المسلمون في الأدب الأوروبي الوسيط … ملحمة الفارس رولان نموذجاً – بقلم الدكتور حاتم الطحاوي

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم أوربا و الإسلام دكتور حاتم الطحاوي
0 Flares 0 Flares ×

انتقلت الأخبار الأولى عن ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي من المسيحيين العرب في شمال شبه جزيرة العرب الى الإمبراطورية البيزنطية دولة الروم بحكم العلاقات بين القبائل العربية والإمبراطور هرقل.

وصاغت تلك الأخبار، إضافة الى حركة الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس والشام، المعرفة الاولى بالإسلام. وفي ما بعد انتقلت تلك المعرفة والرؤية البيزنطية للإسلام الى البابوية والغرب الأوروبي. غير أن المسلمين ما لبثوا – في القرن التالي مباشرة أن عبروا مضيق جبل طارق لتجد أوربا الغربية نفسها أمام الإسلام وجهاً لوجه، فبدأ الاستغناء عن تلك المعرفة السماعية من الشرق البيزنطي، إذ بات المسلمون في قلب مرآة الغرب الأوروبي بفضل انتصاراتهم العسكرية المتتالية على القوط الغربيين في أسبانيا ودخولهم الى الأراضي الواقعة في جنوب فرنسا.

وكان من الطبيعي أن تمارس البابوية الكاثوليكية دورها الطبيعي في القيادة الروحية للعالم الأوروبي المسيحي، والدفاع عن كل ما ينال من شأن المسيحية. وهكذا استعرت كتابات النخبة المثقفة في أوروبا العصور الوسطى، الممثلة في رجال الدين بمقالات ورسائل وكتب تهاجم الدين الجديد، ورجاله الذين ما هم الا”أناس شعث غبر لا يمتهنون سوى أعمال القتل الوحشية، بغية حوز رضا ربهم الذي يعدهم بالجنة مقابل قتل غير المسلمين”.

وانتشرت في غرب أوروبا رؤية سلبية عن الإسلام. غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل ساهمت المخيلة الشعبية الأوروبية أيضاً في إنتاج رد فعل ثقافية على الهزيمة العسكرية والسياسية التي أوقعها المسلمون بالمسيحيين في الأندلس.

وتعد ملحمة الفارس رولان La chanson de Roland من أهم الملاحم الشعبية في أوروبا العصور الوسطى، وقد تم وضعها من أجل هدفين غاية في الأهمية، الأول اعلاء شأن المسيحية والفارس المسيحي المثالي رولان، والثانية الانتقاص من شأن الإسلام والمسلمين، من أجل حضّ الوجدان الشعبي الاوروبي، الذي تناقل أبيات تلك الملحمة قروناً عدة، على رفض الإسلام والمسلمين.

و كما هى عادة الملاحم الشعرية الشعبية، فإن ملحمة الفارس رولان التى تألفت من 4002 بيت في 291 سوناتا شعرية، تعد مجهولة المؤلف بفضل انتشارها بين أوساط العامة، وزيادة أبياتها عبر قرون عدة تالية، غير أن الدراسات الحديثة أثبتت أن مؤلفها هو راهب كاثوليكي مجهول الاسم من اقليم نورماندي بفرنسا.

وهناك عشرات الترجمات باللغات الأوروبية للملحمة سواء في شعر مقفى أو شعر حر أو نثر مسجوع أو نثر مطلق، الأمر الذي يبين لنا كيف غزت تلك الملحمة خيال الاوروبيين وساهمت في رؤيتهم السلبية للإسلام.

وعلى أي حال، تنقسم ملحمة الفارس رولان الى ثلاثة أقسام:

1 – الخيانة والكارثة والانتقام.

يبدأ القسم الأول بالإشارة الى حروب الإمبراطور شارلمان ضد المسلمين في أسبانيا، ونجاحه في تقليص أراضي المسلمين، ورغبته في الاستيلاء على مدينة سرقسطه من حاكمها المسلم مارسيليون Marsilion، الذى أدرك ضعف موقفه أمام جيش شارلمان، فانتهج سياسة المراوغة والدبلوماسية، في انتظار نجدة إسلامية لمساعدته.

وتذكر الملحمة أن شارلمان وقع في حبائل الحاكم المسلم المخادع، فأرسل اليه سفارة بقيادة الكونت جانيلون، الذي كان في حقيقة الأمر يشعر بالغيرة تجاه الشهرة العالية التي يتمتع بها الفارس رولان بوصفه مدافعاً عن المسيحية وعن المثل الاقطاعية والفروسية الأوروبية. والذي راوده شعور بأن رولان كان وراء إرساله الى حاكم سرقسطه المسلم. وهذا ما دفعه لأن يسر الى الأخير بأن شارلمان سوف يحضر اليه في جيش كبير للاستيلاء على المدينة، وأن الفارس الشهير رولان سوف يكون في مؤخرة هذا الجيش. بناء على اقتراح قدّمه الكونت جانيلون نفسه.

ويذكر القسم الثاني من الملحمة كيف أطبق جيش المسلمين على مؤخرة جيش الفرنجة في ممر رنسفاله الضيق عبر جبال البيرينيه 777م، الأمر الذي أسفر عن إبادته تماماً. غير أن الملحمة تذكر أن الفارس المسيحي الأسطوري رولان، رمز الفروسية المسيحية القروسطية، رفض ابان المعركة غير المتكافئة الاستماع مرتين الى نصيحة زميله أوليفييه والاستنجاد بشارلمان عبر النفخ في البوق. لأنه لا يليق بالفارس المسيحي المثالي أن يطلب النجدة ضد المسلمين طالما أنه يستطيع القتال. غير أن رولان اضطر الى طلب النجدة في النهاية من شارلمان فوصل متأخراً بعد نجاح المسلمين في قتل رولان ورفاقه.

ويركز القسم الثالث من الملحمة على انتقام شارلمان من المسلمين في الأندلس، ونجاحه في الاستيلاء على سرقسطه وقتل حاكمها المسلم، قبل أن يعود الى عاصمته اكس لاشابل ويأمر بعقد محاكمة تم على إثرها إعدام الخائن جانيلون.

غير أن الملحمة في شكلها تصطدم في كثير من أحداثها بالواقع التاريخي، كما هي عادة الملاحم الشعرية الشعبية عبر العصور، فعلى سبيل المثال لم تذكر المصادر التاريخية الإسلامية ما ذكرته الملحمة من هزيمة المسلمين لجيش الفرنجة وقتل الفارس رولان. بل ان أحد أهم المصادر التاريخية على الإطلاق، هو المؤرخ اينهارد، ترك لنا مصدراً تاريخياً غاية في الأهمية عن حياة شارلمان، تحدث فيه عن مقتل رولان، ولكنه عزا ذلك ومعه العديد من المصادر التاريخية الأوروبية المعاصرة الى قيام قبائل الباسك بالانقضاض على مؤخرة جيش شارلمان والفتك برولان ورجاله.

كما أن المصادر الإسلامية تذكر أن حاكم سرقسطه آنذاك كان سليمان بن يقظان الأعرابي، الذى كان يسعى الى التحالف مع شارلمان ضد عبد الرحمن الداخل.

وهكذا اختلط التاريخ بالأسطورة في ملحمة الفارس رولان، من دون الاعتماد على وقائع تاريخية صحيحة، لدرجة أن مؤلفها لا يقوم بضبط أسماء الشخصيات الإسلامية بها مثل مارسيليون حاكم سرقسطه، فضلاً عن رسوله المسلم الذي أطلقت عليه الانشودة اسماً غير عربي هو بلانكاندران!! فضلاً عن اختلاط المواقع الجغرافية عليه، وربما كان يرجع ذلك الى تواتر الملحمة واستمراريتها قروناً عدة منذ عهد الامبراطور شارلمان نهاية القرن الثامن وبداية القرن التاسع الميلادي، وحتى كتابتها في القرن الثاني عشر الميلادي، الذى شهد – نتيجة للحركة الصليبية على الشرق العربي الإسلامي – انبعاث العديد من أغاني المآثر Les chansons de Geste التى تهاجم الإسلام والمسلمين، من أجل بث روح الحماسة في أوصال الصليبيين إبان تقدمهم نحو احتلال بلاد الشام ومصر…

التعليقات