العلاقات الصينية – العربية الباكرة رؤية صينية ورؤية عربية: صورة الآخر – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم تاريخ الشرق الأقصى دكتور قاسم عبده قاسم
0 Flares 0 Flares ×

تخلو المصادر التاريخية، الصينية والعربية، مما يشير إلى العلاقات بين الجانبين، أو حتى معرفة كل منهما بالآخر، قبل القرن السابع الميلادي. فلم يسمع الصينيون عن العرب قبل هذا التاريخ سوى القليل للغاية. ومن ناحية أخرى، لا تشير المصادر العربية التى تم تدوينها بعد الإسلام إلى وجود أي نوع من العلاقات بين العرب والصينيين قبل هذا التاريخ. فقد كانت الصين إمبراطورية على حين كان العرب قبل الإسلام موزعين بين كيانات تراوحت فيما بين القبيلة، والإمارة، والدولة – القبيلة؛ فلم يكن يجمعهم كيان سياسي واحد. وربما كان هذا هو السبب فى عدم اهتمام الصين بهم آنذاك، إذ لم يكن للعرب سوى دورهم فى التجارة العالمية المارة فى بلادهم؛ ونشاطهم التجاري فى حوض السند. وعلى الجانب الآخر يبدو أن العرب لم يكونوا يعرفون الصين قبل خروجهم فى حركة الفتوح الإسلامية التى جاءت بهم إلى مناطق وسط آسيا وبالقرب من حدود الصين.

وربما يكون مناسبا هنا أن نتحدث عن الفارق بين المصادر التاريخية الصينية والمصادر التاريخية العربية التى نعتمد عليها فى هذه الدراسة. فقد كانت المصادر الصينية ذات طبيعة رسمية فى معظم الأحوال؛ لأن المؤرخين كانوا يكتبونها بأوامر من الأباطرة الصينيين، أو بالشكل الذى يرضيهم. كذلك كانت المصادر الصينية موجودة قبل القرن السابع وقبل حركة الفتوح الإسلامية وظهور العرب على مسرح الأحداث الإقليمية فى وسط آسيا. أما المصادر التاريخية العربية قبل الإسلام فهى قليلة إلى حد الندرة، ولكن كتب التاريخ العربية التى تم تدوينها بعد الإسلام (وأهمها مؤلفات الطبري، واليعقوبي، والبلاذري، والذهبي، وابن كثير) فقد كتبت كلها ابتداء من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي على أساس من الروايات الشفاهية المتداولة منذ القرن الأول الهجري / السابع الميلادي عن الفتوح الإسلامية وما انطوت عليه من علاقات مع القوى السياسية المعاصرة؛ ومنها الصين بطبيعة الحال.

على أية حال، ربما كانت المرة الأولى التى سمع فيها الصينيون عن العرب سنة 18هجرية / 638م عندما كان أباطرة أسرة «تانج» يحكمون الصين؛ ففى أثناء تلك السنة تلقى الإمبراطور «تاي- تسونج» طلبا من الإمبراطور الساساني الشاب «يزدجرد الثالث» للمساعدة فى طرد العرب من فارس؛ وتذكر المصادر التاريخية الصينية أيضا أن عددا من أبناء السلالة الساسانية ظلوا يترددون على البلاط الإمبراطوري الصيني حتى سنة 737م، أى بعد مائة سنة من الفتح الإسلامي لأراضى الإمبراطورية الساسانية، أملا فى الحصول على مساعدة أباطرة أسرة تانج لطرد العرب من فارس.

ومن ناحية أخرى، كانت حركة الفتوح الإسلامية قد وصلت فى العقدين الأولين من القرن الأول الهجري / الثامن الميلادي إلى مناطق وسط آسيا شرقا، واقتربت من حدود الصين الغربية. ومن المؤكد أن نجاح حركة الفتوح الإسلامية فى تلك الأنحاء قد أغرى القادة العرب بمحاولة فتح الصين؛ فقد كان ذلك أملا يداعب المسلمين ويدخل فى نطاق طموحاتهم الكبرى. فقد ذكر المؤرخ «ابن جرير الطبري» فى كتاب تاريخ الرسل والملوك أن القائد الأموي الشهير «الحجاج بن يوسف الثقفي» وعد بأن يعطى حكم الصين لمن يصل إليها أولا من قادته بالشرق بعد أن وصل «قتيبة بن مسلم الباهلي» إلى قرب الحدود الصينية، وبعد أن كان «محمد بن القاسم» قد فتح بلاد ما وراء النهر عن طريق البحرسنة92 هجرية/711م. أما «قتيبة بن مسلم» فقد حاول فى سنة 713م أن يسيطر على طريق الحرير؛ وفى سنة 96هجرية / 713م استولى على مدينة كاشغر «… أدنى مدائن الصين…» التى كانت من أملاك أسرة تانج على طريق الحرير. ولكن الأنباء التى وصلته بعد ذلك بموت الحجاج بن يوسف الثقفي والخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك فيما بين شوال 95هجرية، وشهر جمادى الآخرة 96 هجرية جعلته يتوقف عن محاولته التى كان قد بدأها للسيطرة على طريق الحرير؛ وفى ذلك يقول الطبري: «… بعث الحجاج جيشا من العراق، فقدموا على قتيبة سنة 95 فغزا. فلما كان بالشاش أو بكشماهن أتاه موت الوليد فى شوال، فغمه ذلك. وقفل راجعا إلى مرو…» بسبب خوفه من الخليفة الأموي الجديد «سليمان بن عبد الملك». وعلى أية حال، فإنه قد لقى مصرعه فيما بعد بسبب محاولته التمرد على سلطة الخليفة الجديد. وكل من المصادر العربية والصينية تتحدث بالتفصيل عن سفارة عربية وصلت إلى بلاط الصين سنة 713م؛ وهناك فرق بطبيعة الحال بين الروايتين يعكس رؤية كل من الطرفين لنفسه وللآخر.

وربما يكون من المناسب هنا أن نشير إلى أن الطريق البري الذى اشتهر باسم «طريق الحرير» لم يكن يستخدم فى نقل التجارة البرية إلا نادرًا، والحقيقة أنه لم يزدهر سوى فى فترتين تاريخيتين فقط: أولاهما فيما بين القرنين الخامس والثامن الميلاديين، والثانية فى القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي. وكانت أول فترة ازدهار حقيقية لطريق الحرير قبل حركة الفتوح الإسلامية وفى أثنائها. وقبل هذه الفترة وبعدها لم يكن هذا الطريق البري يستخدم فى نقل التجارة بين الصين سوى فى فترات متقطعة، وكانت الطرق البحرية آنذاك أهم كثيرا فى نقل التجارة بين الصين والعالم الذى يقع إلى الغرب منها عبر المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأحمر، أو الخليج العربي. وكانت الإمبراطورية الصينية تستخدم الحرير ومكاييل القمح فى تعاملاتها التجارية بدلا من العملات التى لم تكن تستخدمها إلا قليلا. وكان تجار الصغد (وهى المنطقة التى عاصمتها سمرقند) يبيعون الحرير الصيني مقابل الفضة وبضائع الغرب فى أسواق فارس وبيزنطة. ومن المؤكد أن السيطرة على هذه التجارة الغنية، بالإضافة إلى الدوافع الدينية والسياسية، كانت من أهم أسباب إصرار العرب على الاتجاه صوب هذه المناطق البعيدة. ويعزز هذا الفرض حقيقة أن قادة جيوش الفتح فى هذه المرحلة الباكرة كانوا من أبناء الإرستقراطية العربية التى تكونت بفضل دورها فى التجارة العالمية؛ ومن ثم كانوا يدركون أهمية هذا الطريق والمراكز التجارية الواقعة عليه.

فى أوائل القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي كانت القوات العربية قد اقتربت من حدود الصين أكثر من أى وقت مضى على حين كان العرب وخصومهم فى تلك الأنحاء يحاولون كسب تأييد الصين. وقد حملت المصادر التاريخية الصينية والعربية ذكريات هذه العلاقات الدبلوماسية. وحملت الروايات العربية القليلة حول هذه العلاقات عناصر خيالية كثيرة؛ ومع ذلك فإنها تخبرنا بالكثير عن تصور العرب لأنفسهم من ناحية، وعن موقفهم تجاه الشعوب الأجنبية من ناحية أخرى. والواقع أن تقدم العرب المستمر تجاه الشرق كان مصحوبا بعدة سفارات عربية إلى العاصمة الصينية بغرض إظهار الصداقة والود. كما أن المصادر الصينية قد ذكرت أخبار هذه السفارات؛ بيد أنه لم تخل من العناصر الأسطورية التى تداخلت فى نسيج الروايات الواردة بها لتعكس الرؤية الصينية للعرب.

وفى منتصف القرن الثامن الميلادي كان قد تم ترسيخ وجود سياسي وعسكري عربي فى طخارستان، وبلاد ما وراء النهر، وإقليم فرغانة. وهنا فى سنة 133هجرية / 751م اصطدمت القوات العربية بالجيش الصيني على ضفاف نهر تلاس (طراز)، وألحقت به هزيمة ساحقة. وعلى أية حال، لم تكن تلك المعركة سوى نتيجة حتمية لصراعات القوى الإقليمية. ففى سنة 129 هجرية / 747م، وسنة 131 هجرية/974م، طلب أمير طخارستان مساعدة الصين ضد عصابات الرعاة الأتراك بالقرب من مصب نهر الهندوس. وكان الصينيون قد أفادوا من فترات الضعف التى ألمت بالترك فى هذه المنطقة لتوسيع رقعة إمبراطوريتهم، وإخضاع الترك لسلطة الأباطرة. وبسط الصينيون سلطانهم على بعض مناطق بلاد ما وراء النهر التى كان حكامها قد اعتادوا على إرسال السفارات إلى أباطرة الصين على أن يتلقوا منهم ألقابا تشريفية. وفى سنة 749م قتل الصينيون أمير الشاش «… لعدم وفائه بشروط التبعية…» ويذكر المؤرخ العربي ابن الأثير أن إخشيد فرغانة هو الذى استعدى الصينيين على أمير الشاش. وقد طلب ابن الأمير المقتول المساعدة من «أبى مسلم الخراساني» داعية العباسيين الذى كان قد وطد مركزه وحكمه فى تلك الأنحاء؛ فأرسل القائد «زياد بن صالح» الذى هزم الجيش الصيني بقيادة «كاو- هسين – تشيه» فى ذى الحجة سنة 133هجرية / يوليو 751م بالقرب من نهر تلاس (طراز).

وقد أورد ابن الأثير خبر هذه المعركة بقوله: “… وفيها (سنة 133هجرية) تخالف إخشيد فرغانة وملك الشاش، فاستمد إخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتل، فحصروا ملك الشاش فنزل على حكم ملك الصين، فلم يتعرض له ولأصحابه بما يسوءهم. وبلَغ (ما حدث) أبا مسلم فوجه إلى حربهم «زياد بن صالح». فالتقوا على نهر طراز فظفر بهم المسلمون وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفا وأسروا نحو عشرين ألفا، وهرب الباقون إلى الصين، وكانت هذه الوقعة فى ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين. وفى مقابل هذه الأرقام التى تفوح منها رائحة المبالغة، تذكر المصادر الصينية أن عدد الجيش الصيني لم يتجاوز ثلاثين ألف رجل. ولكن كلا من المصادر العريبة والصينية تتحدث عن معركة جرت بين المسلمين والصينيين بالفعل، وكانت الهزيمة فيها من نصيب الجيش الصينى. ولم تكن المعركة حاسمة على أية حال لأن كلا من الجيشين كان قد ابتعد عن قواعده بمسافة بعيدة.

لقد كانت معركة نهر تلاس (طراز) إيذانا بنهاية فترة تاريخية وبداية فترة جديدة فى تاريخ حركة الفتوح الإسلامية. إذ إن القوات العربية لم تتوغل بعدها شرق فرغانة أو شمال شرق الشاش؛ ولم يحدث أبدا أن سلكت «طريق الحرير» داخل سنيكيانج وعبر صحراء جوبي. ومن ناحية أخرى، كانت تلك المرة الأخيرة التى تصل فيها الجيوش الصينية إلى تلك المسافة البعيدة غربا. وبعد أربع سنوات، كانت آسيا الوسطى، ثم الصين نفسها، قد تمزقت بسبب ثورة «آن لو شان». وتلاشى أي أمل كان يراود الصغد فى مساندة الصين لهم ضد العرب. كانت تلك المعركة علامة على أقصى حد وصلت إليه الفتوح الإسلامية فى الشرق.

ومن المدهش أن المصادر التاريخية العربية التى اهتمت بالفتوح الباكرة، مثل الطبري والبلاذري وغيرهما، لم تذكر شيئا عن هذه المعركة على حين ورد ذكرها فى المصادر الصينية وفى مصادر عربية متأخرة أهمها رواية ابن الأثير والذهبي. وقد ربطت مصادر عربية أخرى لاحقة زمنيا بين معركة تلاس (طراز) وبين نقل تكنولوجيا صناعة الورق إلى العالم الإسلامي. ومن المؤكد أن صناعة الورق كانت معروفة فى الصين ووسط آسيا قبل هذا التاريخ؛ بيد أن هذه الصناعة ازدهرت فى العالم العربي بعد بناء مصنع للورق فى بغداد سنة 180هجرية. وحل الورق فى الكتابة محل الرَق (جلود الحيوان) والبردى. وعلى الرغم من أننا لا نعرف حقيقة ما جرى بالضبط، فالثابت أن العلاقات بين العرب والصين قد جلبت إلى العالم الإسلامي الورق الذى كان رخيصا سهل الإنتاج، ميسور الاستخدام؛ وهو ماكان له أثره الإيجابي تماما على العلم والثقافة فى العالم العربي والإسلامي، ثم فى العالم الأوربي الذى نقله عن العرب فيما بعد.

هذه هى الخطوط العريضة للعلاقات الصينية – العربية فى أثناء القرنين الأول والثاني بعد الهجرة/القرنين السابع والثامن بعد الميلاد. وقد حملت المصادر التاريخية الصينية والعربية ذكريات هذه العلاقات وحفظتها بالشكل الذى يكشف لنا عن رؤية كل من الجانبين للآخر من ناحية، ورؤيته لذاته من ناحية أخرى. ولدينا ثلاث روايات من الصين يغلب على الظن أنه قد تم تدوينها بعد معركة نهر تلاس (طراز) سنة 751م، ورواية عربية عن السفارة التى أرسلها قتيبة بن مسلم الباهلي إلى بلاط الصين سنة 713م وأخرى موجزة عن معركة تلاس (طراز). ومن المهم أن نورد هذه الروايات بنصوصها قبل أن نحللها ونقارن بينها.

من المرجح أن الروايات الصينية قد كتبت بعد المعركة التى جرت على ضفاف نهر تلاس كما ذكرنا. وتأتى الرواية الأولى من الحولية الصينية التى تحمل عنوان «تونج تيين» التى جمعها «تو يو» الذى كان مفكرا سياسيا رفيع المستوى وقدمها إلى العرش الإمبراطوري الصيني سنة 801م، وتتناول التاريخ العام منذ أقدم العصور حتى نهاية حكم الإمبراطور «هسوان- تسونج» (712- 756م).

وعلى مرِ السنين استمر ” تو يو” يضيف إلى حوليته المواد التى تتناول التطورات الجديدة والمهمة. وهناك أجزاء كثيرة من الكتاب نقلها «تو يو» عن كتاب آخر ألفه «ليو شيه» الذى مات سنة760م تقريبا بعنوان (شنج تيين)؛ وهو عبارة عن كتاب سياسي فى شكل تاريخى؛ كما نقل عن كتاب آخر بعنوان (كاي يوان) وهو كتاب الطقوس الرسمي الذى توقف عند سنة 732م.

وتتمثل إحدى الإضافات فى موسوعة «تو يو» التى تحمل عنوان (تونج تيين) فى قطعة من خمسة فصول تتحدث عن البرابرة الغربيين «هسى جونج»، وتاريخ العلاقات بين الصين وتلك الشعوب التى كانت تعيش فى المناطق غرب حدود الصين، والتى اعتبرها الصينيون «برابرة». وفى نهاية هذه الفصول مدخل عن العرب. وتحمل السطور التالية نص ما كتبه تو يو عن العرب:

«فى أثناء فترة حكم يونج هوي (65- -656م) من أسرة تانج العظيمة، أرسل العرب (تا- شيه) سفارة لتقدم الجزية. ويقال إن بلادهم فى غرب فارس (بو- سو). ويقول البعض أيضا إنه فى البداية كان هناك فارسي يفترض أنه حصل على مساعدة روح ما فى الحصول على أسلحة ماضية قتل بها الناس، وبعدها دعا جميع الفرس إلى أن يكونوا أتباعه. وكان هناك أحد عشر فارسيا جاءوا بعده، ووفقا لمكانتهم باعتبارهم مو- شو (ربما كان هذا تحريفا لكلمة مهاجرين فى إشارة إلى الذين هاجروا إلى يثرب من مكة مع النبي عليه الصلاة والسلام)، وتحولوا إلى ملوك. وبعد ذلك أعلنت الجماهير ولاءها لهم تدريجيا. وكانت نتيجة ذلك القضاء على فارس، وتم سحق بيزنطة (فو- لين)، وكذلك تم اجتياح المدن الهندية. وصار العرب فى كل مكان قوة لا تقهر وقد بلغ عدد جنودهم 420 ألف جندي، وفى ذلك الوقت كان عمر دولتهم 34 سنة. وعندما مات الملك الأصلي (يقصد النبي عليه الصلاة والسلام) انتقل منصبه إلى أول «مو شو» (خليفة) والملك الآن هو الموشو الثالث ولقب الملك «تا- شيه».

والناس فى بلادهم أنوفهم كبيرة وطويلة، وهم ممشوقو القوام، بشرتهم داكنة، ولهم شعر كثيف فى الوجه مثل الهنود؛ والنساء رشيقات. وللعرب أيضا أدب يختلف عن أدب فارس. وهم يربون الجمال، والخيول، والحمير، والبغال، والأغنام. والتربة فى بلادهم كلها رملية وصخرية، لا تصلح للزراعة، ولا وجود للغلال الخمسة.. وكل ما لديهم ليأكلوه لحوم الإبل ولحوم الفيلة. وبعد أن اجتاحوا فارس وبيزنطة توفر لديهم الأرز والدقيق للمرة الأولى. وهم يعبدون روحا سماوية فى خشوع. ويقال أيضا إن ملكهم أرسل ذات مرة رجالا ليأخذوا سفينة محملة بالمؤن وأبحروا عبر البحر. وعندما كانوا قد أبحروا على مدى ثمانية أعوام متوالية دون أن يصلوا إلى الشاطئ الغربي، شاهدوا فى وسط المحيط صخرة مربعة الشكل فوق قمتها شجرة ذات أغصان حمراء وأوراقها خضراء. وفى أعلى الشجرة كانت تنمو، فى عناقيد، مخلوقات تشبه الآدميين، وطول كل من هذه المخلوقات ست بوصات أو سبع بوصات. وعندما رأت هذه المخلوقات الرجال العرب لم تتكلم أو تنطق، ولكنها كانت قادرة على الابتسام وتحريك أيديها وأرجلها. وكانت رؤوسها متصلة بفروع الشجرة. فإذا التقط رجل أحد هذه المخلوقات ووضعه فى يده، يذبل المخلوق فى الحال ويتحول إلى اللون الأسود. وقد أخذ مبعوثو الملك أحد الأغصان معهم فى عودتهم، وهو موجود الآن فى محل إقامة الملك».

من الواضح أننا فى هذا النص نجد تصورا للصينيين عن العرب المسلمين؛ سواء فيما يتعلق ببداية ظهور الإسلام وانتشار الدعوة، أو الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل، وفى هذا التصور نجد خيالا وخلطا فى التواريخ. ولكن هناك ظلا للحقيقة فى هذا النص عن حركة الفتوح الإسلامية والصدام مع الإمبراطورية الفارسية الساسانية والإمبراطورية البيزنطية. غير أن ما يثير الدهشة هنا تلك الرواية عن الرحلة البحرية والمخلوقات شبه البشرية التى نمت فى عناقيد فوق أغصان شجرة عجيبة.

وقد أسر العرب بعض الصينيين فى معركة تلاس أو طراز التى دارت بين الجيش الإسلامي والجيش الصيني كما ذكرنا من قبل سنة 751م. ومن بين أولئك الأسرى كان ” تو هوان “، الذى أخذه العرب أسيرا إلى العراق حيث بقي حتى سنة 762م عندما سمح له بالعودة إلى بلاده. وروايته عن المسلمين قصيرة ولكنها مثيرة؛ لأنها تكشف عن جانب من رؤية الصينيين للعرب فى هذه الفترة الباكرة من تاريخ العلاقات بين الجانبين، ولأن هذه الرواية نابعة من تجربة شخصية ومعايشة واقعية للعرب فى بلادهم؛ وهو ما لا نجد مقابلا له فى المصادر العربية فى تلك الفترة الباكرة من تاريخ العلاقات بين الجانبين. وتقول رواية «تو هوان» فى كتابه الموسوم «تشينج هسينج تشي»:

«هناك اسم آخر للعاصمة هو الكوفة (يا تشو- لو). والملك العربي يسمى مومين (يقصد أمير المؤمنين)، وقاعدة ملكه فى هذا المكان. والرجال والنساء على السواء يتسمون بجمال الخلقة والوسامة وطول القامة. ويرتدون ثيابا ناصعة البياض ونظيفة، وسلوكهم راق. وعندما تخرج المرأة إلى العلن يجب عليها أن تغطى وجهها بغض النظر عما إذا كانت مكانتها الاجتماعية رفيعة أو وضيعة. وهم يؤدون الصلاة خمس مرات يوميا. ويأكلون اللحم، ويصومون، ويعتبرون ذبح الحيوان أمرا مقبولا. ويلفون أوساطهم بأحزمة من الفضة يعلقون بها خناجر فضية. وهم يحرمون الخمر ويمنعون الموسيقى. وعندما يتشاجر الناس لا يصل بهم الأمر إلى حد تبادل الضربات. وهناك قاعة احتفالات تسع عشرات الآلاف من الناس (يقصد المسجد الجامع فى الكوفة). وكل سبعة أيام يخرج الملك للقيام بالخدمة الدينية (يقصد صلاة الجمعة)، ويرتقى منبرا عاليا ليدعو الجميع إلى التمسك بالشرع، فيقول: «إن الحياة البشرية صعبة للغاية، والطريق المستقيم ليس سهلا، والزنا خطأ، والسرقة والنهب خطيئة؛ وأن يلجأ المرء لأتفه الوسائل لتأمين نفسه بتعريض الآخرين للخطر، وغش الفقير أو قهر المسكين خطيئة – وليست هناك خطيئة أعظم من إحدى هذه الخطايا. وكل الذين قتلوا وهم يحاربون أعداء الإسلام سوف يدخلون الجنة. اقتلوا الأعداء وسوف تكون السعادة من نصيبكم وبلا حدود».

«كانت الأرض كلها قد تحولت؛ فالناس يتبعون دين الإسلام مثلما يتبع النهر مجراه، وتطبيق الشرع يجرى بشكل لين فقط. وسواء كان الناس يعيشون داخل أسوار مدينة عظيمة، أو فى رحاب إحدى القرى، فإنهم لا يحتاجون إلى شيء مما تنتجه الأرض. وبلادهم محور بلاد الدنيا حيث تتوفر البضائع التى تفوق الحصر، وتباع بأثمان رخيصة، إذ تتوافرالأقمشة الموشاة بالقصب الفاخر، واللآلئ، والأموال التى تملأ الحوانيت، على حين تزدحم الشوارع والحارات بالجمال، والخيول، والحمير، والبغال. وهم يقطعون الأقصاب لبناء أكواخ تشبه العربات الصينية. وعندما يكون هناك عيد أو موسم يحضر النبلاء بأوان من الزجاج والقوارير وأواني النحاس التى تفوق الحصر. ولا يختلف الأرز والدقيق الأبيض عندهم عن الأرز والدقيق فى الصين. ومن فاكهتهم الخوخ والبلح الذى يزرع منذ ألف سنة. أما اللفت عندهم فكبير الحجم مثل المكيال، وهومستدير وشهي الطعم للغاية، على حين أن خضرواتهم الأخرى تشبه خضروات البلاد الأخرى. والعنب كبير فى حجم بيض الدجاج. وأحب الزيوت العطرية عندهم نوعان: أحدهما عطر الياسمين، والعطر الثاني يسمى المر. أما أكثر أعشابهم حظوة فنوعان أيضا… وقد صنع الصناع الصينيون الأنوال الأولى لصناعة نسيج الحرير، كما كانوا أوائل الصاغة الذين عملوا فى الذهب والفضة؛ وكان منهم أيضا أول الرسامين… ولديهم أيضا عربات تجرها الجمال والخيول. وعن خيولهم يقول التراث إن تلك الخيول التى ولدت نتيجة التزاوج بين التنين وأنثى الحصان على شاطئ الخليج الفارسي بطنها صغيرة وقوائمها طويلة، ويمكن للخيول الجيدة منها أن تقطع ألف «لي» (حوالى ثلث ميل) فى اليوم. ويوجد عندهم أيضا نعام طوله أربعة أقدام وأكثر وله أرجل تشبه أرجل الجمال؛ ويمكن لرجل أن يمتطى رقبتها مسافة خمسة أو ستة «لي»، وبيضتها كبيرة فى حجم ثلاثة مكاييل (لتر ونصف). وهناك أيضا شجرة «تشى» التى لها ثمار تشبه بلح الصيف ويمكن استخراج زيت الطعام منها، وعلاج الملاريا».

والطقس دافئ والأرض تخلو من الجليد والثلوج. ويعانى الناس جميعا من الملاريا والدوسنتاريا؛ ففى مدى سنة كان يموت خمسة من كل عشرة. واليوم ابتلع العرب حوالى أربعين أو خمسين بلدا خضعت كلها لهم، ويرسل العرب قواتهم لتأمين أراضيهم الممتدة حتى المحيط الغربي. ويقال أيضا إن «زارانج» تقع على مسافة تزيد على سبعمائة «لي» جنوب غرب «أمول». وأولئك الفرس الذين يحملون لقب «تشو» هم من هذه البلاد. وتبلغ مساحة مدينتهم خمسة عشر «لي» مربعا، وقد استخدموا الحديد لصنع بوابة مدينتهم. وتوجد فى المدينة برك من الملح، كما توجد بها مؤسستان بوذيتان. ومساحة أرضها 140لى من الشرق إلى الغرب؛ و«180لى» من الشمال إلى الجنوب. والقرى تتلو بعضها بعضا، والأشجار هناك متقاربة جدا بحيث تصنع الظلال المتداخلة التى تحتط بها تماما؛ وتوجد الرمال المتحركة فى كل مكان. وهناك نهر كبير فى الناحية الجنوبية يفيض فى أراضيهم، وتتفرع منه مئات القنوات التى تروى الإقليم كله. والأرض خصبة ويتميز أهلها بالنظافة. أما أسوار المباني، فعالية وسميكة والسطح مستو؛ والخشب مزخرف بالحفر، فضلا عن أن الأرضية مدهونة بالطلاء. وعندهم أيضا الأقمشة الفاخرة، والمعاطف المصنوعة من جلود الخراف، ويصل ثمن أحسن أنواعها إلى عدة مئات من القطع الفضية. ومن الفاكهة التى لديهم: المشمش والتفاح البري الأبيض، والبرقوق الأبيض والأصفر، والبطيخ؛ والنوع الكبير من هذا يسمى ” هسون شيه “، وتكفى بطيخة واحدة منه لعشاء عشرة رجال، واسمها ” يويه- كوا ” ويزيد طولها على أربعة أقدام. أما المزروعات فمنها اللفت، والفجل، والبصل الطويل،والبصل المستدير، والكرنب، والأرز البري الآسيوي، واللوبياء، ونبات النيلة، و”التان تان “، والشمر الحلو، والكراث، والقرع، والعنب الذى يوجد منه الكثير بشكل لافت. وعندهم أيضا الثيران، والخيول البرية، والبط، والدجاج”.

“ومن عادتهم أن يجعلوا الشهر الخامس بداية السنة فى تقويمهم. وفى كل سنة يتبادلون الهدايا من الآنية المطلية. وهناك أيضا احتفال بالحمام (ربما يقصد ذلك الاحتفال الذى كان يتم قبل الزفاف بدخول العروس إلى أحد الحمامات العامة، وكانت تحييها عادة صديقاتها مع فرقة موسيقية؛ كما كان العريس يخرج من الحمام فى هذا اليوم ليجد أصدقاءه ومعارفه لكى يحبوه إلى بيت عروسه فى احتفال بهيج)، واحتفال الأرجوحة!! ويقيم الحاكم العربي للمناطق الشرقية فى هذا المكان. ومن هنا العراق إلى الخليج الفارسي يسكن العرب والفرس متجاورين. أما بالنسبة لعاداتهم وتقاليدهم، فإنهم يعبدون السماء، ولا يأكلون الميتة من الحيوان، ولا يأكلون اللحم الذى مر الليل عليه. ويدهنون شعرهم بزيت معطر».

«وفضلا عن ذلك يقال إن بلاد الشام «شان كوو» تقع على الحدود الغربية لبلاد العرب ومحيطها يبلغ عدة آلاف «لي». وهم يبنون البيوت بأسقف من القرميد، ويكومون الحجارة لبناء الأسوار. والأرز والغلال عندهم رخيصة للغاية. وهناك نهر كبير يفيض باتجاه الشرق ليدخل الكوفة (نهر الفرات). والتجار يروحون ويغدون باستمرار لشراء الغلال وبيعها. والناس أجسامهم كبيرة، وثيابهم فضفاضة، تشبه إلى حد ما ثياب العلماء الكونفوشيوسيين. وفى بلاد الشام خمس مقاطعات عسكرية فيها ما يزيد على عشرة آلاف جندي بخيولهم. وحدود الشام تشترك فى الشمال مع الأتراك الخزر. وشمال بلاد الخزر هناك أتراك آخرون أقدامهم تشبه أقدام الثيران، ويحبون أكل لحوم البشر…».

هذا النص المثير الذى تركه لنا الأسير الصيني «تو هوان» يتسم بكثير من الصدق والدقة النابعة من الخبرة الشخصية له بوصفه أسيرا عاش فى العراق بعد أسره سنة 751م حتى عاد إلى بلاده سنة 762م، وقد نقلته المصادر الصينية الأخرى، مع تنويعات بسيطة فى التفاصيل، وإضافات خيالية مثل تلك التى رأيناها فى رواية «تو يو» التى أوردناها فى السطور السابقة. والصورة التى رسمها الأسير الصينى (ولا نعرف إن كان قد وضعها فى كتاب أم على هيئة مذكرات أو يوميات لأن الرواية وردت ضمن كتب أخرى) صورة مجتمع مسلم ناضج من حيث عاداته وتقاليده التى رصدها الأسير الصيني مثل تحريم الخمر، وعدم خروج النساء من دون الحجاب. وعدم العنف حتى فى حال التشاجر. وقد لفت نظره جمال الخلقة التى تميز بها الناس فى العراق كما استرعى انتباهه ملبسهم النظيف وسلوكهم الراقي. كذلك راقب بدقة سلوك الناس الديني سواء من حيث أداء الصلوات الخمس أو الصوم، أو من حيث حرص الخليفة العباسي على أن يتولى بنفسه خطبة الجمعة؛ وهو ما اشتهر به الخليفة أبو جعفر المنصور الذى عرف بفصاحة خطبه فى المساجد، وما كانت خطبة الجمعة تتضمنه من الحض على التمسك بالأخلاق القويمة، والجهاد فى سبيل الله مع الوعد بالجنة.

ومن ناحية أخرى، يشهد هذا الرجل بانتشار الإسلام على نطاق واسع، وعلى أن تطبيق الشريعة الإسلامية اتسم باللين، ولم يقترن بالعنف؛ بل إن دقة ملاحظته وصلت إلى ما ذكره من أن دفن الموتى كان يتم بشكل بسيط.

ومن الناحية الاقتصادية يصور لنا ذلك الأسير الصيني مجتمعا مزدهرا غنيا؛ سواء من حيث إنتاجه الزراعي أو من حيث نشاطه التجاري، كما يصور لنا بدقة غريبة نوعية المساكن وبضائع الأسواق، وأنواع العطور …. وما إلى ذلك، ولكن أهم ما ذكره فى مجال العلاقات الصينية العربية يتمثل فيما قاله عن أن الأسري الصينيين قد أدخلوا عددا من الحرف الفنية إلى العراق فى ذلك الزمان: مثل نسج الحرير، وصياغة الذهب، والرسم، فضلا عن صناعة الورق التى تحدثت عنها مصادر عربية أخرى مثل الثعالبي وغيره. ومن المثير أيضا أن «تو هوان» تحدث عن بلاد الشام بمصطلحات قريبة من الدقة، وربما كان السبب فى هذا القرب الجغرافى بين بلاد الشام فى ذلك الزمان (والتى كانت تشمل كل تلك المنطقة باستثناء فلسطين) والعراق التى كان أسيرا بها. على حين تحدث بكلام يدخل فى باب الخرافة عن الأمم الموجودة على التخوم الشمالية لبلاد الشام آنذاك.

وتتسم رواية هذا الصينى بسمات إيجابية كثيرة تخرجه من باب المبالغة والإغراب التى تتسم بها كتابات أبناء الغرب الأوربي فى معظم الأحوال؛ ولعل طبيعة الثقافة الصينية السبب فى هذا. وفى هذه الرواية التى تبناها التاريخ الرسمى الصينى يجد القارئ صورة للآخر تؤكدها المصادر العربية التى تحدثت عن تلك الفترة التاريخية.

وقد عانى تدوين التاريخ الرسمي فى الصين قدرا من التدهور والركود نتيجة انهيار أسرة تانج الإمبراطورية أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر بعد الميلاد. بيد أن أسرة تانج اللاحقة (923- 936م) حققت قدرا من الاستقرار؛ وعلى الرغم من أنه فى سنة 926م عين الإمبراطور «ينج تسونج» رجلا وكلفه ليبحث عن السجلات، فإنه لم يكن ممكنا كتابة تاريخ رسمى لأن ذلك كان من شأنه أن يقوض مزاعم أسرة تانج اللاحقة بأنها استمرار لأسرة تانج الحقيقية. وعندما ارتقت أسرة «تشين» عرش الإمبراطورية زال هذا العائق. وفى سنة 941 م أمر الإمبراطور «كاو تسو» بجمع تاريخ شامل لأسرة تانج الإمبراطورية. وتم استكمال العمل وقدِم إلى الإمبراطور الجديد «شاو نى» فى سنة 945م بواسطة «ليو هسو» رئيس الوزراء والمشرف على «التاريخ الوطني». وهذا التاريخ، أو السجل التاريخي هو ما يعرف باسم «تاريخ أسرة تانج القديم» (تشيو تانج شو)، ويضم حوالى مائة فصل، ويتكون من حوليات أساسية (أي سجلات خالصة تضم عهود الأباطرة والتعيينات، والأحداث، وكتابات ذات موضوع واحد فى الشئون المختلفة، وتراجم). وبعد قرن من الزمان، صدر مرسوم إمبراطوري بإصدار نسخة مراجعة من هذا التاريخ كانت محصلتها «تاريخ أسرة تاج الجديد» (هسين تانج شو) الذى قام بجمعه أساسا «أو يانج هسيو» وقدمه إلى العرش الصيني سنة 1060م.

وهناك قسم واحد فى فصل واحد من الفصول المائتين مكرَس للعرب. وهو يشترك فى الكثير مع رواية «تو يو» الذى ورد فى كتاب التونج تيين الذى سبقت الإشارة إليه؛ ولكنه يقدم مادة أخرى أيضا. وليست هناك حادثة مذكورة فى هذا السجل بعد عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد (786- 809م)؛ ومن ثم فربما يكون هذا الفصل بمجمله قد كتبت مسودته الأولى فى هذا الوقت، ولكن المؤكد أنه حدث تعديل وتحرير له فى وقت لاحق. وفضلا عن ذلك، فقد تم تحير كل من نسختى تاريخ أسرة تانج: القديمة والجديدة، بنظام مختلف عن نظام النسخة الأخرى مع كثير من التغييرات الدقيقة فى الأسلوب والصياغة، والحذف والإضافة، على الرغم من احتوائهما على المعلومات نفسها. وبما أن القسم الخاص بالعرب فى النسخة القديمة لم تتم ترجمته بعد، فإننا سنورد القسم الموجود فى النسخة الجديدة (تاريخ تانج الجديد / هسين تانج شو) فى السطور التالية:

«كانت بلاد العرب فى الأصل جزءا من فارس. والرجال هناك أنوفهم طويلة، بشرتهم داكنة، ملتحون. أما النساء فهن غاية فى الجمال ولكنهن يضعن حجابا على وجوههن عند الخروج. وهم يصلون خمس مرات يوميا. ويلبسون أحزمة فضية تتدلى منها خناجر من الفضة. ولا يشربون الخمر ولا يستخدمون الموسيقى. ومكان عبادتهم يمكن أن يستوعب عدة مئات من البشر. وفى كل أسبوع يجلس الملك فوق مكان عال المنبر ويتحدث إلى الجالسين فى الأسفل قائلا: «إن أولئك الذين يقتلهم الأعداء سوف يحملون إلى السموات العلا؛ أما أولئك الذين يذبحون الأعداء فسوف ينالون السعادة». ومن ثم فإنهم عادة ما يكونون محاربين جسورين. وأرضهم رملية ولا تصلح للزراعة، ولذلك فإنهم يصيدون الحيوانات ويأكلون اللحم. وهم يقطعون القصب لبناء الأكواخ التى تشبه العربات، كما أنهم يعطون هدايا للنبلاء فى كل سنة. وعندهم الأعناب كبيرة فى حجم بيض الدجاجة. ولديهم خيول ممتازة، مولدة من التنين، يمكن أن تقطع مسافة ألف «لي» فى اليوم الواحد

«وفى منتصف عهد الإمبراطور «تا يه» من أسرة «سوي» (605-617م) كان هناك فارسي يرعى على تلال المدينة، وحدثه هاتف قال له: «على الجانب الغربي من التل توجد ثلاثة كهوف فى أحدها سيوف قاطعة بتارة، وحجر أسود عليه نقش أبيض يقول إن من يمتلكه سوف يصير ملكا. وذهب الرجل ليجد كل شيء كما قيل له. وكان النقش الذى على الحجر يقول إنه يجب أن يثور، ولذلك حشد الأتباع عند مجرى «هسن كو». وسرقوا التجار وبنوا قلعة فى الأجزاء الغربية، ونصب الرجل نفسه ملكا. وأخذ الحجر الأسود من هناك واعتبره شيئا ثمينا. وذهب الناس لمعاقبته وإخضاعه، ولكنهم جميعا نالتهم هزيمة نكراء. ومنذ ذلك الوقت صار أكثر قوة ودمر فارس وبيزنطة، ومن هنا، وللمرة الأولى، صار بوسعه الحصول على مؤن وافرة من القمح والذرة. وقد غزا الهند وغيرها من البلاد . وكان لديه أربعمائة ألف جندي. وكانت أراضي سمرقند وطشقند تدين له بالجزية. وقد ضمت أراضيه عشرة آلاف «لي»؛ فقد وصلت شرقا إلى تورجش، ووصلت إلى البحر جنوبا.

«وفى السنة التالية من عهد «يونج هوي» (651م)، أرسل الملك العربي «كان مي مو مو نى» (يفترض أنه تحريف لعبارة أمير المؤمنين) فى البداية مبعوثا إلى البلاط الصيني ومعه الجزية، وقال إن ملوك البلد العربي قد تولوا الحكم على مدى أربع وثلاثين سنة، وأنه الملك الثاني (من المفروض أنه يتحدث عن الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب، ولكن التاريخ يتوافق مع خلافة عثمان بن عفان). وفى بداية عهد «كاي يوان» (713- 742م) تم إرسال مبعوث آخر، ومعه هدية من الخيول والأحزمة الفاخرة. وعند مثوله فى حضرة الإمبراطور وقف دون أن يركع أمامه. وكان الموظفون المدنيون فى البلاط على وشك أن يعاملوه معاملة المجرمين؛ ولكن السكرتير الأكبر «شانج شوو» قال إن ذلك راجع إلى اختلاف العادات وأن رغبة المرء فى اتباع طقوسه ليست جريمة، ولهذا سامحه الإمبراطور «هسوانج تسونج». وعندما حان وقت مغادرة المبعوث «العربي» قال إنهم فى بلادهم لا يعبدون سوى الله ولا يسجدون عندما يرون الملك. وقد وبخه الموظفون المدنيون فسجد عندئذ. وفى السنة الرابعة عشرة من عهد الإمبراطور «كاى- يوان» (726م) تم إرسال مبعوث آخر اسمه سليمان، ومعه هدايا من المنتجات المحلية، وقد سجد للإمبراطور الذى منحه ثوبا أحمر وحزاما.

«ويقال إن بين العرب قبيلة تسمى «كو- لييه» (قريش) لها زعماء وراثيون عرفوا باسم العرب ذوو العباءات البيضاء. وتتألف هذه القبيلة من عشيرتين «بن ني هسي شن» (بنو هاشم)، و«بن ني مو- هوان» (بنو مروان). وكان هناك رجل ذكي اسمه «مو هو مو» (محمد)، وقد اختاره الناس ليكون حاكمهم. وقد مدَ نطاق ممتلكاته على مساحة ثلاثة آلاف «لي»، وغزا مدينة «هسيا لاى. وكان الحكم الرابع عشر هو «مو هوان» (مروان) الذى قتل أخاه «إى- تشي» (يزيد) واستولى على العرش. (هنا ارتباك فى المعلومات؛ لأن الحاكم فى تلك الفترة لم يكن يسمى مروان: فقد كان مروان بن الحكم خامس الخلفاء الأمويين، وكان مروان بن محمد (742- 750م) آخر خلفاء بنى أمية. وكان الخليفة فى الفترة التى يتحدث عنه النص هو هشام بن عبد الملك (71- 126هجرية /691- 741م)، وقد تولى الحكم بعد أخيه يزيد بن عبد الملك الذى توفى بشكل طبيعي ). وهناك شخص من «مو- لو» فى خراسان يسمى «بينج بو سى لين» (أبو مسلم الخراساني) خطط للإطاحة بمروان وأعلن للناس أنه يجب على كل من يتبعه أن يرتدى ثيابا سوداء (شعار العباسيين)، وسرعان ما جمع جيشا من عدة آلاف وذبح مروان بن محمد. وتم اختيار «آ بو لا با» (أبو العباس) من بنى هاشم ملكا. ومنذ ذلك الحين عرفوا باسم العرب ذوو العباءات السوداء. وبعد موته ارتقى أخوه «آ- بو كونج فو» (أبو جعفر المنصور) العرش. وفى بداية عهد الإمبراطور «شيه تي» (756م) أرسل الملك سفارة إلى الصين. وقد استعان الإمبراطور «تا تسونج» بجيش الخليفة الذى ساعده فى استرداد عاصمتي الصين».

وهذه الجملة الأخيرة تحمل إشارة إلى التمرد الذى قاده «آن لو شان» الذى استولى على العاصمتين «لوو يانج» و«شانج آن» وأرغم الإمبراطور «هسوان تونج» على الفرار. وقد تمكن ابنه «سو- تسونج» (756-762م) من استعادة العاصمتين بمساعدة العرب والجنود المرتزقة، وفى نهاية الأمر، سحق خليفته الإمبراطور «تاى تسونج» (762-779م) التمرد بشكل نهائي. وتمضى الرواية لتقول:

وقد خلف «مي تي» (أى الخليفة العباسي المهدى) أبا جعفر المنصور، وجاء بعده ابنه الأصغر «هو- لون» (يقصد الخليفة هارون الرشيد). وفى أثناء حكم الإمبراطور «تشن يوان» (785-805م)، شن أصحاب العباءات السوداء حربا مع التبت، واضطر أهل التبت إلى أن يرسلوا سنويا جيشا ضد العرب؛ ولهذا السبب تمتعت الحدود الصينية بالمزيد من السلام. وفى السنة الرابعة عشرة من حكم الإمبراطور ” تشن يوان «(798م) أرسل العرب ثلاثة سفراء إلى البلاط الصيني».

***

هذه النصوص الصينية الثلاثة التى أوردناها تمثل أهم النصوص التى تحمل أخبار العلاقات العربية / الصينية فى القرنين الأولين بعد الهجرة / السابع والثامن بعد الميلاد؛ ولكن النص الأخير منها يتسم بالدقة التاريخية إلى حد كبير، كما يخلو من الروايات الخيالية والأسطورية التى حملها نص «تو يو» فى كتاب «تونج تيين»، ويفتقر إلى حرارة التجربة الشخصية لشاهد العيان كما تتجلى فى رواية الأسير الصيني «تو هوان». ويبدو أن هذا النص الوارد فى النسخة الجديدة المنقحة من «تاريخ أسرة تانج القديم / هسين تانج شو» التى تم تقديمها إلى العرش سنة 1060م قد حظيت بمراجعات كثيرة على مر الزمن وتم تصحيح الكثير من المعلومات التى أوردتها عن العرب بفضل التطور الإيجابي للعلاقات مع العرب على المستوى الدبلوماسي والتجاري؛ فتراجعت المادة الأسطورية والخيالية كثيرا أمام المادة التاريخية الحقيقية التى تكشف عن الرؤية الموضوعية التى حملتها المصادر الصينية عن العرب، على الرغم من وجود بعض الأخطاء فى الترتيب الزمنى للخلفاء المسلمين؛ وهو أمر طبيعى على كل حال.

ومن ناحية أخرى، تكشف كلمات النص الأخير عن أن العلاقات بين المسلمين والصينيين قد تطورت تطورا إيجابيا بحيث وصلت إلى حد طلب المساعدة من الخلافة العباسية فى حل مشكلاتها الداخلية وحركات التمرد بها حسبما أوضح النص الصيني الأخير.

وإذا كانت المصادر الصينية قد حفظت لنا أخبار السفارات بين العرب والصين فى القرنين الأولين بعد الهجرة (السابع والثامن بعد الميلاد)، فإن المصادر التاريخية العربية لم تحفظ لنا الكثير من النصوص التى تتعلق بهذا الموضوع لأسباب تتعلق بطبيعة التدوين التاريخي العربي آنذاك. وربما كان السبب فى ذلك أن أحداث تلك الفترة قد تم تداولها بالرواية الشفوية عن طريق العنعنة والإسناد وخضعت لعمليات متعددة من التعديل والحذف والإضافة على مرِ الأجيال. ولأن الروايات التاريخية الشفاهية لم تحرص على شئ قدر حرصها على ذكر أسماء الذين شاركوا فى حركة الفتوح لأسباب تتعلق بديوان العطاء والمال الذى كان يتلقاه أبناء القبائل التىشاركت فى حركة الفتوح، والمكانة الاجتماعية المستمدة من كونهم أبناء الفاتحين الأوائل، ورغبة أبناء كل قبيلة فى إثبات مشاركة أسلافهم فى الفتوح، فإن الكثير من التفاصيل الأخرى تم غض النظر عنها زمن التدوين لأنها كانت قد فقدت أهميتها؛ فضلا عن أن الصبغة القصصية قد ميزت الروايات التاريخية العربية الخاصة الفتوح الإسلامية الباكرة. ومن هنا يمكننا أن نفهم السبب فى ندرة الروايات الخاصة بالعلاقات العربية الصينية فى المصادر التاريخية العربية.

ومن المحتمل أن يكون النص المختصر الذى أورده المؤرخ ابن الأثيرالجزري، الذى كتب فى القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي عن معركة طراز أو تلاس سنة 751م، قد تعرض لكثير من الاختزال والاختصار. وقد اختفت أخبار تلك المعركة من كتب الفتوح الأولى وأهمها كتاب الطبري الذى يعتبر أهم مصادر تاريخ المسلمين فى تلك الفترة. وقد ترددت أصداء هذه العلاقات فى بعض مصادر أخرى لاحقة اهتمت بالحديث عن استقدام تكنولوجيا صناعة الورق من الصين على أيدى الأسرى الصينيين فى سياق العلاقات بين الصينيين والعرب. ولكن النص الوحيد المطول هو الذى حفظه الطبري فى كتابه ” تاريخ الرسل والملوك ” عن محاولات قتيبة بن مسلم الباهلي لغزو الصين، والسفارة التى أرسلها لبلاط الإمبراطورية الصينية سنة 96 هجرية /713م. وربما يكون مفيدا أن نورد نص رواية الطبري لكي نقارن بينها وبين النصوص الصينية التى أوردناها فى السطور السابقة:

«وأخبرنا يحيى بن زكرياء الهمداني عن أشياخ من أهل خراسان والحكم بن عثمان، قال: حدثني شيخ من أهل خراسان، قال: وغل قتيبة حتى قرب من الصين؛ فكتب إليه ملك الصين أن ابعث إلينا رجلا من أشراف من معكم يخبرنا عنكم، ونسائله عن دينكم. فانتخب قتيبة من عسكره اثني عشر رجلا وقال بعضهم عشرة من أفناء القبائل، لهم جمال وأجسام وألسن وشعور وبأس، بعد ما سأل عنهم فوجدهم من صالح من هم منه. فكلمهم قتيبة وفاطنهم أي اختبر فطنتهم فرأى عقولا وجمالا، فأمر لهم بعدة حسنة من السلاح والمتاع الجيد من الخز والوشي واللِين من البياض والرقيق والنعال والعطر، وحملهم على خيول مطهمة تقاد معهم، ودواب يركبونها». قال: وكان «هبيرة بن المشمرج الكلابي» مفوها بسيط اللسان، فقال: ياهبيرة، كيف أنت صانع؟ قال: أصلح الله الأمير! قد كفيت الأدب وقل ما شئت أقله، وآخذ به، قال: سيروا على بركة الله، وبالله التوفيق. لا تضعوا العمائم عنكم حتى تقدموا البلاد، فإذا دخلتم عليه فاعلموه أنى قد حلفت ألا أنصرف حتى أطأ بلادهم، وأختم ملوكهم، وأجبى خراجهم.

قال: «فساروا، وعليهم هبيرة بن المشمرج، فلما قدموا أرسل إليهم ملك الصين يدعوهم، فدخلوا الحمام، ثم خرجوا فلبسوا ثيابا بيضا تحتها الغلائل، ثم مسوا الغالية، وتدخنوا (أي تعطروا بالبخور) ولبسوا النعال والأردية، ودخلوا عليه وعنده عظماء أهل مملكته، فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحد من جلسائه فنهضوا، فقال الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوما ما هم إلا نساء، ما بقي أحد منا حين رآهم ووجد رائحتهم إلا انتشر ما عنده».

قال: «فلما كان الغد أرسل إليهم فلبسوا الوشي وعمائم الخز والمطارف، وغدوا عليه. فلما دخلوا عليه قيل لهم: ارجعوا، فقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه الهيئة أشبه بهيئة الرجال من تلك الأولى، وهم أولئك. فلما كان اليوم الثالث أرسل إليهم فشدوا عليهم سلاحهم،ولبسوا البيض (الخوذات، وسميت كذلك لأن الخوذة كانت تشبه البيضة) والمغافر، وتقلدوا السيوف، وأخذوا الرماح، وتنكبوا القسي، وركبوا خيولهم، وغدوا فنظر إليهم صاحب الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما دنوا ركزوا رماحهم، ثم أقبلوا نحوهم مشمرين، فقيل لهم قبل أن يدخلوا: ارجعوا، لما دخل قلوبهم من خوفهم، قال: فانصرفوا فركبوا خيولهم، واختلجوا رماحهم، ثم دفعوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء قط ، فلما أمسى أرسل إليهم الملك أن ابعثوا إلي زعيمكم وأفضلكم رجلا، فبعثوا إليه هبيرة فقال له حين دخل عليه: قد رأيتم عظيم ملكى، وأنه ليس أحد يمنعنى منكم، وأنتم فى بلادى، وإنما أنتم بمنزلة البيضة فى كفى، وأنا سائلكم عن أمر فإن لم تصدقنى قتلتكم. قال: سل، قال: لم صنعتم ما صنعتم من الزى فى اليوم الأول والثانى والثالث؟ قال: أما زينا الأول فلباسنا فى أهالينا وريحنا عندهم، وأما يومنا الثانى فإذا أتينا أمراءنا، وأما اليوم الثالث فزينا لعدونا، فإذا هاجنا هيج وفزع كنا هكذا. قال: ما أحسن ما دبرتم دهركم! فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف، فإنى قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلاَ بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه، قال له: كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله فى بلادك وآخرها فى منابت الزيتون! وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها وغزاك! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه، قال: فما الذى يرضى صاحبك؟ قال: إنه قد حلف ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، ويعطى الجزية، قال: نخرجه من يمينه، نبعث إليه بتراب من تراب أرضنا فيطؤه، ونبعث إليه بعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها، قال: فدعا بصحاف من ذهب فيها تراب، وبعث بحرير ووذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم، ثم أجازهم فأحسن جوائزهم، فساروا فقدموا بما بعث به، فقبل قتيبة الجزية، وختم الغلمة الغلمان وردهم، ووطئ التراب، فقال سوادة بن عبد الله السلولى:

لا عيب فى الوفد الذين بعثتهم
للصين إن سلكوا طريق المنهج
كسروا الجفون على القذى خوف
الردى حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج
لم يرض غير الختم فى أعناقهم
ورهائن دفعت بحمل سمرج
أدى رسالتك التى استرعيته
وأتاك من حنث اليمين بمخرج
هذا النص الذى أورده الطبري يشبه فى بنائه القصص والحكايات أكثر مما يتناسب مع الخبر التاريخى؛ إذ يتحدث النص عن سفارة حافلة بالحيل والتلاعب بالخصم، ثم إيجاد مخرج حتى لايحنث قتيبة بن مسلم الباهلي فى يمينه. وتختتم الرواية بالشعر الذى يعتبر عنصرا مهما فى الروايات العربية. ولأن الطبرى فى «تاريخ الرسل والملوك» لا يقدم عادة رواية متكاملة وإنما يقدم عدة «أخبار» عن الحدث الواحد من خلال العنعنة والإسناد الذى يشبه الهوامش فى الدراسات الحديثة، فإن الرواية الخاصة بالسفارة التى بعثها قتيبة إلى بلاط الصين سنة 96هجرية / 713م تبدو قصة خضعت لعمليات كثيرة من التعديل والتنقية حتى تناسب الصورة المثلى لأبطال الفتوح الإسلامية الأولى: الشجاعة، الإيمان، الفصاحة، والقدرة على إبهار العدو وتخويفه. ومن اللافت للنظر فى هذه الرواية ذات الطابع القصصي، التى كان مصدرها الأصلى حسبما يوضح الطبري «… أشياخ من أهل خراسان…»، أنها لا تتحدث من قريب أو بعيد عن الأزمة التى أثارها الوفد فى البلاط الصيني عندما رفضوا السجود فى حضرة الإمبراطور. ومن ناحية أخرى، لم تتحدث المصادر الصينية عن الأسباب التى جاءت من أجلها السفارة التى أرسلها قتيبة. وتحرص الرواية العربية على تكريم هبيرة بن المشمرج؛ ومن ثم فهى تكرم قتيبة بن مسلم الباهلى الذى حافظ الباهليون على ذكراه وأحاطوه بهالة كبيرة، وكانوا فى كثير من الأحيان مصدر الروايات التى أوردها الطبري عنه.

وعلى الرغم من الاختلاف الواضح بين الرواية الصينية والرواية العربية عن هذه السفارة تحديدا، فالثابت أنها قد حدثت بالفعل، كما أنه من الواضح أن قتيبة بن مسلم الباهلى قد غزا كاشغر. فقد أورد الطبري نصا يقول: «أخبرنا أبو مخنف، عن أبيه، قال: بعث قتيبة كثير بن فلان إلى كاشغر، فسبي منها سبيا، فختم أعناقهم مما أفاء الله على قتيبة، ثم رجع قتيبة وجاءهم موت الوليد بن عبد الملك». ومن المرجح فى رأينا أن هذه الغزوة كانت سبب السفارة لأنها كانت عامل ضغط على الإمبراطورية الصينية التى لم تصطدم عسكريا، وبصورة مباشرة مع العرب حتى معركة تلاس (طراز) بعد ثمانية وثلاثين عاما سنة751م. ومع هذا فإننا لا نستطيع أن نأخذ رواية الطبري على علاتها، كما لايمكننا استبعادها من ناحية أخرى.

***

من المقارنة بين النصوص العربية والصينية التى جاءت فى السطور السابقة يبدو واضحا أننا أمام رؤيتين مختلفتين للآخر: صينية وعربية ولكن التركيز على صورة ” الذات” فى هذه الروايات يبدو أكثر أهمية من الاهتمام بتفاصيل صورة «الآخر». ذلك أن النصوص الصينية التى ناقشناها فى الصفحات السابقة تكشف عن أن الصينيين كانوا يتعرفون على العرب للمرة الأولى فى القرن السابع الميلادى (وربما كانوا قد سمعوا عنهم القليل جدا فى الفترة السابقة)؛ ومن الملاحظ أن صورة العرب لديهم تحسنت مع مرور الوقت بسب الخبرة المباشرة، والاحتكاك بهم بصورة فعلية بسبب الوجود العربى المستقر فى منطقة وسط آسيا وهى منطقة النفوذ الحيوي للصين أيضا. كما أن رواية الأسير الصيني «تو هوان» (وربما كانت هناك روايات أخرى لم يتم تسجيلها) قد زودت من يكتبون التواريخ الصينية الرسمية بالمزيد من الحقائق التاريخية التى حلت محل الأوهام والتصورات الخيالية عن العرب فى الروايات الأولى. ومن ثم، جاءت الصورة التى رسمها النص الصيني الأخير المأخوذ من «تاريخ تانج الجديد» خاليا من الخرافات والأساطير، وإن لم يخل من الأخطاء الطبيعية بطبيعة الحال.

وعلى الجانب العربى، نجد المصادر التاريخية القليلة التى تحدثت عن العلاقات العربية / الصينية فى هذه الفترة الباكرة من تاريخ العلاقات بين الجانبين (ق 1-2 هجرية / ق7-8 م) تحرص على تقديم صورة الذات ولا تقدم لنا شيئا عن الصين: إذ إن النص الطويل الوحيد الذى يتحدث عن السفارة التى يفترض أن يكون قتيبة بن مسلم الباهلى قد أرسلها إلى البلاط الإمبراطوري الصينى تتحدث عن مآثر الأسلاف ومزاياهم دون أن تخبرنا بشيء عن الصينيين. كما أن ابن الأثير، عندما يتحدث عن معركة تلاس أو طراز لايذكر سوى أرقام الجيش الصينى وعدد القتلى والأسرى. ولم تبق فى المصادر العربية سوى أصداء عن إسهام الصينيين فى نقل صناعة الورق وغيرها من الحرف والصناعات إلى العالم العربي. ويمكننا أن نتصور أثر هذا الحدث المهم فى عالم الفكر والثقافة الذى كان من أبرز جوانب الحضارة العربية الإسلامية.

ومن المهم أن نشير فى ختام هذه الورقة إلى أن القرون التالية قد شهدت تطورات إيجابية فى العلاقات بين الصينيين والعرب على المستوى الدبلوماسي، والسياسي، والاقتصادي. وقد كانت معركة تلاس المعركة الوحيدة التى وقعت بين الجانبين بشكل مباشر. وربما كانت المساعدة التى لقيها الصينيون من العرب فى استرداد العاصمتين من المتمردين فى النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي بشيرا بنمط جديد من العلاقات فى القرون التالية اتخذ مسارا سلميا وإيجابيا فى معظم الأحيان. ولكن هذه الورقة قد ركزت اهتمامها على مسار العلاقات الصينية العربية فى القرنين الهجريين الأولين (السابع والثامن الميلاديين)، وتبقى قصة العلاقات بين الجانبين فى الفترة التاريخية اللاحقة قصة أخرى تستحق دراسة، أو دراسات، أخرى.

التعليقات