الذهب والعاصفة – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم رحلات
0 Flares 0 Flares ×

الرحلة, وسيلة مثلى من وسائل المعرفة, وربما كانت أقدم وسائل الإنسان للحصول على المعرفة قبل اختراع الكتابة, فما تراه العين, ويحسّه الإنسان بمدركاته الحسيّة, أقوى كثيرًا من تلك المعرفة التي يحصلها بالسماع من الغير, أو بقراءة ما كتبه الآخرون, فما يدركه واحد قد لا يدركه آخر, إذ إن كل إنسان ينظر إلى الكون من نافذته الخاصة, وهي نافذة تحكمها بالضرورة ثقافته, ومدى اتساع أفقه, وما يحب وما يكره, فضلاً عن حصيلته من العلم والمعرفة, فقد اكتشف الإنسان الأولي بالرحلة كثيرًا من حقائق الحياة على سطح هذا الكوكب, فعن طريق الرحلة – الفردية والجماعية – عرف الإنسان تضاريس الأرض, ومسارات الأنهار, وأماكن الزراعة, وأقاليم الرعي, كما اكتشف خصائص الأقاليم الجغرافية المختلفة فاختار منها ما يناسبه لتكون بيئته التي يعيش فيها. وما تاريخ الهجرات البشرية الأولى التي يعرفها المتخصصون إلا نوع من الهجرة الجماعية من أجل المعرفة النفعية المباشرة.

ثم جاء على الإنسان زمن تراكمت فيه خبراته المعرفية, وسيطر فيه – نسبيًا – على موارد الطبيعة في بيئته. وجاءته الرحلة بأخبار بيئات أخرى مختلفة في طبيعتها, مغايرة في عطائها, فعرف التجارة التي كانت من أهم أسباب الرحلة, ومع التجارة وتبادل البضائع كان تبادل المعرفة والخبرات الثقافية, وبات الإنسان يعرف المزيد عن الكون الذي نعيش في رحابه. وربما كانت الرحلة أيضا من أسباب الغزو الذي عرفه العالم القديم حينما كانت أخبار الثروات في بلاد بعيدة أو قريبة تغري الحكام الغزاة بالهجوم على تلك البلاد الغنية من أجل الاستحواذ على ثرواتها (وهو أمر لايزال يحدث حتى اليوم في ثياب عصرية). ولم يخل تاريخ حضارة من حضارات البشر من أخبار الرحلة التي تعددت أسبابها وتكاثرت مع تطور الحياة البشرية وتنوع مقاصدها: ما بين الدين (الحج وزيارة الأماكن المقدسة) والاقتصاد (التجارة والنشاط المالي) والسياسة (السفارات, والعمل الدبلوماسي) والحرب (الجاسوسية, والاستخبارات) والعلم (الدراسة, والاستكشاف) والسياحة والمغامرة.

فالرحلة وسيلة الإنسان لكسب المعرفة, والتعرف على البيئة والإنسان الذي يعيش فيها منذ أقدم العصور, ولاتزال الرحلة من أنجح وسائل الإنسان في الحصول على المعرفة, ولهذا السبب حظيت الرحلة باهتمام القدماء والمحدثين على حد سواء, كما احتفى العلماء بما قدمته الرحلة من إسهامات ساعدت على اكتشاف مختلف البيئات والتعرف على نشاط الإنسان في رحابها. ومن ثم, تسابق العلماء والباحثون على تقديم الأوصاف الجليلة, التي أسبغوها بكرم شديد, على الرحلة.

وعلى الرغم من أنه كانت, ولاتزال, للرحلة جوانبها الشائنة والمظلمة, مثل التجسس, والتمهيد للعدوان على الآخر الإنسان, والاستعمار, والاستيطان, والتخريب… وما إلى ذلك, فإن الرحلة قدمت خدمات جليلة للإنسانية جمعاء من حيث إنها كانت وسيلة للمعرفة, والكشوف الجغرافية وتمهيد الطرق لسفر الإنسان والتجارة. باختصار, كانت الرحلة هي العمل الرائد لحركة البشر والأفكار والبضائع من ناحية, كما كانت الرحلة مفيدة للإنسان على المستوى الفردي من ناحية أخرى.

لقد كانت الرحلة بمنزلة الأم لعلوم إنسانية واجتماعية عدة نشأت في رحم الرحلة, وترعرعت في حجرها, مثل الجغرافيا, والاثنوجرافيا والانثربولوجيا, وعلم السكان, والتاريخ الاجتماعي, والفولكلور… وغيرها, بيد أن أهم إسهامات الرحلة, في تصوّرنا, جاءت من خلال طرح معرفة الإنسان بالإنسان, وإشاعة إدراك وحدة الإنسانية, ماضيًا وحاضرًا ومصيرًا, إذ إن الرحلة تكشف عن حال يتعرف فيها الإنسان على (الآخر), ومن ثم يصير أكثر استعدادًا للاعتراف بوجود هذا الآخر والتعاون معه. فقد كانت عين الرحالة (الغربية) دائمًَا بمنزلة آلة تصوير دقيقة تسجل ما حسبه الناس في البلاد التي يزورها الرحّالة غير جدير بالتسجيل والملاحظة بسبب ألفتهم واعتيادهم عليه, ويعني هذا في التحليل الأخير أن الرحلة قدمت لنا الكثير من المعلومات التي تعتبر مصدرًا أوليا, أو مادة خاما, للدراسات التي قامت عليها علوم التاريخ, والاثنوجرافيا, والسكان, والانثروبولوجيا, والفولكلور فضلاً عن فروع الدراسات الإنسانية والاجتماعية الأخرى.

ويمكن القول, بلا تردد, إن تاريخ الرحلة بدأ مع تاريخ الإنسان نفسه, ربما بقصد البحث عن مصادر الرزق الذي تسبب في حركة البشر وهجراتهم في العصور القديمة من تاريخ الإنسانية. وفي تلك الفترة يلاحظ الباحثون أن الدافعين الاقتصادي والعسكري قد امتزجا بحوافز الكشف والمعرفة على نحو يصعب تحديد مداه, وفي هذه الفترة أيضا بدأت الرحلة الفردية التي سجلتها أساطير الشعوب القديمة جميعًا.

هكذا, كانت الرحلة وسيلة ناجحة للمعرفة عند الإنسان في تاريخ الفكر الإنساني والثقافة الإنسانية بوجه عام, كما كانت أيضًا وسيلة لأداء الشعائر الدينية عند شعوب الأرض. فالحج إلى الأماكن المقدسة والمزارات المبجلة, وقبور الصالحين والأولياء والقدّيسين, كانت – ولايزال – من أهم دوافع الرحلة الفردية.

تشهد على ذلك رحلة الحج إلى الكعبة قبل الإسلام وبعده, كما تشهد عليه تلك الرحلات العديدة التي قام بها الأوربيون إلى الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين, لاسيما بعد اعتراف الإمبراطور قسطنطين الكبير بالمسيحية ديانة لرعاياه, ووقف الاضطهادات ضد المسيحيين. وعندما بنت أمه هيلين كنيسة القيامة في بيت المقدس تضاعفت أعداد الحجاج الوافدين من أوربا الكاثوليكية بالشكل الذي جعل المؤرخين يعتبرونها أحد الروافد المهمة للحركة الصليبية التي جاءت لتهاجم المنطقة العربية تحت الراية الكاثوليكية في القرن الحادي عشر.

كذلك كان طلب العلم من أهم بواعث الرحلة ولايزال. فقد ارتحل علماء الإغريق القدامى إلى مراكز العلم في مصر القديمة, وكان كتاب هيرودوت الشهير تجسيدًا للرحلة في طلب العلم والمعرفة, فقد سافر الرجل إلى مصر وغيرها من البلاد التي سمع بها, وجاء كتابه (التواريخ) ثمرة لهذه الرحلة, ومن ناحية أخرى, كانت الإسكندرية ومكتبتها القديمة ذائعة الصيت هدفًا ومقصدًا للرحلة والرحالة في هذا المجال, كما كانت أثينا في عصرها الذهبي, وبلاد فارس وبلاد الشام تجتذب الرحلة والرحالة من شتى أنحاء المعمورة في تلك العصور.

ولم تكن الحضارة العربية الإسلامية استثناء في ذلك, فقد كانت الرحلة من أهم فعاليات هذه الحضارة, وقد تنوعت دوافع الرحالة المسلمين ما بين الاقتصاد والدين والعلم والسياسة, بيد أن الرحلة في طلب العلم كانت من أهم ملامح الثقافة العربية الإسلامية, وقد أشار المؤرخ العربي الشهير (ابن خلدون) إلى هذه الحقيقة في مقدمته الشهيرة بقوله: (…. والرحلة لابد منها في طلب العلم, ولاكتساب الفوائد والكمال, بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال, وتجسّد هذه الحقيقة رحلات عدة قام بها أعلام الثقاقة العربية الإسلامية منهم عبدالرحمن بن خلدون نفسه الذي رحل من بلده الأصلي إلى مصر لأسباب كثيرة منها طلب العلم, وقد سبقه كثيرون لا تكفي مثل هذه الدراسة لرصد أسمائهم ومؤلفاتهم فقط, فضلاً عن سيرتهم ونشاطهم.

وقد كان الفضل في ذلك راجعًا إلى أن العالم الإسلامي الذي امتد من سور الصين العظيم شرقًا حتى مياه المحيط الأطلنطي غربًا, ومن البحر المتوسط وبحر قزوين شمالاً إلى المناطق الاستوائية في آسيا وأفريقيا جنوبًا, قد عرف نوعًا فريدًا من الوحدة الثقافية القائمة على أساس التنوع والتنافس الإيجابي بين الثقافات الفرعية التي نشأت من التفاعل بين ما جاء به الدين الإسلامي واللغة العربية من ناحية, والموروثات الحضارية للشعوب التي اعتنقت الإسلام من ناحية أخرى, لقد برزت مراكز ثقافية متنافسة ومتفاعلة في كل أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه, بغداد ودمشق ومكة والمدينة, والفسطاط ثم القاهرة, والقيروان ومدن المغرب الإسلامي والأندلس, وكانت الرحلة (في طلب العلم ولاكتساب الفوائد والكمال, ومباشرة الرجال…) على حد تعبير ابن خلدون من سمات الثقافة العربية الإسلامية في ذلك الزمان.

كذلك كانت التجارة من العوامل المهمة الدافعة إلى الرحلة في التراث العربي الإسلامي, إذ كان التاجر العربي المسلم شخصية عالمية يعرفها سكان العالم المتحضّر آنذاك. كما أن تنوع الأقاليم الجغرافية لدار الإسلام جعل في متناول التجار المسلمين منتجات شديدة التنوع تقوم عليها التجارة العالمية. ومن المعلوم أن تجار ذلك الزمان كانوا يقومون برحلاتهم التجارية بأنفسهم من ناحية, كما أنهم كانوا عادة من أبناء النخبة الثقافية في مجتمعاتهم من ناحية أخرى, وقد أدى ذلك – بطبيعة الحال – إلى أن عددًا منهم كانوا من العلماء الذين تركوا لنا نفائس يفخر بها تراث الحضارة العربية الإسلامية, وتقف رحلة التاجر سليمان السيرافي, فوق مياه المحيط الهندي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) دليلاً فذّا على ذلك. كما أن ياقوت الحموي (626هـ / 1229م) خلّف كتابه الكبير المسمى (معجم البلدان) ليكون دليلاً ساطعًا على رحلة التاجر العربي في عصور السيادة الإسلامية, إذ كان ياقوت الحموي يقوم برحلاته بهدف التجارة أساسًا.

وكانت هناك أسباب أخرى متنوعة للرحلة عند المسلمين, بعضها شخصي فردي, وبعضها الآخر كانت سفارات بتكليف من الحكام لسبب أو لآخر, على أن أهم ما يلفت النظر في تاريخ الرحلة العربية الإسلامية هو أن طابع المبادرة الشخصية كان العامل الحاسم في غالبية هذه الرحلات, ولم تكن الدولة, أيّا كان اسمها, تقوم بتمويل هذه الرحلات إلا في أضيق نطاق, وربما كان ذلك مقصورًا, على الحالات التي كانت الرحلة فيها سفارة أو مهمة رسمية بتكليف من الحكام.

ويحتل أدب الرحلة عند العرب مكانة متميزة في التراث الثقافي العربي, وتقف الرحلات التي شهدها تاريخ الثقافة العربية الإسلامية في طليعة أدب الرحلات الذي عرفتها كل الثقافات الإنسانية, وتراث أدب الرحلة العربي, بدءًا من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي ترصعه عناوين مؤلفات رحالة من أمثال أبي دلف الينبوعي, وابن فضلان, وابن جبير, والعبدري, وابن بطوطة, وعبداللطيف البغدادي, ثم الرحالة المحدثين نسبيًا مثل أحمد فارس الشدياق ورفاعة الطهطاوي, ومحمد كرد علي, وأمين الريحاني…. وغيرهم.

وخلال عصور السيادة العربية الإسلامية طاف الرحالة العرب أرجاء الدنيا يسجلون ما يشاهدونه وما يسمعونه عن الأمكنة والناس, المظاهر الطبيعية, العادات والتقاليد, الثقافات, وكانت ثمرة هذا كله ثروة معرفية هائلة حفظتها بطون الكتب, وقد شمل أدب الرحلات المكتوب بالعربية شتى نواحي المعرفة الإنسانية في مختلف أنماط الرحلة, فهناك رحلات السياح العاديين, ورحلات الجغرافيين, ورحلات المفكرين والباحثين عن الحقائق الروحية والفكرية, ورحلات المتصوّفة والحجاج إلى الأماكن المقدسة والمزارات الدينية, ورحلات الدبلوماسيين, ورحلات المغامرين والصيادين والمستكشفين, فضلاً عن رحلات الجواسيس…وغير ذلك من الرحلات.

* * *

وقد سبق أن أشرنا إلى جزء من تراث أدب الرحلة الأوربي, وقد بدأت الرحلة الأوربية بعد العصر المسيحي لأسباب دينية تتعلق بزيارة الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين غالبًا, ثم ارتبطت رويدًا رويدًا بالحرب والمغامرة والاستكشاف. ولعل أهم تلك الرحلات الأوربية على الإطلاق هي تلك الرحلة الفذة التي قام بها المغامر الجسور كريستوفر كولومبس (1541-1506م) في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. ونجح كولومبس مع نجاح هذه الرحلة البحرية وهي تكتشف الدنيا الجديدة: أمريكا, ونتج عن ذلك أن تقدمت الرحلة البحرية إلى الصدارة لأنها اخترقت بجسارة مجاهل المحيط الأطلنطي, ومن ثم تواصلت أوربا مع الدنيا الجديدة بلا حدود بفضل الرحلات البحرية.

ويرى الدكتور حسين فهيم (أدب الرحلات, ص22-ص23) أن (…رحلات كولومبس بالذات, وكشفه العالم الجديد, أثمرت عن مادة إثنوجرافية قيمة, بل كانت لها أهمية تاريخية كبرى في مجال الفكر والسياسة, الأمر الذي جعل بعض المؤرخين الأوربيين المهتمين بالتقسيم الزمني للتاريخ يتفقون على أنه إذا كان سقوط روما سنة 476م يعتبر نهاية العصور القديمة, فإن اكتشاف أمريكا سنة 1492م قد أدخل أوربا حقبة جديدة. تلك التي كانت لها أثرها الكبير في تغيير النظرة إلى الإنسان عامة, والإنسان الأوربي خاصة, الأمر الذي انعكس صداه على الفكر الاجتماعي والحضاري عن الإنسان. فلقد أوضحت الاستكشافات الجغرافية, بجلاء, حقيقة وجود تنوع بين الجنس البشري…).

تقودنا هذه الفقرة الأخيرة إلى موضوع هذا المقال عن رحلة إلياس الموصلي إلى أمريكا في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي, وهي أقدم نص لأول رحلة معروفة قام بها عربي, وسجلها باللغة العربية, إلى أمريكا, وتكتسي هذه الرحلة أهمية زائدة من خلال الحقيقة القائلة بأن الفترة التي زار فيها (إلياس الموصلي) أمريكا (…جاءت في الفترة التي شهدت فيها القارة الأمريكية حمى بناء المستوطنات, والبحث عن الذهب والفضة, وانتشار العبودية, ونشاط ديوان التفتيش الكاثوليكي, وعمليات التنصير والتعذيب والإبادة التي مارسها المستعمرون الإسبان ضد أبناء القارة الأمريكية. والرحلة… حافلة بالقصص والمرويات والوقائع حول ذلك…) حسبما يقرر محرر الرحلة (نوري الجراح) في مقدمته (ص14).

* * *

ربما يكون من المناسب أن نقدم تعريفا بصاحب الرحلة, ثم عرضًا لأحداثها قبل أن نقدم ملاحظاتنا الأساسية عنها.

هذا النص يدون أحداث أقدم رحلة عربية معروفة إلى أمريكا. وقد تم نشر النص مرتين قبل هذه النشرة التي حملت عنوان (الذهب والعاصفة), وصدرت عن دار السويدي للنشر والتوزيع (الطبعة الأولى 2001م) من تحرير وتقديم نوري الجراح, وكانت النشرة الأولى لهذه الرحلة على يد الأب أنطون رباط اليسوعي بعنوان (رحلة أول سائح شرقي إلى أمركة) في مجلة المشرق, المجلد الثامن, سنة 1905م, ثم كانت النشرة الثانية, بعد سبعين سنة من النشرة الأولى, على يد الباحثة العراقية ابتهاج الراضي. وقد أشار المستشرق الروسي كراتشوفسكي إلى هذه الرحلة وصاحبها في كتابه (تاريخ الأدب الجغرافي العربي) (ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم, القاهرة 1961م). فمن صاحب الرحلة؟

المعلومات المتوافرة عن صاحب هذه الرحلة شحيحة للغاية حسبما كتب محرر الرحلة, لكن أهم ما فيها أنه قسيس كاثوليكي من أصل كلداني, وأنه من عائلة من البطاركة كانت لهم صلات وثيقة بالفاتيكان والبابوية. ويبدو مما سجله هو بنفسه عن الرحلة أنه كان صاحب حظوة لدى البابوية من ناحية, ولدى السلطات الإسبانية والفرنسية في إسبانيا وفرنسا, والسلطات الاستعمارية في أمريكا الجنوبية من ناحية أخرى, فضلاً عن ديوان التفتيش الكاثوليكي الإسباني في صورته التي عُرف بها في المستعمرات الإسبانية. وتتضح هذه الحقيقة من خلال الألقاب التي أسبغتها عليه البابوية, والحفاوة التي قوبل بها من السلطات في كل مكان زاره أثناء رحلته التي استمرت ستًا وعشرين سنة.

وقد بدأت الرحلة من بغداد سنة 1668م, صوب دمشق ومنها اتجه إلى بيت المقدس حيث وصلها في نهار عيد القيامة. وقد تعرض لهجوم اللصوص وقطاع الطرق, ولكن الأسلحة النارية التي كانت معه ومع الطوبجي باشا (أي قائد المدفعية العثمانية في الشام وحلب وبغداد) ميخائيل أغا, رفيقه في هذا الجزء من الرحلة, جعلتهم ينتصرون على اللصوص, ويواصلون سيرهم إلى دمشق, ثم القدس الشريف.

واتجه هو إلى حلب, ثم ميناء الإسكندرونة, حيث استقل مركبا إنجليزيًا إلى قبرص, ثم وصل إلى البندقية بعد سبعين يوما من مغادرة الإسكندرونة. وهناك تم حجزهم في الحجر الصحي خارج المدينة على مدى واحد وأربعين يومًا. ومن هناك اتجه إلى روما حيث مكث ستة أشهر ومن هناك سافر إلى فرنسا. ثم تجول في فرنسا ووصل إلى أفينيون التي كانت ملكًا للبابوية منذ العصور الوسطى حينما أهداها ملوك فرنسا إلى البابوية حتى استردتها الثورة الفرنسية سنة 1789 (أي بعد زيارة إلياس الموصلي بعشرين عاما).وفي باريس زار الملك لويس الرابع عشر الذي أكرمه هو وأخوه أمير أورليانز. وقد امتدح باريس كثيرًا (.. التي لا مثيل لها في كل الدنيا, بحسنها وعدالة حكمها واستقامة شرعها…) (ص58). ويلفت النظر هنا أن الثورة الفرنسية التي اندلعت بعد عشرين سنة من زيارته كانت ثورة ضد ظلم الملكية والإقطاع المتحالفين مع الكنيسة, وهو ما يلقي ظلالاً من الشك حول أحكام هذا القسيس الأرستقراطي!!

على أي حال, بقي إلياس في باريس ثمانية أشهر بناء على طلب السفير السلطان العثماني محمد الرابع إلى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر. وبعدها توجه إلى إسبانيا حتى وصل إلى مدريد العاصمة حيث كانت الوصية الملكة آن النمساوية لأن الملك ارلوس الثاني كان قاصرًا.

وأمرت بأن يصرف له مبلغ من المال من حاكم صقلية ومثله من حاكم نابولي, ولكنه لم يحصل على هذه الأموال مما جعله يكرس معظم حديثه في رحلته في إيطاليا عن فشله في الحصول على المال, وسوف نرى أن المال كان يشغل حيزا مهمًا من تفكير هذا القسيس. وقد رجع مرة أخرى إلى إسبانيا (خائب الرجاء) على حد تعبيره.

وذهب إلى البرتغال ليحدثنا عن النصارى الجدد (… وهم من ملة اليهود المتنصرين وهم معلومون عند الكل, وما يتزوجوا من النصارى القدماء. والبعض منهم, بالحقيقة, ناكرو دين المسيح. فلما يتحققون أمرهم أنهم كذلك, يحكم عليهم ديوان الإيمان (محاكم التفتيش) بالحريق…) هذه إشارة واضحة إلى أن فظائع محاكم التفتيش الكاثوليكية كانت لا تزال موجودة ومستعرة في شبه الجزيرة الأيبيرية, ويتحدث الرجل عنها ببرود شديد باعتبارها أمرًا طبيعيا.

كان هذا هوالجزء الأول من الرحلة الذي قضاه في أوربا, وقد انتهى بأن حصل من الملكة الوصية على عرش إسبانيا على تصريح بالسفر إلى (بلاد هند الغرب) أي أمريكا (ولم يكن ممكنًا لأحد أن يسافر إلى تلك الأرجاء سوى بإذن من التاج كما أن السفن الإسبانية لم تكن تنقل بشرًا أو بضائع غير إسبانية إلا بموجب تصريح مثل هذا). ومن ميناء قادش غادر إلى أمريكا يوم 12 فبراير 1675م, بعد أن أمضى في أوربا سبع سنوات, محملاً بلوازم السفر والتوصيات والأوامر الملكية لتسهيل رحلته. وخُصصت له قمرة في مركب القيادة (وهو ما يشير إلى احتمال أنه كان مكلفًا بمهمة لصالح البابوية أو الملكية الإسبانية, أو لصالحهما معًا).

وقد أمدنا بمعلومات مهمة عن الرحلة البحرية من إسبانيا إلى بيرو في أمريكا الجنوبية, فقد كانت المراكب تسافر مرة واحدة كل ثلاث سنوات (… لكي يحضروا من هناك خزانة الملك. وأيضا التجار يوسقون الغلايين من كل أجناس البضايع ويبيعونها في تلك البلاد, ولا يدعون إنسانًا غريبًا عن الجنس السبنيولي يرافقهم, لا تاجرًا ولا كاهنًا, إن لم يكن معه أمر من الملك…).

وقد صادفت مركب إلياس الموصلي (مركبا إنجليزيا موسوقًا من العبيد السود عددهم سبعمائة نفس, قد جاءوا بهم من بلاد برازيل من حكم البورتكال حتى يبيعوهم في بعض جزائر الهند…) وهذه إشارة إلى خاصية أخرى من خصائص تلك الفترة التي ازدهرت فيها تجارة الرقيق ولعب الإنجليز دورًا مهمًا فيها.

وعند شواطئ كاراكاس تحدث عن جزيرة مرجريتا وذكر أسطورة دينية نعتاد على مثلها في كتابات رجال الدين. وذكر ما يشير إلى وجود نوع من حرب العصابات ضد الحكم الإسباني في بيرو, كما تحدث عن جزيرة السلاحف, وأشار إلى استيلاء الإسبان على مركب فرنسية تحمل سلاحف مملحة بسبب حالة الحرب التي كانت قائمة بين إسبانيا وفرنسا آنذاك.

وعندما رست بهم السفن في أرض بيرو, كان أهم ما لفت نظره ثراء أهل المدينة, وديانتهم الكاثوليكية, وكثرة الكنائس والقسوس وأديرة الرهبان والراهبات. وتحدث عن عمليات البيع والشراء التي كانت تستمر أربعين يوما بين الإسبان والسكان الأصليين. وتحدث عن انتقام الفرنسيين من الإسبان بسبب المركب الذي استولوا عليه. بيد أن أهم شيء هو الأموال التي تمت جبايتها للتاج الإسباني وشاهدها صاحب الرحلة (فرأيت شيئا لا يحصى من الفضة والذهب).

وقد وصف الرجل النباتات والحيوانات والحشرات التي صادفها من تلك البلاد الجديدة, بقدر غير قليل من المبالغة, كما حدثنا عن حيل السكان المحليين لصيد التماسيح الأمريكية Caiman التي عاشت في بيرو. وتحدث عن طيور الببغاء الناطقة ذات الألوان الزاهية, وجبال كاتوكاكسي التي توجد بها بعض البراكين.

لا يخلو كلامه من الأحاديث المعتادة لدى القساوسة عن الرؤى الإعجازية والقصص الأسطورية التي يزعم أنها حدثت, وأن أبطالها من رموز الديانة المسيحية. كما أنه تحدث بإسهاب عن رحلته البرية في أمريكا الجنوبية, وذكر القصص الرائجة عن استخراج الذهب كما تحدث عن العلاقات بين السكان الأصليين (الذين يسميهم الهنود) والإسبان الذين يسميهم (السبنيولية).

وتحدث عن استخراج الذهب ورغبته في الذهاب إلى أماكن استخراجه, ولكن البعض أشار عليه بعدم الذهاب لصعوبة الطريق فاكتفى بالشراء من ذلك الذهب في بلدة كيتو ووصف بعض النباتات في تلك الأرجاء.

ثم خرج من ليما, في بيرو, قاصدًا جبال الفضة والذهب, ووصف عملية استخراج الزئبق, وتحدث عن اقتصاديات استخراج الزئبق وفرق الحساب لصالح الملك. وكان نصيبه في هذه الزيارة مقدار خمسين قنطارا من الزئبق, فترك هناك وكيلاً ليتسلم منهم الزئبق, كما حدثنا عن صناعة الحجارة من ماء أسمر يتجمد فيصير حجارة.

ونزل في دير اليسوعية الذي كان رئيسه غنيًا لأنه كان قبل ذلك رئيس ديوان الإيمان (أي محاكم التفتيش) فأهداه (جنزير ذهب).

ثم تحدث عن استخراج الفضة وشاهد عملية سبك الفضة نقودًا مختومة بخاتم الملك. وتحدث عن القتال بين السكان الأصليين والإسبان.

بعد ذلك تحدث عن رحلته إلى المكسيك التي يذكرها باسم بلاد ينكي دنيا أي الدنيا الجديدة, وذكر أشجار الكاكاو, وتحدث عن شراء القرمز ثم عاد إلى أوربا حيث وصل إلى ميناء قادش الإسباني وقدم هدية فاخرة إلى البابا إنوسنت الحادي عشر الذي أنعم عليه بوظائف جليلة.

ونأتي الآن إلى الملاحظات الأساسية على رحلة إلياس الموصلي:

أولاً: أن صاحب الرحلة قس كاثوليكي قام برحلته لأسباب شخصية غير معروفة على وجه الدقة, وإن كان المرجح لدى الأساتذة الثلاثة الذين نشروا الرحلة, ولدى كراتشوفسكي في الأدب الجغرافي العربي, أنه قام بمهمة لحساب البابوية, أو التاج الإسباني, أو كليهما معًا, وهذا ما يمكن استنباطه أيضا من سياق الرحلة نفسها.

ثانيًا: أنه, نتيجة لما ذكرناه في (أولا), كان الوسط الذي خالطه إلياس الموصلي بالضرورة, الوسط الكهنوتي الكاثوليكي في أوربا وأمريكا الجنوبية على السواء, وقد تركزت علاقاته بهذا الوسط على الرغم من علاقاته الحميمة ببعض الحكام العلمانيين أيضا. وقد أثر هذا على اهتماماته التي ركزت في الغالب الأعم على الأديرة والكنائس والقساوسة والرهبان.

ثالثًا: أن الرحالة, لم يكن رحَّالة بالمعنى الدقيق للكلمة, على الرغم من أنه تحرك في أرجاء أمريكا الجنوبية, حتى وصل إلى منطقة خط الاستواء, وإنما كان مبعوثًا يمثل البابوية بدليل استخدامه الدائم للملابس والشعارات التي منحها له البابا في كل صلاة أو قداس قام به في كنائس أمريكا الجنوبية وأديرتها.

رابعًا: أن الرجل, نتيجة لما سبق, كان يورد أخبار الخوارق والمعجزات التي سمعها باعتبارها حقائق, على الرغم من أنه لم يذكر أنه شاهد أيا من هذه المعجزات بنفسه, وتكشف كتابته عن قدر كبير من ضيق الأفق والتعصب الكاثوليكي الذي جعله على صلة قوية بالقائمين على محاكم التفتيش التي يسميها (ديوان الإيمان), وجعله يتحدث عن أصحاب البلاد الأصليين الذين يسميهم(الهنود) بقدر كبير من العنصرية والتعصب حينما يتحدث عن المسيحيين منهم, وبلهجة كاثوليكية العصور الوسطى المتعصبة عندما يتحدث عن الذين لم يتنصروا باعتبارهم (الهنود الكفرة). بيد أنه يكشف دونما قصد عن الأوضاع المؤلمة والحزينة التي عاش في ظلها أحفاد حضارات المايا, والإنكا, والإزتك من سكان تلك القارة دون أن يخطر على باله أنهم أصحاب هذه الأرض.

خامسًا: على الرغم من أنه يورد لنا لمحات عن الصراع الاستعماري بين الإسبان والفرنسيين, فإن ضيق أفقه واهتماماته الكنسية حالت دون أن يمدنا بالتفاصيل المهمة لذلك الصراع. إذ كان جل اهتمامه منصبًا على ذاته وعلى ما قام به من خدمات كنسية,وما أقيم له من ولائم, وما كسبه من المال والهدايا هنا وهناك. ويبدو حبه للمال واضحًا في كل صفحة من صفحات رحلته: فمن الصفات المتكررة في وصفه للرجال (كنسيين وعلمانيين) صفة الثراء, كما أنه حريص على ذكر أثمان البضائع والمأكولات, وإحصاء المكاسب التي يجنيها التاج الإسباني من عمليات استخراج الفضة والزئبق والذهب.. بل إنه كان يقرض المال بفائدة تصل إلى 40% حسبما ذكر بنفسه. ومن الواضح أنه عاد من هذه الرحلة بثروة كبيرة.

سادسًا: قدم لنا أوصافًا طبيعية مهمة للتضاريس, والمسافات بين المدن, وطبيعة الملاحة في أمريكا الجنوبية والوسطى, كما وصف بعض الحيوانات والنباتات وإن حاول أن يربط بين بعضها وبين الديانة المسيحية بشكل ساذج.

سابعًا: يبدو صاحب الرحلة نموذجًا واضحًا على التضافر بين الاستغلال الرأسمالي والاستغلال الديني في حركة الاستعمار, فقد كان رجال الدين يساندون رجال الإدارة الاستعمارية, بل إن بعضهم كان يترك وظيفته الدينية إلى وظيفة إدارية في الجهاز الاستعماري في أمريكا الجنوبية. ويكفي أنه حينما كان في باريس لم يفطن إلى أزمة الملكية الإقطاعية التي أدت إلى نشوب الثورة الفرنسية بعد عشرين عامًا, وربما يكون قد تجاهلها بحديثه عن عدل لويس الرابع عشر.

ثامنًا: تخلو الرحلة, أو تكاد, من المعلومات المتعلقة بجوانب الحياة الاجتماعية لسكان أمريكا الجنوبية, فهو لا يتحدث إلا عن الصلوات والاحتفالات الكنسية. بيد أن الأخبار التي ترد عرضًا تكشف عن قسوة ممارسات المستعمرين بعد أكثر من قرنين ونصف القرن على رحلة كريستوفر كولومبوس.

التعليقات