العلاقات الإنسانية زمن الحرب : تجربة المسلمين والصليبيين – بقلم الدكتور حاتم الطحاوي

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم حروب صليبية دكتور حاتم الطحاوي
0 Flares 0 Flares ×

تعرض الشرق العربي الإسلامي في العصور الوسطى لإحدى أكثر الحركات التاريخية أهمية، وهي الحركة الصليبية التي نادى بها البابا أوربان الثاني في مجمع كلير مونت في جنوب فرنسا عام 1095، وأسفرت عن إرسال الكثير من الحملات الصليبية إلى الشام ومصر، فنجحت الحملة الأولى في الاستيلاء على مدينة القدس عام 1099، قبل أن ينجح صلاح الدين الأيوبي في استرداد المدينة عام 1187.

واستمرت الحملات الصليبية المتعاقبة بهدف الاستيلاء على القدس مرة أخرى، وهو الأمر الذي لم يسمح به المسلمون إلى أن نجح السلطان الأشرف خليل قلاوون في طرد الصليبيين تماماً من المنطقة العربية واستعادة مدينة عكا عام 1291. وإذا كان من الضروري أن تنشب الحروب والعلاقات العدائية في شكل مستمر بين القوى الصليبية المستعمرة، والقوى الإسلامية التي تبغي استرداد أراضيها طوال قرنين من الزمان تقريباً، فإن من البديهي أيضاً – وإن كان غير معروف بالضرورة – قيام أشكال عدة من العلاقات الإنسانية بين الطرفين المتحاربين، وهو أمر اقتضته فترة الاحتكاك بينهما، فضلاً عن المصالح المتبادلة أحياناً بين أطراف عدة من المسلمين والمسيحيين.

ونظراً لأن فترات السلام بين الجانبين كانت أطول زمناً من فترات الحرب، فقد انخرط المسلمون والصليبيون في علاقات متبادلة، أملتها ظروف المكان الواحد والزمن الطويل”لدرجة أن الجيل الأول من الصليبيين الذي استوطن الأرض العربية والذي تميز بعدائيته الشديدة لكل ما هو عربي ومسلم، بدأ ينسى تعصبه ضد المسلمين. وهو ما أثار الصليبيين الجدد الذين استمروا في التدفق على الأرض المقدسة، فاتهموهم بمهادنة المسلمين، والتأثر بهم. وفى ذلك يقول المؤرخ والفارس المسلم أسامة بن منقذ الذي صادق الكثير من الفرسان الصليبيين:”إن كل من هو قريب العهد من البلاد الإفرنجية أجفى أخلاقاً من الذين تبلدوا أصبحوا من أهل البلاد وعاشروا المسلمين”. كما فطن الأب جاك ألفيتري أسقف عكا أيضاً إلى هذه الملاحظة واتهم الصليبيين المتبلّدين، أي الذين استقروا ببلاد الشام وصادقوا المسلمين بنسيان مبادئ الحركة الصليبية.

والحقيقة أن العلاقات الإنسانية بين الصليبيين والمسلمين قد ظهرت منذ سنوات الاستقرار الصليبي الباكر، من ذلك أن ملك بيت المقدس بلدوين الأول حاول عام 1101 توسيع حدود مملكته، فأغار على أراضي إحدى القبائل العربية المجاورة لنهر الأردن، وأسر منها الكثير من النساء والأطفال. ولما كانت زوجة شيخ القبيلة على وشك الوضع وهي في أسر الملك الصليبي، أمر بإطلاق سراحها مع خادمتها بالإضافة إلى مدها بجملين وقدر من الزاد، فعادت المرأة لتروي لزوجها ما حدث وتدور الأيام دورتها، فيسعى شيخ القبيلة لرد الجميل للملك بلدوين عام 1102، وكانت المفارقة أنه سافر إليه معبراً عن امتنانه، ومحذراً إياه من هجوم إسلامي وشيك! كما أقام الفارس العربي أسامة بن منقذ صداقات عدة مع الفرسان الصليبيين”فكانوا ينادون بعضهم بعضاً بعبارة”يا أخي”. وبلغت الصداقة الحميمة بينه وبين أحد الفرسان الصليبيين أنه عندما حانت لحظة عودة الأخير إلى وطنه في أوروبا خاطب أسامة راجياً منه أن يبعث معه ابنه ليسافر إلى أوروبا وأن يتربى تحت رعايته، غير أن أسامة رده في لطف زاعماً أن”جدّته شديدة الكلف به”، بعدما عبّر عن دهشته من طلب الفارس الصليبي. وعلى رغم تصاعد وتيرة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين في عهد صلاح الدين الأيوبي، فإن المصادر التاريخية الإسلامية تفيض بذكر حالات التفاعل الإنساني بين المسلمين والصليبيين.

من ذلك ما تذكره عندما حاصر صلاح الدين حصن الكرك عام 1183، ولاحظ وجود حفل زواج صليبي داخل الحصن، وأرسلت أم العروس الصليبية أطباقاً من طعام العرس إلى صلاح الدين، فما كان من الأخير إلا أن طلب أن يعرف مكان نزول العروسين في أحد أبراج حصن الكرك، وأمر قواته بعدم قذف هذا البرج أو محاصرته. ويذكر ابن شداد – مؤرخ صلاح الدين – أنه عندما طال أمد القتال بين الصليبيين والمسلمين أمام مدينة عكا عام 1190″أنس البعض بالبعض بحيث كانت الطائفتان تتحدثان وتتركان القتال. وربما غنّى البعض ورقص لطول المعاشرة، ثم يرجعون للقتال بعد ساعة”. وعندما طالت أيام المعركة أراد الجنود أن يستريحوا ويصنعوا معركة رمزية. فاقترحوا إيقاف القتال وإيجاد مبارزة بين صبي مسلم وآخر صليبي، ونجح الصبي المسلم في أسر الصبي المسيحي، ليسترده الصليبيون بدينارين دفعوهما للصبي المسلم.

ومما يدل على تفاعل العلاقات الإنسانية بين المعسكرين مشروع الزواج السياسي الذي كاد أن يتم بين السلطان العادل الأيوبي أخي صلاح الدين والأميرة جوانا أخت الملك ريتشارد قلب الأسد. وعلى رغم عدم إتمام هذا الزواج، فإن ذلك يدل على العلاقة الإنسانية الجيدة بين العادل وريتشارد الذي كان يطلب من العادل أن يرسل إليه الجواري”لأنه يحب سماع الغناء باللغة العربية. ولعل أبلغ مثال على العلاقات الإنسانية الطيبة هو الذي ضربه صلاح الدين الأيوبي. فبعد نجاحه في الانتصار على الصليبيين ودخول مدينة بيت المقدس عام 1187، تسامح مع سكان المدينة، ولم يفعل كما فعل جنود الحملة الصليبية الأولى الذين اقتحموا المدينة عام 1099 وقاموا بقتل جميع سكانها المسلمين. نعرف أن صلاح الدين أمر بالحفاظ على أرواح السكان المدنيين وممتلكاتهم، بل ودفع المال من جيبه لافتداء النساء والأطفال والرهبان.

وفضلاً عن ذلك، فإنه عندما سمع بمرض الملك ريتشارد أرسل إليه فاكهة من الخوخ والكمثرى، فضلاً عن المياه المثلجة. وهناك مثال آخر على مدى رقي الحس الإنساني لدى صلاح الدين الأيوبي، حيث يذكر المؤرخ أبو شامة أن أحد الجنود المسلمين أغار على خيام الصليبيين ليلاً عام 1191، وجلب معه طفلاً رضيعاً من بين الغنائم. وعندما عرفت أمه بما جرى طار صوابها لهفاً عليه. ولما كان الصليبيون يعلمون مدى نبل صلاح الدين وإنسانيته، فقد نصحوها بالتوجه إليه لإعادة طفلها، فوصلت إليه وهي تبكي وتمرغ وجهها في التراب، وعندما عرف بقصتها دمعت عيناه، وأرسل لإحضار طفلها الرضيع، وعندما بلغه أن الجندي المسلم قام ببيعه لأحدهم في السوق، أمر صلاح الدين بدفع ثمنه للمشتري من جيبه الخاص، وتسليم الطفل إلى أمه. ولعل أبلغ تعليق على تلك الحادثة ما أورده المؤرخ ابن شداد:”فانظر إلى هذه الرحمة الشاملة لجنس البشرية. اللهم إنك خلقته رحيماً فارحمه رحمة واسعة من عندك يا ذا الجلال والإكرام”.

ونظراً الى تجاور الصليبيين مع السكان المسلمين لفترة قرنين من الزمان تقريباً، كان لا بد من حدوث تفاعل اجتماعي بين الطرفين، فقد تزوج الفرسان الصليبيون من المسيحيات الشوام، وأنجبوا جيلاً قارب بين أعمامه المسيحيين الغربيين وأخواله المسيحيين العرب، ولا تزال حتى الآن في الشام بعض العائلات من أصول إفرنجية صليبية مثل عائلات: فرنجية – صليبي – طربيه. واكتسب الصليبيون الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية العربية والإسلامية، وظهر ذلك في ارتداء الرجال الملابس القطنية والكوفيات على رؤوسهم لتقيهم حرارة الشمس، بينما تأثرت النساء الصليبيات بثياب المسلمات والمسيحيات العرب، فارتدين الملابس الطويلة حتى القدمين والموشّاة بالخيوط الذهبية، ولعل أبرز ما تأثرت به النساء الصليبيات كان ارتداؤهن الخمار والحجاب على الطريقة الإسلامية عند الخروج من المنزل.

وفضلاً عن ذلك، ارتاد الصليبيون الحمامات العربية، وأطالوا لحاهم كالعرب، وتعلموا منهم نظافة البدن الشخصية للرجال والنساء، كما أعجبوا بتناول القهوة العربية، وعرفوا السكّر للمرة الأولى في بلاد الشام. كذلك قام التجار الصليبيون بممارسة التجارة مع التجار المسلمين على رغم شكوى السلطات الصليبية التي رفعتها إلى البابا في روما، وأصدر على أثرها قراراً بالحرمان الكنسي على جميع التجار المسيحيين الذين يمدون التجار المسلمين بالسلع الإستراتيجية التي تساعد المسلمين على مهاجمة مملكة بيت المقدس الصليبية، مثل الأخشاب والحراب والسيوف والتروس وآلات القتال. إلا أن التجار المسيحيين واصلوا تحدي قرار البابا، واستمروا في التجارة مع المسلمين في دمشق وحلب وغيرهما.

وعلى الصعيد الزراعي، فإن تداخل حدود الأراضي الإسلامية والصليبية أوجد أماكن زراعية تخضع للإشراف المشترك بين المعسكرين، تسميها المصادر التاريخية”أراضي المقاسمات”أو”أراضي المناصفات”. فعلى رغم حالة الحرب المتبادلة بين المسلمين والصليبيين، كان يجري اقتسام حصاد تلك الأراضي بالتساوي بينهما وفق الاتفاق. وعلى الصعيد الثقافي، شعر المسلمون بالتفوق على الصليبيين الذين لم يمتلكوا تراثاً ثقافيّاً كبيراً. وترتب على مستوى اللغة أن دخلت كلمات كثيرة من العربية إلى لغة الصليبيين، مثل القطن Cotton والسكر Sugar والتعريفة الجمركية Tariff، وشراب Surup والكحول Alcohol ودينار Dinar وغيرها.

وتعلم الصليبيون الكثير من الفلاسفة والأطباء العرب. وقاموا بنقل ذلك إلى بلادهم. وتهكم أسامة بن منقذ في كتابه كثيراً على تأخر المعرفة الطبية لدى الصليبيين مقارنة بالتقدم الطبي لدى المسلمين. كما تعلم الإمبراطور فريدريك الثاني 1198-1250 اللغة العربية على يد معلم عربي في جزيرة صقلية، وجمع حوله الكثير من العلماء العرب والمسلمين، وشغف بترجمة كتب الفلسفة والطب العربية، وكان صديقاً للملك الكامل الذي كان يرسل له بأحد العلماء المسلمين لحل مسائل رياضية فشل العلماء المسيحيون في حلها. وعلى الصعيد الثقافي – الديني دارت بعض المناظرات بين الفقهاء المسلمين ورجال الدين المسيحيين. من ذلك المناظرة التي كان طرفها أمير صيدا الصليبي الذي كان يجيد العربية، حيث ذكر المؤرخ ابن شداد 1189 أنه”كان يناظرنا في دينه ونناظره في بطلانه، وكان حسن المحاورة متأدباً في كلامه”.

التعليقات