العالم الإسلامي والغرب … ميراث ماضي العلاقة وواقع الطرفين في المرحلة الراهنة – بقلم الدكتور حاتم الطحاوي

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم أوربا و الإسلام دكتور حاتم الطحاوي
0 Flares 0 Flares ×

عقدت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالاشتراك مع المجلس الأعلى للثقافة ندوتها السنوية لهذه السنة 3 – 5 نيسان ابريل تحت هذا العنوان. وتناولت الأوراق المقدمة إشكالية العلاقة الملتبسة مع الآخر، ودور حركة الاستشراق ببعديها السلبي والإيجابي في ذلك، وكذا مناقشة دعوات التموضع حول الذات ورفض ما يرشح من أفكار غربية، فضلاً عن مناقشة الالتباسات المنهجية في التعامل مع الغرب ومحاولة استكناهه. تناولت ورقة محمود مكي خصوصية الاستشراق الإسباني عن غيره، لأن المستشرق الإسباني تحدث عن حضارة عاشت وازدهرت على أرضه لقرون عدة، لذلك كانت رؤيته لها هي رؤية من الداخل، لأن معظمهم يعتبرونها جزءاً من تراثهم القومي. فتناول استقدام كارلوس الثالث ملك إسبانيا للراهب اللبناني ميخائيل الفريزي حيث عهد إليه بفهرسة المخطوطات في مكتبة الاسكوريال. كما عرض لأهم المستشرقين الإسبان كباسكوال دي جايا نجوس وفرانسيسكو كوديرا وخوليان ربيرا، الى أسين بلاثيوس ودوره الكبير في الدراسات الفلسفية والصوفية.

وعن الأندلس أيضاً جاءت ورقة حسن قرني لتؤكد عناق الهلال والصليب عبر نموذج الأسقف ربيع بن زيد الذي حمل اسماً عجمياً RECEMUNDO، وهو مسيحي دخل في خدمة الأمويين في الأندلس، تمتع بثقافة عالية ومعرفة باللغات اللاتينية والعربية، وعمل سفيراً لعبدالرحمن الناصر والحكم المستنصر الى الغرب المسيحي، وزكاه الناصر في منصبه الكنسي كأسقف ألبيرة، فضلاً عن احتضان المؤسسة الحاكمة له مما ساهم في بروزه في علوم التنجيم والترجمة. ثم تعرض تركي المغيض بجامعة الكويت لصورة العرب في مرآة الاستشراق الألماني. فذكر بعدم وجود عداوة تاريخية منذ القرون الوسطى بين الألمان والعرب، وهكذا فإن أعمال كاترين موفران وزغريد هونكه فضلاً عن الشاعر غوته قد أنصفت العرب، واستمرت هذه الصورة بعد ذلك في كتابات المستشرقين الألمان المعاصرين.

وتناولت ورقة عبدالغفار مكاوي قراءة في فكر فريتس شتبات وكتابه الإسلام شريكاً، فذكَّر برحابة أفق البروفيسور الألماني التي تجلت في كتاباته عن الدور السياسي للإسلام، وموقف المسلمين من السلطة في الماضي والحاضر. أما عبدالكريم مدون من جامعة ابن زهر بالمغرب، فقد عالجت ورقته الذات والموضوع ومحاولة قراءة في الأنا العربي والآخر الأوروبي، وأشار الى وجود ثنائية القبول والرفض. وحاول انطلاقاً من ذلك تتبع آلية تكوين الشخصية العربية وأثر الذهنية الثقافية المشكلة من عوامل داخلية وأخرى خارجية، على صوغها لموقفها من الآخر. وذكر أن الهدف من هذه المقارنة يكمن في مواجهة الأفكار من الناحية التاريخية بحثاً عن الحوار البناء في ما بينها، وكذا دورات الاختلافات في السياقات والرهانات والممارسات والرؤى وهو ما جعل الشخصية العربية تتحول الى ناقلة لنظريات ومناهج تكونت في بيئة أخرى.

وانطلاقاً من تساؤل فيلسوف اللغة الفرنسي فرانسيس جاك”هل للمفاهيم النظرية عن الآخر مردود أو تأثير على سلوكنا تجاهه؟”، وكذلك من إجابة إدوارد سعيد”عندما نستخدم تصنيفات مثل الإنسان الشرقي أو الإنسان الغربي كنقطة بداية ونقطة نهاية في الوقت نفسه لدراسة تحليلية أو أبحاث في مجال السياسة فإن ذلك من شأنه تعميق الهوة بين القطبين فيصبح الشرقي موغلاً في طابعه الشرقي كما يصبح الغربي موغلاً في طابعه الغربي”. اعتمدت ورقة هدى أباظة على إدراك حدود المعرفة والوهم في الحوار مع الآخر، فذكرت معرفة الغرب بالإسلام عبر الأندلس وجنوب فرنسا، قبيل الحركة الصليبية، وحتى المرحلة الاستعمارية الحديثة، وتتبعت الصورة التي نسجها الخيال الغربي للشخصية الإسلامية على خلفية تلك العلاقات التي غلب عليها التوتر والحذر، مما أسفر عن صورة سلبية لدى الغرب جاءت نتاجاً لمجموعة الملابسات التاريخية وتلاعبت بها كذلك الأهواء فضلاً عن الجهل والتجهيل.

وتناولت ورقة محمد نصر مهنا موقف الغرب من إشكالية تجديد الخطاب الديني الإسلامي، فأشار الى المساهمة الإيجابية لبعض المستشرقين والمؤرخين في تسليط الضوء على جوانب شتى من تجديد الخطاب الديني الإسلامي على رغم عددهم القليل، وأن دراساتهم تواجه نوعاً من الغربة في الأوساط الاستشراقية نفسها، فتحدث عن تعمق فريق من الباحثين الغربيين في دراسة حركة الخطاب الديني ومناهج البحث في الدراسات الإسلامية، غير أنه أشار الى أن الكثير من المفكرين المسلمين قد نهضوا بالعبء الكبير في سبيل تجديد وتحديث الخطاب الديني وتنقيته من الشوائب التي علق بها، وأن الدراسات الاستشراقية في هذا المجال لا تزال قليلة العدد.

أما ورقة مبارك أمين من جامعة ابن زهر بالمغرب فقد عرضت للمواجهة والمراجعة بين الغرب والعالم الإسلامي خلال العصرين الوسيط والحديث، فذكر ان للطرفين أثرهما الكبير في مسيرة الحضارة الإنسانية، وأن كل مواجهة تاريخية بينهما كان يتبعها مراجعة كل طرف لنظامه لإعداد التصنيفات المناسبة للمواجهة التالية. ومن ثم فإن العلاقة الحاضرة لا يمكن فهمها إلا في إطار السياق التاريخي ككل، وهدف البحث الى الوقوف على ثنائية المواجهة والمراجعة في علاقات العالمين الغربي والإسلامي خلال تلك الفترة.

وتناولت ورقة إسحق عبيد نموذجاً خاصاً من نماذج التأثر الغربي بالحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، وهو الإمبراطور فريدريك الثاني هوهنشتاوفن الذي ترعرع في ظل الحضارة العربية الإسلامية في صقلية وقام، بتأثير من الثقافة الإسلامية، بتأسيس جامعة نابولي وإرساء قواعد مركز حضاري إسلامي في بلدة لوكيرا، كما كان على علاقة طيبة للغاية مع السلطان الكامل الأيوبي وتبادلا الهدايا والعلماء. ونتيجة لهذا كله اتهمته الكنيسة الكاثوليكية بالهرطقة وأصدرت ضده قرار الحرمان الكنسي ونعتته بالزنديق الأكبر. ويجمع المفكرون على أن فريدريك الثاني، وبفضل التأثيرات الإسلامية، كان شخصية عالمية. وأنه كان إرهاصة للحركة الإنسانية التي نقلت أوروبا من عصور الظلام الى فجر التنوير.

وعالجت ورقة حاتم الطحاوي موضوع البابا بينيدكت السادس عشر والاقتباس البيزنطي، فبينت أولاً أنه لا يمكن عزل حالات الجدل الديني بين المسيحية والإسلام عن سياقها التاريخي وعن المناخ السياسي والعسكري والثقافي السائد. وهكذا فإن حدوث هكذا مناظرة بين الأمير مانويل، وهو التابع الإقطاعي الذليل للعثمانيين المسلمين الأقوياء، يبدو فيها هو ودينه الطرف القوي، بينما تم وضع إجابات ضعيفة على لسان الفقيه المسلم، لهو أمر لا يدعو الى التصديق، فضلاً عن عدم وروده في المصادر التاريخية العثمانية المعاصرة على الإطلاق. وكذلك عدم وروده أيضاً في المصادر التاريخية البيزنطية، بخلاف الكتاب الذي وضعه مانويل بنفسه بعد أن أصبح امبراطوراً على القسطنطينية. وعبر منهج تاريخي يعتمد القراءة السلبية للوثيقة، توصلت الورقة الى سماحة الإسلام في كتاب مانويل نفسه، والى عدم حدوث هذه المناظرة من الأصل، والى خطأ البابا بينيدكت والبروفيسور خوري في استخراج صورة سلبية للإسلام والمسلمين منها.

أما ورقة علي كورخان فقد تناولت الحوار بين الشرق والغرب من خلال خطاب طويل موجه من البابا بيوس الثاني الى السلطان محمد الفاتح 1454م. حيث حلمت البابوية الكاثوليكية بضم السلطان العثماني القوي تحت لوائها، ما دام قد نجح في إسقاط كنيسة القسطنطينية الأرثوذكسية، وبأنه يمكنه أن يعتنق المسيحية ببساطة من دون أن يصدم رعاياه بذلك. والحقيقة أن خطاب البابا بيوس – الذي لم يصل أبداً الى السلطان العثماني – كان يهدف الى تجنب خطر العثمانيين الذين فكروا، بعد نجاحهم في فتح القسطنطينية في الزحف نحو روما ومن ثم إسقاط الكرسي البابوي بها. كما هدف البابا أيضاً الى إعادة تفعيل سياسة كاثوليكية براغماتية هدفت دوماً الى احتواء الأقوياء، كما سبق أن حدث قبل ذلك بقرون عدة حين عملت البابوية، في محاولة فاشلة أيضاً، على جذب خانات المغول الى الكاثوليكية.

التعليقات