اليهود فى ظل الحضارة العربية الإسلامية – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أغسطس 6, 2014 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم
0 Flares 0 Flares ×

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن جانب مهم من جوانب العلاقة بين المسلمين واليهود فى إطار الحضارة العربية الإسلامية ؛ سواء من الناحية القانونية أو الاجتماعية , أو الفكرية .ومن المهم أن نلاحظ فى هذا المقام أن اليهود أتباع ديانة شأنهم شأن أتباع الديانات الأخرى ؛بمعنى أنهم ليسوا قومية أو جماعة عرقية . ومن ثم , تعامل المسلمون معهم على أساس أنهم رعايا من أهل الذمة .

وينضوى موقف المسلمين من اليهود فى البلاد الإسلامية تحت الموقف الإسلامى العام من “الآخر” الدينى ؛ أى أن اليهود من الناحية القانونية قد عوملوا باعتبارهم من “ أهل الذمة “ , وهو الوضع القانونى للرعايا غير المسلمين فى الدولة الإسلامية آنذاك . وقد حددت الشريعة الإسلامية الوضع القانونى لأهل الذمة ,وبينت واجباتهم وحقوقهم على أساس ما جاء فى القرآن الكريم : “ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر, ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله , ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون “ (1) ويرى بعض المفسرين أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يؤمنون بوحدانية الله حقا , ولكنهم كفروا بما جاء به محمد , عليه الصلاة والسلام , ومن ثم لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ؛ لأن الإيمان بالرسل إيمان بالمرسل . وهم بذلك يتبعون أهواءهم , ولذا يجب أن يعطوا الجزية (2) وقد كانت الجزية فى رأى الفقهاء الشرط الأسا سى لبقاء أهل الذمة فى ديار الإسلام تحت حماية المسلمين . ويأتى الاشتقاق اللغوى لكلمة “ الجزية”من “ الجزاء”بمعنى أن أهل الذمة يدفعون هذه الجزية “جزاء” تأمينهم فى دار الإسلام والدفاع عنهم وعن أموالهم وحماية أولادهم ضد العدوان الخارجى أو الداخلى .(3)

وقد أسهب الفقهاء فى مناقشة “عقد الذمة” , ومقدار الجزية ,وتفصيلاتها , كما حددوا الضرائب الأخرى التى كان على الرعايا من غير المسلمين أن يدفعوها (4) ومن المهم هنا أن نلاحظ أن نصوص الفقهاء كانت دائما أقوى من تطبيقاتها .

ومن الناحية العملية ,كان لأهل الذمة أن ينظموا الشئون الداخلية لجماعاتهم بالكيفية التى تلائمهم؛ فإذا لجأوا إلى حاكم مسلم كان عليهم أن ينصاعوا لحكمه وفقا للشريعة الإسلامية . (5) ويلفت النظر فى هذا المقام أن القرآن الكريم أحل تبادل الطعام بين المسلمين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى(6)كما أن كتابات الفقهاء تميل بصفة عامة إلى الموافقة على الممارسات الاجتماعية التى تؤدى إلى إقامة العلاقات الودية مع أهل الذمة ودمجهم فى المجتمع .(7)

وإذا كانت السطور السابقة قد حددت الإطار العام الذى استقر فيه الوضع القانونى لأهل الذمة , ومنهم اليهود بطبيعة الحال , فى ظل الحضارة العربية الإسلامية ؛ فإننا ينبغى أن نضع فى اعتبارنا أن نصوص التشريعات والقوانين لا تصنع حركة التاريخ الذى تصنعها الفعاليات البشرية على المستوى الاجتماعى والاقتصادى والثقافى والسياسى على أرض الواقع الذى يعيشه الناس فى حياتهم اليومية . ذلك أن القوانين والتشريعات تنشد الحال المثلى التى يجب أن تكون عليها الأمور ولكن الواقع التاريخى له منطق آخر تحكمه الحقائق لا التصورات . ومن هذا المنطلق نجد أن أوضاع اليهود فى ظل الحضارة العربية الإسلامية كانت محكومة بحقائق التاريخ أكثر من نصوص الفقهاء .

ومن ناحية أخرى ,فإن الجوانب المتعددة لأوضاع اليهود فى ظل الحضارة العربية الإسلامية تشير بوضوح إلى الحقيقة القائلة إنهم كانوا جزءا عضويا من الكل الحضارى . ولا بأس من أن نكرر القول بأن هذا كان نتاجا للموقف الإسلامى من “ الآخر الدينى “. إذ إن الإسلام لم ير فى الآخر عدوا ,ولم ير فى الاختلاف جريمة ينبغى معاقبة “الآخر” بسببها , أو حتى التسامح إزاءها ,(مثلما كان موقف الكنيسة الكاثوليكية فى العصور الوسطى تجاه الآخر الدينى حتى لو كان مسيحيا من مذهب آخر). فقد كانت آيات القرآن الكريم واضحة تماما فى موقفها من “الآخر الدينى “ والتعامل معه (8)وهو ما أدى إلى توجيه تصرفات الدولة والمجتمع فى التعامل مع اليهود .صحيح أنه لم يكن هناك تطابق بين منطوق النص وحقائق الفعل التاريخى بصفة عامة ,ولكن الحكام والناس لم يكونوا قادرين على الخروج على تعاليم دينهم وكانوا يرون أن تصرفاتهم إزاء اليهود لم تكن خروجا على تعاليم الدين الإسلامى .

وقد أتاح هذا الموقف التفاعل المتبادل بين المسلمين وغير المسلمين فى المجتمعات الإسلامية المختلفة . وسوف نحاول فى هذه الورقة أن نرصد الجوانب التى تأثر فيها اليهود بالفكر الدينى الإسلامى ؛ باعتبار ذلك نموذجا للحوار الثقافى داخل إطار الحضارة الواحدة . ومن الثابت تاريخيا أن اليهود فى ظل الحضارة العربية الإسلامية لم يعيشوا فى جيتو اجتماعى , أو سكنى , أو حرفى , أو ثقافى : وهو ما أتاح لهم أن يؤثروا فى المجتمعات الإسلامية ويتأثروا بها . وبطبيعة الحال , لايمكن تتبع التأثير الذى تركه الفقهاء والفلاسفة المسلمون على الفكر الدينى اليهودى (فضلا عن مجالات التأثير الأخرى ) ؛ومن ثم فإننا سنكتفى برصد بعض الأمثلة الدالة التى تجسدت فى طائفة “القرائين” من ناحية ,وفى أفكار كل من “سعديا الفيومى “ و”موسى بن ميمون “ من ناحية أخرى .

ومنذ فتح المسلمون المنطقة الواقعة على الشواطىء الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط , وعلى شواطىء البحر الأحمر وساحل الخليج العربى ,بدأت مرحلة جديدة فى تاريخ الجماعات اليهودية فى تلك المناطق على كل المستويات . ونتيجة للموقف الذى اتخذه المسلمون تجاههم ,حسبما جاء فى السطور السابقة, تمكن اليهود من تنظيم جماعاتهم بشكل مستقل وصار لهم رئيس يتولى أمور الطائفة . ويذكر بعض المؤرخين أن الخليفة عمر بن الخطاب منح رئيس اليهود فى العراق لقب “رأس الجالوت “ وجعل له سلطة إدارة شئون اليهود فى الدولة الآسلامية .(9) ومن ناحية أخرى , لم تكن هناك قيود من جانب الدولة تخالف ما كان سائدا من الإجراءات والممارسات والتقاليد السياسية فى ذلك الزمان . وقد بقيت هذه الأحوال سائدة طوال حكم الدولة الأموية من عاصمتها دمشق , والدولة العباسية من عاصمتها بغداد . ولم يكن هناك شىء لافت للنظر فى علاقة الدولة برعاياها من اليهود سوى ما حدث فى عهد الخليفة المتوكل بالله العباسى (232-247هجرية) عندما أمر فى سنة 235 هجرية بفرض القيود على ملابس أهل الذمة فى سائر أنحاء الدولة العباسية ومنع عملهم فى الدواوين (10) ولكن الأمور لم تلبث أن عادت إلى سيرتها الأولى .

وفى مصر والأندلس كان الفتح الإسلامى فاتحة خير بالنسبة لليهود ؛ فقد كانوا أقلية منبوذة مضطهدة تحت حكم الفيزيقوط فى إسبانيا قبل الفتح , كما كانوا أقلية منبوذة أيضا تحت الحكم البيزنطى فى مصر . وبعد الفتح تحسنت أحوالهم كثيرا .وذكرت المصادر التاريخية أن عدد اليهود فى مصر عند الفتح الإسلامى كان حوالى أربعين ألفا فرضت عليهم الجزية (11) . بيد أن بعض الباحثين اليهود يرفعون العدد إلى أكثر من سبعين ألفا دونما أدلة مقنعة (12). وعلى أية حال , فإن هذه الأخبار التاريخية تساعدنا على تصور حجم الجماعة اليهودية المصرية غداة الفتح الإسلامى للبلاد وتقودنا إلى استنتاج أن هذه الجماعة كانت جماعة حضرية فى أساسها ولم تكن لها جذور أو انتماءات ريفية بسبب طبيعة البناء السكانى المصرى ؛ وهو ما أثر بالضرورة على أوضاع اليهود فى مصر طوال العصور التالية . ومن ناحية أخرى , فإن هناك أسبابا كثيرة تدعونا للظن بأن عدد اليهود قد زاد فى مصر بعد الإسلام نتيجة تحسن أوضاعهم القانونية والاجتماعية .

ويصدق هذا الكلام ,بشكل عام ,على اليهود فى العالم الإسلامى كله . فالثابت تاريخيا أنه فى غضون القرون الثلاثة الأولى بعد الإسلام جاءت جماعات يهودية كثيرة لتسكن المنطقة العربية لأسباب تتعلق بالمعاملة القانونية والسياسية التى عوملوا بها من ناحية ,وبسبب إمكانياتها وموقعها فى عالم ذلك الزمان من ناحية أخرى .وقد استقرمنهم عدد كبيرفى مصر. ومن الأمورالمثيرة للإنتباه فى هذا الصدد أن عددا كبيرا من يهود فلسطين آنذاك قد هاجروا من فلسطين إلى مصر هربا من “… المجرمين ذوى الشعر الرمادى …” (13). لقد كان موقف الإسلام من “الآخر الدينى “ وراء هذه الظاهرة إذ إن التسهيلات التى وفرتها البلاد الإسلامية ؛ باتساعها الجغرافى الشاسع , وإمكانياتها الاقتصادية الهائلة , والأجناس والثقاقفات المتنوعة التى ضمتها فى رحابها ,فرصا لم يسبق لها مثيل للمشاركة الاجتماعية والتجارية والثقافية من ناحية ,(14) كما تقبلهم المسلمون باعتبارهم من رعايا الدولة الإسلامية من ناحية أخرى . وكان التفاعل على جميع المستويات بين الجانبين . وكان نتاج هذا الموقف أن مارس اليهود حياتهم باعتبارهم من رعايا الدولة ,لا باعتبارهم غرباء ,بحيث استطاع علماؤهم أن ينتجوا الفكر الدينى الذى أعاد الحيوية إلى الديانة اليهودية بعد  طول ركود وبالشكل الذى جعل المتخصصين يطلقون على هذه الفترة من تاريخ الفكر الينى اليهودى فى المنطقة العربية اسم “العصر الجاؤونى”أو” عصر الجاؤونيم” ؛ أى العباقرة والمجددين(15) . ومن الواضح أن هذه الفترة التى امتدت من الفتح الإسلامى للعراق حتى منتصف القرن الحادى عشر تقريبا , كانت عصر تجديد حقيقى فى الفكر الدينى اليهودى بفعل تأثير الحيوية الثقافية والفكرية التى اتسمت بها البيئة الفكرية فى العالم الإسلامى عامة ,والعراق خاصة, وطوال تلك الفترة أخذ المفكرون اليهود يتجهون إلى التعمق فى الأمور الفلسفية لاسيما فيما يتعلق بالمعتقدات الدينية . ويرى كثير من الباحثين أن السبب فى هذا كان راجعا إلى تأثيرالمفكرين المسلمين , واطلاع اليهود على النتاج الفكرى العربى الغزير فى مجال الدين, والأدب ,والفلسفة , بفضل الحوار الثقافى الذى تجلى فى كثرة مجالس الأدب والفكر فى قصور الخلفاء والأمراء (16). ومن ناحية أخرى ,كانت نشاة الفرق المذهبية الإسلامية  , التى كانت بدورها نتاجا لجو الحوار والجدل الفكرى والثقافى , وراء ظهور بعض الفرق المذهبية اليهودية,وتطور الفكر الدينى لدى البعض الآخر.

والمثال الذى نقدمه فى هذه الدراسة هى فرقة “القرائين “ اليهودية ؛ثانية الفرق اليهودية من حيث عدد أتباعها ,وذات الأهمية الكبرى فى تاريخ الفكر الدينى اليهودى عامة.ويرى بعض الباحثين ترجع فى الأصل إلى أن هذه الفرقة لا تؤمن سوى بالتوراة ولا تؤمن بالمرويات الشفاهية التى يتضمنها التلمود (والتوراة تسمى عند اليهود “المقرا” أى المقروء ؛ وهو لفظ يقترب فى معناه من معنى كلمة القرآن) (17). وقد رفضت هذه الفرقة الروايات الشفوية الواردة فى المشناه والتلمود. والمشناه كلمة عبرية معناها الثانى ,أو المثنى . وهى عبارة عن المرويات الشفاهية التى تم تناقلها مشافهة بالعنعنة . ويعتبرها اليهود الربانون (وهم أكبر الفرق اليهودية عددا )المصدر الثانى للتشريع اليهودى بعد التوراة,ويطلقون عليها اسم التوراة الشفوية .ويعتقد الربانون انها سنة عن النبى موسى عليه السلام (18). أما الجمارا فهى تفسير للمشناه باللغة الآرامية (19)وتعنى هذه الكلمة “التكملة”؛ومن نص المشناه المكتوب باللغة العبرية ونص الجمارا الكتوب باللغة الآرامية اليهودية القريبة من السريانية ,يتكون التلمود .وقد حدث نتيجة أن شروح المشناه كانت نتاج بيئتين ثقافيتين مختلفتين :فى العراق وفى فلسطين , أن ظهر تلمودان :”التلمود الأورشليمى “ نسبة إلى القدس و”التلمود البابلى” نسبة على العراق (20) .

وكان القراءون فى مصر آنذاك الفرقة الثانية بعد الربانين من حيث العدد , ولكنهم كانوا اغنى منهم . وطلق أبناء هذه الفرقة على أنفسهم اسم “أهل الدعوة “ أو “أصحاب الدعوة”(21).ومن الراجح أن هذه الفرقة كانت نتيجة مباشرة للتأثيرالإسلامى , أو على الأقل طورت أفكارها ومذهبها نتيجة لهذا التأثير. إذ يرجع بعض الباحثين أصل هذه الفرقة إلى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى / الثامن الميلادى,عندما مات الحاخام الأكبر فى العراق ,والذى كان هو المسئول عن الحفاظ على التلمود بحكم منصبه ,دون أن يخلف من ذريته من يتولى منصبه .وكان أحق المرشحين لتولى المنصب حسب التقاليد اليهودية لمنصب رأس الجالوت ابن أخيه “عانان بن داود “الذى كان متأثرا بالفكر الإسلامى المعتزلى والذى عرف بميوله التحررية . وقد أدى هذا إلى معارضة اليهود المحافظين له ؛مما حعل المنصب يتخطاه إلى أخيه الأصغر “حنانيا”. وقد نتج عن هذا فتنة بين أنصار كل من الأخوين . وحاول أنصار عانان أن يستنجدوا بالخليفة العباسى أبى جعفر المنصور ,لكى يفرضه رئيسا على اليهود ولكن الخليفة آثر ترك المسألة لليهود لكى يحلوها فيما بينهم .وبعد عدة تطورات دعا عانان بن داود إلى مذهب يهودى جديد .

ولما كان العراق فى هذه الفترة يموج بتيارات حية من الحوار الفكرى والتفاعل الثقافى ,ويشهد ظهور العديد من الفرق والمذاهب الفلسفية والدينية ,فقد تأثر اليهود بهذه الأجواء الثقافية الحيوية , وتأثر بعضهم بفكر المعتزلة وأصحاب علم الكلام من المسلمين ؛ فأخذوا فى نقد تعاليم الربانين وتوجيه انتقاداتهم لتعاليم التلمود وأحكامه .وكان على رأس هذه الحركة ثلاثة من أحبار اليهود فى العراق هم: إفرايم ,وأليشع المعلم ,وحنوكة . ووجد هؤلاء الثلاثة فى حركة عانان بن داود والنزاع الذى نشب بينه وبين أخيه الأصغر حنانيا فرصتهم بسبب ما كان عانان يتمتع به من نفوذ ومكانة كبيرة بين اليهود آنذاك ونصبوه رئيسا لحركتهم . ومنذ ذلك الحين عرفوا باسم “القرائين” (22) .

ومن المعلوم  أن “علم الكلام “ قد ازدهرتماما فى القرن الثانى الهجرى /الثامن الميلادى , ولم يقف عند حد الجدل الفكرى بين السنة والشيعة , وإنما نشأت فرق إسلامية مهمة مثل المعتزلة وزعيمهم واصل بن عطاء الذى عاش فى العراق وتوفى بها قبل ظهور حركة عانان بن داود بسنوات قليلة . ومن الواضح أن عانان وأتباعه تأثروا كثيرا بموقف المعتزلة فيما يتعلق بعدم الأخذ بالحديث والتحرج من اعتباره مصدرا أساسيا من مصادر التشريع الإسلامى ؛ وهو ما كان يعنى أن المعتزلة اتخذوا موقفا يتسم بالحذر الشديد إزاء المرويات الشفاهية . وهنا يبدو واضحا أن عانان بن داود وفرقته قد تأثروا تماما بموقف المعتزلة ؛ إذ كان الأمر واضحا أمام عانان والقرائين تجاه المرويات الشفاهية التى يحويها التلمود . وقد عزز موقف عانان أن هذه المرويات الشفاهية الأصل التى يحويها التلمود لاتتصل بسند يرفعها إلى النبى موسى عليه السلام أو من جاء بعده من أنبياء بنى إسرائيل (23). ومن ناحية أخرى ,كان عانان بن داود عارف بالتلمود والكتابات القديمة التى عارضته ,كما كان عارفا بالأنجيل والقرآن الكريم (24) .ولا غرابة فى ذلك فقد كان الرجل ابنا للثقافة العربية الإسلامية فى التحليل الأخير .

وهناك باحث من القرائين هو الأستاذ مراد فرج , ذكر أن أصل فرقة اليهود القرائين يعود إلى فترة سابقة على ظهور الإسلام , وقبل ميلاد المسيح . وفى رأيه أن عانان قد تأثر بالمسلمين فى عدد من المسائل الدينية :مثل رد القرائين إلى الاعتماد على الهلال فى تحديد مواسمهم وأعيادهم مما زاد فى تباعدهم عن الربانين ؛فقد منع الأحبار الزواج فيم بين الفريقين . ولكن الدور الذى قام به عانان بن داود – على الرغم من أهميته – لم يكن الدور الأول فى الانقسام التاريخى بين اليهود الربانين واليهود القرائين؛ وإنما جاء متمما له .(25) ويؤكد المؤرخ تقى الدين المقريزى هذه الحقيقة بقوله إن العانانية فرقة أخرى غير القرائين الذين أرجع تاريخهم إلى فترة سابقة (26) ؛فهو يقول : “… وأما القراء فإنهم بنو مقرا – ومعنى مقرا الدعوة –وهم لا يعولون على البيت الثانى جملة .ودعوتهم إنما هى لما كان عليه العمل مدة البيت الأول , وكان يقال لهم “ أصحاب الدعوة الأولى “,وهم يحكمون نصوص التوراة ولايلتفتون إلى قول من خالفها ويقفون مع النص دون من سلف وهم مع الربانين من العداوة بحيث لايتناكحون , ولا يتجاورون , ولا يدخل بعضهم كنيس بعض… “

“ويقال للقرائين أيضا المبادية ؛ لأنهم كانوا يعملون مبادىء الشهورمن الاجتماع الكائن بين الشمس والقمر , ويقال لهم أيضا الأسمعية ؛ لأنهم يراعون العمل بنصوص التوراة دون العنل بالقياس والتقليد …”

“وأما العانانية فإنهم ينسبون إلى رأس الجالوت الذى قدم من المشرق فى أيام الخليفة أبى جعفر المنصور ومعه نسخ من المشناه الذى كتب من خط النبى موسى , وأنه رأى ما عليه اليهود من الربانيين والقرائين يخالف ما معه ,فتجرد لخلافهم , وطعن عليهم فى دينهم , وازدرى بهم . وكان عظيما عندهم يرون أنه من ولد داود عليه السلام , وعلى طريق فاضلة من الالنسك على مقتضى ملتهم ,بحيث أنه لو ظهر فى أيام عمارة البيت لكان نبيا , فلم يقدروا على مناظرته ,لما أوتى مع ماذكرنا من تقريب الخليفة له وإكرامه …”

هنا نجد المقريزى يؤكد وجهة نظر الباحثين والمؤرخين القرائين , بيد أنه يكشف أيضا عن مدى التأثير الإسلامى على هذه الفرقة اليهودية .ويبدو أن القرائين والعانانية قد اندمجوا فى كيان واحد بعد موت عانان . ومن ناحية أخرى , تشير دوائر المعارف اليهودية إلى أن فرقة القرائين قد انفصلت عن بقية اليهود بسبب موقفها من التلمود . وتشير إلى أن الباحثين القرائين وبعض المؤرخين يرجعون بتاريخها إلى جماعات يهودية مختلفة عاشت فى فترة المعبد الثانى (27). وعلى أية حال , فإن القرائين يبقون مثالا فذا على مدى التأثير الإسلامى فى الفكر الدينى اليهودى .

وعلى الرغم من أن بداية القرائين كانت فى العراق ,فإن عصرهم الذهبى كان فى فلسطين ومصر إبان العصر الفاطمى (القرنين الرابع والخامس الهجريين/العاشر والحادى عشر الميلاديين ).ومن المناسب أن نشير هنا إلى أوضاع اليهود فى ظل هذه الدولة تغيرت بشكتل جذرى حيث صارت لهم رئاسة مستقلة عن رئاسة العراق . ومن ناحية أخرى اشتد الصراع بين الربانيين واليهود القرائين على المستوى الدينى وأعلن أحبار كت طائفة منهما تكفير الأخرى ونجاستها وحرمانها من رحمة الله , ومنعوا الصلاة فى معابد كل منهما الأخرى . ولكن رئيس اليهود فى مصر كان من اليهود الربانيين منذ العصر الفاطمى حتى نهاية عصر سلاطين المماليك على أقل تقدير (28).ولكن الدولة كانت تعتبر رئيس اليهود من بين موظفيها الرسميين الذين تحاسبهم إذا ما فشلوا فى القيام بواجبهم حسبما تكشف الوثائق التى حفظتها المصادر التاريخية .

وقد انتقل مركز الثقل عند اليهود القرائين إلى مصر منذ ذلك الحين فصاعدا .وقد ذكر أحد الرحالة اليهود الذى زار مصر فى القرن التاسع الهجرى /الخامس عشر الميلادى , أنه لاحظ تقاربا شديدا بين القرائين والربانيين , وأن القواعد الخمس لذبح الحيوانات واحدة عند الجانبين . بيد أنه لاحظ أن القرائين يلتزمون بالتعليمات الواردة عن الخمر فى التوراة بصرامة شديدة ,ويتحرزون من استخدام العسل المستخرج من العنب ومن عصير العنب . وقد ذكر الرحالة “عوبديا “أن اليهود القرائين أكثر ثراء من اليهود الربانيين (29) .وربما كانت ظروف الحياة فى مصر وطبيعتها السبب الأساسى وراء التقارب الذى تحدث عنه الرحالة بين القرائين والربانيين ؛ ولكن التاريخ يخبرنا دائما أن نصوص التشريعات والقوانين دائما ما تكون أعلى صوتا من الواقع .وقد حفظت وثائق الجنيزا الكثير من الأدلة التى تؤكد أن أبناء الطائفتين كانوا يتزاوجون سويا ,وفى مثل هذه الزيجات كان هناك قدر من التنسيق فى صياغات تحول دون انتهاك معتقدات الزوج أو الزوجة (30)وهو ما يؤكد أن أقوال رجال الدين وفتاواهم لا يمكن  أن تكون مساوية , أو حتى معبرة , عن الواقع التاريخى.

 

وإذا كنا قد أوردنا الحديث عن القرائين باعتبارهم مثالا على التأثير الإسلامى فى المذاهب اليهودية ,فإن ظهور هذه الفرقة نفسها أشعل نوعا من المنافسة والجدل بين القرائين والربانيين كان بدوره انعكاسا للجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة من جهة ,كما أن اليهود من الجانبين استخدموا مناهج التفسير الإسلامية فى خضم هذا الجدل من ناحية أخرى .فقد ظهر فى مجتمع القرائين مدارس قوية هاجمت الربانيين بعنف ,ورد عليهم الربانيون بالعنف نفسه . وفى غمار هذا الجدل تجلى أثر العلوم الإسلامية واضحا على الفكر الدينى اليهودى “…وقد عظم هذا التأثيرأولا وقبل كل شىء فى ميدان الفكر الدينى والنظر الفلسفى…” و”…من الناحية الشكلية اتخذ اليهود لأنفسهم مناهج العرب العلمية فى فروع الدين , والأخلاقيات ,والنحو , وتفسير الكتاب المقدس . بل حتى فى ميدان الشريعة …”(31). لقد جاء التأثير الإسلامى فى العبادات اليهودية نفسه عن طريقين : أولا , إدخال عادات خاصة بالعبادة فى الإسلام لم تكن لها جذور فى التراث الدينى اليهودى . ثانيا ,إحياء عادات يهودية قديمة كانت قد اندثرت ثم عادت بتأثير الدين الإسلامى (32)ومن أهم العادات التى تنتمى إلى المجموعة الأولى أن اليهود “… اقتبسوا سائر أركان الوضوء ,نحو غسل الذراعين وماوراء الأذنين ومسح الرأس والاستنشاق …”,فضلا عن غسل الرجلين قبل الصلاة (33) عن المسلمين .ومن العادات اليهودية القديمة التى عادت من خلال الإصلاحات التى أدخلها الربانيون بتأثير البيئة الإسلامية المحيطة بهم “…السجود والجلوسعلى هيئة البارك , واستعمال القبلة وقت الجلوس ,ووقوف المصلين فى صفوف, وبسط اليدين … وقد نقلت من المسجد إلى الكنيس …”(34).

ومن ناحية أخرى ,فإن البيئة الفكرية والعلمية التى تميزت بالخصوبة والحيوية, والتى عرفها العالم الإسلامى بداية من القرن الثالث الهجرى / التاسع الميلادى , واستمرت عدة قرون بعد ذلك ,قد تركت آثارها الإيجابية على النتاج الفكرى الدينى لليهود فى شتى أرجاء العالم الإسلامى . ولدينا مثالان بارزان على التأثير الإسلامى فى ميدان التفسيروالشريعة اليهودية نفسها هما : “سعديا سعيد بن يوسف الفيومى “ المصرى الأصل و”موسى بن ميمون “ الأندلسى الأصل.

وقد نشأ سعديا الفيومى فى مدينة الفيوم بمصر كما يتضح من نسبة اسمه ,وكان مولده بها سنة 882ميلادية . وكانت مصر فى ذلك الحين ما تزال جزءا من الدولة العباسية رسميا ؛ وإن كانت تحت الحكم الفعلى للأسرة الطولونية(254-292هجرية /868-905م).وقد عاش حياته فيما بين الحكم الطولونى وعصر الولاة الثانى ,ثم الحكم الإخشيدى (323-358هجرية /935-969م), وامتدت حياته حوالى ستين سنة . ويرجح كثير من الباحثين أن يكون سعديا الفيومى قد درس العلوم الإسلامية إلى جانب اللغة العربية ؛فضلا عن التراث الدينى اليهودى الذى استوعبه جيدا . والدليل على هذا  أن سعديا الفيومى كتب الكثير من مؤلفاته باللغة العربية , وإن كان بعضها قد كتب بحروف عبرية اصطلح الباحثون حديثا على تسميتها “اليهودية العربية” (35) .وفى تصورنا أن اللغة العربية التى استخدمها اليهود آنذاك كانت واحدة من تجليات الحقيقة القائلة أن اليهود كانوا جزءا عضويا فى محيط الثقافة العربية الواسع ؛ ومن ثم فإنهم تخلوا عن اللغة الآرامية واللغة العبرية , واتخذوا اللغة العربية لغة للكتابة والإبداع الأدبى والفكرى (36)ومن الواضح أن اللغة العربية كانت بالنسبة لهم لغة الحياة اليومية ولغة العلم والثقافة على حد سواء ؛ولذلك كان لابد لمن يريد لكتابته الانتشار أن يكتب باللغة العربية . أما اليهودية العربية ,فكانت مرتبطة بالتراث الدين اليهودى إلى حد بعيد .(37)

ومن الثابت أن “سعديا الفيومى “غادرمصر صوب بغداد عن طريق فلسطين حيث قابل المؤرخ المسلم والمفسر ابن كثير . ومن بلاد الشام توجه إلى العراق حيث كان النزاع محتدما بين القرائين والربانيين . وعلى الرغم من اتساع شقة الخلاف بينهما لم يتدخل الخليفة (38) ولما كان سعديا الفيومى من اليهود الربانيين فقد آلى على نفسه أن يدافع عن مذهبهم في مواجهة هجوم القرائين مستخدما منهج المتكلمين المسلمين (39) وترك سعديا  تراثا فكريا كبيرا في هذه النواحى لا يهمنا منه في هذه الدراسة سوى التأثيرات الإسلامية التى يحملها . ففى مجال الأعمال اللغوية , كان حرص سعديا الفيومى على اللغة العبرية واضحا من ناحية , كما كان تأثير أعمال علماء اللغة العرب عليه واضحا من ناحية ثانية . وقد اتضح هذا التأثير في المقدمة التى كتبها لكتابه الذى يحمل عنوان “الشعر العبرانى” والذى كتبه بالعربية “…وكما يرون بنى اسماعيل (أى المسلمون)أنبعض خواصهم رأى قوما لايفصحون الكلام العربى,فغمه ذلك,فوضع لهم كلاما مختصرا في كتاب يستدلون به على الفصيح , كذلك رأيت كثيرا من بنى اسرائيل لا يبصرون مرسل فصيح لغتنا ,فكيف عويصه…. فولفت ذلك على ما وصفت وقد مضى إلى عشرين سنة …”(40).

وقد عمل سعديا على ترجمة أسفار العهد القديم إلى اللغة العربية لخدمة اليهود في العالم العربى ,والذين لم يكن أغلبهم يعرف العبرية أو الآرامية. وبدأ بأسفار التوراة . وعكست المقدمات التى كتبها لهذه الترجمات مدى الأثر الإسلامى في فكره ومعلوماته (41)وقد تأثر سعديا أيضا بعلم الأخلاق لدى طائفة المعتزلة المسلمين (42). ولأن الرجل عاش في فترة شهدت تراكما كميا هائلا وتحولا نوعيا في نتاج علم التفسير عند المسلمين ,وكان شطر كبير من هذا النتاج قائما على قواعد النحو والمنطق ؛ فإن الدارسين المتخصصين يلمسون أثر هذا بوضوح في كتاباته “…وليس هذا فحسب ,بل إنه بفحص المصادر الإسلامية أيضا يمكن تتمة أجزاء الجنيزا الناقصة بسبب الطمس والفراغات الموجودة في وثائق الجنيزا …”(43).ويضيق بنا المقام عن متابعة التفاصيل التى تبرهن على أن سعديا الفيومى كان أيضا من نتاج الثقافة العربية الاسلامية .ولا ضير من أن نكرر ما ذكرناه من قبل من أن اليهود أتباع دين وليسوا مجموعة عرقية أو قومية ؛وهو ما يعنى أيضا أن مفكريهم – حتى الذين تفرغوا للأمور الدينية – كانوا أبناء بيتهم شأنهم في ذلك شأن المسلمين والنصارى .ومن ناحية أخرى لم يكن سعدي الفيومى مثلا وحيدا أوفلتة شاذة بين اليهود آنذاك , ولكنه كان مثلا متكررا حسبما تشهد المصادر التاريخية وألتراث الذى وصلنا من تلك العصور بشكل عام.

ومن الأمثلة البارزة على ما ذكرناه الطبيب والفيلسوف اليهودى “موسى بن ميمون “ الذىولد بقرطبة في بلاد الأندلس سنة 1135م , وعاش حياة حافلة بين الأندلس والمغرب وفلسطين ومصر التى مات بها سنة 605هجرية /1204م .ودفن بالقرب من بحيرة طبرية في فلسطين حسب وصيته . ويرى الباحثون اليهود الربانيون أن الرجل كان “… الشخصية الفكرية البارزة في تاريخ الفكر اليهودى في العصور الوسطى …”(44)وتبدو في كتاباتهم عن موسى بن ميمون تلك المبالغات المعتادة في الكتابات اليهودية الحديثة عن كل ماهو يهودى . ولكن معاصريه من العلماء لم يكونوا ليشاطروا الباحثين اليهود المحدثين هذه المبالغات .إذ يقول عنه القفطى  : “… كان من أهل الأندلس ,يهودى النحلة ,قرأ علم الأوائل بالأندلس, وأخذ أشياء من المنطقيات ,وقرأ الطب هناك فأجاده علما ولم يكن له جسارة على العمل …”(45).وكان ابن ميمون قد اضطر إلى إعلان إسلامه بعد أن أمر عبد المؤمن بن على الكومى الموحدى عزمه على طرد النصارى واليهود من بلاده إن لم يعتنقوا الإسلام .وعندما لاحت الفرصة أمام ابن ميمون للهروب هرب سنة1148م , وبعد فترة من التجوال جاء إلى مصر سنة1165 م ؛ أى في السنوات الأخيرة من عمر الدولة الفاطمية .

وفى الفسطاط أفاد من ثروة أخيه ليتفرغ لدراسة الشرائع اليهودية . وعاش في الفسطاط التى كانت ماتزال العاصمة الحقيقية لمصر على حين كانت القاهرة ما تزال مقر الحكم وعندما سقطت الدولة الفاطمية ,صار صلاح الدين الأيوبى صاحب السلطة في مصر. وتم تعيين ابن ميمون طبيبا في البلاط ,وسمح له السلطان الرجوع الى اليهودية وقرر له القاضى الفاضل , وزير صلاح الدين , راتبا يعيش منه “…فكان يشارك الأطباء ,ولا ينفرد برأيه لقلة مشاركته , ولم يكن رفيقا في المعالجة والتدبير…” (46) ويقول ابن العبرى (47) إنه كان عارفا بشريعة اليهود ,عارفا أسرارها وصنف شرحا للتلمود, كما صنف كتابا في شريعة اليهود سماه دلالة الحائرين أو “الدلالة”وكان بعض اليهود يرونه جيدا على حين كان البعض الآخر يرونه سيئا ؛بل إن بعض اليهود في المناطق التى احتلها الصليبيون ؛ مثل أنطاكية وطرابلس كانوا يكفرون موسى بن ميمون بسبب هذا الكتاب (48) ومن الواضح أن تأثير هذا الكتاب على اليهود الربانيين في مصر كان عميقا لأن المقريزى (عاش في القرن الخامس عشر الميلادى)كتب : “…ولذلك لما نبغ فيهم موسى بن ميمون القرطبى عولوا على رأيه ,وعملوا بما في كتاب الدلالة ,وغيره من كتبه ,وهم على رأيه إلى زماننا …”(49)وقد تحدث عنه ابن أبى أصيبعة في عبارات مشابهة (50)كما أن إحدى وثائق الجنيزا وصفته بأنه “ الربى العظيم في اسرائيل”(51).

وفى كتاباته يكشف موسى بن ميمون عن مدى تأثير الفكر الإسلامى مرة أخرى على الفكر الدينى اليهودى ؛فقد كان عربى اللسان بطبيعة الحال ,وقدكتب تعليقه على المشناه بالعربية ,ومن الواضح في أعماله أنه كان متأثرا بعلم التوحيد وعلم الكلام عند المسلمين (54)وهو ما انعكس على مؤلفاته عن العقائد اليهودية التى وردت في شروحه للجزء الرابع من المشناه مثلا . كما أنه تأثر بالموقف الوسطى للأشاعرة (بين المعتزلة الذين قالوا بحرية الإنسان الذى يخلق أفعاله وموقف الجبرية الذين قالا إن الإنسان مسير لا مخير). وفى دلالة الحائرين تتجلى أفكار الأشاعرة مما جعله يختلف مع سلفه سعديا الفيومى (53). وهكذا كان موسى بن ميمون نتجا للثقافة العربية الإسلامية في شخصه وفى أفكاره على حد سواء ,فقد ولد بالأندلس وتنقل بين المغرب وفلسطين ومصر واحتك بالعلماء والمفكرين المسلمين وأخذ عنهم وعمل معهم .

ومثلما يصدق هذا على موسى بن ميمون وسعديا الفيومى من قبله , يصدق على جميع المفكرين ولأطباء ةالشعراء اليهود الذين عاشوا في ظل الحضارة العربية الإسلامية ؛فقد أتاحت لهم الفرصة لإظهار مواهبهم في خدمة الجماعة اليهودية من ناحية , وخدمة المجتمعات الأوسع في بلدان العالم الإسلامى من ناحية أخرى .ففى مصر , مثلا , شارك اليهود المصريون مشاركة إيجابية في الأحداث التاريخية التى مرت بالبلاد ؛سياسيا , واقتصاديا , واجتماعيا , وفكريا .فقد كانوا جزءا عضويا من المجتمع المصرى يتأثرون بالأحداث الجارية عليه , ويخضعون للظواهر نفسها التى شكلت قسمات الحياة المصرية آنذاك .(54)

وتنسحب هذه الحقيقة أيضا على اليهود في كافة المجتمعات الإسلامية في تلك العصور. وإذا نظرنا إلى الحالة الأندلسية , مثلا ,وجدنا هذه الحقيقة واضحة جلية ؛ حيث عاش اليهود باعتبارهم رعايا داخل الإطار العام للبيئة الأندلسية , وكانت هناك مراكز للفكر الدينى اليهودى في المدن الأندلسية الكبرى . ولعل التأثير العربى على الشعر اليهودى في تلك البلاد آنذاك يكشف عن هذه الحقيقة بقدر ما يجسدها .(55)

***

والخلاصة أن التفاعل بين اليهود والمسلمين في إطار الحضارة العربية الإسلامية كان تفا عل حياة تلقائيا بين رعايا يعيشون في إطار سياسى واحد على أرض واحدة دون تدخل من طرف خارجى يزعم لنفسه حق تمثيل فئة دون الفئات الأخرى , ويمارس هذه الوصاية القسرية على نحو ما تفعل الدولة الصهيونية الآن . ومن هنا فإن وجود هذا الكيان العنصرى العدوانى تسبب في الحيلولة دون التفاعل الإيجابى على أساس من التعاون الإنسانى والاعتماد المتبادل بين الطرفين مثلما كان الحال قبل ظهور الكيان الصهيونى بخصائصه العدوانية التى خلقت ذاكرة تاريخية تصطبغ بالدماء بين العرب مسلمين ومسيحيين من ناحية ,وبين اليهود الذين تحتكر الدولة العنصرية العدوانية التحدث باسهم من ناحية أخرى .

********************************************

هوامش الدراسة :

سورة التوبة : آية29 .

ابن كثير,تفسير القرآن العظيم (القاهرة 1964) , ج3 , ص346-ص348؛الماوردى ,الأحكام السلطانية , (القاهرة 1298هجرية) ,ص136-137.

الماوردى , الأحكام ,ص137؛ ابن قيم الجوزية (نشره صبحى الصالح , دمشق 1961) , ج1, ص22؛ النويرى ,نهاية الأرب في فنون الأدب , ج8, ص234-ص236؛ الخالدى , المقصد الرفيع المنشا الحاوى إلى صناعة الإنشا, (مخطوط رقم 42045بجامعة القاهرة ) , ورقة 317-318.

قاسم عبده قاسم , أهل الذمة في مصر , (دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية 2003) , ص22-ص29 حيث ترد مناقشة تفصيلية للموضوع .

الماوردى , الأحكام , ص139 .

سورة المائدة : آية 5 “ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ,وطعامكم حل لهم “

ابن قيم الجوزية ,ج1 , ص200-ص206, ص244-ص245.

سورة آل عمران : آية 20, وآية64 ؛ وسورة البقرة : آية137 , وآية256 ؛سورة الشورى : آية 15 ؛ وسورة العنكبوت : آية 46 .

عبد الرازق أحمد قنديل , المواريث في اليهودية والإسلام – دراسة مقارنة (مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة 2008) ,ص12-ص13 .

الطبرى ,تاريخ الرسل والملوك (طبعة دار المعارف الرابعة ) , ج9 ,ص171-ص175 .

عبد الرحمن بن عبد الحكم , فتوح مصر وأخبارها (تحقيق تشارلز تورى , ليدن 1930 ) ,ص82 . وقد وافقه في هذا التقرير كل من سعيد بن البطريق, ( التاريخ المجموع على التصديق والتحقيق , بيروت 1908) ,ص26؛ وابن ظهيرة , الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة , (نشره مصطفى السقا وكامل المهندس ,القاهرة 1969) و ص99.

Mann , J., The Jews in Egypt and Palestine under The Fatimid Caliphate ,( Oxford ,1945), pp.ff.

Mark R. Cohen , Jewish Self ñGovernment in Medieval Egypt ,( Princeton University Press,1980) ,p.5,

Ashtor, E.,” Prolegomena to the Medieval History of O riental Jewry “, in : Ashtor(ed.) , The Jews and Mediterranean Economy , ( London ,1983) ,pp.55-56.

عبد الرازق قنديل , أثر الشعر العربى في الشعر العبرى الأندلسى (مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة 2002) , ص21- ص 23.

نفسه ,ص22 – ص23.

حسن ظاظا , الفكرالدينى الإسرائيلى – أطواره ومذاهبه , ( معهد البحوث والدراسات العربية 1971) , ص295 .

ظلت المشناه متداولة شفاهيا حتى دونها يهودا الناسى خوفا من اندثارها في ستة أسفار . أنظر : مراد فرج , القراءون والربانون , ( القاهرة 1918) , ص36- ص41 ؛ حسن ظاظا , الفكر الدينى , ص78- ص94 ؛ على عبد الواحد وافى , اليهود واليهودية , (القاهرة 1970 ) , ص23 ؛ قاسم عبده قاسم , اليهود في مصر , (دار الشروق 1993) , ص 44- ص59 .

حسن ظاظا , الفكر الدينى , ص95 .

“ التلمود “ كلمة عبرية  مشتقة من المصدر العبرى “لمد “, ومنها “ تلميد “ ومعناها بالعربية “ تلميذ “؛ لأنه يعلم اليهود الفقه والدين وتفسير التوراة . انظر : مراد فرج , القراءون والربانون , ص36- ص41 ؛حسن ظاظا , الفكر الدينى , ص95 – ص108 .

مراد فرج , القراءون والربانون , ص 48- ص49 .

عزرا حداد , الترجمة العربية لرحلة بنيامين التطيلى (بغداد 1381هجرية ) , ص192 , ملحق رقم 1 .

حسن ظاظا , الفكر الدينى ,ص298 – ص299 .

نفسه , ص299.

مراد فرج , القراءون والربانو ن , ص43؛ قاسم ,اليهود ,ص49 – ص52 .

المقريزى , الخطط ,(تحقيق أيمن فؤاد سيد , مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامى , لندن 1424 هجرية /2003م) , ج 4,ص954 – ص955 ؛أنظر أيضا :تاريخ ابن الوردى ,تتمة المختصر في تاريخ البشر ,(القاهرة 1285هجرية ) , ج1 ً77 ؛ القلقشندى , صبح الأعشى في صناعة الإنشا ,(طبعة دار الكتب المصرية , القاهرة 1913) ,ج13 ,ص253 – ص257.

Universal Jewish Encyclopedia , art. “Karaites”, vol.3 ,pp.314-318; The Encyclopedia of Judaism , (ed. Geoffrey Wigoder ,The Jerusalem Publishing House ,1989) ,pp.506-507, art. Karaites

القلقشندى , صبح الأعشى , ج11 ,ص385- ص392 .

Adler,(ed.),Jewish Travellers ,(London ,n.d.) ,pp.226-228.

Goitein,S.D., A Mediterranean Society – The Jewish Communities of The Arab World as portrayed in the documents of Cairo Geneza,( University of California Press, 1967-1978),vol.2, pp.7-ff.

نفتالى فيدر ,التأثيرات الإسلامية في العبادة اليهودية , (ترجمة محمد سالم الجرح , مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة 2001) , ص9-ص 12.

موشيه مردخاى تسوكر , التأثير الإسلامى في التفاسير اليهودية الوسيطة , (ترجمة أحمد محمود هويدى , مراجعة محمد خليفة حسن , مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة 2003) , ص14-ص 15

نفتالى فيدر, المرجع السابق ,ص24- ص31.

نفسه , ص31- ص38 .

قنديل , المواريث ,ص20 .

Finkelstein, L.(ed.) ,The Jews : their history , culture, and religion ,(3rd.ed., New York ) ,vol. 1,pp.118-199.

قاسم ,اليهود ,ص121- ص126.

قنديل ,المواريث ,ص22.

نفسه, ص24- ص25 .

نفسه , ص30.

قنديل ,أثر الشعر العربى ,ص29- ص30

تسوكر , التأثير الإسلامى ,ص25- ص26 .

نفسه ,ص44.

The Encyclopedia of Judaism, art. Maimonides, pp.452-455.

القفطى ,كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء ,(مكتبة المتنبى , القاهرة د.ت. ),ص209- ص210.

نفسه ,210.

ابن العبرى ,تاريخ مختصر الدول ,(تحقيق خليل المنصور دار الكتب العلمية ,بيروت 1997 ) , ص207- ص209 .

نفسه , ص209 .

الخطط المقريزية , ج4 ,ص952 . وقد عاش المقريزى في القرن الخامس عشر الميلادى .

ابن أبى أصيبعة , عيون الأنباء في طبقات الأطباء , (نشره نزار رضا , بيروت 1965 ) ,ص582- ص583 .

Mann , The Jews ,vol. 1,pp.245-247.

حسن ظاظا , الفكر الدينى ,ص159- ص160 .

نفسه ,ص 161- ص164 .

قاسم , اليهود , ص87- ص126 .

قنديل , أثر الشعر العربى , ص79 وما بعدها .

 

 

التعليقات