مصر في الوثائق والسجلات الصينية في العصور الوسيطة – بقلم الدكتور حاتم الطحاوي

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم الشرق الأقصى تاريخ دكتور حاتم الطحاوي مصر
0 Flares 0 Flares ×

 كانت مصر في القرن الثالث عشر الميلادي مركز الدنيا، و قبلة العالم، فقد كانت سوقاً ومدرسة وحصناً للعالم الإسلامي كله. و ذاع صيتها في الكون بأسره بحيث إن رجلاً قابعاً في أحد موانئ الصين لم يستطع أن يسكت عنها في كتابه الذي جمعه من أفواه التجار وربابنة السفن.

كان شوجو ? كوا chau ju ? kua يعمل مفتشاً على السلع والبضائع التي جلبها التجار الأجانب على متن الأساطيل التجارية البحرية إلي ميناء كانتون canton بالصين في القرن الثالث عشر الميلادي.

ونتيجة لوظيفته التي استلزمت احتكاكاً دائماً بالتجار والمسافرين الغرباء، وكذلك ربابنة وبحارة السفن المختلفة، أراد شوجو – كوا زيادة معارفه عن العالم، متخداً من ميناء كانتون كوة يطل منها على عوالم وأجناس وتواريخ أكثر اتساعاً ورحابة من بلده.

لم يكتف شوجو – كوا بسماع تلك التواريخ والحكايات الحقيقية والأسطورية من ألسنة التجار والمسافرين والربابنة والبحارة، بل سعى إلى توثيق عمله في كتاب يحكي ما سمعه عن تاريخ بلاد هؤلاء الغرباء، فضلاً عن أنواع السلع والبضائع، وغير ذلك من المعلومات التجارية المهمة التي تمنح القارئ متعة عقلية وهو يجول بين سفن وموانئ المحيط الهندي فضلاً عن موانئ آسيا وشرق أفريقيا في العصور الوسطى.

وعلى رغم من بعض الحكايات الأسطورية التي شابت مجلده الكبير Chu-fan-ehi، فإن معظم ما ورد فيه عن مصر اعتمد على الحقائق التاريخية والجغرافية والأنثروبولوجية الصحيحة.

ولأننا نعلم تردد الكثير من التجار المصريين على ميناء كانتون الصيني في القرن الثالث عشر الميلادي، فلا بد أن يكون شوجو ? كوا استقى معلوماته عن مصر من حكاياتهم. فأشار إلى أن مصر wu-ssi-Li تخضع سياسياً للخلافة العباسية في بغداد Pai-Ta، وأن سلطانها يتصف بالعدل في حكمه.

ومن الواضح أنه كان يشير إلى دولة سلاطين المماليك في مصر حينما ذكر أنه حينما كان يخرج السلطان في موكبه الرسمي، فإنه يرتدي العمامة والعباءة، وينتعل حذاء أسود اللون، بينما يمتطي صهوة جواده في موكب ضخم. ويسير أمامه ثلاثمئة فارس على خيولهم المطهمة بالذهب والمجوهرات. علاوة على ألف فارس آخر من أجل حراسته، وثلاثمئة آخرين يحملون السيوف والتروس. إضافة إلى اثنين من خدمه يحملان سيف السلطان ودرعه.

كما لاحظ أن موكب سلطان مصر ضم عشرة من النمور في سلاسلها الحديدية وحراسها، فضلاً عن ثلاثين رجلاً من حملة الصقور. ويتبع الجميع مئة من قارعي الطبول النحاسية على ظهور الجياد في موكب تاريخي ضخم.

كذلك، تحدث شوجو ? كوا عن سكان مصر في معلومات هي خليط ما بين الحقيقة والخيال، فذكر أن السكان في مصر يعيشون في مساكن متجاورة، بحيث يعيش الأقارب جنباً إلى جنب، كما ذكر أن سكان مصر لا يأكلون الرز، بينما يتغلب الطقس الجاف على مناخها، وأن المطر عندما يهطل بغزارة فيها فإنه يقوم بإغراق زراعتها وإتلافها.

وكان من الطبيعي أن يتطرق شوجو ? كوا للحديث عن النيل في مصر، الذي وصفه بأنه مجهول المنبع، وأشاد بمياهه العذبة والغزيرة التي يعتمد عليها سكان مصر في شكل كامل في الزراعة. وأشار إلى أنه إذا ما أصابها الجفاف ذات يوم، فإن أنهاراً أخرى تتدفق لتصب في نهر النيل، كما ذكر أيضاً أن الروايات القديمة تذكر أن يوسف ? عليه السلام ? shi su المتحدّر من الجيل الثالث لإبراهيم عليه السلام p”u-Lo-hung كان وزيراً على مصر، وخشي أن يضرب الجفاف البلاد بسبب ندرة مياه الأمطار، فاختار مساحة كبرى من الأراضي بالقرب من النهر، وقام بإنشاء 360 قرية عليها، ثم أمر بتكليف سكانها زراعة القمح. وبعد عام واحد، جرى تزويد سكان مصر كافة الطعامَ بعد أن قامت كل قرية بتسليم القمح الذي قامت بزراعته يومياً. ومن الواضح أن شوجو ? كوا قد استمد هذه المعلومة من تاجر أو بحار مصري تميز بخلفيته الدينية الواضحة.

والمثير في الأمر أن مؤرخنا الصيني لم يكتف بهذا الحديث عن نيل مصر، بل تطرق في كتابه لإحدى الروايات الأسطورية والتي تذكر أنه كل عامين أو ثلاثة أعوام يخرج من مياه نهر النيل رجل عجوز بلحية بيضاء ليجلس علي إحدى الصخور، ويتوجه إليه السكان، وهم جاثون على ركبهم ليسألوه هل ستكون السنة المقبلة سعيدة أم ذات فأل سيئ عليهم. وبينما لا يردّ العجوز، فإنه إذا ما ابتسم فإن العام المقبل سيكون سعيداً، ولن يحل الجفاف أو الوباء بالسكان. أما إذا عبس وجهه فإن ذلك معناه أن السكان سيعانون هذا العام أو العام التالي من المجاعة أو الوباء. يحدث هذا قبل أن يعود الرجل العجوز مرة أخري إلى جوف النهر.

والمثير في الأمر أن هذه الرواية ? مع شيء من التصرف ? قد وردت لدى السيوطي في كتابه”حسن المحاضرة…”، إذ ذكر أن سمكة تعيش في مياه النيل، تشبه إنساناً ذا لحية طويلة، أسماها السكان”شيخ البحر”، وهي سمكة ذات فأل سيئ. إذا ما ظهرت في أحد الأماكن أعقب ظهورها القحط والبلاء. كما ذكر أنها كانت تظهر غالباً في فرع النيل الدمياطي.

ومن الغريب أن شوجو- كوا لم يتطرق لمدينة القاهرة Kie-Ye سوى في سطر واحد فقط من كتابه، بعدما ذكر أنها تقع على ضفة نهر النيل. غير أنه أفاض في الحديث عن مدينة الإسكندرية O-Kon-to، وربما كان ذلك بوصفها الأقدم والأشهر نتيجة للبعد الحضاري اليوناني. فأشار إلى أن الروايات القديمة تذكر أن الإسكندر الأكبر المقدوني Tsu-Ko-Ni شيد على ساحل المدينة برجاً ضخماً فنار الإسكندرية، وأقام تحته ? في شكل سري ? غرفتين متصلتين ببعضهما بعضاً. في إحدى هذه الغرف المقببة كان يتم تخبئة الغلال وتخزينها، وفي الأخرى جرى تخبئة السلاح. وكان البرج”… مرتفعاً لمسافة ألفي قدم، وبوسع أربعة جياد تسير جنباً إلى جنب أن تصعد إلى مسافة تبلغ ثلثي ارتفاعه. وفي وسط هذا البناء كانت توجد بئر عميقة تتصل بنهر كبير”.

ومن أجل حراسة الفنار، وجدت قوة مؤلفة من عشرين ألف جندي في أعلى المكان وأسفله، على أهبة الاستعداد للقتال. وتوجد على قمة الفنار مرآة ضخمة وعجيبة، حتى إذا ما قامت السفن الحربية المعادية بمحاولة هجوم مفاجئ على الإسكندرية، تقوم هذه المرآة بكشفها من بعيد، فتستعد القوات للدفاع عن المدينة.

ويبدو أن شوجو – كوا اعتمد هنا في حديثه عن المرآة العجيبة على روايات الربابنة والتجار المصريين المسلمين، إذ وردت هذه المعلومة في بعض المصادر الجغرافية الإسلامية، كأعمال ياقوت الحموي، وأبو الفدا، والمسعودي، وليون الأفريقي وإن ذكر الأخير أنها كانت أعلى عمود السواري.

وفي استمرارية لأسطورة مرآة الميناء، ذكر مؤرخنا الصيني وصول أحد الأجانب إلى الإسكندرية، وطلبه العمل في خدمة الفنار. وعمل في رش المياه، وتنظيف المكان وكنسه أعواماً عدة من دون أن يتطرق إليه الشك. حدث هذا قبل أن يقوم في أحد الأيام بإلقاء هذه المرآة العجيبة في البحر ويفرّ هارباً.

وتتشابه هذه الرواية في شكل أو في آخر بما ورد لدي المؤرخ المسعودي من أن الإمبراطور البيزنطي أرسل أحد أهم خصيانه إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك 705 – 715هـ في مهمة سرية، فادعى رغبته في التحول إلى الإسلام، وأخبره بأماكن ثروات المسيحيين المخبأة في دمشق وأماكن أخرى بالشام.

وبعد أن حاز على ثقة الخليفة، أخبره أن الإسكندر الأكبر قام ببناء غرف سرية تحت الأرض بمدينة الإسكندرية وضع داخلها ثرواته كافة، إضافة إلى سبائك الذهب والأحجار الكريمة. ثم بنى فناراً فوق هذه الغرف توجد بأعلاه مرآة ضخمة لمراقبة سفن الأعداء، حيث يبدأ الحراس في الصياح لتحذير القوات المدافعة عن المدينة.

وتستمر الرواية لتذكر أن حيلة وجود ثروات الإسكندر تحت فنار الإسكندرية قد انطلت على الخليفة المسلم، فأرسل هذا الخصي مع بعض القوات حيث قام بهدم نصف الفنار وتحطيم المرآة. وعندما أدرك أهل الإسكندرية هذه الخدعة، لأن ذلك معناه أن مدينتهم ستسقط في أيدي أعدائهم بسهولة خشي هذا الخصي من سكانها غضب الخليفة بسبب خيانته، فتسلل تحت جنح الظلام إلى سفينة كانت بانتظاره، متخذاً طريقه إلى القسطنطينية بعد تنفيذ مهمته.

وفي النهاية يمكن من خلال ما سبق استنتاج مدى ما يمكن تسميته”المعرفة بالآخر”نتيجة انتقال الأفكار والرؤى الموجودة بالمصادر الجغرافية والتاريخية الإسلامية عبر طرق التجارة البحرية ليتردد صداها في بعض المصادر الصينية في العصور الوسطى.

التعليقات