأت تظهر على استحياء في هذه المجلة العريقة.

ولأن «المجلة التاريخية المصرية»، تحمل جزءًا مهمًا من «تاريخ» الدراسة التاريخية في مصر، وفي العالم العربي بشكل عام، فإنها عكست التطورات الفكرية التي جرت على الساحة المصرية والعربية في النصف الثاني من القرن العشرين. إذ كان من الطبيعي بعد ثورة 1952، وتصاعد المد القومي العربي من ناحية، وبروز الاهتمام بالشعب وطبقاته الفقيرة بشكل خاص من ناحية أخرى، أن يتجه البحث التاريخي بعيدًا عن المدرسة الليبرالية القديمة التي كانت تمجد الفرد الحاكم، وتأخذ بنظرية البطل في التاريخ. وبدأ جيل المؤرخين الذي برز في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين يبحث في أحوال العمال والفلاحين، وبدأت دراسات التاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي لأبناء هذه الطبقات تنتشر على صفحات المجلة. ومن ناحية أخرى، أدى تصاعد المد القومي العربي إلى إعادة النظر في الكثير من المسلمات التي كانت سائدة بشأن التاريخ العربي القديم، والحضارة العربية الإسلامية، والحروب الصليبية… وما إلى ذلك. كما تنوعت الدراسات التاريخية من حيث الكيف تنوعًا كبيرًا، واقتحمت مناطق عديدة لم تكن مطروقة من قبل. فقد ظهرت فروع الدراسات التاريخية واضحة جلية على صفحاتها وانعكس دورها الإيجابي على التنوع المذهب في موضوعات الدراسات التاريخية التي تناولتها رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات المصرية والعربية.

وقد شهدت فترة السبعينيات من القرن العشرين  تغيرات هائلة في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية في العالم العربي على اتساعه، إذ إن تلك الفترة التي بدأت بحرب أكتوبر سنة 1973م شهدت تحولات أيديولوجية عميقة، وظهور قوى سياسية واقتصادية منافسة للقوى السياسية القديمة في المنطقة العربية، إلى جانب الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته سنوات النصف الثاني من السبعينيات وما تلاها في جميع أنحاء العالم العربي، ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص، وما أدت إليه من مشروعات تنموية على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وكان إنشاء الجامعات العربية بكثرة من أهم تجليات تلك التغيرات التي شهدتها المنطقة العربية منذ السبعينيات. وكانت النتيجة الحتمية لهذه الطفرة في أعداد الجامعات العربية، التي كانت حتى ذلك الحين محدودة العدد، ومقصورة على بعض البلاد العربية دون البعض الآخر، أن زادت أعداد مجال الطلاب في مرحلة ما قبل التخرج، وأعداد طلاب الدراسات العليا على السواء. ولم يكن مجال الدراسات التاريخية استثناء من ذلك بطبيعة الحال. ففي مصر، مثلاً، لم يعد الأمر مقصورًا على جامعات القاهرة وعين شمس والاسكندرية، وإنما انضمت إليها جامعة الأزهر بفروعها العديدة – بعد تطويرها في ستينيات القرن العشرين – بالإضافة إلى الجامعات العديدة، التي تم إنشاؤها في العديد من المحافظات المصرية طوال الربع الأخير من القرن العشرين.

وعلى مستوى العالم العربي، شهدت العقود الثلاثة الأخيرة من هذا القرن زيادة كبيرة في عدد الجامعات العربية في العراق، وسورية، ولبنان، وفلسطين، والأردن بالمشرق العربي، وجامعات المغرب وتونس والجزائر وليبيا في المغرب العربي، فضلاً عن جامعات السودان واليمن. أما منطقة الخليج العربي، التي كانت جامعة الكويت من أوليات جامعاتها الكبيرة والمتقدمة، فقد شهدت توسعًا هائلاً في إنشاء الجامعات بالسعودية، وسلطنة عمان، ودولة الإمارات، والبحرين، وقطر.

ولم تكن هذه الزيادة في أعداد الجامعات العربية مجرد زيادة كمية فحسب، بل أفرزت النتائج الكيفية الحتمية عندما بدأ خريجوها يدخلون الفضاء الفكري والثقافي والعلمي العربي، فاعلين ومتفاعلين في شتى نواحي الممارسات الفكرية والثقافية. وكان الباحثون في التخصصات التاريخية المختلفة من أبناء هذه الجامعات هم الذين دفعوا بعربة الدراسات التاريخية العربية قدمًا في بلادهم. ومع تزايد عدد المؤرخين ودارسي التاريخ في هذا البلد أو ذاك من البلاد العربية تصاعد شعورهم بأهمية الدراسة، التي كرّسواحياتهم لها، كما تصاعد شعورهم بالحاجة إلى رابطة ما تجمعهم في نوع من الوحدة العلمية أو الأكاديمية. ومن هنا ظهرت «الجمعيات التاريخية». وأخذت تصدر «مجلة» أو «حوليات» خاصة بها تتضمن بعض الدراسات التاريخية، ولكن هذا لم يكن كافيًا في نظر المؤرخين العرب في كل بلد عربي (تجدر الإشارة هنا إلى أن جامعة الكويت كانت الأوفر حظًا في إصدار عدد من الإصدارات، التي حملت صفحاتها الدراسات والبحوث، التي أسهم فيها الباحثون العرب من كل مكان، ومنهم المؤرخون بطبيعة الحال).

فمن اليمن إلى دمشق، ومن الخليج إلى المغرب، كانت هناك إصدارات بعضها تم تخصيصه للدراسات التاريخية الخالصة، على حين كانت بعض الإصدارات تضم كل الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية.

وهنا، يجدر بنا الوقوف قليلاً أمام تجربة المغرب العربي، ومنطقة الخليج العربي، باعتبارهما نموذجين دالين في موضوع المجلات التاريخية في العالم العربي.

فمن المغرب بدأت في أوائل سبعينيات القرن العشرين عملية تعريب كلية الآداب في الرباط. وكانت تلك الفترة مناسبة تمامًا لكتابة تاريخ المغرب بحيث بدأت آثار الميراث الاستعماري تزول (بعد أن ظلت البلاد تحت الاحتلال، أو الحماية. الفرنسية والإسبانية من عام 1912 إلى عام 1956م حسبما يقول نيقولا ميشيل، الباحث بالمعهد الفرنسي للآثار الرقية بالقاهرة «نشأة المدرسة التاريخية المغربية». 1995م. ص47 وما بعدها). ولكن المغرب استطاع بفضل عدد من أبنائه الذين درسوا في فرنسا وضع أسس المدرسة التاريخية المغربية. بيد أن الثمانينيات من القرن العشرين، هي التي شهدت الازدهار الحقيقي في أحوال الجامعات. وانتشار كليات الآداب، وصار لكل كلية آداب وعلوم إنسانية مجلة خاصة بها، وقد يضم كل عدد من هذه المجلات مقالاً أو مقالين في التاريخ.

بيد أن ما يلفت النظر حقًا، أن المجلة التاريخية المغربية حتى منتصف العقد الأخير من القرن العشرين، كانت تحمل اسمًا غير عربي Hesperis-Tamuda، وأكثر مقالاتها مكتوبة باللغات الأجنبية، وعلى الرغم من حداثة المدرسة التاريخية المغربية، فإن «المجلة» التي تحمل صوتها لا تخاطب العالم العربي، ولا تتواصل معه (بشكل ملموس حتى الآن على الأقل)، وهي في هذا الصدد تختلف عن تونس والجزائر. فالأولى قطعت شوطًا كبيرًا في تعريب مدرستها التاريخية من ناحية. كما أن الجهود الباهرة للدكتور عبدالجليل التميمي في تونس، جعلتها تنفرد باثنتين من المجلات التاريخية المتخصصة في العالم العربي: إحداهما عن الدراسات العثمانية، والأخرى عن الدراسات الموريسكية.

والمثال الثاني من منطقة الخليج العربي. فعلى الرغم من الإصدارات الكثيرة، التي تصدرها كليات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعات الخليجية. فإن المؤرخين والأثريين من أبناء هذه المنطقة، نجحوا في تكوين جمعية علمية تضمهم هي «جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية». وقد نجحوا أيضًا في إصدار مجلة تحمل اسم «مجلة التاريخ للتاريخ والآثار». وقد صدر منها عددان حتى الآن بتمويل ذاتي تقريبًا. وعلى الرغم من أن الوقت لايزال مبكرًا للحكم على مدى فعالية هذه المجلة، فإنها يمكن أن تكون صوتًا حقيقيًا للبحث والدراسات التاريخية في هذه المنطقة من العالم العربي.

ولست أظن أن هذين المثالين على جناحي العالم العربي يجسدان حقيقة ما يجري في القلب، حيث المجلات التاريخية العربية العريقة، ولكني لا أشك في أنهما علامتان على بداية يمكن أن تكون لها تداعياتها الإيجابية القوية على إثارة الوعي بالتاريخ من ناحية، والتواصل مع الأصوات التاريخية الأخرى في المنطقة العربية من ناحية أخرى.

وإذا كنا قد تحدثنا حتى الآن عن المجلات التاريخية الصادرة عن جمعيات المؤرخين بشكل عام. فإننا يجب أن نشير إلى تلك المجالات التاريخية، التي تصدر عن العديد من أقسام التاريخ في الجامعات المصرية والعربية.كما أن مراكز البحوث والدراسات التاريخية. (التي لايزال بعضها مستمرًا وتوقف بعضها الآخر)، أصدرت مجلات خاصة بها. ومن ناحية أخرى، فإن «اتحاد المؤرخين العرب» (الذي كان مقره في بغداد، ثم انتقل إلى القاهرة بعد عدوان صدام حسين على الكويت)، مازال يصدر مجلة بعنوان «المؤرخ العربي». وخلاصة القول إن المجلات التاريخية العربية قد شهدت نوعًا من «التكاثر» الشديد في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، والسنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. وقد أدى هذا «التكاثر» إلى نتائج إيجابية على المستوى الكمي من حيث إتاحة الفرصة لمزيد من الباحثين والمؤرخين العرب لنشر نتائج بحوثهم ودراساتهم. كما أتاح مساحة أرحب للدراسات في الفروع المتنوعة للدراسات التاريخية. بيد أن السؤال يطرح نفسه عن مدى نجاح هذه المجلات في التواصل مع عامة المثقفين وأبناء النخب الفكرية، فضلا عن نجاحها في الوصول إلى القارئ العربي العام.

وإذا كنّا قد بدأنا حديثنا بالمجلة التاريخية المصرية، فإن ما حققته هذه المجلة من نجاح طوال مسيرتها يكاد أن يتوقف الآن لأن هذه المجلة العريقة لاتزال حتى الآن تسير على الخطوط نفسها، التي قامت عليها منذ إنشائها، فلم تتغير بنيتها التحريرية، وعلى الرغم من أن «المجلة التاريخية المصرية»، نشرت بحوثًا قيمة على مدى تاريخها الطويل، فإن  حركتها العلمية ظلت أسيرة الفلك الذي أراده لها مؤسسوها منذ أكثر من نصف قرن مضى.

ولأن العدد الأكبر من المجلات التاريخية العربية قد صدر على غرار «المجلة التاريخية المصرية»، سواء المجلات، التي تصدرها أقسام التاريخ في مصر، أو المجلات التاريخية الصادرة عن اتحاد المؤرخين العرب (القديم والجديد) والجمعيات التاريخية العربية. فإنها ظلت تدور في فلكها، ولم تستطع أن تخرج من جلبابها. وتفسير ذلك أن البنية التحريرية لهذه المجلات ظلت قائمة على نشر البحوث والدراسات في مختلف فروع الدراسات التاريخية: سواء على أساس التقسيم المصطنع للزمن التاريخي وعصوره: العصور القديمة، والعصور الوسطى، والعصور الحديثة والمعاصرة)، أو على مستوى التقسيم النوعي (التاريخ السياسي، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الثقافي… وما إلى ذلك)، ثم أخبار الندوات والمؤتمرات وعرضها. وربما دراسة أو عرض لبعض الكتب.

وأبادر إلى القول إن هذا ليس عيبًا، ولكن تكراره في جميع المجلات هو العيب العلمي. إذ يلفت النظر في هذه المجلات جميعًا أنها نسخ تكرر بعضها بعضًا، ولو أنك نزعت العنوان الدال على جهة إصدارها لما وجدت فروقًا، جوهرية أو ثانوية بينها. فكلها تقريبًا تنشر الموضوعات نفسها. والبحوث والدراسات في شتى فروع الدراسات التاريخية. وفي مختلف العصور التاريخية. في مزيج يشبه المزيج الذي بدأت به «المجلة التاريخية المصرية»، منذ عشرات السنين، وليست هناك مجلات أو دوريات تاريخية متخصصة في فترات تاريخية معينة (باستثناء حولية التاريخ الإسلامي والوسيط، التي أصدرتها مجموعة من المؤرخين المصريين في ثمانينيات القرن العشرين، ولاتزال تصدر بجهود عدد من شباب المؤرخين، ومجلة الدراسات العثمانية، ومجلة الدراسات الموريسكية اللتين سبقت الإشارة إليهما)، ولا توجد حتى الآن مجلة عربية متخصصة في أحد فروع العلم التاريخي. إذ يمكن للمرء أن يعدد عشرات المجلات المتخصصة في التاريخ الاجتماعي أو التاريخ الاقتصادي، أو غيرهما في أوربا والولايات  المتحدة وكندا، وهناك مجلات ودوريات متخصصة في تاريخ الحروب الصليبية، أو الدراسات البيزنطية، أوالتاريخ الديني، أو في التاريخ المحلي لأحد البلاد في هذه المناطق.

ويلفت النظر هنا، أن الدراسات التاريخية في الوطن العربي قد تقدمت بالفعل وصار هناك تراكم كمي، وثراء، نوعي أيضًا، في فروع الدراسات التاريخية، في العالم العربي، لم يكن يوازيه تقدم في المجلات التاريخية العربية. وفي ظني أن هذا الموقف الغريب (تقدم الدراسات التاريخية، وزيادة عدد المؤرخين العرب المتخصصين في مختلف فروع الدراسة التاريخية من جهة، وجمود المجلات التاريخية العربية في قالب واحد متكرر من جهة أخرى) ناتج عن ضعف التمويل، وانعدامه أحيانًا.

ومشكلة توزيع هذه المجلات، التي لاتزال محصورة داخل نطاق ضيق تمامًا (بعض هذه المجلات لا يطبع أكثر من مائتي نسخة). كما أن عددًا كبيرًا من هذه  المجلات والدوريات قد صارت مجرد أداة لنشر البحوث والدراسات، التي يتقدم بها أصحابها إلى الترقية في الوظائف الأكاديمية. وهو ما يعني أنها صارت «وسيلة مهنية». أكثر من كونها «وسيطًا علميًا» للعمل على تطور الدراسة التاريخية بشكل عام. وتجديد الفكر  التاريخي في فروع الدراسات التاريخية، ذلك أن شباب الباحثين الذين يكتبون في هذه المجلات (بسبب عزوف الكبار لأسباب عدة عن الكتابة في هذه المجلات)، يميلون عادة إلى الالتزام بالقواعد الراسخة، والتي لا تثير الجدل، ويبتعدون عن «المغامرة» بدخول مجلات جديدة خوفًا من إغضاب «الشيوخ» الذين يميلون عادة إلى تصديق أنهم «الأفضل»، وأن الأفكار والرؤى التاريخية التي عملوا في إطارها هي الأحسن. ويؤدي ذلك بالضرورة إلى جمود المجلات التاريخية في المضمون زيادة على جمودها في الشكل.

ومن المثير أن هذه الحقيقة لا تنطبق إلا على معظم الدوريات المنتظمة، على حين أن بعض الإصدارات الخاصة حول مشكلات البحث التاريخي، أثبتت أن هناك قدرًا كبيرًا من الحيوية في مجال البحث التاريخي «تعجز» المجلات التاريخية عن أن تستوعبه. فقد عقدت ندوات ومؤتمرات لمناقشة الجوانب المختلفة للبحث التاريخي في العالم العربي. ونشرت أعمالها (منها المائدة المستديرة التي عقدتها مجلة «فكر» في 1985م، واستضافت عددًا من المؤرخين والمفكرين، والندوة الموسعة التي عقدها المعهد الهولندي للدراسات العربية في القاهرة تحت إشراف المرحوم الدكتور أحمد عبدالله سنة 1987م، والندوة التي عقدها «مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية»، التابع للسفارة الفرنسية بالقاهرة (السيداج) بعنوان الدراسة التاريخية المصرية 1970 – 1995م، بإشراف الدكتور محمد عفيفي، وغيرها من الندوات)، على حين ظلت المجلات التاريخية العربية قانعة بدورها التقليدي.

وربما يكون من الإنصاف أن نحاول تبرير ذلك القصور «الظاهري» الذي تبدو عليه المجلات التاريخية العربية، وبداية نقرر أن المسئولين عن هذه المجلات عادة ما يكونون من أكثر الباحثين حماسة ونشاطًا، ومن ثم فإن معظم المجلات تصدر بمثابرة شخصية منهم، كما أن مشكلة تمويل هذه المجلات تقف عائقًا حقيقيًا دون صدورها بشكل منتظم وعلى نحو لائق، وتحول بالضرورة دون «المغامرة» سواء في تطوير المضمون أو الشكل أو طباعة عدد كاف لطرحها على عامة القرّاء، ومن هنا يتحمل الباحثون عبء التمويل حين يدفع كل منهم «تكاليف» نشر البحث!!!

حقًا، إن المجلات التاريخية العربية – في معظمها – رهينة المحبسين: ضعف التمويل وضعف التوزيع، فهل يمكن بعد هذا أن نتحدث عن «تأثير» خارج نطاق الدوائر الأكاديمية!

لقد كان من حسن حظ التاريخ والمؤرخين في العالم العربي أن الدراسات والكتابات التاريخية لم تكن وقفًا على المجلات التاريخية العربية. فقد كانت جميع المجلات الثقافية والأدبية العربية تخصص مساحات محترمة للدراسات التاريخية، بل إن الصحف والمجلات السيارة أسهمت في هذا المجال بقدر وافر. وشاركت الإذاعة والتلفزيون والسينما أيضًا بالكثير، ثم جاءت شبكة المعلومات الدولية لتقدم ما لم تستطع أي من الوسائط الأخرى تقديمه في مجال المعرفة التاريخية.

وهو ما يؤكد الحقيقة القائلة إن الرغبة في المعرفة «التاريخية» البسيطة تكاد تقترب من الغريزة عند الإنسان العادي، فلكل امرئ تاريخه الخاص، أي ماضيه، الذي يحب أن يعرفه، وكل منا يريد أن يعرف «ماذا كان»، و«لماذا كان». وأصول ما هو ماثل أمامه من حقائق وظواهر وعادات وتقاليد، وعلى مستوى العقلية الجماعية ترغب الجماعة الإنسانية عامة في معرفة حقائق ماضيها، ليس في الشكل الأكاديمي الجامد بطبيعة الحال، وإنما في قالب سردي حكائي يلعب فيه الخيال دوره، وهو ما نجحت فيه مجلة، الهلال، مثلا منذ تأسيسها قبل قرن من الزمان، وقد لعبت المجلات الثقافية الدور الأكبر في هذا الصدد.

أما المجلات التاريخية العربية فقد عجزت، حتى الآن. عن الوصول إلى القارئ العادي، ولست أظن أنها تستطيع. بيد أن هذا ليس دورها، وليس مطلوبًا منها. ولكن هذه المجلات بحاجة إلى كسر الطوق الأكاديمي للوصول إلى النخبة المثقفة، التي يقوم أفرادها دائمًا بدور الوسيط بين الأكاديمية والجمهور العام.

***

          ربما لم تستطع هذه الورقة أن تجيب عن الأسئلة المطروحة في بدايتها، ولكنني حاولت أن أعثر على الإجابة من خلال عرض «تاريخ» هذه المجلات التاريخية والفضاء الفكري الذي ظهرت فيه، وعلى الرغم من أنني لم أتمكن من العثور على الإجابات، فإنني خرجت ببعض الملاحظات.

أولاً: أن الظروف التاريخية الموضوعية التي أفرزت أولى «المجلات التاريخية العربية» قد تغيرت بشكل جذري – أكثر من مرة – ولكن البنية التحريرية للمجلة العريقة لم تتغير على الرغم من تنوع محتواها تنوعًا هائلاً.

ثانيًا: أن المجلات التاريخية العربية، التي صدرت بعد ذلك لم تكن سوى تكرار في الكل والوظيفة والمحتوى للمجلة الأولى – باستثناءات قليلة جدًا – بحيث يمكن أن تكون «ملاحق» لها.

ثالثًا: أن المشكلات والمصاعب، التي واجهت المجلات التاريخية، التي تكاثرت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، والتي صدرت غالبيتها بمبادرات فردية وشخصية من جانب المسئولين عنها، حالت دون تحقيق طموح المؤرخين الذين أصدروا هذه المجلات.

رابعًا: إن حال التراجع العام في العالم العربي قد تركت تأثيراتها بالضرورة على كل نواحي الحياة العربية، وكانت النواحي الثقافية والفكرية أولى ضحايا هذا التراجع، لاسيما أن الحكومات العربية اهتمت بتأمين نفسها، وأنفقت معظم موارد البلاد على هذه الجوانب البوليسية.

خامسًا: إن الصورة التي تبدو قاتمة صورة خادعة، تخفي الكثير من الملامح الحيوية، التي تشي بأن التراجع الثقافي والفكري الظاهر سببه حال «المنع» التي تسود الكثير من مناطق العالم العربي، وتحول دون ظهور الفعاليات الثقافية والفكرية الجديدة إلى العلن.

هذه «الملاحظات» تقودنا بدورها إلى وجوب مراجعة الدور الذي تقوم به المجلات التاريخية العربية، ولكي يمكن لهذه المجلات أن تؤدي دورها بشكل فعال، لابد من أن تتوافر لها موارد الدعم الثابتة والمستمرة (على غرار ما حدث للجمعية المصرية للدراسات التاريخية ومجلتها من دعم قدمه الشيخ القاسمي، وما قدمته دولة الكويت من دعم لاتحاد المؤرخين العرب في القاهرة والمجلة التي يصدرها).

ولاتزال الحاجة قائمة إلى مجلات تاريخية متخصصة في فروع الدراسات التاريخية، وفي الفكر التاريخي، ونظريات تفسير التاريخ، ومشكلات البحث التاريخي بجوانبها المختلفة، ومتابعة كيفية تدريس التاريخ في المدارس والجامعات العربية. ولأن الوعي التاريخي شرط من شروط المواطنة الحرة الواعية، فإن المجال مفتوح أمام مجلات تاريخية عربية من نوع جديد: مجلات تكون مهمتها «تبسيط» التاريخ، على غرار «تبسيط العلوم». وتكون مهمتها «تبسيط» التاريخ، على غرار «تبسيط العلوم»، وتكون مهمتها نشر الوعي بالتاريخ من خلال ما يمكن أن نسميه «التاريخ الشعبي»، أي الدراسات والبحوث، التي تخاطب عامة الناس بأسلوب سهل سلس لتعريفهم بحقائق تاريخهم دونما تعقيد أو إفراط في الشكل الأكاديمي (الذي يجب أن يبقى أيضًا داخل دوائر البحوث والدراسات الجامعية والأكاديمية). ودونما ذلك التعالي الذي نراه في خطاب بعض الأكاديميين. إن مثل هذه المجلات «التاريخية» البسيطة موجودة بالفعل في أوربا وأمريكا وبعضها موجه للأطفال والشباب والصغار على هيئة شرائط Strips. وتؤدي دورًا مهمًا، ويمكن أن يكون هناك الكثير في هذا المجال.

إن نظرة على التنوع والتطور الذي شهدته الدراسات التاريخية في العالم العربي في أثناء العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين ونصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. تكشف عن حجم ومدى ما حققته الدراسات التاريخية في العالم العربي. كما أن نظرة موازية على المجلات التاريخية العربية، التي صدرت في الفترة ذاتها، تكشف عن أن عدد هذه المجلات قد زاد حقًا، ولكنها تكشف أيضًا عن أنها كثرة «التكرار»، وليست كثرة «التنوع».

التعليقات