السلطان العثماني محمد الفاتح في المصادر التاريخية المسيحية – بقلم الدكتور حاتم الطحاوي

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم تاريخ عثماني دكتور حاتم الطحاوي
0 Flares 0 Flares ×

بمجرد وفاة السلطان مراد الثاني في شباط فبراير 1451م أرسل الوزراء العثمانيون الى ابنه السلطان محمد الثاني الذي عرف بالفاتح بعد فتحه القسطنطينية من اجل وراثة عرش والده والاضطلاع بمهمات حماية الاراضي والممتلكات العثمانية ومواجهة القوى المسيحية في القسطنطينية وأراضي البلقان. وتذكر المصادر التاريخية المعاصرة ان السلطان محمد بمجرد ان علم بوفاة ابيه وثب على صهوة جواده العربي الاصيل من دون ان يخبر مساعديه بالأمر فلم ينبس سوى بجملة واحدة…”من كان يحبني فليتبعني”. وعندما وصل موكبه الى العاصمة العثمانية ادرنة اصطف حشد كبير من حكام الولايات والموظفين الرسميين وعلماء الدين والادباء والعلماء والكثير من العامة لمسافة ميل كامل من اجل التشرف برؤية سلطانهم الجديد. وبمجرد اعتلاء السلطان محمد الثاني للعرش العثماني وضع نصب عينيه تحقيق هدف راود ابيه وأجداده العثمانيين طويلاً ألا وهو القضاء على الامبراطورية البيزنطية المسيحية ودخول عاصمتها القسطنطينية وجعلها عاصمة للعثمانيين المسلمين. حدث هذا في الوقت نفسه الذي ارسل فيه امبراطور القسطنطينية وفداً لمواساة السلطان محمد وتهنئته بتولي العرش العثماني. ويعلق المؤرخ البيزنطي المعاصر لتلك الاحداث، ميخائيل دوكاس على ذلك بقوله:”يا لسخرية الاقدار لقد بعث الحمل بتحياته وتهانيه الى الذئب. لقد بعثت العصافير بتحياتها الى الافعى، وبعث الميت وهو في النزع الاخير بتحياته الى الموت نفسه”. كان المؤرخ البيزنطي المعاصر دوكاس هو الاشد تحاملاً على العثمانيين وعلى السلطان الفاتح كما كان اكثرهم تعصباً ضد المسلمين في شكل عام. اذ كتب شهادة مطولة عن احداث الفتح العثماني للقسطنطينية واصماً السلطان الفاتح بالانتهازية لأنه بمجرد ان قام بتثبيت عرشه تظاهر بمهادنته امبراطور القسطنطينية وعندما تهيأت له الظروف تنكر لوعوده واستدار لمحاصرتها. وكثيراً ما استخدم دوكاس عبارات حادة تعبر عن تعصب فاضح في وصفه لشخص السلطان الفاتح اذ وصفه بأنه لص، وقاطع طريق، والذئب والأفعى، التركي الكافر، الثعبان، التنين، الشيطان النهم، آكل لحوم البشر، الحواري الحقيقي للشيطان، عدو المسيح… كما لم يتورع ايضاً عن اتهامه بالشبق الجنسي والقتل لمجرد القتل وغير ذلك من الاتهامات التي يمكن تفهم دوافعها في ضوء نجاح السلطان الفاتح في إسقاط القسطنطينية قلعة الارثوذكسية الاوروبية وتحويلها الى عاصمة للعثمانيين فضلاً عن تحويل بطريركية القسطنطينية في كنيسة ايا صوفيا الى المسجد الجامع للمدينة.

أما شاهد العيان المعاصر ريشيريو فقد كان اكثر انصافاً للسلطان محمد الفاتح وربما لأنه لم يكن بيزنطياً فلم يتأثر بمرارة الفاجعة التي ألمت بالبيزنطيين. فوصف الفاتح بكلمات يستحقها وبحياد تام فكتب في شهادته:”كان محمد الفاتح رجلاً عظيماً تمتع بذكاء ملحوظ، تولى العرش بعد وفاة والده السلطان مراد، ولأنه كان يطمح للقيام بانجازات مجيدة فلم يقنع بما تركه اسلافه ولم يقنع ايضاً بما كانت تحمله اسرته من مجد. وهداه تفكيره للقيام بمغامرة ستجلب له اقصى درجات الشرف والمجد والكرامة وأكبر من الاعمال النبيلة كافة التي قام بها اسلافه. وهكذا فعندما اعمل فكره جيداً قام بتحويل اهتمامه نحو فتح مدينة القسطنطينية لأنه وجد ان استيلاءه عليها سيمنحه شهرة خالدة بين أمم الارض وانه اذا استطاع ان يصبح سيداً على تلك المدينة بالذات وهو بالكاد قد جاوز مرحلة الصبا فإن العالم كله سيخشى قوته وشدة بأسه. اما الاسقف ليونارد من جزيرة خيوس اليونانية والذي ارسله البابا نيقولا الخامس الى القسطنطينية قبل سقوطها بعام واحد 1451م من اجل المساعدة في اقناع سكان المدينة بضرورة الاتحاد الكنسي مع كنيسة روما الكاثوليكية فقد ترك لنا شهادة وافية عن الفتح العثماني للقسطنطينية وامتلأت شهادته بروح الاسى والاسف على سقوط المدينة وعلى تقاعس المسيحيين. لكن عباراته لم تطفح كراهية للمسلمين او السلطان الفاتح فقد كان تركيزه كرجل دين مسيحي على محاولة تلمس اسباب سقوط المدينة ودعوة البابا لانقاذها مرة اخرى، ونتيجة لعدم اقتناعه بالاتحاد الكنسي الذي تم بين كنيستي القسطنطينية الارثوذكسية وكنيسة روما الكاثوليكية فقد كتب في شهادته:”وتصاعد غضب الرب نتيجة لعدم اخلاص البيزنطيين لعملية الاتحاد الكنسي، فأرسل محمداً اقوى السلاطين الاتراك ذلك الشاب الجسور والطموح الممتلئ حماسة وجموحاً العدو اللدود للمسيحيين وبرفقته اكثر من ثلاثمئة ألف محارب قاموا بالانتشار حول اسوار القسطنطينية”. كما ان الاسقف ليونارد انصف العسكرية العثمانية فذكر ايضاً في شهادته:”كان الاتراك يتصفون بالشجاعة ويجيدون القتال عبر عمليات الالتحام”. كما ذلك ليونارد ان السلطان محمد الفاتح امر جيشه بايقاد النيران لمدة ثلاثة ايام قبل اليوم الاخير 29 أيار/ مايو 1453م، امرهم ان يتوجهوا بالدعاء الى الله لكي يمن عليهم بفتح القسطنطينية. ونظراً لأن الاسقف ليونارد كان موجوداً داخل القسطنطينية ابان الاقتحام العثماني لها فقد كتب شهادة ملؤها الصدق والشفافية يذكر فيها:”يا إلهي!… اذا ما سمعت اصوات المهاجمين العثمانيين وهي ترتفع الى عنان السماء، تصيح لا إله إلا الله محمد رسول الله فلا بد أن لسانك سوف ينعقد وتصاب بالدهشة والذهول لما يجري”.

أما التاجر الايطالي جاكومو تيدالدي الذي نجح في الفرار من القسطنطينية ابان قيام القوات العثمانية باجتياحها فقد كتب ايضاً في شهادته:”ان الذين تحدثوا مع السلطان الفاتح والذين شاهدوه ابان القتال وعرفوا مكانته ومبلغ قوته وسلطانه ذكروا انه في الثالثة او الرابعة والعشرين من العمر، يتميز بأنه اكثر قسوة ووحشية من الامبراطور الروماني نيرون! ممتلئ بالشجاعة والإقدام متلهف على غزو العالم كله وعلى حكم اعظم الامبراطوريات التي لم يحكمها احد من قبل”. كما كتب تيدالدي ايضاً:”كان الفاتح يهدف ايضاً الى التوسع والاستيلاء على مدينة البندقية فسأل عن موقعها والمسافة التي تبعدها عن اراضيه وكيفية الوصول اليها براً وبحراً؟ كذلك سأل الفاتح عن موقع مدينة روما وعن دوق مدينة ميلانو وقوته العسكرية؟ والواقع ان الفاتح لم يكن يتحدث في أي موضوع آخر سوى عن الحرب والقتال”. اما المؤرخ الايطالي المعاصر لفتح القسطنطينية جورجي دولفين فقد وصف السلطان الفاتح بعبارات غاية في البلاغة:”كان السلطان التركي العظيم محمد شاباً يافعاً في السادسة والعشرين من عمره ذي طلعة بهية وقامة معتدلة، وكان ماهراً في استخدام الاسلحة يبعث مظهره الخارجي على الخشية والخوف او بالأحرى على الاحترام قليل الضحك حذر في احكامه متصفاً بالكرم الشديد”.

لقد اظهر قدرة كبرى على العناد والتثبت بطموحاته واتصف بالشجاعة في الظروف كلها، كما انه تاق لمعادلة مجد الاسكندر الاكبر. كما امر بقراءة التاريخ الروماني في مجلسه في شكل يومي وخصوصاً اعمال هيرودوت وليفي، اضافة الى وقائع تاريخ البابوات والأباطرة وملوك فرنسا. وكان السلطان الفاتح يجيد ثلاث لغات: التركية واليونانية والسلافية.”كما بذل الفاتح جهداً ليستعلم عن الموقع الجغرافي لايطاليا ومقر البابا والامبراطور وموقع العديد من الممالك الاوروبية المسيحية، وقام بتحديد ذلك على خريطة واضحة”.”على ان لا شيء مما قام بدراسته يبعث في نفسه السعادة البالغة ويشبع شغفه اكثر من دراسته لجغرافيا العالم ودراسة فن الحرب. وكانت لدى الفاتح رغبة مستمرة نحو الحكم بينما كان حكيماً ومتعقلاً ويستعلم جيداً حول ما ينوي الاقدام عليه من مشاريع”. كما ذكر ان السلطان الفاتح كان يتميز بعناده وعنفه في مهاجمة المسيحيين ولم يكن يسمح للخوف بأن يتسلل الى قلبه من أي شخص كان”.”فضلاً عن انه رجل لا يخضع لشهواته الجنسية ويتميز بجديته ورصانته ولا يطيق ان يسمع اخبار الشراب والسكر ولا يضع نفسه تحت رحمة أي متع او مسرات. فقد كان يتوق الى تحقيق المجد فقط”. ويضيف المؤرخ دولفين في حديثه عن الفاتح فيقول: انه كان يعتقد بأن”قيصر وهانيبال لا يقارنان به”، اما الاسكندر المقدوني فقد سبق ان تمكن من اجتياح الاراضي الآسيوية بقوات عسكرية اقل مما يمتلكه الفاتح من قوات، ولهذا فإن الفاتح يقول: لقد تغير الزمان وانه الآن، واذا كان الاسكندر قد نجح في الزحف من الغرب الى الشرق فإنه ينوي الآن الزحف من الشرق الى الغرب. ويضيف السلطان الفاتح بحسب شهادة المؤرخ دولفين:”من الآن لن يكون في هذا العالم سوى امبراطورية واحدة ودين واحد للجميع ولا يوجد مكان آخر افضل من مدينة القسطنطينية لتحقيق هذه الوحدة وبفضل مساعدة هذه المدينة فإن الفاتح سيقوم باخضاع المسيحيين كافة”.

التعليقات