قراءة جديدة في حدث كبير – 550 عاما على فتح القسطنطينية – بقلم الدكتور حاتم الطحاوي

نشرت في أغسطس 7, 2014 عن طريق - قسم تاريخ عثماني تاريخ مدن دكتور حاتم الطحاوي
0 Flares 0 Flares ×

بعد أكثر من خمسمائة وخمسين عاما على فتح القسطنطينية, ثمة حاجة إلى إعادة تصفح ذلك الحدث الكبير, وقراءة تفاصيله.

بدأت العلاقة بين المسلمين والقسطنطينية منذ وقت مبكر. فقد حاول المسلمون الأوائل فتحها. إذ أرسل الأمويون حملتين عسكريتين في الأعوام (48هـ/668م), (54 – 60هـ/ 674 – 680م) باتجاه القسطنطينية ونجحت الحملة الثانية في فتح جزيرة أرواد, بالقرب منها حيث استقر بها المسلمون لسبع سنوات كاملة.

وبعد ذلك أرسل الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك أخاه مسلمة على رأس حملة عسكرية كبرى لفتح القسطنطينية (97هـ – 716م), ولم تنجح تلك الحملة في اقتحامها لعدة أسباب أهمها قوة الاستحكامات, ومهارة البحرية البيزنطية, فضلاً عن معاناة المسلمين من شتائها القارس, والأمراض التي تفشت بين جنود الحملة وبخاصة مرض الطاعون.

وعلى الرغم من الفشل العسكري الذي حاق بتلك الحملة, فقد نجحت في إحراز نصر معنوي مهم, بعد أن اشترط القائد المسلم مسلمة بن عبدالملك على الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث ضرورة بناء مسجد داخل أسوار مدينة القسطنطينية, مقابل انسحاب قواته ورفع الحصار عن المدينة, ووافق الإمبراطور ليو على ذلك.

وطوال الفترة العباسية, تبادل الطرفان البيزنطي والعباسي النصر والهزيمة, لكن التهديد العباسي لم يصل إلى حد محاصرة القسطنطينية ومحاولة فتحها.

وجاء صعود السلاجقة على مسرح الأحداث ليفضي إلى إعادة توزيع أدوار لعبة الحرب بين المسلمين والبيزنطيين, إذ قبضوا على زمام الأمور في الدولة العباسية الثانية, وتمكنوا في العام (463هـ/1071م), من إنزال هزيمة ساحقة بالبيزنطيين في ملاذ كرد, وأسر الإمبراطور رومانوس الرابع غير أنهم أيضا, لم يستطيعوا محاصرة القسطنطينية, فضلاً عن فتحها.

ظهور آل عثمان

وطوال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين, انبثقت من وسط الأتراك قوى إسلامية جديدة, هم سلاجقة قونية, والأتراك الدانشمند, لتأخذ على عاتقها مواصلة الكفاح ضد بيزنطة. في محاولة لترسيخ فكرة الجهاد الإسلامي, وضم الأراضي والممتلكات البيزنطية إلى الجانب الإسلامي. وبعد ذلك ظهرت إمارة آل عثمان, التي نشأت في موقع استراتيجي يتحكم في الطرق القادمة من القسطنطينية إلى آسيا, وباعتبارهم ورثة للتقاليد الإسلامية والسلجوقية, كانوا على دراية تامة بالنظم الإدارية, وهو الأمر الذي سمح فيما بعد لإمارتهم الصغيرة بالتحول إلى إمبراطورية مترامية الأطراف.

وبدأ العثمانيون في قضم الممتلكات البيزنطية, فاستولوا على مدينة بورصة (1326م) واتخذوا منها عاصمة لهم, ثم نيقية (1331م) ونيقوميديا (1337م), كما نجحوا في استغلال التنافس على العرش في البلاط البيزنطي, ولجوء يوحنا كانتا كوزينوس إلى السلطان العثماني أورخان, فانتهز الأخير الفرصة للتدخل في شئون بيزنطة بعد مساعدته العسكرية لكانتا كوزينوس, حيث قام الأخير بتزويجه ابنته.

وهكذا عبر العثمانيون مضيق البوسفور – لأول مرة – لمساعدة البيزنطيين, ومن هناك استولوا على مدينة غاليبولي (1354م), ومنها انطلقوا للاستقرار في أراضي البلقان.

على أي حال, بدأ العثمانيون منذ ذلك الوقت رحلة صعودهم, بينما بدأت الإمبراطورية البيزنطية في الأفول, حتى تقلصت ممتلكاتها وتركزت في مدينة القسطنطينية وضواحيها, فضلاً عن بعض الأقاليم في بلاد اليونان.

وعامل السلاطين العثمانيون الأباطرة البيزنطيين كتابعين لهم, ومارسوا عليهم سياسة السادة والتبعية أكثر من مرة, وإذا ما لمس العثمانيون أن البيزنطيين يحاولون الخروج عن تلك العلاقة, كان رد الفعل العثماني يتمثل في محاصرة القسطنطينية ومحاولة فتحها والقضاء على الإمبراطورية البيزنطية نهائيًا. وهكذا تعرضت المدينة لأكثر من حصار, من ذلك الحصار الذي فرضه عليها السلطان العثماني بايزيد الأول (1393 – 1402م), ونجت القسطنطينية لسبب خارجي بفضل انتصار السلطان المغولي تيمور لنك على السلطان العثماني بايزيد في معركة أنقرة (1402م).

كما غضب السلطان مراد الثاني على الإمبراطور مانويل الثاني, وقام بفرض حصار على القسطنطينية (1422م). ولم ينجح أيضًا في اقتحام المدينة, التي تركها لإخماد الثورة التي قامت ضده في آسيا الصغرى.

وفور اعتلاء السلطان العثماني محمد الثاني (1451 – 1481م) العرش العثماني بدأ في العمل لتحقيق الإنجاز الذي كان أبوه وأجداده على وشك تحقيقه أكثر من مرة وهو فتح القسطنطينية.

أضخم المدافع

بدأ محمد الفاتح – الذي لقب بالفاتح بعد فتح القسطنطينية – استعداداته العسكرية ببناء قلعة (الروملي) على الضفة الأوربية للبوسفور, وهي القلعة التي وصفتها المصادر التاريخية البيزنطية المعاصرة باسم (قاطعة الزور أو الرقبة), لأنها مكنت العثمانيين من فرض سيطرتهم بالكامل على مضيق البوسفور.

أخذت القوات العثمانية في تنفيذ الحصار البري والبحري على مدينة القسطنطينية منذ نهاية الأسبوع الأول من أبريل (1453م).

وكان محمد الفاتح يدرك مدى مناعة أسوار القسطنطينية, ويعلم أنها السبب الرئيسي الذي منع أباه وأجداده العثمانيين من اقتحام المدينة.

وإيمانًا منه بضرورة التعامل بجدية مع أسوار القسطنطينية, ولّى السلطان الفاتح وجهه نحو ضرورة تطوير مدافعه, فتعاقد مع أحد أهم صنّاع المدافع في العالم الوسيط آنذاك, وهو المهندس أربان, ومنحه الكثير من الأموال, والإمكانات التي مكنته من صنع مدفع ضخم لم تعرفه العلوم العسكرية من قبل.

والحقيقة أن المدفعية العثمانية لعبت دورًا ضخمًا في دك أسوار مدينة القسطنطينية 1453م. وإذا كانت الحروب قد عرفت استخدام المدفعية قبل ذلك بعدة عقود من الزمان, فيمكن القول إن العثمانيين أحدثوا نقلة نوعية في حجم وأنواع المدافع المستخدمة في الحرب ومدى قذائفها, وكمية الدمار التي تسببت فيه.

وبدأ الجنود العثمانيون في اقتحام كل ضواحي القسطنطينية, واصطحب السلطان كبار قادته لتفقد أسوار المدينة الممتدة من بحر مرمرة إلى خليج القرن الذهبي من أجل التوصل إلى أضعف نقاط الأسوار لمهاجمتها بواسطة المدافع وقواته البرية المؤلفة بشكل أساسي من عناصر الانكشارية والعزبان.

كما أصدر محمد الفاتح أوامره إلى الأسطول البحري العثماني بحصار السور البحري للقسطنطينية واقتحام خليج القرن الذهبي الذي قام البيزنطيون بإغلاقه بالسلسلة الحديدية.

ونجحت المدفعية العثمانية في دك الأسوار البرية للقسطنطينية بشكل مؤثر للغاية حيث ترتب على ذلك تهدم مساحة كبيرة من السور الخارجي, وسقوط بعض الأبراج الموجودة به. وبالإضافة إلى ذلك فقد تسبب دوي المدافع العثمانية, وبخاصة المدفع العملاق في إحداث حالة من الذعر والهلع لدى سكان القسطنطينية الذين لم يسمعوا بمثل تلك الأصوات الهائلة من قبل.

وقام العثمانيون في النصف الثاني من أبريل بمحاولة في البر والبحر لاقتحام القسطنطينية, ولكن جهودهم ذهبت سدى. أمر محمد الفاتح بردم الخندق الموجود أمام الأسوار البرية بالأحجار والرمال والأخشاب, وهاجمت القوات العثمانية – مستترة بالليل – أسوار المدينة.

فكرة عبقرية

وعلى الرغم من المحاولات المستميتة للجنود العثمانيين, والتي استمرت حتى شروق شمس اليوم التالي, فقد نجح المدافعون البيزنطيون في الدفاع عن مدينتهم, ورد العثمانيين على أعقابهم بعد أن قاموا بتكبيدهم خسائر فادحة.

ونتيجة لفشل الأسطول العثماني في اقتحام خليج القرن الذهبي وإحكام الحصار حول الأسوار البحرية للقسطنطينية, نظرًا لوجود السلسلة التي أحكمت غلقه من ناحية مضيق البوسفور, فضلاً عن وجود الأسطول البحري البيزنطي وتمركزه خلف السلسلة. فقد أدرك السلطان الفاتح أن أسطوله لن يتمكن من الولوج إلى القرن الذهبي.

ولما كان من الضروري أن تدخل السفن العثمانية إلى القرن الذهبي, فقد تفتق ذهن السلطان محمد الفاتح عن فكرة عبقرية, استطاع من خلالها (إنزال) سفن الأسطول العثماني إلى مياه القرن الذهبي.

ونستخدم التعبير (إنزال) عن قصد, بعد أن قام العثمانيون بنقل العشرات من سفنهم من مياه البوسفور, وعبر الطريق البري والتلال – بعد حركة التفاف رائعة, وإنزالها في نهاية خليج القرن الذهبي ليلة الثاني والعشرين من أبريل 1453م.

وتحقيقًا لهذه الفكرة, أمر السلطان محمد الفاتح بتسوية الطريق البري من البوسفور إلى القرن الذهبي, وعبر استخدام الألواح الخشبية المدهونة بالشحم ودهن الأغنام. وتم رفع السفن العثمانية بواسطة الرجال, وجرّها بواسطة الثيران والأبقار, وهو ما أدى في النهاية إلى انزلاق السفن العثمانية على الألواح الخشبية المدهونة, بالإضافة إلى أن السفن كانت تجر وأشرعتها مفرودة, تساعدها الرياح, كما لو كانت تسير على صفحة الماء.

كان وقع هذا الإنجاز العسكري العثماني على البيزنطيين مروعًا, إذ استيقظوا ذات صباح ليجدوا سفن الأسطول العثماني في نهاية خليج القرن الذهبي, على حين كانت السفن البيزنطية مازالت مرابطة أمام وخلف السلسلة.

وقبل أن يفيق البيزنطيون من وقع المفاجأة. كان عليهم ضرورة استيعاب ذلك الموقف العسكري الجديد الذي هدد أسوارهم البحرية في القرن الذهبي بشكل مباشر, وهو ما دعاهم إلى نقل العديد من القوات المرابطة على الأسوار البرية للقسطنطينية من أجل الدفاع عن الأسوار البحرية, وهو ما عرّض القوات المدافعة عن الأسوار البرية إلى ضغط شديد نتيجة للنقص الذي حدث في أعدادها مقارنة مع طول الأسوار. وقام البيزنطيون بمحاولة لإضرام النيران في سفن الأسطول العثماني, لكن هذه المحاولة الليلية لم تنجح بسبب يقظة العثمانيين, ومعرفتهم بتحرّكات الجانب البيزنطي بمعونة تجار جنوه في غلطة.

وبعد مرور أسبوع من شهر مايو 1453م, دفع السلطان الفاتح بقواته البرية لاقتحام القسطنطينية, لكن المدافعين البيزنطيين عن الأسوار تمكنوا من صد الهجوم العثماني, كما تمكنوا من صد موجة هجوم ثانية بعد ذلك بخمسة أيام.

وأوعز هذا الفشل إلى السلطان الفاتح بنقل مجموعة من المدافع العثمانية إلى مواجهة أكثر المناطق ضعفًا بأسوار القسطنطينية. وهي بوابة القديس رومانوس والأسوار الموجودة حولها. حيث ألحقت المدافع العثمانية خسائر فادحة بتلك المنطقة.

انتشار الأساطير

وأدرك المدافعون البيزنطيون وسكان القسطنطينية حرج موقفهم, وشعروا بدنو سقوط مدينتهم في قبضة الأتراك العثمانيين بعد تقاعس البابوية والغرب الأوربي عن مد يد العون والمساعدة للقسطنطينية. وكذلك بسبب ما أدركوه من محدودية عدد قواتهم مقارنة مع القوات العثمانية, التي بدت مصممة أكثر من أي وقت مضى على اقتحام ودخول القسطنطينية.

وانتشرت – نتيجة لذلك – لدى سكان المدينة الرؤى والأساطير القديمة التي تحدثت عن سقوط القسطنطينية في يد عدو قوي, وأن نهاية المدينة سوف تكون على عهد إمبراطور يدعى قسطنطين (وهو اسم الإمبراطور المعاصر لفتح القسطنطينية), كما راجت الرؤى الأسطورية القائلة بهبوط ملاك من السماء شاهرًا سيفه, ليقوم بتسليمه إلى أحد البيزنطيين البسطاء, من أجل تحرير المدينة, وطرد الأتراك العثمانيين.

على أي حال فإن الصمود البيزنطي دفع الأتراك العثمانيين لمضاعفة جهودهم العسكرية عبر استخدام طرق وأساليب قتالية جديدة لاقتحام القسطنطينية, من ذلك حفرهم للعديد من الأنفاق تحت أسوار المدينة بغية التسلل خلسة ومفاجأة القوات البيزنطية, ومن ثم اعتلاء الأسوار من الداخل.

وعلى الرغم من تكرار العثمانين لاستخدام أسلوب حفر الأنفاق, فقد حالت اليقظة البيزنطية دون نجاح الجنود العثمانيين في التسلل إلى داخل القسطنطينية, وقاموا بمفاجأة العثمانيين عبر إشعال النيران في الجهة المقابلة مما أدى إلى تعرضهم للاختناق والحرق.

وقرر محمد الفاتح ضرورة الإسراع بالقيام بالهجوم النهائي على القسطنطينية, وعقد مجلسًا حربيًا شرح فيه لقادة جيشه حال الضعف التي تمر بها الدفاعات البيزنطية, وذكرهم بالمجد الذي ينتظرهم عندما ينجحون في فتح القسطنطينية, ولم ينس أن يذكرهم بأنه سوف يكون في مقدمة موجات الهجوم النهائي الكبير, الذي قرر السلطان الفاتح أن يقوم به ليلة التاسع والعشرين من مايو 1453م, كما قرر أن يترك المدينة – بعد فتحها – تحت رحمة جنوده لمدة ثلاثة أيام, وبالنسبة إليه فإنه سوف يكتفي فقط بالحصول على المدينة ومبانيها.

وبالفعل شن العثمانيون هجومهم النهائي فجر التاسع والعشرين من مايو مستخدمين كل أساليب القتال اللازمة. فقد أمطرت مدافعهم أسوار المدينة وبواباتها بآلاف القذائف.

وهاجم المشاة العثمانيون المؤلفون من صفوة جنود الانكشارية والعزبان أسوار القسطنطينية عبر استخدامهم لمئات السلالم التي صنعت من الحبال والأخشاب. ونجح العديد من الانكشارية والعزبان – الذين شهدت لهم المصادر البيزنطية واللاتينية بالبسالة والشجاعة الفائقة – في اعتلاء الأسوار, ومهاجمة القوات البيزنطية, ومن ثم اقتحام القسطنطينية, والنفاذ إلى شوارعها, حيث قاموا بفتح بوابات المدينة أمام باقي الجنود العثمانيين الذين اندفعوا نحو القسطنطينية, فقد أخمدوا باقي المقاومة البيزنطية, ولقي الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الحادي عشر مصرعه, تحت أقدام الهجوم العسكري العثماني الكاسح.

الفرحة تعم

وهكذا نجح العثمانيون بقيادة محمد الفاتح في فتح القسطنطينية يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857 هـ – 29 مايو 1453م. وقام السلطان محمد الفاتح بدخول المدينة يوم فتحها ظهرًا. تحيط به قواته, وقدم نحو كنيسة أيا صوفيا, أعظم الكنائس البيزنطية, مبديًا إعجابه بعمارتها, وقام باستدعاء أحد الشيوخ الأتراك لإقامة الصلاة الأولى في مسجد أيا صوفيا الجديد.

وعمت الفرحة العالم الإسلامي نتيجة نجاح العثمانيين في فتح القسطنطينية. وأعلن المماليك في مصر والشام ابتهاجهم بما حدث, وأرسلوا للسلطان محمد الفاتح وفدًا يهنئه بنجاحه في فتح القسطنطينية), هذا النصر الذي منّ الله تعالى به على المسلمين. كما أرسل العديد من الحكام المسلمين, كسلطان الهند الجنوبية البهمني, وآخرين سفراء إلى القسطنطينية لتهنئة الفاتح بنصره المجيد.

وعلى الصعيد الديني أدركت البابوية حجم الكارثة التي ألمت بالقسطنطينية, فدعا البابا نيقولا الخامس في سبتمبر 1453م إلى القيام بحملة صليبية لاستعادة مدينة القسطنطينية من قبضة الأتراك العثمانيين, وفرض ضريبة العشر للإنفاق على الحملة. لكن عدم تحمّس الدول الأوربية وخوفها من استثارة غضب العثمانيين وأد هذه الفكرة في مهدها.

التعليقات